ستونر


في السبعينات الميلادية نشر الروائي الأمريكي كورت فونيجت عمله الأشهر: المسلخ الخامس. هذا العمل الأدبي بمثابة هجائية هزلية ضد الحروب والقتل، وتحديداً في أشد لحظات الحرب العالمية الثانية عبثية، المتمثلة بقصف مدينة درسدن الألمانية. إنه لأمر مثير للاهتمام أن تقوم بعمل هجائي ضد الحرب والقتل وسفك الدماء، خصوصاً لو كان الروائي شاهداً على ما يريد الكتابة عنه، بأن يكون ضمن الجيش في هذه المدينة أو مراسل صحفي يغطي الأخبار في المناطق الساخنة. لكن المفارقة هنا بأن هذه الهجائية الهزلية تحمل طابع كوميدي ساخر للغاية في محيط مكاني وزماني لا يعرف طعم السخرية أو الكوميديا. وكيف تقوم بالتعليق على قصف عنيف ودموي عبر حوارات ساخرة، وانتقال للزمن، كأن ينتقل البطل من الحرب العالمية الثانية إلى ما قبل الحرب، ثم يقذف بعيداً بعد سنوات طويلة من الحرب، وبين هذا التقلب والانتقال الزمني يعيش بطل العمل الأدبي تكرار للأحداث، تكرار للموت، تكرار للقصف. وفوق هذا التكرار يغادر خارج النطاق الكوني مسافراً خارج الكرة الأرضية ليقابل كائنات فضائية، تسخر وتستغرب من هذا الإنسان الذي يشعل الحروب في هذه الكرة الأرضية.

الأدب لا يحمل ثيمة واحدة، ليس جامداً. لا يسير على قوانين رياضية منطقية. وهذا ما يجعل الأدب على مر العصور مرآة معبرة للإنسان. إنه متغير، يتكيف في هذه البيئة ويعبر عنها، وينقله إلى الخارج. يتلقاه القريب والبعيد. وقد يحدث التفاعل وقد لا يحدث. المهم هو أن هناك شيء قد ظهر؛ قد يحمل فلسفات أو أفكار جمالية أو سياسية، أو حتى دعوة عبثية أو فوضوية. إنه مكتوب من روح تحمل خصائص خاصة، تريد المشاركة، أو الحوار، أو حتى الحرب والكره والسخرية. حركة دائمة ليس لها ثبات.

إذا لم يكن بالإمكان مهاجمة الحرب بقوة بحيث تظهر بشاعتها للعالم أجمع وتجعل الجميع يتوقفون عن هذه الأعمال البشعة، إذا كانت الحروب ستستمر للأبد، متى ما كان هناك بشر وتنافس، سوف تأتي الحروب ولن تتوقف للأبد. إذا كانت مثل هذه الأمور قائمة ولم يستطع لا أدب أو فكر إيقافها، لماذا لا نحول هذه الحروب إلى مساحة للضحك؟ الحياة بأكملها تصبح مسرحية هزلية كبرى، يتنافس عليها الساخرون. الضحك كحل أخير ونهائي في مواجهة كل عبث في هذه الحياة. المسلخ الخامس لكورت فونيجت وأعمال أدبية أخرى لعدة روائيين أمريكيين أصبحت مرآة للضحك تجاه هذا العبث. وسيسير الأدب في طريق الضحك والكوميديا الساخرة في محاولة لتحطيم هذا الرعب عبر الضحك. يقول فونيجت بأن الضحك ينبع من الخوف: لقد رأيتُ تدميرَ مدينة درسدن، رأيتُ هذه المدينة قبل الغارات الجوية وبعدها، وبالتأكيد كانت ردة فعلي هي الضحك؛ الله وحده يعلم سببها، كان ضحكًا للروح الناجية من الموت.

رواية كورت فونيجت رائعة لكنها تعصف بالذهن، لكثرة تنقلاتها الزمنية والسرد الذي يتقافز من زمن لآخر بلمح البصر. إذا كان الأدب المسيطر في تلك الفترة هو الأدب الساخر والهجائي، قد يحدث أن تنشر أعمال روائية أدبية تنتمي للحقبة الكلاسيكية من القرن الماضي، أدب واقعي مباشر، لا مجال فيه لعدم المركزية أو عدم الوضوح. لكن ماذا سيكون مصيرها أمام هذا الكم الهائل من الموجه الساخرة؟ ثم أن نشر عمل ينتمي للحقبة الكلاسيكية قد لا يثير أي رد فعل جماهيري إذ أن الساحة الآن ملك مطلق لعدة تيارات أدبية من جيل الضياع إلى جيل الساخرين والمتشائمين والحداثة وما بعد الحداثة وغيرهم.

في منتصف الستينات من القرن الماضي نشر الروائي الأمريكي جون ويليامز رواية ستونر. مرت الرواية بسلام، دون أي أثر واضح. تم بيع عدة نسخ منها، وفازت بجائزة مناصفة مع كاتب آخر. ثم رحل كاتب ستونر بعد عدة سنوات تاركاً وراءه ستونر ورواية أغسطس وتقاطع بوتشر، وعدة كتب قليلة. بعد سنوات من رحيله، وفي هذه الفترة من القرن الواحد والعشرين ارتفعت أعمال جون ويليامز مرة أخرى حتى أصبحت رواية ستونر من أكثر الأعمال الروائية مبيعاً في أمريكا. ما الذي بعث ستونر مرة أخرى ليظهر على أرفف المكتبات بعد غياب يقارب الأربعين؟
إقرأ المزيد

نُشِرت في أدب أمريكي | 4 تعليقات

كهف ساراماغو


في تلك اللحظة التي ستبقى فيها عيناك تتطلع إلى الجدار، إلى ما صنعته يد الإنسان، حينها سيبدأ الموت. موت الإنسان.

في جمهورية أفلاطون يخاطب سقراط محاوره جلوكون بهذا التصور: تخيل طائفة من الناس تعيش في كهف سفلي، يدخله النور من باب، وقد سُجن فيه هؤلاء الأقوام منذ نعومة أظافرهم، والسلاسل في أعناقهم وأرجلهم، فاضطرتهم إلى الجمود والنظر إلى الأمام فقط، لحيلولة الأغلال دون التفاتهم، ثم تصور أن وراءهم ناراً ملتهبة في موضع أعلى من موقفهم، وأن بينهم وبينها دكة عليها جدار منخفض كسياج المشعوذين الذين ينصبونه تجاه مشاهديهم وعليه يجرون ألعابهم المدهشة. ولتتصور رجالاً يحملون شتى أنواع الأدوات الصناعية التي تعلوا على الجدار، وتشمل أشكالاً للناس والحيوانات وغيرها، صنعت من الحجر أو الخشب أو غيرها من المواد، وطبيعي أن يكون بين حملة هذه الأشكال من يتكلم ومن لا يقول شيئاً. يرد جلوكون على سقراط وهو مأخوذ بهذا الوصف ومصدوم: إنها حقاً لصورة عجيبة، تصف نوعاً غريباً من السجناء. غير أن رد سقراط كان واضحاً ومباشراً: إنهم يشبهوننا! ذلك لأن السجناء في مواقعهم لا يرون من أنفسهم ومن جيرانهم شيئاً غير الظلال التي تلقيها النار على الجدار المواجه لهم من الكهف، لا يعرفون من الحقيقة في كل شيء إلا ظلال الأشياء المصنوعة.

بعد قرون، سيأتي الروائي جوزيه ساراماغو ليرسم صورة لإنسان الكهف في العصر الحديث، وسيقول مثلما قال سقراط: إنهم يشبهوننا.
إقرأ المزيد

نُشِرت في جوزيه ساراماغو | تعليق واحد

الحرب الأهلية: تحت ظلال جيتيسبيرغ


بعد إقرار الدستور الأمريكي صيف 1787 في فيلادلفيا وانتخاب جورج واشنطن رئيساً للولايات المتحدة الجديدة، لم يطرأ أي حدث ذو تأثير ضخم يؤثر في مجرى الولايات المتحدة الجديدة. كانت دولة في طور التأسيس الاتحادي بعد التحرير ومتاعب الكونفدرالية الصعبة. جاء بعد واشنطن ثلاثة رؤساء كلهم من جيل القادة المؤسسين: جون آدامز الذي كان أول نائب رئيس للولايات، وكان ممثل المؤتمر القاري أيام الثورة في بلاط الملك الفرنسي لويس. ثم جاء بعده توماس جيفرسون، وهو كاتب خطاب الاستقلال وممثل المؤتمر القاري في باريس أيام الثورة كذلك. كان هناك نوع من الخوف في الدخول في صدام مع فرنسا على زمن حكم آدامز، وكانت هناك مشاكل تتعلق بالاقتصاد والتجارة والعملات وسعر الفوائد. رغم حدة بعض هذه المشاكل إلا أنها مشاكل طبيعية تحدث في أي دولة كانت.

كان هناك من ينتظر أن تنطلق الشرارة حتى يتحرك ويشير إلى الخلل الأكبر واللعنة الكبرى في الدستور الأمريكي. إن دستوراً أشار أحد قادته المؤسسين أن كل الناس ولدوا متساويين، يجب أن تأخذ هذه الجملة مكانها الطبيعي على أرض الواقع، أي أن يكون الناس كلهم متساويين. لكن الدستور احتوى في بعض مواده -دون الإشارة صراحة إلى كلمة العبودية-إلى الاستمرار في الرق وحماية استمراريته، بل إن بعض أعضاء المؤتمر الذي حاربوا في سبيل تدعيم أسس الرق، تبجح بانتصاره وحمايته لتدفق المزيد من العبيد من أفريقيا إلى الولايات المتحدة الأمريكية الجديدة. كان هناك معارضون لهذه المواد. لكن المساومات-ومن أجل إتمام دستور يجمع ويوحد-قادهم إلى إسقاط معارضتهم وتبني هذه المواد.

لكن إقرار الدستور والتصديق عليه لن يوقف إنتشار الفكرة. كان الحوار بين أعضاء المؤتمر حول الدستور وكل مواده من قضاء وحكم وتشريع وحقوق وتجارة وانتخاب. كل هذه تم تسويتها والاتفاق عليها، بل إن بعضها استمر لزمن طويل ومر بعدة تعديلات، لكن المواد الخاصة بالعبودية تحتاج لعلاج من نوع خاص. إما أن يرتقي البشر لمصاف الكائنات المقدسة ويعلنون رفضهم لكل أشكال الظلم والقهر والعبودية، وهذا لن يحدث بالطبع، أو أن يُسفك الدم بين بني البشر، وهذا الحل هو الأقرب للواقعية.

لأكثر من ستين سنة احتفظ الدستور بفكرة الشر هذه حتى انطلقت شرارة الدم الأولى. لكن قبل أن تُطلق شرارة الدم: كيف كانت سيرة الرق والتحرير والعبودية؟ ظلت فكرة العبودية تدور بين رجال الدين الرافضين لهذا الشر، وبين بعض رجال الحقوق والمحاماة. تنتشر بين أرجاء الشعب لعدة عقود: في الصحافة والتجمعات الانتخابية. بعض رجال السياسة يغيرون رأيهم: خارج اللعبة السياسية رافضين تماماً، وداخل حلبة الصراع بين وبين. يرفضون لكن يسعون لإلغائه تدريجياً.

سيرة الفكرة تحتاج لتأريخ يضم النصوص الأدبية والقصائد والرسائل والخطابات والأحداث والمواقف وإحصائيات دقيقة ومعرفة لطريقة النظام القضائي والتشريعي في كل ولاية وعلاقته مع العبودية. قد يكون مثل هذا التأريخ مشروعاً ضخماً يؤرخ لجيل كامل. من الصعب تحت هذه الظروف الاطلاع بشكل كامل على تاريخ الفكرة لضخامة المادة. إن كنت سأكتب سيرة قصيرة لفكرة الرق والعبودية، فهي ستبدأ بالطبع بعد اثنين وعشرين سنة من إقرار الدستور الأمريكي، في ولاية كنتكي تحديداً حيث ولد الصبي الذي سيغير معالم القارة الأمريكية: أبراهام لنكولن. هذا الاختيار بلا شك يعود إلى أن هذا الرجل كان رئيساً للولايات المتحدة في أشد سنوات وجودها حرجاً وموتاً، وحين وصلت العبودية إلى حدها الأقصى، فأصبحت مهددة للدستور ووحدة الدولة واتحادها القاري دفعة واحدة. ولكن قبل الدخول في معمعة الحرب الأهلية: من هو أبراهام لنكولن؟
إقرأ المزيد

نُشِرت في أدب أمريكي, تاريخ | 4 تعليقات

الطريق


في سبتمبر 1933م تلقى مارتن هيدغر الذي كان يشغل منصب عميد جامعة فرايبورغ، عرضاً بتعيينه أستاذاً للفلسفة في جامعة برلين. رفض هذا العرض وكتب مقالة بعنوان الغابة السوداء يفسر من خلالها سبب رفضه. المقالة أشبه بقصة قصيرة، نص تأملي يمجد حياة الريف وأجواء الطبيعة وعمل الفلاحين. يبدأ من البيت الريفي إلى الغابة الممتدة، والتي تغطيها سماء صيفية صافية، في فضائها المشع يرتفع صقران وهما يرسمان دوائر واسعة. إنه –أي هيدغر_ في هذا المكان الطبيعي لا يتأمل المنظر المحيط به، بل يشعر ويحس بتحولاته من آن لآخر، من الليل إلى النهار. وفي ليل الشتاء العمق تتفجر عاصفة ثلجية حول البيت الريفي، وتأخذ في تغطية كل شيء، عندئذ يبدأ زمن الفلسفة؛ يصبح سؤالها بسيطاً وأساسياً، إذ أنه صياغة كل فكرة حسب تصوره لا يمكن أن تكون إلا قاسية وقاطعة، والجهد الذي تتطلبه قوة الكلمات شبيه بصمود أشجار التنوب التي تنتصب أمام العاصفة. هيدغر يرفض مغادرة هذا المكان البسيط في شكله، العميق في محتواه ومعانيه. العمل الفلسفي لا يتم كما لو أنه ذو صبغة استثنائية، إذ أن مكانه وسط عمل الفلاحين. هل يفضل أن يعيش معزولاً ووحيداً؟ هو ليس في العزلة حسب تصوره، ولكنها الوحدة. في المدن الكبيرة بإمكان الإنسان أن يكون منعزلاً أكثر مما في أي مكان آخر، وبسهولة متناهية، غير أنه لا يستطيع أن يكون وحيداً البتة. الوحدة حسب قوله لها نفوذ متميز تماماً في ألا تعزلنا. هيدغر يظهر نفسه كثيراً في هذا المقال من خلال حواراته مع الفلاحين وقربه الاجتماعي من خلال الزيارات والسؤال عنه. لا شك بأنه وصفه للطبيعة يرقى لأن يكون قصيدة أو أغنية. قرأت المقال على فترات متباعدة أكثر من مرة، وكان يظهر لي هيدغر عارفاً بطرق الغابة وتفرعاتها. مستمتعاً بالانطلاق والسير والتمهل والبطء.

الطريق كمادة وموضوع فلسفي ذات حضور في فلسفة هيدغر. يقول المترجم إسماعيل المصدق في كتاب مارتن هيدغر كتابات أساسية:

اختار هيدغر لسلسلة مؤلفاته الكاملة شعار: “طرق لا مؤلفات”، وهذا يعني بالنسبة للقارئ أنه لا ينبغي التعامل مع أي من نصوص هيدغر كمجموعة من المعارف والمعلومات حول قضية معينة، لأن كل نص من نصوصه هو طريق يسلكه التساؤل المفكر، ولكن هذا الطريق لا يكون قائما ومفتوحا أمام التساؤل المفكر منذ البداية بحيث لا يبقى عليه إلا أن يقطعه، بل إن الطريق يتم شقه وفتحه باستمرار، وهو يتغير مع كل خطوة من خطوات التساؤل، وهذا الطريق لا ينتهي بتقديم إجابة عن السؤال. لأن السؤال يتغير خلال الطريق ويظهر دوما في ضوء جديد، وبموازاة ذلك تتغير أيضا المفاهيم التي انطلق منها التساؤل، وليس ذلك وحسب، حيث إن المتسائل ذاته يتغير ويتحول، فحصيلة البحث والتساؤل ليست مجموعة من النتائج التي يجب تسجيلها، بل إن هذه النتائج تندمج في كون المتسائل ذاته، بحيث إن خلاصة النص -نهاية الطريق- ليست انتهاء، بل بالأحرى إشارة مسبقة إلى بداية جديدة ينبغي إنجازها والاضطلاع بها، ولكن ذلك لا يعني من جهة أخرى أن الخطوات التي قطعها التساؤل المفكر تصبح بدون أهمية، بحيث إنه يمكن القفز عليها، بل على العكس من ذلك، إنه بفضلها وعلى أساسها فقط يحصل التحول في موقع المتسائل.

مقال آخر لمارتن هيدجر بعنوان: طريق الحقل، يُلقي الضوء على ما يشكله الطريق في فلسفة هيدغر. هذا النص تأملي بإمتياز، يجمع ما بين السيرة والفكر والشعر والرمز. لا تختلف شعرية النص في طريق الحقل عن الغابة السوداء، من كتب هذا المقال يحمل روح شاعر، لكنه يخفي أكثر مما يظهر. في الغابة السوداء كان هيدغر حاضراً وواضحاً. أما في طريق الحقل فهو يتحدث عن نفسه بضمير الغائب. بعد أن يذكر إشارات غير مباشرة لطفولته وشبابه من خلال سيره في الطريق وتحيته لشجرة البلوط العملاقة، والأب الذي يضرب الشجرة الكبيرة ليصنع منها حطباً. ثم ينقلب النص ليكون فلسفياً، باحثاً في موضوع الحقيقة الثابتة التي تقف عند طريق الحقل. يحيي شجرة بلوط كبيرة في الغابة، يوجد تحتها مقعد خشبي:

كانت على هذا المقعد مؤلفات مفكر أو آخر من المفكرين الكبار، كان شاب يحاول سبر أغوارها. وعندما كانت ألغاز هذه المؤلفات تضايق بعضها البعض ولم يكن هناك أي مخرج، كان طريق الحقل يساعد. كان يقود القدم على مسلك فطن في صمت في شساعة تلك الأرض الشحيحة. كان الفكر يذهب دائما مجدداً في نفس المؤلفات أو في المحاولات الشخصية في نفس الاتجاه، الذي يجره طريق الحقل على الأرض. يبقى هذا الطريق قريب من خطوة المفكر تماما كخطوة البدوي، الذي يذهب في الصباح الباكر لقطع العشب.

إقرأ المزيد

نُشِرت في فكر و فلسفة, أدب أمريكي, سينمائيات | تعليق واحد

ثلاثية أغوتا كريستوف


الأدب في زمن الحرب: هناك عدة صور وأشكال من صور الأدب في زمن الحرب؛ منها ما هو منغمس في سير الحرب واتجاهها وتأثيراتها، وشخوص أبطالها والقادة، وقد يخرج من النطاق الحربي إلى الحياة المدنية ويظهر تأثير ذلك. هذه الصور تحتاج لصفحات طوال يستغرقها العمل الأدبي، ومن أشهر هذه الصور العمل الملحمي الكبير الحرب والسلام لتولستوي، وقد أشير إلى فصل واترلو في البؤساء لفيكتور هيجو كصورة أدبية في زمن ومكان الحرب. ومن صور الأدب في زمن الحرب هو تأثير ظروف الحرب والحصار والضيق الشديد من خلال نقص المؤن والغذاء وفقدان حالة الأمن على السكان. الحرب هو الأساس والمحرك الرئيسي لكل ما يتبعه، غير أن الظروف الاجتماعية والحياتية والسياسية والاقتصادية والنفسية تتغير تبعاً لذلك. هناك أدباء كثر كتبوا عن هذه الصور. هناك من سيفضل ألبرتو مورافيا من خلال رواية امرأتان، هنالك قراء سيفضلون روائيين لم ترد في نصوصهم مفردة حرب، لكنهم أـبدعوا في وصف الحالة النفسية للإنسان في زمن الحرب. إن كنت سأذكر روائياً واحداً هو الأول في الكتابة من خلال هذه الصور، أي الكتابة عن الإنسان الغير سياسي والغير مهتم أو المؤثر في زمن الحرب، والذي لا شأن له في هذه الحرب من قريب أو بعيد، ولكن الحرب ألقت به في حالة ضياع وبؤس وسقوط، ستكون الروائية الهنغارية أغوتا كريستوف. الرواية في زمن الحرب-التي تتناول الإنسان كفرد وحالة وجوده وآماله وأحلامه وطبيعته النفسية يجب أن تُكتبت كما تكتبها أغوتا كريستوف. وبصورة أكثر وضوحاً: -من ضمن روائيي القرن العشرين-إما أن تُكتب الرواية مثل أغوتا كريستوف، أو لا تكتب. يا لبراعة وقوة الأدب! بكلمات مباشرة واضحة لا تحتمل التأويل، ولكن بفكر مختلف وعقلية فذة وصنعة متكاملة، لن يكون هناك سوى الدهشة. كان هذا رد فعلي المباشر بعد أن انتهيت من إغلاق الصفحة الأخيرة من ثلاثية الروائية الهنغارية أغوتا كريستوف: المفكرة، البرهان، الكذبة الثالثة. وبعد مرور عدة أيام لم أجد تغير في رأيي. بل إني أجد مكانة هذه المؤلفة الهنغارية يجب أن ترتفع لتصل إلى كبار كتاب القرن العشرين. ما الذي ينقصها لتكون كذلك؟ لا ينقصها أي شيء. ولا تحتاج لموت تراجيدي حتى يخلد اسمها. حياتها كانت صعبة للغاية ومرهقة. لا يوجد ما هو مرعب أكثر من أن تجد نفسك غريب اللسان والفكر والهوى في بلد آخر، فاقداً وطنك وأهلك ولغتك وأدبك. تعود طفلاً وأنت في الكبر لتتعلم كيف تتحدث وتخاطب الآخرين. ومع ذلك-تحت هذا السيل الهادر من النفي-لا مجال لرؤية ضيقة في الكتابة، من منطلقات نسوية أو حزبية أو وجهة نظر سياسية، بل تركت كل هذه المنطلقات خلفها وكتبت عن الإنسان البشري في دول تعيش حالة حرب. قد يعرف أسلوب المرأة الكاتبة من خلال أفكارها. هل هذا الفكر موجه إلى آخر محدد ومعبراً عن طرف دون آخر، أم الخطاب أو النص الأدبي موجه للكل، محاولاً أن يعبر عن مجموعة تعيش في حالة سقوط. أغوتا عبرت عن نفسها كإنسان، محاولة التعبير عن إنسان منتصف القرن العشرين في أحد المدن البلغارية، في فترة الحرب العالمية الثانية والكتلة الشرقية وسيطرة الاتحاد السوفييتي على حياة البلغار ولغتهم. كيف تسير حياة هذا الكائن البشري؟ هذا هو موضوع الروائية الهنغارية أغوتا كريستوف في ثلاثيتها الأدبية: المفكرة، البرهان، الكذبة الثالثة.
إقرأ المزيد

نُشِرت في أدب فرنسي | 2 تعليقان

الرجل الضاحك


لا يمكن أن يقول التاريخ كل شيء. وإذ يعيبه الازدحام، يتوجب عليه أن يختار. وتقوم الرواية بما لا يقوم به التاريخ، فالرواية دراما من جهة، وتاريخ من جهة أخرى. إنها تكمل القصة بالتصوير، والحكاية بالحياة. أما نحن، فيبدو لنا من المفيد بالدرجة نفسها على الأقل، أن نروي العادات مثلما نقص الحوادث. إذا ما سئل مؤلف هذا الكتاب لماذا كتب الرجل الضاحك، فلسوف يجيب بأنه أراد كفيلسوف، أن يثبت الروح والضمير، وكمؤرخ أراد أن يكشف حقائق ملكية قلما هي معروفة، وأن يزود الديمقراطية بالمعلومات، وأنه كشاعر أراد أن يصنع دراما. إن هذا الكتاب دراما، كما قصد المؤلف. دراما الروح، فمن جهة هناك المسخ الذي هو المادة، والجسد، والوحل، والزبد، والجوع، والعطش، والثراء، والاقتدار، والقوة، والعجز، والتشويه، والعبودية، والعار، والقيد، والتنكيل، والعذاب، والمتعة، والجاذبية، والتطور الاجتماعي والبشري، ومن الجهة الأخرى: الروح. إذا ما نُظر إلى هذا العمل من وجهة نظر معينة أكثر ضيقاً بكثير، يمكن أن يكون عنوانه: إنجلترا بعد ثورتها وقبل ثورتنا.

شبه الإجماع الذي يفرضه قراء فيكتور هيجو حول روعة بعض أعماله مثل البؤساء وعمال البحر، وربما نوتردام باريس، قد لا تجده في عمل الرجل الضاحك، أو الرجل الذي يضحك. ما الذي يجعل من إسهاب المؤلف النثري في البؤساء ذو قوة هائلة تسحب القارئ وتجذبه بقوة، وفي ذات الوقت الإسهاب النثري في الرجل الذي يضحك يجد فيه القارئ سلبية كبيرة في العمل الأدبي؟ المؤلف لم يتغير، فها هي لغته ذاتها، غنائية حارقة، يتفنن في هز روح القارئ، يسير معه من رحل العذاب الأولى في البحر، إلى رحلة السلام الأخيرة، في البحر. يغوص إلى الأعماق: باحثاً ومستكشفاً في أعماق روح الشعب، ثم يبشر بها، ويقدمها، تلك المسماة بالحقيقة، أمام من ينكر وجودها.

كتب فيكتور هيجو الرجل الذي يضحك في نهايات فترة منفاه الطويل خارج فرنسا. استغرقت كتابة العمل الأدبي ثلاثة سنوات تخللها انقطاعات مطولة وإعادة كتابة لبعض الفصول وتغيير لنهاية العمل لثلاث مرات، ريثما يستقر الإلهام على نهاية تعطي العمل خاتمة بديعة. يذكر المؤلف في عدة رسائل له أنه ينوي كتابة نوع من الملاحم الاجتماعية من التاريخ الأوروبي، يبدأ بعمل تدور أحداثه في إنجلترا في القرن السابع عشر، يتناول حال الحكم الملكي بعد جمهورية كرومويل، وعمل ثاني يتصل بالعمل الأول، ولكن هذه المرة في فرنسا، قبيل الثورة الفرنسية الأولى، ويتناول الحكم الملكي. والعمل الثالث يتناول موضوع ما بعد الثورة الفرنسية، ما بعد العام 1793م. انتهى هذا المشروع بنشر العمل الأول، وهو الذي يعرف الآن بالرجل الضاحك. أما العمل الثاني فلم تكن تجربة الرجل الضاحك مشجعة لكي يتناول الحكم الملكي، ولكي يبرهن على مشروعه الثوري الجمهوري، سوف ينتقل من البؤس في الرجل الضاحك إلى منصة الإعدام مباشرة في العمل الثالث: رواية عام 93م

إقرأ المزيد

نُشِرت في فيكتور هيجو, أدب فرنسي | أضف تعليق

الجوالون: كرامسكوي ورفاقه


الفن، بكافة أشكاله من فنون موسيقية أو تشكيلية أو معمارية، وحتى الأدب والنقد والفلسفة والعلوم، إذا أصبح مكبلاً بالخط الرسمي للدولة أو الأعراف والتقاليد التي تحد من انطلاقته، يجب أن تمر عليه فترة زمنية يصبح فيها خاملاً، مكرراً، لا جديد فيه. قد يحدث أن يخرج من الفن المحاصر بشتى أنواع هذه الحصارات ما يثير الجدل والإعجاب. لكنه إعجاب لا يتخطى الحدود القصوى للحصار، أي أن هذه الحدود مسموح بها-ضمن الأعراف والتقاليد أو رؤية الدولة-في أضيق الاحتمالات. المبدع حين يقدم ما يؤمن بأنه قادر عليه، فهو يقدم ذلك العمل من أعماق روحه، من ذاته، وكأن العمل الفني جزء لا يتجزأ منه. ولكي يستطيع أن يقدم مثل هذه الأعمال، على الفنان أن يكون حراً، وأن يكون العمل حراً، غير محاصر. مسألة أن هذا الفن مقبول أو هذا الفن غير مقبول، يرجع ذلك للمتلقي: إن كان هذا العمل قد عبر عن فكرة أو فلسفة بطريقة جميلة، أو لم يحسن التعبير ولم يوفق فيها أو تخطى الحدود الاجتماعية.

الفن التشكيلي الروسي إلى قبل منتصف القرن التاسع عشر كان واقعاً تحت سلطة أكاديمية الفنون: سلطة تحد من الانطلاق، تعتمد على تقليد الفنانين الأوروبيين، لا يوجد فيها مساحات واسعة من حرية الفنان بإختياره للعمل والرؤية الفنية. ما هي مهمة الفن التشكيلي تحت هذه الأجواء؟ أن يظل ينتج أعمال فنية تعرض في دوائر الدولة-ممثلة في الأكاديمية-دون أن يتفاعل معها الجمهور ويتذوقها ويشعر بها، ويكتشف إن كان هذا الفن يعبر عنه أم لا. تعرض لطبقة محددة: رجال أعمال ومهتمين بالفن ومقتني الأعمال والطبقة الراقية. وتنتهي هذه الأعمال إلى قصور الطبقة النبيلة: بورتريه لشخصيات، أحداث تاريخية فيها من الأساطير الكثير، أو أحداث مقتبسة من الإنجيل. حتى لو أنتج هذا الفن أعمالاً جميلة، يبقى غير مكتمل، لعدم وصوله لطبقات الشعب كافة. إن عملاً مخصص لفرد أو مجموعة محددة ليس بفن.

حين قام الناقد اليساري بيلنسكي بتقديم نقده الشهير للآداب الروسية وتاريخها، مع ظهور بوشكين بلغته الشعرية، وقيام الواقعية النقدية عبر غوغول، انقلب مسار الأدب بدرجة كاملة. تخلى عن التقليدية والسير خلف الآداب الأوروبية، وأصبح للجيل اللاحق نماذج وطنية تستحق التقدير. ومع هذا التقدير والتعظيم لهذا الجيل الكبير أمثال بوشكين وغوغول وبيلنسكي لم يكن هناك أي نوع من التبعية: فتحوا مسارات أوسع، وتعددت رؤى الأدب، وكانت النتيجة أدب عظيم حُفظ في صفحات الإبداع الإنساني.

في منتصف القرن التاسع عشر، وفي نهاية إحدى المراحل الدراسية في الأكاديمية الروسية الفنية، أعلنت الأكاديمية عن مسابقة فنية بمناسبة تخرج طلابها، ومن سيفوز في هذه المسابقة سيحصل على ميدالية أرفع أكاديمية فنية في البلاد، ويتم إرساله للخارج لإكمال دراسته والحصول على شهادة أعلى، مع تقديم كل أشكال الدعم الفني له من مواد ومعدات وما يتطلبه العمل الفني. وكان موضوع المسابقة: رسم لوحة مقتبسة من الأساطير الفنلندية، تمثل الإله أودين وقد حط على كتفيه غرابان، ونام عند رجليه زوج من الذئاب. وكانت نتيجة هذه المسابقة أن كل الطلاب الرسامين، وكانوا يمثلون صفوة الطلاب الشباب، رفضوا رسم هذا الموضوع بتاتاً. كان أساتذة الأكاديمية يعتقدون بأن الطلاب لن يفكروا مجرد تفكير بالخروج عن تقاليد المؤسسة العريقة، لكن الواقع أن كل الطلاب لم يتحفظوا وحسب، بل وأعلنوا رفضهم لكل أشكال التكبيل الذي تمارسه المؤسسة على فنهم وأعمالهم. وإن كان هنالك مسابقة، يجب أن يكون لكل رسام الحق في أن يرسم أي شيء يرد في ذهنه ويفكر فيه. هذا الرفض كان تمرداً، ليس تمرد على المؤسسة الفنية الرسمية وحسب، بل على الدولة، وكان من نتائج ذلك أن هؤلاء الطلاب أصبحوا تحت رقابة الشرط السرية كونهم أشخاص مشبوهين.
إقرأ المزيد

نُشِرت في فن تشكيلي, أدب روسي | 3 تعليقات