بقايا النهار


يدفعنا الإعجاب أحياناً بأحد الممثلين في عمل سينمائي ما إلى القول بأنه لولا وجود هذا الممثل بالذات في هذا العمل لكان العمل غير ناجح، أو لن يظهر كما ظهر مع هذا الممثل الذي حمل هذا الفيلم على عاتقه وقدم أداء مذهل لا ينسى. إنه لأمر طبيعي قول ذلك، ولا أجد في نفسي من حرج حين أقول بأن هناك أعمال سينمائية كثيرة جعلت فيها أحد الممثلين هو حجر الزاوية في العمل السينمائي ومعياره الأساسي في النجاح. لكن الواقع يقول أن العمل السينمائي يجب أن يؤخذ بمجموع أجزاءه، من قصة وسيناريو وحوار وإخراج وتصوير وإضاءة وممثلين.

لم أجد نفسي في يوم من الأيام أقوم بإطراء الممثل البريطاني انتوني هوبكنز، إذ ليس هناك من داع لذلك. هو ممثل مثل بقية الممثلين، قدم أعمال رائعة، وأعمال عادية، والكثير من الأفلام التي تشاهد لمرة واحدة لمجرد الاستمتاع ولا يبقى منها شيئاً. وحين يذكر اسمه أتذكر مباشرة فيلم الرجل الفيل. ويعود ذلك التذكر إلى تلك الدمعة التي سقطت فور رؤية الرجل المُعذب جون ميريك. دمعة كدمعة إيهاب في موبي ديك، أكثر ثراء من ماء المحيط، لكن هوبكنز ليس المميز أو صاحب الفضل الكبير في فيلم الرجل الفيلم، من قدم دور جون ميريك كان مذهلاً، والصورة والحوار والإخراج العبقري لديفيد لينش قدم عملاً إنسانياً لا ينسى.

لكن، أجد نفسي الآن في تلك الحالة التي ينبغي فيها القول إن هوبكنز قدم عدة أعمال سينمائية تحمل نوعاً من نمط فني لا يستطيع تقديمه للجمهور إلا هوبكنز نفسه. هذا النمط محصور في البيئة البريطانية ذاتها، لا في البيئة الأمريكية، وفي منتصف القرن الماضي. هوبكنز في دور خادم، هوبكنز في دور أستاذ جامعي، هوبكنز في دور مكتباتي. هذه الأدوار الثلاثة جسدها هوبكنز في أعمال سينمائية تدور في بيئة بريطانية في منتصف القرن الماضي. من الأفضل الاطلاع على كل عمل سينمائي وتحديد أين التميز في هذه الأعمال التي كان هوبكنز أحد أبطالها.
إقرأ المزيد

نُشِرت في أدب إنجليزي, سينما | 2 تعليقان

ذئب السهوب


قرأت أول كتاب للروائي الألماني هرمان هسه قبل خمس سنوات: رواية ذئب السهوب. وطوال هذه السنوات الخمس كنت أحمل هذه الصورة في ذهني: رواية ذئب السهوب رواية عظيمة ومبهرة، لكن أين عظمة الرواية وأين الإبهار في هذا النص الخالي تماماً من الأحداث؟ لم تكن لدي المقدرة على تقديم تفسير يفسر إعجابي بالرواية. ما أذكره من تلك القراءة أن النص يسير بهدوء حتى الصفحات الخمسين الأخيرة، حينها تتغير طريقة الكتابة ويصبح النص سريعاً متدفقاً كتيار نهر يتدفق بعد حصار طويل. ما الذي جرى في هذه الصفحات الخمسين؟ لقد أعجبت بها للغاية، لكني لم أملك فهم كامل لمعنى هذه الصفحات وما يذهب إليه المؤلف. وأصبحت كمن يقرأ وهو موقن بأنه يعرف كل شيء، وفي ذات الواقع لا أملك أي تفسيرات تبرر هذا الإعجاب. لذلك، وضعت فكرة إعادة قراءتها مرة ثانية متى ما توفر الوقت.

أعدت قراءة الرواية قبل أيام، ولم ينقص إعجابي بالرواية قط، بل كنت محقاً بأن الصفحات الخمسين الأخيرة ذهبية، نثر شعري متدفق فيه من الرؤى والأفكار ما يجعل كاتب هذه الرواية يستحق التكريم والخلود في فضاء الأدب.
يذكر هرمان هسه في مقدمة الكتاب بأن ما من كتاب أثار من اللغط وسوء الفهم أكثر من رواية ذئب السهوب. وغالبية – حسب قوله-من يحملون سوء الفهم هذا هم من الذين أحبوا الرواية أكثر من الذين رفضوها، فما حقيقة ذلك؟

حين يذكر هرمان هس يقال: ما من كاتب كتب عن الروح أفضل من هرمان هسه، وأعترف بأني لا أفضل هذه النظرة تجاه هرمان هسه، رغم نزعاته التي توصف بالصوفية في أعمال أخرى مثل سد هارتا. هرمان هسه لا يختلف عن أي من الأدباء الذي عاصروا القلق وكتبوا عنه، بتلك الحالة من الحدة والقسوة والسوداوية. وأن يكتب مثل هسه عن القلق أمر طبيعي للغاية. رواية ذئب السهوب كتبت في أجواء طاغية من القلق: بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وقبل الحرب العالمية الثانية. الكاتب متحطم للغاية، وبطل روايته هذه يحمل روح قلقة، إذ أن الحرب الأولى لم تكن كافية، ويبشر-بل لديه اليقين-بأن حرب ثانية تطل برأسها وستهطل على سكان أوروبا.

بداية ذئب السهوب فيها من بدايات النرويجي الكبير كنوت هامسن: بطل الرواية يظهر من العدم، هكذا صدفة، يظهر في محيط جديد، كغريب، غير أن بطل هسه لا يحمل أي ميزة من ميزات أبطال هامسون، لا يثير الفوضى، إذ أنه-والحق يقال-لم يقم بعمل أي شيء يستحق الذكر، ولا يوجد أي حدث في مسيرة أحداث الرواية ما يجعله مميزاً للغاية. الأحداث هي بداخل بطل هسه، والتساؤل الذي يحيط بالنص الأدبي ويجعل من حياة البطل لا تطاق هو: هل هو إنسان؟ هل يتصرف كما يجب أن يقوم الإنسان بفعله؟ أم هل هو ذئب؟ وما هي مهمة الذئب الذي هو جزء منه؟
إقرأ المزيد

نُشِرت في هرمان هسه, أدب ألماني | 4 تعليقات

ستونر


في السبعينات الميلادية نشر الروائي الأمريكي كورت فونيجت عمله الأشهر: المسلخ الخامس. هذا العمل الأدبي بمثابة هجائية هزلية ضد الحروب والقتل، وتحديداً في أشد لحظات الحرب العالمية الثانية عبثية، المتمثلة بقصف مدينة درسدن الألمانية. إنه لأمر مثير للاهتمام أن تقوم بعمل هجائي ضد الحرب والقتل وسفك الدماء، خصوصاً لو كان الروائي شاهداً على ما يريد الكتابة عنه، بأن يكون ضمن الجيش في هذه المدينة أو مراسل صحفي يغطي الأخبار في المناطق الساخنة. لكن المفارقة هنا بأن هذه الهجائية الهزلية تحمل طابع كوميدي ساخر للغاية في محيط مكاني وزماني لا يعرف طعم السخرية أو الكوميديا. وكيف تقوم بالتعليق على قصف عنيف ودموي عبر حوارات ساخرة، وانتقال للزمن، كأن ينتقل البطل من الحرب العالمية الثانية إلى ما قبل الحرب، ثم يقذف بعيداً بعد سنوات طويلة من الحرب، وبين هذا التقلب والانتقال الزمني يعيش بطل العمل الأدبي تكرار للأحداث، تكرار للموت، تكرار للقصف. وفوق هذا التكرار يغادر خارج النطاق الكوني مسافراً خارج الكرة الأرضية ليقابل كائنات فضائية، تسخر وتستغرب من هذا الإنسان الذي يشعل الحروب في هذه الكرة الأرضية.

الأدب لا يحمل ثيمة واحدة، ليس جامداً. لا يسير على قوانين رياضية منطقية. وهذا ما يجعل الأدب على مر العصور مرآة معبرة للإنسان. إنه متغير، يتكيف في هذه البيئة ويعبر عنها، وينقله إلى الخارج. يتلقاه القريب والبعيد. وقد يحدث التفاعل وقد لا يحدث. المهم هو أن هناك شيء قد ظهر؛ قد يحمل فلسفات أو أفكار جمالية أو سياسية، أو حتى دعوة عبثية أو فوضوية. إنه مكتوب من روح تحمل خصائص خاصة، تريد المشاركة، أو الحوار، أو حتى الحرب والكره والسخرية. حركة دائمة ليس لها ثبات.

إذا لم يكن بالإمكان مهاجمة الحرب بقوة بحيث تظهر بشاعتها للعالم أجمع وتجعل الجميع يتوقفون عن هذه الأعمال البشعة، إذا كانت الحروب ستستمر للأبد، متى ما كان هناك بشر وتنافس، سوف تأتي الحروب ولن تتوقف للأبد. إذا كانت مثل هذه الأمور قائمة ولم يستطع لا أدب أو فكر إيقافها، لماذا لا نحول هذه الحروب إلى مساحة للضحك؟ الحياة بأكملها تصبح مسرحية هزلية كبرى، يتنافس عليها الساخرون. الضحك كحل أخير ونهائي في مواجهة كل عبث في هذه الحياة. المسلخ الخامس لكورت فونيجت وأعمال أدبية أخرى لعدة روائيين أمريكيين أصبحت مرآة للضحك تجاه هذا العبث. وسيسير الأدب في طريق الضحك والكوميديا الساخرة في محاولة لتحطيم هذا الرعب عبر الضحك. يقول فونيجت بأن الضحك ينبع من الخوف: لقد رأيتُ تدميرَ مدينة درسدن، رأيتُ هذه المدينة قبل الغارات الجوية وبعدها، وبالتأكيد كانت ردة فعلي هي الضحك؛ الله وحده يعلم سببها، كان ضحكًا للروح الناجية من الموت.

رواية كورت فونيجت رائعة لكنها تعصف بالذهن، لكثرة تنقلاتها الزمنية والسرد الذي يتقافز من زمن لآخر بلمح البصر. إذا كان الأدب المسيطر في تلك الفترة هو الأدب الساخر والهجائي، قد يحدث أن تنشر أعمال روائية أدبية تنتمي للحقبة الكلاسيكية من القرن الماضي، أدب واقعي مباشر، لا مجال فيه لعدم المركزية أو عدم الوضوح. لكن ماذا سيكون مصيرها أمام هذا الكم الهائل من الموجه الساخرة؟ ثم أن نشر عمل ينتمي للحقبة الكلاسيكية قد لا يثير أي رد فعل جماهيري إذ أن الساحة الآن ملك مطلق لعدة تيارات أدبية من جيل الضياع إلى جيل الساخرين والمتشائمين والحداثة وما بعد الحداثة وغيرهم.

في منتصف الستينات من القرن الماضي نشر الروائي الأمريكي جون ويليامز رواية ستونر. مرت الرواية بسلام، دون أي أثر واضح. تم بيع عدة نسخ منها، وفازت بجائزة مناصفة مع كاتب آخر. ثم رحل كاتب ستونر بعد عدة سنوات تاركاً وراءه ستونر ورواية أغسطس وتقاطع بوتشر، وعدة كتب قليلة. بعد سنوات من رحيله، وفي هذه الفترة من القرن الواحد والعشرين ارتفعت أعمال جون ويليامز مرة أخرى حتى أصبحت رواية ستونر من أكثر الأعمال الروائية مبيعاً في أمريكا. ما الذي بعث ستونر مرة أخرى ليظهر على أرفف المكتبات بعد غياب يقارب الأربعين؟
إقرأ المزيد

نُشِرت في أدب أمريكي | 4 تعليقات

كهف ساراماغو


في تلك اللحظة التي ستبقى فيها عيناك تتطلع إلى الجدار، إلى ما صنعته يد الإنسان، حينها سيبدأ الموت. موت الإنسان.

في جمهورية أفلاطون يخاطب سقراط محاوره جلوكون بهذا التصور: تخيل طائفة من الناس تعيش في كهف سفلي، يدخله النور من باب، وقد سُجن فيه هؤلاء الأقوام منذ نعومة أظافرهم، والسلاسل في أعناقهم وأرجلهم، فاضطرتهم إلى الجمود والنظر إلى الأمام فقط، لحيلولة الأغلال دون التفاتهم، ثم تصور أن وراءهم ناراً ملتهبة في موضع أعلى من موقفهم، وأن بينهم وبينها دكة عليها جدار منخفض كسياج المشعوذين الذين ينصبونه تجاه مشاهديهم وعليه يجرون ألعابهم المدهشة. ولتتصور رجالاً يحملون شتى أنواع الأدوات الصناعية التي تعلوا على الجدار، وتشمل أشكالاً للناس والحيوانات وغيرها، صنعت من الحجر أو الخشب أو غيرها من المواد، وطبيعي أن يكون بين حملة هذه الأشكال من يتكلم ومن لا يقول شيئاً. يرد جلوكون على سقراط وهو مأخوذ بهذا الوصف ومصدوم: إنها حقاً لصورة عجيبة، تصف نوعاً غريباً من السجناء. غير أن رد سقراط كان واضحاً ومباشراً: إنهم يشبهوننا! ذلك لأن السجناء في مواقعهم لا يرون من أنفسهم ومن جيرانهم شيئاً غير الظلال التي تلقيها النار على الجدار المواجه لهم من الكهف، لا يعرفون من الحقيقة في كل شيء إلا ظلال الأشياء المصنوعة.

بعد قرون، سيأتي الروائي جوزيه ساراماغو ليرسم صورة لإنسان الكهف في العصر الحديث، وسيقول مثلما قال سقراط: إنهم يشبهوننا.
إقرأ المزيد

نُشِرت في جوزيه ساراماغو | تعليق واحد

الحرب الأهلية: تحت ظلال جيتيسبيرغ


بعد إقرار الدستور الأمريكي صيف 1787 في فيلادلفيا وانتخاب جورج واشنطن رئيساً للولايات المتحدة الجديدة، لم يطرأ أي حدث ذو تأثير ضخم يؤثر في مجرى الولايات المتحدة الجديدة. كانت دولة في طور التأسيس الاتحادي بعد التحرير ومتاعب الكونفدرالية الصعبة. جاء بعد واشنطن ثلاثة رؤساء كلهم من جيل القادة المؤسسين: جون آدامز الذي كان أول نائب رئيس للولايات، وكان ممثل المؤتمر القاري أيام الثورة في بلاط الملك الفرنسي لويس. ثم جاء بعده توماس جيفرسون، وهو كاتب خطاب الاستقلال وممثل المؤتمر القاري في باريس أيام الثورة كذلك. كان هناك نوع من الخوف في الدخول في صدام مع فرنسا على زمن حكم آدامز، وكانت هناك مشاكل تتعلق بالاقتصاد والتجارة والعملات وسعر الفوائد. رغم حدة بعض هذه المشاكل إلا أنها مشاكل طبيعية تحدث في أي دولة كانت.

كان هناك من ينتظر أن تنطلق الشرارة حتى يتحرك ويشير إلى الخلل الأكبر واللعنة الكبرى في الدستور الأمريكي. إن دستوراً أشار أحد قادته المؤسسين أن كل الناس ولدوا متساويين، يجب أن تأخذ هذه الجملة مكانها الطبيعي على أرض الواقع، أي أن يكون الناس كلهم متساويين. لكن الدستور احتوى في بعض مواده -دون الإشارة صراحة إلى كلمة العبودية-إلى الاستمرار في الرق وحماية استمراريته، بل إن بعض أعضاء المؤتمر الذي حاربوا في سبيل تدعيم أسس الرق، تبجح بانتصاره وحمايته لتدفق المزيد من العبيد من أفريقيا إلى الولايات المتحدة الأمريكية الجديدة. كان هناك معارضون لهذه المواد. لكن المساومات-ومن أجل إتمام دستور يجمع ويوحد-قادهم إلى إسقاط معارضتهم وتبني هذه المواد.

لكن إقرار الدستور والتصديق عليه لن يوقف إنتشار الفكرة. كان الحوار بين أعضاء المؤتمر حول الدستور وكل مواده من قضاء وحكم وتشريع وحقوق وتجارة وانتخاب. كل هذه تم تسويتها والاتفاق عليها، بل إن بعضها استمر لزمن طويل ومر بعدة تعديلات، لكن المواد الخاصة بالعبودية تحتاج لعلاج من نوع خاص. إما أن يرتقي البشر لمصاف الكائنات المقدسة ويعلنون رفضهم لكل أشكال الظلم والقهر والعبودية، وهذا لن يحدث بالطبع، أو أن يُسفك الدم بين بني البشر، وهذا الحل هو الأقرب للواقعية.

لأكثر من ستين سنة احتفظ الدستور بفكرة الشر هذه حتى انطلقت شرارة الدم الأولى. لكن قبل أن تُطلق شرارة الدم: كيف كانت سيرة الرق والتحرير والعبودية؟ ظلت فكرة العبودية تدور بين رجال الدين الرافضين لهذا الشر، وبين بعض رجال الحقوق والمحاماة. تنتشر بين أرجاء الشعب لعدة عقود: في الصحافة والتجمعات الانتخابية. بعض رجال السياسة يغيرون رأيهم: خارج اللعبة السياسية رافضين تماماً، وداخل حلبة الصراع بين وبين. يرفضون لكن يسعون لإلغائه تدريجياً.

سيرة الفكرة تحتاج لتأريخ يضم النصوص الأدبية والقصائد والرسائل والخطابات والأحداث والمواقف وإحصائيات دقيقة ومعرفة لطريقة النظام القضائي والتشريعي في كل ولاية وعلاقته مع العبودية. قد يكون مثل هذا التأريخ مشروعاً ضخماً يؤرخ لجيل كامل. من الصعب تحت هذه الظروف الاطلاع بشكل كامل على تاريخ الفكرة لضخامة المادة. إن كنت سأكتب سيرة قصيرة لفكرة الرق والعبودية، فهي ستبدأ بالطبع بعد اثنين وعشرين سنة من إقرار الدستور الأمريكي، في ولاية كنتكي تحديداً حيث ولد الصبي الذي سيغير معالم القارة الأمريكية: أبراهام لنكولن. هذا الاختيار بلا شك يعود إلى أن هذا الرجل كان رئيساً للولايات المتحدة في أشد سنوات وجودها حرجاً وموتاً، وحين وصلت العبودية إلى حدها الأقصى، فأصبحت مهددة للدستور ووحدة الدولة واتحادها القاري دفعة واحدة. ولكن قبل الدخول في معمعة الحرب الأهلية: من هو أبراهام لنكولن؟
إقرأ المزيد

نُشِرت في أدب أمريكي, تاريخ | 3 تعليقات

الطريق


في سبتمبر 1933م تلقى مارتن هيدغر الذي كان يشغل منصب عميد جامعة فرايبورغ، عرضاً بتعيينه أستاذاً للفلسفة في جامعة برلين. رفض هذا العرض وكتب مقالة بعنوان الغابة السوداء يفسر من خلالها سبب رفضه. المقالة أشبه بقصة قصيرة، نص تأملي يمجد حياة الريف وأجواء الطبيعة وعمل الفلاحين. يبدأ من البيت الريفي إلى الغابة الممتدة، والتي تغطيها سماء صيفية صافية، في فضائها المشع يرتفع صقران وهما يرسمان دوائر واسعة. إنه –أي هيدغر_ في هذا المكان الطبيعي لا يتأمل المنظر المحيط به، بل يشعر ويحس بتحولاته من آن لآخر، من الليل إلى النهار. وفي ليل الشتاء العمق تتفجر عاصفة ثلجية حول البيت الريفي، وتأخذ في تغطية كل شيء، عندئذ يبدأ زمن الفلسفة؛ يصبح سؤالها بسيطاً وأساسياً، إذ أنه صياغة كل فكرة حسب تصوره لا يمكن أن تكون إلا قاسية وقاطعة، والجهد الذي تتطلبه قوة الكلمات شبيه بصمود أشجار التنوب التي تنتصب أمام العاصفة. هيدغر يرفض مغادرة هذا المكان البسيط في شكله، العميق في محتواه ومعانيه. العمل الفلسفي لا يتم كما لو أنه ذو صبغة استثنائية، إذ أن مكانه وسط عمل الفلاحين. هل يفضل أن يعيش معزولاً ووحيداً؟ هو ليس في العزلة حسب تصوره، ولكنها الوحدة. في المدن الكبيرة بإمكان الإنسان أن يكون منعزلاً أكثر مما في أي مكان آخر، وبسهولة متناهية، غير أنه لا يستطيع أن يكون وحيداً البتة. الوحدة حسب قوله لها نفوذ متميز تماماً في ألا تعزلنا. هيدغر يظهر نفسه كثيراً في هذا المقال من خلال حواراته مع الفلاحين وقربه الاجتماعي من خلال الزيارات والسؤال عنه. لا شك بأنه وصفه للطبيعة يرقى لأن يكون قصيدة أو أغنية. قرأت المقال على فترات متباعدة أكثر من مرة، وكان يظهر لي هيدغر عارفاً بطرق الغابة وتفرعاتها. مستمتعاً بالانطلاق والسير والتمهل والبطء.

الطريق كمادة وموضوع فلسفي ذات حضور في فلسفة هيدغر. يقول المترجم إسماعيل المصدق في كتاب مارتن هيدغر كتابات أساسية:

اختار هيدغر لسلسلة مؤلفاته الكاملة شعار: “طرق لا مؤلفات”، وهذا يعني بالنسبة للقارئ أنه لا ينبغي التعامل مع أي من نصوص هيدغر كمجموعة من المعارف والمعلومات حول قضية معينة، لأن كل نص من نصوصه هو طريق يسلكه التساؤل المفكر، ولكن هذا الطريق لا يكون قائما ومفتوحا أمام التساؤل المفكر منذ البداية بحيث لا يبقى عليه إلا أن يقطعه، بل إن الطريق يتم شقه وفتحه باستمرار، وهو يتغير مع كل خطوة من خطوات التساؤل، وهذا الطريق لا ينتهي بتقديم إجابة عن السؤال. لأن السؤال يتغير خلال الطريق ويظهر دوما في ضوء جديد، وبموازاة ذلك تتغير أيضا المفاهيم التي انطلق منها التساؤل، وليس ذلك وحسب، حيث إن المتسائل ذاته يتغير ويتحول، فحصيلة البحث والتساؤل ليست مجموعة من النتائج التي يجب تسجيلها، بل إن هذه النتائج تندمج في كون المتسائل ذاته، بحيث إن خلاصة النص -نهاية الطريق- ليست انتهاء، بل بالأحرى إشارة مسبقة إلى بداية جديدة ينبغي إنجازها والاضطلاع بها، ولكن ذلك لا يعني من جهة أخرى أن الخطوات التي قطعها التساؤل المفكر تصبح بدون أهمية، بحيث إنه يمكن القفز عليها، بل على العكس من ذلك، إنه بفضلها وعلى أساسها فقط يحصل التحول في موقع المتسائل.

مقال آخر لمارتن هيدجر بعنوان: طريق الحقل، يُلقي الضوء على ما يشكله الطريق في فلسفة هيدغر. هذا النص تأملي بإمتياز، يجمع ما بين السيرة والفكر والشعر والرمز. لا تختلف شعرية النص في طريق الحقل عن الغابة السوداء، من كتب هذا المقال يحمل روح شاعر، لكنه يخفي أكثر مما يظهر. في الغابة السوداء كان هيدغر حاضراً وواضحاً. أما في طريق الحقل فهو يتحدث عن نفسه بضمير الغائب. بعد أن يذكر إشارات غير مباشرة لطفولته وشبابه من خلال سيره في الطريق وتحيته لشجرة البلوط العملاقة، والأب الذي يضرب الشجرة الكبيرة ليصنع منها حطباً. ثم ينقلب النص ليكون فلسفياً، باحثاً في موضوع الحقيقة الثابتة التي تقف عند طريق الحقل. يحيي شجرة بلوط كبيرة في الغابة، يوجد تحتها مقعد خشبي:

كانت على هذا المقعد مؤلفات مفكر أو آخر من المفكرين الكبار، كان شاب يحاول سبر أغوارها. وعندما كانت ألغاز هذه المؤلفات تضايق بعضها البعض ولم يكن هناك أي مخرج، كان طريق الحقل يساعد. كان يقود القدم على مسلك فطن في صمت في شساعة تلك الأرض الشحيحة. كان الفكر يذهب دائما مجدداً في نفس المؤلفات أو في المحاولات الشخصية في نفس الاتجاه، الذي يجره طريق الحقل على الأرض. يبقى هذا الطريق قريب من خطوة المفكر تماما كخطوة البدوي، الذي يذهب في الصباح الباكر لقطع العشب.

إقرأ المزيد

نُشِرت في فكر و فلسفة, أدب أمريكي, سينمائيات | أضف تعليق

ثلاثية أغوتا كريستوف


الأدب في زمن الحرب: هناك عدة صور وأشكال من صور الأدب في زمن الحرب؛ منها ما هو منغمس في سير الحرب واتجاهها وتأثيراتها، وشخوص أبطالها والقادة، وقد يخرج من النطاق الحربي إلى الحياة المدنية ويظهر تأثير ذلك. هذه الصور تحتاج لصفحات طوال يستغرقها العمل الأدبي، ومن أشهر هذه الصور العمل الملحمي الكبير الحرب والسلام لتولستوي، وقد أشير إلى فصل واترلو في البؤساء لفيكتور هيجو كصورة أدبية في زمن ومكان الحرب. ومن صور الأدب في زمن الحرب هو تأثير ظروف الحرب والحصار والضيق الشديد من خلال نقص المؤن والغذاء وفقدان حالة الأمن على السكان. الحرب هو الأساس والمحرك الرئيسي لكل ما يتبعه، غير أن الظروف الاجتماعية والحياتية والسياسية والاقتصادية والنفسية تتغير تبعاً لذلك. هناك أدباء كثر كتبوا عن هذه الصور. هناك من سيفضل ألبرتو مورافيا من خلال رواية امرأتان، هنالك قراء سيفضلون روائيين لم ترد في نصوصهم مفردة حرب، لكنهم أـبدعوا في وصف الحالة النفسية للإنسان في زمن الحرب. إن كنت سأذكر روائياً واحداً هو الأول في الكتابة من خلال هذه الصور، أي الكتابة عن الإنسان الغير سياسي والغير مهتم أو المؤثر في زمن الحرب، والذي لا شأن له في هذه الحرب من قريب أو بعيد، ولكن الحرب ألقت به في حالة ضياع وبؤس وسقوط، ستكون الروائية الهنغارية أغوتا كريستوف. الرواية في زمن الحرب-التي تتناول الإنسان كفرد وحالة وجوده وآماله وأحلامه وطبيعته النفسية يجب أن تُكتبت كما تكتبها أغوتا كريستوف. وبصورة أكثر وضوحاً: -من ضمن روائيي القرن العشرين-إما أن تُكتب الرواية مثل أغوتا كريستوف، أو لا تكتب. يا لبراعة وقوة الأدب! بكلمات مباشرة واضحة لا تحتمل التأويل، ولكن بفكر مختلف وعقلية فذة وصنعة متكاملة، لن يكون هناك سوى الدهشة. كان هذا رد فعلي المباشر بعد أن انتهيت من إغلاق الصفحة الأخيرة من ثلاثية الروائية الهنغارية أغوتا كريستوف: المفكرة، البرهان، الكذبة الثالثة. وبعد مرور عدة أيام لم أجد تغير في رأيي. بل إني أجد مكانة هذه المؤلفة الهنغارية يجب أن ترتفع لتصل إلى كبار كتاب القرن العشرين. ما الذي ينقصها لتكون كذلك؟ لا ينقصها أي شيء. ولا تحتاج لموت تراجيدي حتى يخلد اسمها. حياتها كانت صعبة للغاية ومرهقة. لا يوجد ما هو مرعب أكثر من أن تجد نفسك غريب اللسان والفكر والهوى في بلد آخر، فاقداً وطنك وأهلك ولغتك وأدبك. تعود طفلاً وأنت في الكبر لتتعلم كيف تتحدث وتخاطب الآخرين. ومع ذلك-تحت هذا السيل الهادر من النفي-لا مجال لرؤية ضيقة في الكتابة، من منطلقات نسوية أو حزبية أو وجهة نظر سياسية، بل تركت كل هذه المنطلقات خلفها وكتبت عن الإنسان البشري في دول تعيش حالة حرب. قد يعرف أسلوب المرأة الكاتبة من خلال أفكارها. هل هذا الفكر موجه إلى آخر محدد ومعبراً عن طرف دون آخر، أم الخطاب أو النص الأدبي موجه للكل، محاولاً أن يعبر عن مجموعة تعيش في حالة سقوط. أغوتا عبرت عن نفسها كإنسان، محاولة التعبير عن إنسان منتصف القرن العشرين في أحد المدن البلغارية، في فترة الحرب العالمية الثانية والكتلة الشرقية وسيطرة الاتحاد السوفييتي على حياة البلغار ولغتهم. كيف تسير حياة هذا الكائن البشري؟ هذا هو موضوع الروائية الهنغارية أغوتا كريستوف في ثلاثيتها الأدبية: المفكرة، البرهان، الكذبة الثالثة.
إقرأ المزيد

نُشِرت في أدب فرنسي | 2 تعليقان