في الأعالي!



شيئان يملآن الوجدان إعجاباً وإجلالاً يتجددان ويزدادان باستمرار كلّما أنعم الفكر التأمل فيها: السماء المرصعة بالنجوم فوقي، والقانون الأخلاقي داخلي.
إيمانويل كانت.

بعد أن خرج أوسكار وايلد من سجنه، لم يكتب أي عمل أدبي. فقد كل المصادر والأفكار التي كانت تعطيه القوة الدافعة للكتابة الأدبية. لكن، هناك استثناء وحيد: المعاناة التي تمثلت له في السجن أوحت له بكتابة قصيدة تحت اسم ريدنج جاول. قصيدة طويلة مقسمة على ست مقطوعات هي أجمل ما كتب أوسكار وايلد من قصائد. لم يتحدث في القصيدة عن الحب، أو عن الحياة، أو عن امرأة، بل كان يتحدث عن موت قادم. يقص بلغته العظيمة قصة رجل أمن قتل زوجته التي يحب، وحكم عليه بالإعدام. يصف اللحظات والاختلاجات التي يشعر بها السجين الذي يعيش ليلته الأخيرة في السجن. أوسكار وايلد وجد في هذا الموضوع القصصي منفذ إلى أن يعبر عن نفسه وهو في سجن ريدنج جاول. إذ ما إن ينتهي من قصة الرجل المحكوم بالإعدام حتى يصف الحياة في السجن؛ المبنى الذي صنع من القهر والعذاب، والزمن الذي يدور في تكرار أبدي مهلك. لكن، هناك نغمة واحدة في القصيدة تتكرر في كل القصيدة:

لم أرَ أبداً رجلاً ينظرُ
بمثلِ هذه النظرةِ الحزينة
يتطلعُ ناحيةَ الخيمةَ الزرقاء الصغيرة
التي يدعوها المساجينُ السماء.
يتطلعُ في كلِ سحابةٍ عابرةٍ
تمرُ بأشرعتها الفضيّة

السجين في القصيدة حزين للغاية. لكن، ما الذي يجعله يتطلع إلى السماء بمثل هذه الصورة؟ هل هي المكان الوحيد الذي يستطيع من خلاله أن يطلق عقله وفكره وروحه؟ هل يناجي الله بأن يرحمه ويخفف عنه ألم الموت؟ هل تحمل السماء فكرة جمالية لانهائية تبقيه بعيداً عن كل المهازل والكوارث التي تحدث على الأرض؟ ما إن انتهيت من قراءة هذه القصيدة الرائعة حتى تساءلت: لماذا هذا التكرار لمفردة السماء وما تمثل في القصيدة؟ تجاوزت السؤال، إذ بدأت تظهر لي صور كثيرة أحملها في الذاكرة عن السماء. من المتعذر أن تقرأ أي نص أدبي دون أن ترد مفردة السماء ولو لمرة واحدة. لكن، هذه السماء، ما هي أهميتها في النص الأدبي؟ كيف ينظر إليها الروائي في كتاباته؟ هل يذكرها لمجرد الوصف، أن يصف الشكل والألوان وأجواء السماء الصافية والمتقلبة، أم أن هناك صور أخرى غير تلك التي تظهر في الوصف الطبيعي؟ هناك صور بديعة للسماء في الأدب. بدلاً من أن تكون السماء محصورة في جانبها العلوي وكشكل لا نهائي، أضحت صورة تعبر عن المكنون البشري، تعبر عن رغباته وآماله، وتحمل بعضها فكرة جمالية، بل أن بعض النصوص الأدبية لا تكاد تذكر كلمة السماء أو تشير إليها، لكن بعض التصرفات البشرية من حيث هي أرضية فهي تشير وتتجه إلى السماء وتعبر عنها بشكل غير مباشر.
إقرأ المزيد

نُشِرت في فيكتور هيجو, مقالات, تولستوي | 7 تعليقات

بورخيس: سبع ليال


أعتبر نفسي قارئاً في الأساس، وقد تجرأت كما تعرفون على الكتابة؛ ولكنني أظن أن ما قرأته أهم بكثير مما كتبته. فالمرء يقرأ ما يرغب فيه، لكنه لا يكتب ما يرغب فيه، وإنما ما يستطيعه.
خورخي لويس بورخيس.

قبل سنوات قليلة، كانت قراءة قصص بورخيس القصيرة أشبه بالسحر؛ بصورها الغريبة وأشكالها التي لم أقرأ مثيلاً لها من قبل. قصة على شكل مقالة نقدية، قصة تبدو وكأنها تقرير، قصة لا تبدو وكأنها من عالم القصص، قصة على شكل مراجعة للتاريخ، وما يجمع بين هذه القصص هي الثيمات المفضلة لبورخيس: اللانهاية، المرايا، النمور، التاريخ، المتاهة، وغيرها من الرموز والثيمات التي يستخدمها ببراعة. بورخيس بعوالمه القصصية يُدخل القارئ معه في رحلة سحرية فكرية قل أن توجد في عمل أدبي قصير. في كتاب الرمل يظهر للقارئ كتاب ليس له نهاية، رغم محدودية حجمه: إن فكرت بقراءته لن تنتهي، إن فكرت بحرقه قد يحرق المكان ويختنق العالم بدخانه، فكيف يمكن التصرف معه؟ قصة بحث ابن رشد يبحث من خلالها مشكلة في الترجمة من خلال شخصية ابن رشد، حين كان يترجم كتاب لأرسطو: كيف لابن رشد أن ينقل التراجيديا والكوميديا التي وردتا في مؤلف أرسطو إلى العربية؟ حين يكتب تشعر بأنه متمكن من مادته السردية حتى لو كانت بعيدة عن ثقافته ولغته، وكم من قصة كتبها كانت من خلال التاريخ وثقافات وشعوب أخرى لا يشاركهم إياها ممارسة لكنه يتحاور معها ويقرأ عنها الكثير مثل قصة المقنع، حكيم مرو الذي يتناول فيه شخصية المقنع الخرساني اعتماداً على مصادر تاريخية، منها مراجع في التاريخ الإسلامي. قصص عديدة لبورخيس لا يخرج منها القارئ إلا ويشعر معها بأثر شبيه بالسحر، مثل قصة الآخر التي تتحاور فيها شخصيتان: بورخيس العجوز، وبورخيس الشاب.

قبل أيام قليلة قمت بإعادة ما كنت قد قرأته قبل سنوات من أعمال بورخيس، لكن هذه المرة بتوسع أكبر: أن أقرأ القصص والمقالات وبعض القصائد والمحاضرات، أي أن أقرأ غالبية أعمال بورخيس كما أحب بورخيس أن يكتب: قاصاً وشاعراً ومحاضراً وكاتب مقالة. لا أفقد كثيراً من متعة القراءة حين أعيد قراءة الأعمال الأدبية. هناك أعمال أدبية وروائية ضخمة أعدت قراءتها ولم أفقد شيئاً من لحظات المتعة التي صادفتها في القراءة الأولى. بل إن القراءة الثانية تعطيني أشياء لم أستطع أن ألمحها وانتبه إليها في القراءة الأولى. لكن، مع بورخيس كانت القراءة مختلفة. القصص التي قرأتها مرة ثانية لم أشعر بمفعول القراءة الأولى. قرأت قصص أخرى لم أقرأها في القراءة الأولى ولم أجد صدى للقراءة الأولى والمفاجأة وتأثير بورخيس السحري، بل كنت أتوقع ثيمات بورخيس قبل نهايتها. لماذا حدث مثل هذا التأثير: عدم المفاجأة، عدم الإعجاب كثيراً كما قرأتها في المرة الأولى؟ توصلت لرأي مفاده أن قصص بورخيس لا تقرأ إلا مرة واحدة أو مرتين في زمن قصير وتنتهي. مفعول السحر ينتهي حين يُكشف للمرة الأولى. شخصيات بورخيس الإنسانية لا يمكن النظر إليها أو الاطلاع عليها من الداخل، لا أشعر بحرارة الدم المتدفق فيهم: كائنات لها شعور ووجدان وحياة، في غالبية قصصه لم أجد شخصية يشعر معها القارئ بالتعاطف أو التساؤل معه أو أن يكون مثيراً للاهتمام، هي شخصيات مسخرة في اتجاه ثيمات بورخيس الأساسية ومعبرة عنها: اللانهاية، المرايا، الآخر، الدوائر، المتاهة. هذا الرأي لا يقلل من قيمة أعمال بورخيس وبراعتها. لكنها تصلح كقراءة أولى، يدخل فيها القارئ عوالم بورخيس السحرية، ثم يختفي الأثر الذي يحدثه بورخيس باختفاء مفعول السحر الذي يغلف فيه بورخيس قصصه القصيرة.
إقرأ المزيد

نُشِرت في أدب أمريكا اللاتينية | 7 تعليقات

دوائر


لم يجد مكة في مكانها

الروائي أحمد الحقيل في عمله الروائي الثاني لا يمهد ولا يستهلك صفحات في تقديم أبطاله أو يقوم بتهيئة القارئ لهذه الرحلة الروائية، بل من السطر الأول والحرف الأول مباشرة يجد القارئ نفسه في رحلة التيه مع الأب ضاري وابنه إبراهيم في رحلتهم من المجمعة إلى مكة. رحلة لا تشبه أي رحلة، حيث ينقلب فيها الزمن وينثني، فيعود سنوات إلى الوراء ثم يتقوم فيتقدم الزمن سنوات إلى الأمام.

التغير في الزمان يتبعه تغير في المكان والعكس كذلك. هذا التغير يفترض وجود أدوات وأساليب في السرد الروائي بحيث لا يظهر هذا التغير أو الانتقال في الزمن وكأنه غير محكم الصنع. لو كان هناك عمل روائي آخر يمكن من خلاله المقارنة في حالة الانتقال في الزمن مع رواية دوائر، ستكون رواية المسلخ الخامس مثال ممتاز. الانتقال الزمني في رواية المسلخ الخامس مباشر وسريع وصادم، بل وأحياناً يصبح شكلاً من أشكال العذاب والقهر-رغم طابع رواية فونجيت السوداوي الساخر، فينتقل الزمن في ثلاثة أسطر عدة مرات. الانتقال الزمني في رواية دوائر تفرضه طبيعة الجزيرة العربية ورحلة التيه والضياع لأبطال الرواية. وهناك أمر آخر يجعل من هذا الانتقال الزمني مؤكداً وحقيقياً، وهي الأحداث الشهيرة التي حدثت في تلك الأزمنة. حين يتغير الزمن في دوائر فهو يتغير من تلقاء ذاته ويرجع إلى الوراء دون معرفة ويقين من أبطال الرواية. الشخصيات تتفاجأ، لكنها لا تستمر في حالة المفاجأة بل تتعاطى معها كحقيقة مؤكدة، ويعطي الروائي صورة ولمحة عن الحدث ثم يستمر في رحلة التيه إلى مكة.
إقرأ المزيد

نُشِرت في أدب عربي | أضف تعليق

بدم بارد


قوة الأدب الروائي وتأثيره يرتكز على عدة مقومات، لعل من أهمها أن لا قانون يحكم الرواية. لا توجد مدرسة رسمية أو نظام حاكم يحكم شكل الرواية وطريقتها والأسلوب. منذ اللحظة التي نشر فيها ثربانتس قصة الفارس ذو الطلعة الحزينة في القرن السابع عشر لا تزال الرواية تجد طريقاً لها في مدراس جديدة: الرومانتيكية والواقعية الاجتماعية والنقدية والطبيعية والواقعية والسحرية، تيار الوعي وغيرها من المدارس الرواية. وكل اتجاه من هذه المدارس كذلك لا يحكمه نظام داخلي، الأمر برمته بيد الروائي ونظرته وطريقته في الكتابة الروائية. والحكم الأخير في ذلك سيكون للقارئ.

حين بدأ إميل زولا الكتابة الروائية، كان يحلم بأن يكتب عمل ملحمي يقص تاريخ فرنسا ذلك الوقت. كان زولا متأثراً بمعلمه بلزاك في هذه الأعمال الملحمية. لكن زولا سيتخذ طريقاً آخر غير معلمه. وهو ما عرف لاحقاً بالمدرسة الطبيعية؛ مصوراً كل ما تقع عليه عيناه كما هو، دون تجميل: أن يصور الشوارع والناس وتصرفاتهم دون ممارسة أي نوع من التأثير تغير من الصورة الطبيعية للحياة والناس. مدرسة زولا كانت مهمة في الأدب الروائي، أصبح شكل الرواية وكأنها كاميرا فوتوغرافية، تصور المشهد وتترك الحكم للقارئ. ليس شرطاً على الاتجاهات الروائية أن تنقض كلياً ما سبقهاً، بل تأخذ من الاتجاهات السابقة الكثير لكنها تضع بصمة جديدة تميزها عن غيرها. من هذه الاتجاهات الحديثة مدرسة الصحافة الجديدة في الولايات المتحدة. لقد أخذت هذه المدرسة من الاتجاه الطبيعي للرواية الصورة الفوتوغرافية الطبيعية للأشياء والبشر بتصرفاتهم وحياتهم. لكنها اعتمدت أسلوباً جديداً قائم على الموضوع والتحقيق والبحث في الأسباب والنتائج. ولعل من أشهر تجليات تيار الصحافة الجديدة هي رائعة الأديب الأمريكي ترومان كابوت: بدم بارد.

في الخامس عشر من شهر نوفمبر 1959م، في قرية هولكومب التابعة لولاية كنساس الأمريكية، تتعرض عائلة أمريكية مكونة من أربعة أفراد لجريمة قتل بشعة. الجريمة حدثت دون وجود ما يدل على أن هناك أسباب لها. لم يكن هناك ثأر، ولم تكن عملية سرقة، ولا يوجد خلافات أو من هذا القبيل. في هذه القرية التي سكانها يعرفون بعضهم البعض في دور العبادة والمقاهي والحفلات، مجتمع فيه من التسامح والتماسك بين أفراده الشيء الكثير: كيف تحدث مثل هذه الجريمة بين أفرادها؟ ومن هم القتلة؟ وماذا يريدون؟ ولماذا هذا القتل المجاني الجماعي؟
إقرأ المزيد

نُشِرت في أدب أمريكي, سينمائيات | أضف تعليق

صلاة تشرنوبل


جائزة نوبل للآداب ليست مقياس لجودة أعمال الفائز بالجائزة من عدمه. هناك أدباء لم تقترن أسماءهم بالجائزة، ومع ذلك أعمالهم خالدة وحية عند الجمهور القارئ. وهناك أدباء لا يُعرفون إلا بذكر أنهم حاصلين على جائزة نوبل للآداب، ومع ذلك أعمالهم ليست منتشرة عند الجمهور القارئ، أو قد تكون شبه منتشرة، وقد تشتهر أعمال هذا الأديب لحظة الفوز بالجائزة لسنة أو سنتين ثم تطوي أعماله النسيان ويبقى مجرد اسم من لائحة طويلة من الأسماء. والفائزين بجائزة نوبل لا يحملون رؤية واحدة وجودة أعمالهم تختلف. هناك أدباء حصلوا على الجائزة وأعمالهم تشهد على أصالة إبداعهم الأدبي.

كقارئ يحب الاطلاع على أي شيء جديد، أجد أن الميزة الكبرى لجائزة نوبل هي في الفرصة التي تمنحها الجائزة للتعريف بأعمال تستحق الاطلاع عليها، أعمال أدبية ما كان لها أن تشتهر لولا جائزة نوبل. الجائزة بما تحمله من صيت أدبي واهتمام عالمي تسلط الضوء وتلفت الانتباه. في العام 2015 أُعلن عن الفائز بجائزة نوبل، وهي البيلاروسية سفيتلانا ألكسييفتش. وذكر في خبر فوزها أنها استحقت الفوز بالجائزة نظير أعمالها المتعددة الأصوات التي تمثل معلماً للمعاناة والشجاعة في زماننا. إنها تعمق بأسلوبها الاستثنائي الذي يقوم على تداخل دقيق بين صوت البشر فهمنا لعصر كامل. لقد ابتكرت نوعاً أدبياً جديداً، تجاوز القوالب الصحفية ومضت قدماً في نوع ساعد آخرون في خلقه. إذا خلت المكتبات من أعمالها ستكون هناك فجوات، وهذا يبين مدى أصالتها.

يتضح من خبر فوزها بالجائزة أنها من مدرسة الصحافة. أي أنها ليست روائية أو شاعرة أو كاتبة مسرح. وذلك لا يقلل من قيمتها في حقل الأدب إذ يوجد كم كبير من الروائيين العظام ما كان لهم أن يصلوا إلى هذه الدرجة من الأدب لولا مرورهم وتدربهم على الكتابة في الصحافة. وكذلك فوز امرأة من حقل الصحافة قد لا يكون مستغرباً، إذ أن هناك فائزين بجائزة نوبل لم يكتبوا نص أدبي أو شعري واحد، لكنهم فازوا بالجائزة نظير مكانتهم السياسية.
إقرأ المزيد

نُشِرت في وثائقيات, أدب روسي | أضف تعليق

بقايا النهار


يدفعنا الإعجاب أحياناً بأحد الممثلين في عمل سينمائي ما إلى القول بأنه لولا وجود هذا الممثل بالذات في هذا العمل لكان العمل غير ناجح، أو لن يظهر كما ظهر مع هذا الممثل الذي حمل هذا الفيلم على عاتقه وقدم أداء مذهل لا ينسى. إنه لأمر طبيعي قول ذلك، ولا أجد في نفسي من حرج حين أقول بأن هناك أعمال سينمائية كثيرة جعلت فيها أحد الممثلين هو حجر الزاوية في العمل السينمائي ومعياره الأساسي في النجاح. لكن الواقع يقول أن العمل السينمائي يجب أن يؤخذ بمجموع أجزاءه، من قصة وسيناريو وحوار وإخراج وتصوير وإضاءة وممثلين.

لم أجد نفسي في يوم من الأيام أقوم بإطراء الممثل البريطاني انتوني هوبكنز، إذ ليس هناك من داع لذلك. هو ممثل مثل بقية الممثلين، قدم أعمال رائعة، وأعمال عادية، والكثير من الأفلام التي تشاهد لمرة واحدة لمجرد الاستمتاع ولا يبقى منها شيئاً. وحين يذكر اسمه أتذكر مباشرة فيلم الرجل الفيل. ويعود ذلك التذكر إلى تلك الدمعة التي سقطت فور رؤية الرجل المُعذب جون ميريك. دمعة كدمعة إيهاب في موبي ديك، أكثر ثراء من ماء المحيط، لكن هوبكنز ليس المميز أو صاحب الفضل الكبير في فيلم الرجل الفيلم، من قدم دور جون ميريك كان مذهلاً، والصورة والحوار والإخراج العبقري لديفيد لينش قدم عملاً إنسانياً لا ينسى.

لكن، أجد نفسي الآن في تلك الحالة التي ينبغي فيها القول إن هوبكنز قدم عدة أعمال سينمائية تحمل نوعاً من نمط فني لا يستطيع تقديمه للجمهور إلا هوبكنز نفسه. هذا النمط محصور في البيئة البريطانية ذاتها، لا في البيئة الأمريكية، وفي منتصف القرن الماضي. هوبكنز في دور خادم، هوبكنز في دور أستاذ جامعي، هوبكنز في دور مكتباتي. هذه الأدوار الثلاثة جسدها هوبكنز في أعمال سينمائية تدور في بيئة بريطانية في منتصف القرن الماضي. من الأفضل الاطلاع على كل عمل سينمائي وتحديد أين التميز في هذه الأعمال التي كان هوبكنز أحد أبطالها.
إقرأ المزيد

نُشِرت في أدب إنجليزي, سينما | 2 تعليقان

ذئب السهوب


قرأت أول كتاب للروائي الألماني هرمان هسه قبل خمس سنوات: رواية ذئب السهوب. وطوال هذه السنوات الخمس كنت أحمل هذه الصورة في ذهني: رواية ذئب السهوب رواية عظيمة ومبهرة، لكن أين عظمة الرواية وأين الإبهار في هذا النص الخالي تماماً من الأحداث؟ لم تكن لدي المقدرة على تقديم تفسير يفسر إعجابي بالرواية. ما أذكره من تلك القراءة أن النص يسير بهدوء حتى الصفحات الخمسين الأخيرة، حينها تتغير طريقة الكتابة ويصبح النص سريعاً متدفقاً كتيار نهر يتدفق بعد حصار طويل. ما الذي جرى في هذه الصفحات الخمسين؟ لقد أعجبت بها للغاية، لكني لم أملك فهم كامل لمعنى هذه الصفحات وما يذهب إليه المؤلف. وأصبحت كمن يقرأ وهو موقن بأنه يعرف كل شيء، وفي ذات الواقع لا أملك أي تفسيرات تبرر هذا الإعجاب. لذلك، وضعت فكرة إعادة قراءتها مرة ثانية متى ما توفر الوقت.

أعدت قراءة الرواية قبل أيام، ولم ينقص إعجابي بالرواية قط، بل كنت محقاً بأن الصفحات الخمسين الأخيرة ذهبية، نثر شعري متدفق فيه من الرؤى والأفكار ما يجعل كاتب هذه الرواية يستحق التكريم والخلود في فضاء الأدب.
يذكر هرمان هسه في مقدمة الكتاب بأن ما من كتاب أثار من اللغط وسوء الفهم أكثر من رواية ذئب السهوب. وغالبية – حسب قوله-من يحملون سوء الفهم هذا هم من الذين أحبوا الرواية أكثر من الذين رفضوها، فما حقيقة ذلك؟

حين يذكر هرمان هس يقال: ما من كاتب كتب عن الروح أفضل من هرمان هسه، وأعترف بأني لا أفضل هذه النظرة تجاه هرمان هسه، رغم نزعاته التي توصف بالصوفية في أعمال أخرى مثل سد هارتا. هرمان هسه لا يختلف عن أي من الأدباء الذي عاصروا القلق وكتبوا عنه، بتلك الحالة من الحدة والقسوة والسوداوية. وأن يكتب مثل هسه عن القلق أمر طبيعي للغاية. رواية ذئب السهوب كتبت في أجواء طاغية من القلق: بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وقبل الحرب العالمية الثانية. الكاتب متحطم للغاية، وبطل روايته هذه يحمل روح قلقة، إذ أن الحرب الأولى لم تكن كافية، ويبشر-بل لديه اليقين-بأن حرب ثانية تطل برأسها وستهطل على سكان أوروبا.

بداية ذئب السهوب فيها من بدايات النرويجي الكبير كنوت هامسن: بطل الرواية يظهر من العدم، هكذا صدفة، يظهر في محيط جديد، كغريب، غير أن بطل هسه لا يحمل أي ميزة من ميزات أبطال هامسون، لا يثير الفوضى، إذ أنه-والحق يقال-لم يقم بعمل أي شيء يستحق الذكر، ولا يوجد أي حدث في مسيرة أحداث الرواية ما يجعله مميزاً للغاية. الأحداث هي بداخل بطل هسه، والتساؤل الذي يحيط بالنص الأدبي ويجعل من حياة البطل لا تطاق هو: هل هو إنسان؟ هل يتصرف كما يجب أن يقوم الإنسان بفعله؟ أم هل هو ذئب؟ وما هي مهمة الذئب الذي هو جزء منه؟
إقرأ المزيد

نُشِرت في هرمان هسه, أدب ألماني | 4 تعليقات