جسور مقاطعة ماديسون


أن تكتب رواية، أن تؤلف كتاب، أن تكتب قصيدة، أن ترسم لوحة: أي إنسان يستطيع أن يمارس الهواية التي يحب. ليس من المهم أن تكون متخصصاً في الأدب أو الشعر، أو تنتسب لإحدى المدارس الفنية حتى تستطيع أن تقدم شيئاً تعتقد بأن جميل ورائع. تبقى الممارسة ذاتية، تتعلق بالشخص ذاته. إنه يعبر فيه عن آراؤه وفكره وذاته، ولا مجال أرحب في التعبير عن الذات من الكتابة أو التأليف أو الرسم. حين يتعلق الأمر بجمهور القراء والمتذوقين، سيكون الأمر متعلق بدرجة التأثر وجودة العمل الفني والتفاعل معه. هل وجدوا في العمل الفني شيئاً رائعاً، هل هناك شيئاً مبتكراً، فريداً، هل ضرب في داخلهم شيئاً يصعب التعبير عنه، وعبر عنه العمل الفني بكل مهارة، أم أنه عمل مثل غيره من الأعمال، سيذهب أدراج الرياح ويطويه النسيان؟

روبرت جيمس والر من هؤلاء الكتاب الذين يكتبون لأجل الكتابة ولا غير، يعبرون فيها عن أحزانهم وأفراحهم، دون اكتراث لأي تصنيفات أدبية أو فنية. وهو من الذين يصعب تصنيفهم. ليس لأنه بارع في طريقة أو رؤية ما، بل لأن هذا الكاتب رجل اقتصاد، ويحمل درجة الدكتوراة في تخصصه، بل هو عميد كلية إدارة الأعمال في إحدى الجامعات الامريكية لعدة سنوات. أن تكون رجل يحمل في ذهنه كم هائل من العلوم المالية والاقتصادية، لا يعني ذلك أن تكون منفصلاً عن واقعك ومحيطك، خصوصاً إذا كان هذا المحيط يحمل مقومات أدبية وفنية. روبرت جيمس مؤلف موسيقي، ومغني. ما يكتبه يقوم بغناءه في أحد الأماكن التي تعرض حفلات موسيقية في ولاية آيوا الامريكية. كتب عدة مقالات أكاديمية، ومقالات يصفها البعض بأنها صعبة التصنيف، وأنا أقول بأنها مقالات تحمل صفة اليوميات، يوميات يكتبها كل الناس، يوميات عن الحنين والحب والعزاء والفقد والطبيعة. ليس عظيماً حين يتحدث عن الطبيعة كرالف إيمرسون، لكنه يصل مباشرة إلى قارئه ويحدث فيه ذلك التأثير، لأنه يتحدث من القلب، عن واقع عايشه وتفاعل معه ويريد من الآخرين أن يتشاركوا معه هذه التجربة. صدرت عدة مؤلفات من هذه اليوميات. من هذه الكتب،كتاب أغاني قديمة. في اليومية الأولى نلاحظ مشاعره حين بدأ يتفقد غرفة ابنته ريتشل التي رحلت إلى بوسطن للعمل، وتركت وراءها المنزل الذي عاشت فيه لثمانية عشر عاماً. روبرت جيمس يعبر في يومياته عن حبه لطفلته، من خلال ألعابها في غرفتها، والحيوانات التي تركت في المنزل، يرجع بالذاكرة إلى اللحظات الأولى لولادة الطفلة، الحدث الذي يغير حياة أي عائلة، وكيف سيتم التعامل معه، إلى اللحظة التي يودعها في المطار، وانطلاق الطائرة إلى جهة الشرق. رغم أنها أصبحت مستقلة وتعتمد على نفسها إلا أنها تبقى في نظر أبيها صغيرة. هذه مقال بسيط في محتواه وتعبيره، لكنه مقال يستدر في قارئ جيمس مشاعر الفقد والحنين والحب بأروع وأقوى صورة. أقوى اليوميات والمقالات تأثيراً هي تلك التي تخرج من القلب دفعة واحدة. المقال الثاني هو عن زوجته جورجينا، وحري بمن يريد معرفة نوعية مقالات روبرت جيمس أن يقرأ هذه اليومية، المقالة، التي لا تقل قوة عن مثيلاتها في كتاب أغاني قديمة وكتب أخرى.

أهم ما في كتابة هذه المقالات أو اليوميات، أنها نشرت دون خضوعها لأي تعديل لاحق. روبرت جيمس أصاب شهرة عظيمة كفلت له ثراء مادياً بعد نشر روايته الوحيدة. وكان لزاماً أن يجمع وينشر مقالاته في كتاب. وكان أن فعل ذلك دون خضوع هذه المقالات للتعديل. والآن، ما هو سبب شهرة روبرت جيمس والر ؟ ليست المقالات، أو الأغاني والتأليف الموسيقي، الجواب في رواية لا تتجاوز المائتين صفحة: رواية جسور مقاطعة ماديسون. جسور مقاطعة ماديسون هو العمل الروائي الأول لروبرت جيمس، والأشهر في تسعينات القرن الماضي. هذه الرواية وضعت المؤلف في مكانه لم يتصورها أو يضعها في مخيلته. ما هو سبب شهرة الرواية ونجاحها؟ حين أقول نجاح الرواية فأنا استبعد الفيلم الشهير المقتبس من الرواية، لأن الرواية نجحت وحققت عدة نجاحات في السوق الأمريكي، وتصدر لعدة أسابيع المرتبة الأولى في المبيعات، إلى درجة أنه تم بيع ما يقارب الخمسة ملايين نسخة في فترة زمنية قصيرة. فنجاح الرواية كان سابقاً للفيلم، ولم ينجح الفيلم أو يأخذ مكانته إلا باعتباره مكملاً للرواية وقائماً عليها.

قصة حب أخرى! ما الذي تركه تولستوي للآخرين كي يكتبوا عن الحب؟ يصعب تصور قراءة قصة حب أخرى بعد الذي خطه تولستوي في كبرى أعماله. لكن الحب في النهاية، أكبر من تولستوي وأدبه. ما دام في الجسد قطعة تحمل هذا التأثير الكبير في الحياة البشرية، فلن ينتهي الحب وقصص العشق في الأدب والشعر. لكن من الذي يستطيع أن يكتب قصة يسشعر فيها القارئ حرارة الحب، يحس بقوتها، أن هناك “شيء يحدث”، يعصف بالقلوب والعقول ويجعلها حائرة لا تعرف أين المفر. هذا هو السر كله. كيف تستطيع أن تكتب قصة حب دون أن تكون ساذجة، مكررة، دون أن تكون شيئاً عادياً لا تحس بقيمته!

هناك أغنيات، أغنيات قادمة من الريف، ومن غبار الطرق في الأرياف والمقاطعات. هذه القصة واحدة من الأغنيات كما يصفها روبرت جيمس. هناك من الملاحظات في هذا العمل الفني ما يجلعها جديرة بالانتباه. أولى هذه الرؤى هو في شخصية بطل الرواية روبرت كينكيد أو ما يسمى بالكاوبوي الأخير. روبرت في الخمسينات من عمره، متجول، عمله الأساسي وأساس عشقه هو في التصوير الفوتوغرافي وكتابة المقالات. يقطع الأرياف والحدائق الوطنية لممارسة عشقه لهذه الهوايات، أو بمعنى أصح هذه الأعمال، إذ أنها ليست هواية بقدر ما هي أساس حياته وسبب وجوده في المقطاعات والطرقات. يصل إلى ولاية آيوا الامريكية لكتابة مقالات وتصوير جسور معينة تحمل صفة تركيبية يجعلها فريدة من نوعها. جسور مسقوفة تربط بين ضفتي نهر قصير. هذه أولى إبداعات المؤلف في الكتابة الروائية. فقوة الرواية هو في ارتباط الرواية بجماليات المكان، بشيء لا يحمل قيمة ثقافية كبرى في الأوساط الثقافية، لكنه يحمل قيمة جمالية رائعة، هذه القيمة مرتبطة بالشكل، والمكان، والتصميم، والمحيط. قد لا يشعر بهذه الجمالية الشخص الذي يفضل السير على الطرقات للمرور فقط والاتجاه لمكان آخر، لكن هذه الجمالية ذات قيمة عند من يفضل التوقف، السير على الاقدام، التطلع إلى هذه التفاصيل الصغيرة، والتي إذا تم عزلها في إطار خاص بها، تصبح وكأنها ملحمة موسيقية، أو قصيدة. المؤلف لا يجعل من بطله يتطلع إلى هذه الجسور وكأنها مجموعة من الأخشاب، بل يريد أن يبث فيها الحياة من جديد، أن يجعلها – بالفعل – قصيدة. ولا يتأتى ذلك إلى بهواية بطل الرواية: التصوير الفوتوغرافي. لو نظرنا إلى زمن الرواية، فسنجد فترة فاصلة في التصوير الفوتوغرافي؛ بين الكاميرا التي يمسكها المصور، يأخذ زوايا المكان ويحددها بدقة، ينتظر إطلالة الفجر حتى تكون الإضاءة مميزة، وبين الفترة الحالية التي أصبح فيها التصوير مباشراً، تتحكم فيها التقنيات الحديثة وتجعل ما كان مستحيلاً أمراً واقعاً في ثواني معدودة. أجهزة التصوير الاحترافية، الانتظار، تحديد الإطار، الإضاءة، تغيير المكان، هذه عمليات يحتاج لفعلها المصور ليلتقط صورة للمكان، ولكن الفرق الأساسي، والأمر المهم والعظيم، أن تجعل من هذه الصورة حية، قائمة بذاتها. التصوير الفوتوغرافي ليس من أجل التصوير بحد ذاته كعمل وممارسة ومهنة، بل التصوير لبث الحياة في الصور، أن تضع في هذا المكان شيئاً خاصاً بك، أن تكون الصورة قصيدة.

مثلما يكتب تولستوي تفاصيل المعارك في بوردوينو أو أوسترليتز ، مؤلف الرواية – عبر بطله روبرت كينكيد ، يستقصي جسر روزمان في ولاية آيوا. يرسم حدود الصورة وجمالياتها، يحدد مساحة الانتقال من مكان لآخر، ويحدد الوقت المفضل لإلتقاط الصورة؛ لحظة الفجر، لحظة الغروب. معركة لاكتشاف الصورة؛ القصيدة. لكن الأغاني تأبى إلا أن تقتحم عالم الكاوبوي الأخير، ليتجسد في شخصية فرانشيسكا، الشخصية الرئيسية الثانية في الرواية، والتي كان لعلاقتها مع بطل الرواية قوة التأثير في الصورة، وجسر روزمان.

يقول روبرت جيمس والر في مقابلته التلفزيونية الشهيرة بعد نجاح الرواية، بما معناه أن الرواية كان أساسها الصورة، لم تُكتب الرواية ولم يضع مخطط إلا بعد ما قام بتصوير جسر روزمان. وكأن هناك أغنية انطلقت من هذا المكان، لكنها أغنية منسية تحتاج لأن يتم اكتشافها وإعادة إحيائها من جديد. يقول بدأت الرواية كمقطع لأغنية أردت تأليفها، يقول المقطع: أعرف بأن لديك حلمك الخاص فرانشسيكا. ثم تطلعت لصورة جسر روزمان وفجأة بدأت بعض الأسماء بالظهور مثل روبرت كينكيد. عدت للمنزل، وبدأت الكتابة، ولم تأخذ الرواية أكثر من أسبوعين فقط، وأصبحت الأغنية: جسور مقاطعة ما ديسون.

لو قرأ الروائي الإنجليزي الشهير ديفيد هربرت لورانس رواية جسور مقاطعة ماديسون لصفق لها طويلاً، لأنها المثال الأبرز والصورة الأكمل لأفكاره حول الجسد والحب، و التي نشرها في بعض مقالاته الفكرية وأعماله الروائية. شخصيات الرواية كبيرة في السن، ليسوا شباب يكتشفون الحب في شبابهم، بل ظهر لهم بصورة مباغتة دون تخطيط مسبق. هل اكتشفوا الحب مؤخراً وهو على كبر من العمر، أم أن هناك إحباطات وعلاقات سابقة لم يكتب لها النجاح ليظهر لهم في ذلك التوقيت، وهو منخرطين في علاقات إجتماعية لا تسمح بنشوء وتطور مثل هذه العلاقة؟ الأمر الذي يجب أن يقال؛ لم يكن هناك حب في البداية. كل ما في الأمر هو حب الاستطلاع والاكتشاف، مثلما فعلت فرانشسيكا – أو بصورة أوضح ميريل ستريب في الفيلم- حين تتطلع من خلال النافذة إلى ذلك الرجل الممتلئ حيوية والمتحرر من كل العلاقات، العاشق للطرق والمقطاعات والتصوير والكتابة، لا تتطلع إليه وهي الزوجة والأم والمثقلة بمسئوليات وارتباطات عائلية ومجتمعية، بل كفتاة؛ اكتشفت شيئاً يصعب وصفه وتسعى لإكتشافه، بكل ما يعني الاكتشاف من معنى، إلى حد الانطلاق نحو ذلك الرجل الغامض المتجول. هذه هي القضية الأساسية: هل من الممكن أن تنجح هذه العلاقات في ظل وجود مجموعة من العوائق التي تحظر ذلك؟

أسلوب روبرت جيمس في الكتابة ليس مباشراً. إنه يستخدم تقنياته التي يمارسها في كتابة المقالات والأغاني ليصف الحالة الشعورية لأبطال روايته، من خلال الذكريات، الأغاني، الرسائل. أجمل ما خطه الروائي في عمله هذا هي الرسائل. رسائل غير مباشرة، لا يعرف الطرف المرسل إن كان المرسل إليه سيقرأ رسالته أم لا. المهم أن يكتب، أن يعبر عن شوقه وحياته وظروف فراقه والحالة التي يعيش بها الآن. وإن كان بطل الرواية غاب عن القراء حين غادر المقاطعة مرغماً إلا أنه ظل حاضراً برسالته. بينما رسالة فرانشسيكا هي الأقوى تأثيراً وبراعة، ليس لأنها موجهة لذلك المصور الغامض، بل لأبناءها. فهي وإن كافحت في حياتها واحتفظت بمسئوليتها الاجتماعية تجاه العائلة والأطفال، إلا أنه حان الوقت لأن تفصح فيها عن نفسها، بكل حب، نحو الرجل الذي عاشت معه أربعة أيام، تلك الأيام التي تحمل ذكريات وأحاديث وأصوات وأغاني يجب أن تسمع، وتنطلق نحو جسر روزمان.

لم أعرف الرواية من قبل، ولم أسمع بالروائي كذلك. شاهدت فيلم جسور مقاطعة ماديسون وأعجبت به. فيلم يحمل جماليات أفلام التسعينات، ليس فيه من مقومات المدنية الحديثة والتكنولوجيا. قصة هادئة وبسيطة من الريف والمقاطعات. وهذه البساطة والهدوء في العمل السينمائي ليس مستغرباً أن يُظهر عملاً جميلاً، لكن المفاجأة أن الممثل والمخرج كلينت إيستوود هو من قام بتمثيل دور روبرت كينكيد. هذا يعطي تصور بأن بعض المخرجين حين يبتعدون عن المسار الذي ساروا فيه، قد يقدمون أعمال أجمل. هل يمكن تصور كلينت دون أفلام الغرب الأمريكي والحروب والقضايا السياسية؟ فكيف يظهر بهذه الصورة الملفتة للانتباه في دور رجل يعشق التصوير والترحال. كلينت في إخراجه لهذا العمل يوازي المخرج ديفيد لينش عندما أخرج فيلم قصة ستريت، وهو علامة فارقة واستثنائية في تاريخ سينما هذا المخرج المثير للجدل.

بعد مشاهدة الفيلم، كان لدي تصور أن الرواية لا تقل قوة عن الفيلم. وأنا أقرأ، كانت تظهر لي بين الصفحات ميريل ستريب وكلينت في النص، لم أستطع مفارقة الصورة السينمائية عن القراءة الروائية. ومع ذلك، الرواية عظيمة ورائعة، والفيلم جميل، واكتسب جماله من قوة النص الروائي الذي خطه روبرت جيمس والر.

أتمنى أن تترجم أعمال روبرت جيمس إلى العربية، وتحديداً: جسور مقاطعة ماديسون، وأغاني قديمة.

هذا المنشور نشر في أدب أمريكي. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s