يا يبه

يا يبه

منذ تلك اللحظة التي صمت فيها ولم تعد تتجاوب معنا، منذ تلك اللحظة، قبل شهر على وجه التحديد، حين رحلت إلى الله، فقدتك، وفقدت جزءًا كبيراً من حياتي وكياني معك. اكتب إليك وأنا موقن بأن صوتي لا يصل إليك. لكني اكتب في محاولة لأن احتفظ بك في ذاكرتي وعقلي، في تاريخي وحياتي. اكتب وأقص عنك وأخاطبك لأبكي يا يبه. أنا الذي ظننت بأني قادر على تلقي صفعات الحياة والقدر، وأستطيع تحمل الشدائد والعظام، ما إن أسمع حديثًا عنك، أو أشاهد صورة لك، أو أحمل أشياءك العزيزة على قلبك، حتى أفقد السيطرة على نفسي، وأبكي. أبكي حبا لك، وشوقا لك، وحزنا على فقدك وفراقك.

حين أنظر يا يبه إلى سيرة حياتي القصيرة هذه، أجد تفاصيلك الحية في كل نقطة مركزية منها. كنت تؤدي دورك كأب يرعى ابنه، يسهر عليه، يداويه، يقف معه، ولا تنتظر الشكر والعرفان. كان هذا دورك الذي كتب لك، ولم تعرف أن دورك كأب ووالد كان ساحقا ومؤثراً. لم أعترف لأحد من قبل، حتى لك، لم أعترف لك بذلك. لكني أشهد بذلك، أنك، في تلك اللحظة التي شاهدتني فيها قد قاربت على السقوط الهائل، كنت أنت من أمسك بي، وانتشلني، وأنقذني، كنت أنت من أشعل فيني شرارة الأمل، أن أكون إنسانا جاداً يستطيع أن يفعل، ويعيش، مثلما فعلت وعشت حياتك العظيمة.

ظننتك خالداً يا يبه. طوال سنين عمرك الثمانين، كنت أظنك ستكون خالداً. كنتَ عظيما في حياتك. عشت يتيما في طفولتك. لكن ذلك لم يمنعك أن تعيش الحياة بكامل تفاصيلها الحيّة والرائعة. لم يكن لأحد فضل عليك، إلا الله. حوّلت كل ما كان سيئا ومحبطا إلى شيء سعيد ورائع. لم تكن تحلل الحياة وتفكر فيها كثيراً، كنت تفضل الإنطلاق والعمل مباشرة، أن تفعل، لتعيش. امتلكت محلاً تعمل فيه، لم يعلمك أحد الحرفة التي تحب. أنت من علمت نفسك، وكنت معلما في صناعتك الخاصة. غير أن هناك شيئا واحداً أعدّه أعظم ما في حياتك يا يبه. شيئا عظيما، يجعلني أتساءل غير مصدق: كيف كان لك القدرة الهائلة على أن تصفح عمن ظلمك؟ أن تصفح وتغفر لمن صادر ما هو حق شرعيّ ثابت لك؟ كنت تحكي لنا تلك الحادثة مراراً في طفولتنا. وتوقفت عن قولها عندما كبرنا، وبعد أن توفى كل من ظلمك وصادر حقك. كنت تشعر بمرارة الظلم الواقعة عليك، لكن، في عمرك الستين، قررت أن تغفر وتمضي في حياتك الممتدة أمامك يا يبه.

هل كنت تعرف يا يبه ما الذي كان يجري طيلة هذه السنوات الثلاث الماضية؟ ظننت بأنك تعرف، لكن الواقع الذي تم الكشف عنه في رحلة مرضك الأخيرة، أنك غير موقن بما جري يا يبه. تحوّل نظام بيتنا إلى حياة طوال الأربعة والعشرين ساعة دون أي راحة. منذ أن فقدت القدرة على السير، وأنت لا تستطيع أن تنام ساعة كاملة متواصلة. طوال هذه السنوات الثلاث كلها. كيف استطعت تحمل هذه الحياة دون أن ترتاح ولو لساعة واحدة كاملة؟ كان ضيق التنفس حجر عثرة في طريق حياتك. حطّم صدرك، لكن قلبك وروحك كانت كما هي. وأمي يا يبه قصة أخرى. مهما كتبت عنها لن أوفيها حقها. لم تستطع النوم كذلك لثلاث سنوات متواصلة، كان نومها متقطعا. وكيف ينام المرء وأنت تنادي كل ساعة، كل نصف ساعة، كل عشر دقائق. كان ذلك النداء ينطلق في الفجر، في العشاء، والمغرب، وكل وقت. تناوبنا أنا وأختي وأمي عليك يا أبي طيلة هذه السنين. وحين تأتي أيام الاجازة، أبقى بقربك، وأطلب من أمي أن ترتاح لساعات علّها تهنأ فيها.

منذ شهرين، ذهبت يا يبه في نوم عميق. لم نصدق أنك نمت لعدة ساعات متواصلة، كان ذلك شيئا استثنائيا،ً لكنه الاستثناء الذي لا مثيل له. كنت تستيقظ عندما ننادي عليك، لكنك لا تعرف حينها ماذا يجري، وترجع إلى غفوتك. ذهبنا بك إلى المستشفى، وهناك، بدأت معركتك الأخيرة مع التنفس ونقص الاكسجين. كانت معركة طاحنة امتدت لثلاث سنوات، كنت تقاسي فيها الضيق وعدم الراحة، والشعور بالتعب والارهاق. انتهت المعركة بإدخال أنبوب التنفس في جسدك. لم أستطع تخيّل جسدك وأنت في هذه الحال. كنت أراك دائما قويا،ً تحمل من مصاعب الدنيا الشيء الهائل، فكيف لك أن تكون على هذه الحال التي لا تنتمي لطبيعتك. من هذه اللحظة يا يبه لم تعد لديك القدرة على الكلام. ذهبت في غيبوبة عميقة. غيبوبة حرمتني أن أسمع صوتك ولو لمرة واحدة. كنت أريد أن اسمع صوتك ولو لمرة واحدة فقط، أن تقول ما تشاء، أي شيء، فقط أن أسمع شيئا من صوتك الذي أعرف وتربيت عليه. ذلك الصوت الجهوري الذي يحفر في الذاكرة. كيف يمكن ألا أسمع ذلك الصوت القوي الهادر الذي لا يجد المرء مفراً من أن يطيع وينصاع له؟ تخبرني الطبيبة المناوبة عنك، تقول إنك كنت تنادي بعدة أسماء قبل أن تغفو. كان من بينها اسمي: ممدوح. ليتني كنت هناك لأسمع الأسماء، أحتفظ بها إلى أن أموت. لكنك رحلت ولم أسمعها منك.

في الأسبوع الثاني لغيبوبتك، حضرتُ لزيارتك. كانت أمي- كما هي دائما – معك، بالقرب منك. تقرأ عليك، وتمسح على رأسك. أمي قوية، لكني كنت الضعيف حينها يا يبه، وبكيت عليك. بكيت على حالتك، وتلك الأجهزة الموصولة بك من كل جانب، تمدّك بالحياة. تقول لي أمي: اذكر الله، واحمد الله على كل حال. وادعُ له. طلبتْ مني حينها أن أقوم بالاعتذار إليك، وأن استسمح منك. قرّبت رأسي نحوك، وأمسكت رأسك بيدي اليمني. قرّبت فمي علّك تسمعني. وحين هممت أن أقول إني آسف على كل شيء، كل شيء فعلته، حتى لو كان جيداً، ضاعت الكلمات تماما. لم أستطع أن أعتذر إليك، لم أستطع قول شيء، ليس لأنه ليس هذا وقت الاعتذار، بل لأن قلبي تلك اللحظة كان لا ينبض إلا بحبك. كنت هائما بك، وحزينا وخائفا عليك.

في اليوم الأخير لك في هذه الدنيا، زرتك. كنتُ مثقلاً بالألم يا يبه. التنفس يحاصر جسدك. والدم أصبح سائلاً، متسمما،ً بصفائح قليلة. لكن، كنتُ سعيدا لأنك لا تشعر بشيء يؤلمك أو يضيّق عليك راحتك. لم أستطع الاقتراب منك. الأجهزة عليك من كل جانب. ونبضات قلبك بدأت تضعف. قال الطبيب إنه مع أي انخفاض جديد في نبضات القلب، ستكون الفرصة نادرة. وأضاف معتذرا: قمنا بكل شيء، والأمر بيد رب العالمين. هممتُ أن أقبّل رأسك، لكن لم أستطع، لا يوجد منفذ إليك. قبّلت صدرك، واحتضنته، وغادرت. كانت أختي بالقرب منك. تقول لأمي: إن ممدوح قبّل والده وكأنه يودعه. لم أودعك يا يبه حقيقة، لأني لا أستطيع تخيّل كيف أودعك.

في الرابعة فجراً يا يبه، نادتني أمي. كنت أحاول النوم ولم أستطع. وحين التفتّ لأردّ عليها، اكتشفتُ أنها غادرت. هل كان حلما أم حقيقة؟ ذهبتُ لأستطلع الأمر، يقينا بأني سمعت أمي تناديني. وحين ذهبت عدة أمتار وجدتها واقفة. ما الأمر؟ لم أرَ أمي بهذه الحالة من قبل يا يبه. كنت أسال: ما الأمر؟ ما الذي جرى؟ كانت تبكي بكاءً صامتا،ً لا تريد أن تخبرني بحقيقة ما جرى بصورة مفزعة. أمسكتُ بها بقوة وسألتها مرة أخرى بصوت أعلى عن الذي يجري، لم تجاوبني يا يبه. بكت تلك اللحظة. بكت بحرقة، وهي تقول بصوت متقطع: أبوك. عرفت حينها حقيقة الأمر، لا داعي للتفسير. احتضنتها، أحاول تهدئتها. غير أنها كانت البداية الحقيقية للبكاء، للفقد، لفقد الأب والزوج والروح الخالدة التي كانت تظلّ هذا البيت وتسكن فيه.

ذهبت إلى المستشفى. انتظرتُ في الخارج ساعة كاملة قبل أن يُسمح لي بالدخول. صعدت إلى غرفة العناية المركّزة، حيث يرقد جثمانك. كانت أختي وعمي هناك. وحين شاهدت جسدك المغطى بكيت يا يبه. رأيتك الليلة الماضية، وها أنا أراك مغطّى. كشفت عن وجهك، وقبّلت رأسك مرات عديدة، وبكيت على صدرك. كان وجهك يفيض بالألم الذي قاسيته سنوات طوالا، لشهرين ماضيين، حاصرتك مختلف أنواع الأمراض، انقضّت عليك واحدا تلو آخر. أيقنت أن هذه هي الحقيقة، أنك غادرت إلى جوار ربك.

من نعم الله علي يا يبه، أني رافقت جسدك منذ أن رحلت إلى جوار ربك حتى منزلك الأخير. كنت أنا الوحيد من أبنائك الذي رافقك فيها، كل دقيقة، كل ثانية. لم أتركك. أخذتك إلى المسجد. وطلبت منهم أن ينتظروني، سأكون أنا من يقوم بتغسيلك وتكفينك. وحين رأيتك ممداً يا أبي، كنت سعيداً. سعيداً وفرحا. رأيت جسدك الذي يتحمل الآلام، رأيت جسدك القوي، رأيته وكأنّ الحياة قد عادت إليه. انتصر عليك المرض في الحياة، لكنك انتصرت عليه في الموت. وها أنا أشاهد بياض صدرك، ووجهك الذي أعرفه، قويا وعظيما. اتصلتُ على أمي وكل أخوتي. طلبت منهم أن يأتوا لرؤيتك ويسلّموا عليك. حضروا كلهم. وقفتُ فوق رأسك، أحاول أن أواسيهم لفقدك. كنت أحاول أن أشد أزرهم، قائلا إنك بين يدي رحمة الله، وهذه الأقدار التي سنسير إليها. لكن كيف يمكن أن تهدّئ من روع أهلك على فقد رجل هو أبوك؟ كانت أمي أول من شاهدك. قبّلت رأسك واحتضنتك. بين القبلة والأخرى كانت تعتذر على ما فعلت. تعرف أمي جيداً يا يبه. لقد تحمّلت وقاست الكثير معك، في مرضك. لكنها الأم والزوجة المحبة، تعتذر وتتأسف وتحلل الزوج والحبيب والراعي. ومروا تباعا إخوتي الباقون. منهم من ارتمى على صدرك، منهم من أمسك بقدميك، وكأنه يريد الاحتفاظ بها، يقبلها بين الفينة والأخرى. ولا زلت واقفا فوق رأسك، أحاول تهدئة من تعرضوا للفقد.

كنت متماسكا وقويا. وحين انتهوا طلبت منهم المغادرة، جميعا. لا أريد أن أودّعك وهم موجودون. كنت أريدك لوحدي. وحين غادروا، صغارً وكباراً، ارتميت عليك يا يبه. ألقيت بكامل قواي على جسدك، على رأسك وصدرك. بكيتُ كثيراً. ولو كان الوقت طويلاً، لبقيت هناك أطول. لو كان البكاء مقدّسا،ً فسيكون تلك اللحظة. لم أبكِ يوما على فقد أحد مثل فقدك. ولم أحزن على حدث مثل حزني على موتك. كنتَ نعم الأب، ونعم الزوج، ونعم العم، ونعم الجد.

منذ أن سكنت في منزلك الأخير في هذه الدنيا، وأنا بين فينة وأخرى أذهب إليك. أصلّي عليك، أسلّم عليك. أتحدّث معك، على أمل أن يكون هناك طريقة كي تسمعني. أخبرك فيها بما يجري وما يحدث. أخبرك أن فقدك وغيابك كان هائلاً وموجعا. أن الجميع يتسابق على صورك الشخصية والاحتفاظ بها. أخبرك بأننا نتقاسم الحديث عن حياتك، عن أفعالك. أخبرك عن أمي التي تترضّى عنك وتدعو لك كل وقت. أحدّثك عن بناتي، حفيداتك: ديمة وسارة. كلما مر اسمك وذكرك لا أجيب إلا دامعا. أعرف منزلك الأخير جيداً يا يبه. حين فرغنا من دفنك، خشيت أن تضيع من بين زحمة القبور. فأخذت شماغي الذي أرتدي، وقمت بربطه على شاهد قبرك. وكأني أحب أن يرتبط شيء ما خاص بي، بمنزلك الأخير في الدنيا يا يبه.

أحبك يا يبه. الله يغفر لك ويرحمك.

ممدوح

هذا المنشور نشر في يوميات. حفظ الرابط الثابت.

5 Responses to يا يبه

  1. Yazeed كتب:

    رحم الله والدك وأسكنه فسيح جناته

  2. amal كتب:

    الله يرحمه ويغفر له 🙏🏻 ربي يلطف بكم ويمسح وجعكم وفقدكم بجميل الصبر والسلوان.

  3. نوره كتب:

    الله يرحمه و يغفر له ويرزقكم الصبر و السلوان

  4. البتول . كتب:

    أبكيتني :”””
    الله يرحمه ويغفر له ويسكنه فسيح جناته
    والله يربط على قلبك.

  5. MunaMkhaddor كتب:

    ممدوح !! , يالله ..
    الكلام اللي وصفت فيه حالك و حالك والدك العظيم أشوف فيه أنا و أبويا بكل كلمة .
    تشبهني بالتفاصيل لكن متأكدة إنك تملك قوة أكثر مني بأنك قدرت تكتب و تكتب و تكتب بينما أنا فقدت الكتابة بمجملها .
    الله يجبر فقدنا و قلبنا و وجعنا و ألمنا و دموعنا .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s