حذار من الشفقة


قد يكون هناك اختلاف حول مركز ستيفان تسفايج في فن الرواية، وهل هو روائي مبتكر من الصنف الأول من الروائيين العباقرة الذين أحدثوا تأثيراً هائلاً في مسار الأدب في القرن العشرين، أم هو من صنف آخر لم يحدثوا تأثيراً هائلاً، لكن استطاعوا أن يقدموا أدباً متميزاً لا تكاد تلمح منه أي سلبية. تسفايج يصعب تصنفيه. فهو كاتب متعدد في اتجاهاته الأدبية، ويرجع ذلك التعدد إلى عشقه للفن والأدب والتغيرات الكبرى التاريخية وحياة الأدباء والفلاسفة. يذكر في سيرته في كتاب عالم الأمس بما معناه أن أروع لحظات حياته عندما شاهد خادمة غوته، العين التي شاهدت غوته العظيم شاهدها. إذا كانت رؤية فرد شاهد أديب آخر يحبه الكاتب، فكيف هي نظرة تسفايج للأدب والفن؟ تسفايج في المقام الأول قارئ، ومن كبار قراء القرن العشرين بلا جدال، ومفكر نقدي، يكتب النقد الأدبي عن عشق وحب للأعمال الأدبية. لا يكتب لمجرد الكتابة النقدية، بل يكتب وهو مستوعب لما يريد الكتابة عنه ويفهم كل مداخل ومخارج المادة التي تتعرض للنقد الأدبي. فهو حين يكتب عن بلزاك فهو يقرأ كل أعماله الروائية والقصصية، ثم يكتب عنه لا بروح الناقد الذي يبحث عن الزلات أو الأخطاء، ولا هو بالناقد الذي يغرق في مصطلحات وأساليب لا تكاد تفهم منه شيئاً، هو يكتب كقارئ عاشق لبلزاك، يريد أن يشاركه الآخرين ما وجده من فن وإبداع قل أن يتكرر في أعمال الملاحم الإنسانية الأدبية. وهو كذلك كاتب متخصص في سير بعض الأدباء والفلاسفة. ما يجمع كل هذه الفروع من الكتابة هو الفن، الفن الذي يضرب في الروح. وستيفان تسفايج إن لم يكن عبقرياً مؤثراً مثل كافكا أو جويس، فهو فنان عصره، العصر الذي امتد قبل بداية القرن العشرين إلى منتصفه.

أي أدب، مهما كان تاريخه وثقافته لا يخلو من الكتابة عن الحب، يكاد يكون أمراً فطرياً مشتركاً بين كل الثقافات والاتجاهات. لكن ما يميز كل كاتب عن الآخر هو في طريقة كتابته عن الحب: تصوراته عنه ورؤيته وتأثيراته الممتدة. يمر في ذهني عدة مؤلفات عن الحب: من ستندال في كتاب الحب إلى المؤلف الاسباني خوسيه أورتغا في كتاب دراسات في الحب، إلى كيركيجارد في أعمال الحب وابن حزم في مؤلفه طوق الحمامة، ورسائل أبلار وإلوزا البديعة.
هل يجب أن أقرأ دراسة ما أو تحليل لعدة أعمال أدبية حتى يقدم مؤلف ما تفسيره للحب: ظاهرة وشكلاً وتصوراً وتأثيراً؟ كل فرد في هذه الحياة مر بتجارب عديدة في الحب يصعب حصرها وتفسيرها إذ تختلف في ظروف نشأتها، واتجاه هذا الحب، وهل هو حب دائم حجز له في القلب مكاناً أم هو عابر لا يكاد يسجل له أثر في الذاكرة. والحب تجاه الطرف الآخر يختلف: من هو الطرف الآخر الذي تحب، وماهي نوعية العلاقة ودرجة القرب والبعد منه، وهل هي علاقة حب فطرية أبوية أم هي تلك العلاقة الأزلية بين الرجل والمرأة؟ والصداقة التي تكاد تكون مثالية للغاية ورائعة، هل الحب هو الأساس في هذه العلاقة؟ وما هي درجة هذا الحب، إذ لا يمكن تصور الحب صورة واحدة، بل عدة صور يصعب حصرها، وكل صورة منها يحمل معه التأثير الخاص به.

الرواية لا تفسر الحب، بل تقدمه كما هو، وحين الحديث عنه يكون هدف الروائي منصباً على درجة العمق والاتساع والتأثير والسبب والنتيجة وإلى أين سيؤدي. تولستوي في آنا كارينينا لم يفسر لنا العلاقة، بل أظهر التأثير لعلاقة الحب التي جمعت بين أبطال الرواية وكيف انتهت كل علاقة أو بمعنى أصح إلى أين اتجهت هذه العلاقة، إذ لا يوجد نهاية للحب.

إن كنت سأتخذ مثالاً رائعاً لروائي يكتب عن الحب، سيكون الاختيار من نصيب الروائي النمساوي ستيفان تسفايج في رواية حذار من الشفقة وفي عدة أعمال قصصية قصيرة مثل أربعة وعشرين ساعة من حياة امرأة. تسفايج ليس أعظم من كتب عن الحب، هناك مؤلفين وفلاسفة أبدعوا إيما إبداع في الكتابة عنه، ومن بينهم تسفايج كذلك، لكن تسفايج يتميز برؤيته الخاصة التي نادراً ما تتكرر عند أي روائي آخر، له مسار خاص به.

من بين كل أعماله الأدبية والقصصية، تحتل رواية حذار من الشفقة الصدارة في قوتها وتأثيرها في أدب تسفايج، إذ يصعب اكتشاف أي زلة في هذا العمل الأدبي المكتمل الأركان. إن كانت القصة، فهي قصة متسلسلة لا تكاد تلمح أي زوائد أو نقص في تركيبتها وبنيانها. وإن كانت اللغة، فلغة تسفايج بديعة في تصويرها للمشاعر الداخلية والانفعالات التي تضرب في الروح. لم أقرأ سيرة تسفايج حتى أعرف بمن تأثر، لكن من اتجاهه في الكتابة عن الحب في هذا العمل الأدبي، فهو سلك اتجاه الروائي الروسي تولستوي في بيان تأثير الحب وعواصفه المدمرة على النفس البشرية، لا الحب الذي نهايته سعيدة ومثالية، بل الحب الذي أعلن عن حضوره وكان بمثابة الموت.

القصة بسيطة للغاية، ضابط شاب من الطبقة المتوسطة يزور قصر عائلة ثرية في محاولة منه لاكتشاف نمط حياة جديدة تسعفه في حياته العسكرية والعامة. في الوقت الذي كانت رقصة الفالس ترسم صورة حالمة في قاعة القصر الكبيرة، يتقدم الضابط لطلب يد فتاة صاحب القصر لمشاركته الرقص. كان الرد غير متوقعاً ولا يمكن تصوره، إذ كيف يتقدم هذا الضابط الشاب الممتلئ حيوية ونشاطاً لطلب الرقص مع فتاة لا تستطيع المشي على قدميها بسبب حالة مرضية! هذه هي القصة بكل اختصار: نظرة الضابط لهذه الفتاة كانت بسيطة للغاية، مجرد رقصة واحدة. كيف ستتحول نظرة هذا الشاب لهذه الفتاة بعد أن يكتشف أن من يدعوها للرقص فتاة مشلولة لا تعرف للسير طريقاً!

في هذه الرواية يقدم ستيفان تسفايج رؤيته الخاصة للحب والشفقة من خلال علاقة الضابط والفتاة المقعدة. هذه الرؤية ليست نظرية أو محاولة للتفسير، بل يكشف كل واحد من أبطال الرواية التأثيرات العاصفة والمدمرة للحب والشفقة من خلال الفعل ورد الفعل. تبدأ العلاقة بصداقة مثالية دافعها الشفقة والرحمة، هذه الشفقة تتحول بصورة أو بأخرى إلى نوع من الاعجاب والصداقة والحب. لكن، إن كان للحب هذا التأثير الهائل، فهل يكون للشفقة تأثير هائل كذلك يقارب الحب في قوته وتأثيره؟ ما مصير علاقة قائمة على الشفقة ابتداءً، لا عن إعجاب وحب. لم يترك تسفايج نقطة واحدة في محاولة تفسير علاقة الشفقة والحب إلا وجعلها محور أحداث الرواية. نرى الحب يحمل ذلك التأثير الهائل الذي يرفع الفرد إلى أعالي السماء، تأثير قادر على أن يحدث من المعجزات الشيء الكثير، كأن يحرك الجبال، أن يكون دواءً وشفاءً. ونرى الحب كذلك من جهة أخرى يخلق أزمة وجودية لا قدرة للفرد على تحملها، ولا يوجد منفذ من هذا الحب المدمر إلا في الهروب من هذه الحياة بكليتها إلى مكان آخر ينتهي فيه التفكير بأي شيء على الاطلاق، أي الموت. وعلى الطرف الآخر: الشفقة دافعها الرحمة والعطف، ولكن، هل هناك وجه آخر للشفقة لم يرى من قبل؟ كأن تكون الشفقة مدمرة، قاتلة؟ مجرد التصور بأن للشفقة اتجاه مغاير عن الصورة المثالية الأخلاقية يصعب تصورها، لكن تسفايج يضعها في موضع الاختبار، يجعل من الشفقة والحب في حالة صراع مدمر. لم يذهب تسفايج إلى الحب مباشرة عبر الاعجاب أو لفت الانتباه، بل ذهب إليه من باب آخر هو الشفقة. وهو في طريقه هذا رفع الحب إلى درجة سامية عالية، لكن هذا الارتقاء الرفيع كان في طريقه لأن يسقط سقوطاً مريعاً.

من الأعمال القصصية البديعة لتسفايج هي قصة أربعة وعشرين ساعة من حياة امرأة. ذكرت سابقاً بأن تسفايج تأثر كثيراً بتولستوي في رواية حذار من الشفقة. في هذه القصة القصيرة تسفايج سلك درب دوستويفسكي في الكتابة عن المقامرة وبيان تأثيرها. دوستويفسكي حين كتب رواية المقامر، كان يكتب بعين الخبير المجرب الذي فقد كل ما يملك في الرهونات. تسفايج كفنان يرسم صورة مقاربة لمقامر دوستويفسكي، من خلال منظار امرأة تنظر إلى طاولة اللعب. بطلة الرواية دخلت قاعة الألعاب هذه في محاولة لتسلية النفس. لكن عينيها وقعت على صورة متدفقة للحياة، صورة مريعة هائلة جذابة. هذه الصورة متمثلة في يدي الرجل المقامر الذي يمارس هوايته في هذه اللعبة المحفوفة المخاطر. المرأة تصف اليدين بمختلف تغيراتها، من الفوز إلى الخسارة، شعور الانتعاش الذي يأتي بعد فوز، وشعور السقوط بعد هزيمة. التحليل السيكولوجي لحالة المقامر انحصر في اليدين فقط. وكأن كل ما في القاعة ليس له وجود في هذه المساحة الشاسعة، فكيف يتأتي للفنان الكاتب أن يحلل مختلف الصنوف من المشاعر البشرية من خلال يدين فقط؟ كان تسفايج يكتب عدة صفحات ولا نكاد نقرأ رسم صورة لوجه البطل أو شكله أو تصرفاته، بل نعرفه من الداخل من خلال اليدين فقط. لكن، أي عين هذه القادرة على تحليل نفسية المقامر وصراعاته مع المقامرين؟ لكي تستطيع النفاذ إلى نفس البطل، يجب أن تكون هذا العين لها الدافع الحاد والرهيب بأن تفسر ما يجري على أرض الواقع من تغيرات وتبدلات على اليدين، وإسقاط هذا التبدل والتأثير على كيان المقامر نفسه وروحه، ولا يتأتى ذلك الدافع الهائل إلا بنظرة امرأة سقطت عاشقة بكل ما فيها لسحر تلك اليدين الممتلئة حياة. أحبت تلك اليدين وانقادت لها بصورة مفجعة، وكأنها أصبحت تحت سيطرة تلك اليدين وانفعالاتها. هذه صورة أخرى لتسفايج حين يكتب عن الحب: يصبح الفرد منقاداً بلا وعي إلى الطرف الآخر، لا يعرف كيف يسيطر على نفسه، وكأن العقل اختفى تماماً عن المشهد الإنساني وأصبح القلب هو المحرك الرئيسي. تسفايج في محاولته لرسم الصورة السيكولوجية للمقامر لا ينبئ عن فنان أديب استطاع أن يرسم هذه الصورة لمرة واحدة فقط، بل كانت له تجربة أخرى أقوى منها في قصة لعبة الشطرنج، وهي رائعة من روائعه القصصية القصيرة. يصعب تصور أن يخلق الفرد من نفسه شخصية أخرى تعيش معه من أجل الشعور بالقلق والحرية والهرب من مصير الموت والحصار.

قصة قصيرة أخرى هي رسالة من امرأة مجهولة، وإن كانت أقل قوة من سابقتها، لكن لها ذلك التأثير الدرامي لعقل فتاة سقطت بكل ما فيها في حب رجل لا يعرف عنها شيئاً غير الجسد. كنت قد شاهدت فيلماً للمخرج ماكس أوفولس عن هذه القصة، وفي نظري أن الفيلم كان أكثر جمالية وقوة من القصة بكثير لعدة أسباب. القصة تحمل صوتاً واحداً هو صوت امرأة عاشقة، لا تكاد تسمح صوت الطرف الآخر أو حضوره. في الفيلم لا يمكن أن يكون الصوت الواحد هو المسيطر إذ يجب أن يكون هناك الطرف المقابل حتى يظهر التأثير الحي والقوي للقصة. ولمسات المخرج الألماني كان لها ذلك التأثير الجمالي الذي جعل من هذا الفيلم واحدة من روائعه السينمائية.

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب ألماني. حفظ الرابط الثابت.

One Response to حذار من الشفقة

  1. مقال رائع ،
    لقد تحمست لقراءة أعمال شتيفان تسفايج.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s