باتريك موديانو أو أدب الذاكرة



في عام 2014 أعلنت الأكاديمية السويدية منح جائزة نوبل للآداب للروائي الفرنسي باتريك موديانو. لم يكن فوزه مفاجئاً أو متوقعاً. أشار البعض بأن إعلان فوزه بالجائزة أعاد الروائي الفرنسي إلى دائرة الضوء من جديد، داخل فرنسا وخارجها، بعد أكثر من ثلاثين سنة من فوزه بجائزة فرنسية مرموقة للأدب. قالت لجنة نوبل الأكاديمية إن الروائي الفرنسي استحق الجائزة بسبب تمكنه من فن الذاكرة الذي أنتج أعمالا تعالج المصائر البشرية العصية على الفهم، وكشف العوالم الخفية للاحتلال.

يقال؛ عندما تريد رسم خارطة لدبلن يجب عليك أن تستعين بجيمس جويس، الذي رسم خارطة حية في أدبه للعاصمة الإيرلندية. ويقال: لا يمكن قراءة ومعرفة التاريخ الفرنسي في القرن التاسع عشر دون أن تعرف طباع الناس وحياتهم وأفكارهم من خلال الأديب الفرنسي دي بلزاك. لا يمكن تصور كتابة تاريخ فرنسا دون المرور بكوميديا بلزاك. وأقول: باتريك موديانو هو مسّاح باريس ورسامها الأبرز في الأدب الفرنسي. لا يكتب عنها بعشق كما يكتب فيكتور هيجو، ولا يستغرق في وصف الشوارع في الحدث الروائي كما بلزاك، بل يسير مع الشوارع الباريسية بأزقتها وشوارعها الممتدة ومقاهيها ومعالمها ويجعلها جزء من الذاكرة، توقظ في الفرد شتى المشاعر الإنسانية، ترتبط برؤية وحدث وذكرى وذاكرة. باريس هي أبرز شخصية في أدب باتريك موديانو

باتريك موديانو يتميز بأسلوبه الخاص به في الكتابة الأدبية. القارئ الذي اعتاد على النمط الروائي السائد من مسار متصاعد وقصة مركزية واضحة وشخصيات رئيسية، لن يجد مثل هذا الأمر على الاطلاق في أدب موديانو. الذاكرة الإنسانية الفردية ممتلئة بعالم قصصي هائل. هذه القصص يصعب البوح بها، إذ لا تشكل في مجموعها قصة بالإمكان سردها للناس. لكنها تحتل مكانة خاصة عند أي فرد يحمل بداخله مثل هذه القصص. إنها ترتبط بأشياء عميقة في النفس قد يكون حب، أو كره، أو لا مبالاة، مجرد حدث حفر له مكاناً في الذاكرة الإنسانية. شخصيات موديانو يبحثون في ذاكرتهم عن كل ما يدعم مسيرة حياتهم، أو حتى لإنقاذهم من الانهيار والسقوط. هذا البحث قد يأتي هادئاً إنسيابياً، حدث بسيط أو رؤية أو رائحة أيقظت ذكرى قديمة فتظهر قصة قصيرة أساسها مشاعر الإنسان. وقد يأتي البحث عنيفاً، قوامه البحث عن هوية. الزمن في أدب موديانو مثل أمواج البحر: متقلب، تارة يكون هائجاً ويضرب صخور الشاطئ بعنف، وتارة هادئ؛ بسيط. لا يأخذ وقتاً طويلاً عندما يعود إلى الماضي، إنه يعود ليستلهم شيئاً ما، ليقطف حالة شعورية مغيبة محفورة في الذاكرة، يرجع إلى الحاضر-رغم أنه غارق في لحظة الماضي الشعورية. الجملة الروائية في أدب موديانو مختصرة، نثره يركز على الطرقات والرؤى والذكريات والأحلام.

قبل أن أقرأ لباتريك موديانو تصفحت موقع القراءة قودريدز لأخذ فكرة مبسطة عنه من القراء وكيف ينظر القراء لأدب موديانو. أول ملاحظة لاحظتها أن تقييم أعماله فوق المتوسط بقليل، لم يصل إلى ترك الدرجة العالية من الشعبية. الملاحظة الثانية أن بعض القراء يتساءلون: ما هذا الذي يقوله المؤلف في أعماله: هل هناك إشكالية في ترجمة أعماله إلى لغات أخرى؟ لم أجد شيئاً يدفع إلى القراءة، باستثناء ملاحظة تقول أن موديانو هو وريث مارسيل بروست في كتابة الرواية.

قرأت خمسة أعمال روائية لباتريك موديانو في ظرف شهر واحد. وهي قراءة ما كان لها أن تتم لولا هذا الشغف الذي استولى عليّ بعد معرفة وتذوق أسلوب موديانو في الكتابة الروائية. موديانو يستحق نوبل تماماً. لم يقلد ويسير على النهج الروائي الكلاسيكي، بل خلق له شكلاً أدبياً بديعاً يصح بأن يطلق اسمه عليه. فنان في أسلوبه وتركيباته. القصة لا تنتهي؛ هي عالم من المشاعر والرؤى والنظريات والأفكار.

في رواية شارع المتاجر المظلمة الصادرة عام 1972م، وهي الفائزة بجائزة الغونكور الأدبية الفرنسية المرموقة، تظهر لنا شخصية تعمل في سلك التحقيقات الخاصة، يبدأ بمهمة غريبة وفريدة من نوع مختلف؛ يقرر البحث عن حقيقة نفسه، أن يعرف من هو على أرض الواقع وما اسمه وما هي هويته. شخص فقد الذاكرةـ، تربى عند شخصية أخرى ساعدته على تخطي أزمته العقلية وعمل معه، ثم قرر أن يبحث عن هويته الحقيقية بعد سنوات من الضياع. هذه الشخصية في رحلتها للبحث عن هويتها الحقيقية تسير دون بينة، تحمل دلائل بسيطة تقود إلى مناطق وشوارع وشقق ومنازل وطرق. كل هذه تحمل ذكريات عميقة لا تزول. كل منها يشكل دليلاً حياً أن هناك كائن حي، إنسان قد مر من هنا وشكل جزءاً من ذاكرته. لكن أين هي الذاكرة لرجل يبحث عن ذاكرة؟ عن ماضي لا يُعرف؟ ما إن يتلبس هوية جديدة ويجدها مناسبة له، حتى يفقد أساس وجوده وينتقل إلى هوية أخرى، هوية بعد هوية، ثم ماذا؟ باتريك موديانو لا يبحث عن حل لأزمة بطله. لكنها مثال حي لكل ما يحبه موديانو وما تفضله تقنياته: الشوارع، الذاكرة، الهوية.

في رواية مقهى الشباب الضائع الصادرة عام 2007 نص روائي واحد دون تقسيمات، يحمل عدة أصوات من شخصيات الرواية. كل هذه الشخصيات تقاطعت حياتهم في مقهى يحمل اسم مقهى كوندي أو مقهى الشباب الضائع. وقد يكون هناك شخصية مركزية هي شخصية الفتاة لوكي أو جاكلين. الصوت الروائي الأول يحاول استكشاف الفتاة التي تدخل المقهى من بوابة خاصة بها، فتاة غامضة دون اسم، تأتي في الليالي إلى هذا المقهى. أحد الشخصيات يسجل كل من يدخل إلى المقهى وساعة دخوله. وكأنه يريد حفظ الذاكرة الحية للمقهى والبشر من الضياع. أن يسجل في ذاكرة التاريخ أن شخصاً ما، من المسحوقين أو الهامشيين أو اللذين لا صوت لهم، مروا من هنا. النص الثاني نبرة مختلفة: محقق يبحث في تاريخ هذه الفتاة الغامضة، يكتشف القارئ أنها شابة متزوجة تركت زوجها والحياة معه وهربت. تجد في هذا المقهى حالة عزاء وتعزية. النص الثالث بصوت الفتاة نفسها. ما يجعل هذا النص مثيراً رغم الهدوء الذي يضرب أركانه أنه لا توجد رؤية واحدة للشخصية الروائية. توجد عدة رؤى، والقارئ يقرأ عن شخصية ما من عدة زوايا: من رؤية صديق، من رؤية غريب، من رؤية محقق، وأخيراً من رؤية الشخصية نفسها، مثل جاكلين التي تقص سيرة حياتها مع والدتها من الطفولة إلى الوفاة والزواج والهروب من المنزل. وهكذا يسير النص الروائي. قد تبدو جاكلين شخصية مركزية، لكن ثيمات موديانو المفضلة هي ما يجعل هذا النص الروائي جديراً بالاحتفاء: العودة إلى الذاكرة وشعور الذي وجد صديقاً رائعاً في المكان الخطأ والوقت الخطأ، الدفء الذي يحدث في أوقات استثنائية وغريبة بين الأم والفتاة، مشاعر الندم وعدم القدرة على الحديث. السير على الطرقات والجسور ولحظات التوقف. المقهى ليس مكاناً استثنائياً. ولم يحمل حدثاً قصصياً مركزياً. لكنه جزء من ذاكرة خالدة وحية: عند البعض هو لا شيء، وعند البعض الآخر، هو يحمل تاريخاً ووجوداً، وعالم من القصص والأحلام والذكريات.

رواية الأفق الصادرة عام 2010هي من أجمل ما قرأت لباتريك موديانو، وتقنياته في الأفق تتجلى بوضوح أكثر من أي عمل آخر. إن كان هناك من وصف قصير لهذا العمل فهي قصة رجل يبحث عن حبيبته. لا يوجد شيء آخر يمكن إضافته. لكن أسلوب موديانو هو أساس العمل الروائي. لم أشعر يوماً بأن الأسلوب أو الطريقة قد تكون هي أساس العمل وجماله. لكن موديانو يثبتها هنا بما لا يدع مجالاً للشك بأن الأسلوب والشكل الروائي قد يحمل من وراءه رؤى وتصورات تختلف عن الأسلوب والشكل الكلاسيكي المتعارف عليه. السرد ينطلق على لسان بطلي العمل: جون بوسمان، ومارغريت لو كوز. الزمن الروائي في الأفق مثل موج يتبعه موج آخر، انتقالات زمنية سريعة للغاية أساسها الذكريات والمشاعر والسير على الطرقات، لكنها محكومة بلغة هادئة، شعرية ممسكة بمسار السرد الروائي الذي يسير بصورة خلابة وبديعة. أجمل قصص الحب هي تلك التي لا تشعر معها بأنك أمام قصة حب على أرض الواقع. قد تظن بأنها قصة صداقة رائعة، علاقة مثالية يندر أن تحدث. وقد تكون قصة حب. لكن لا وجود لأي ذكر لكلمة حب. هذا ما أحببته في رواية الأفق. انتهيت من قراءة العمل وأنا أشعر بأني أقرأ علاقة صداقة فيها من الطرافة والحب الشيء الكثير، وشعرت كذلك بأني أقرأ عن قصة حب جميلة وعذبة.

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب فرنسي. حفظ الرابط الثابت.

2 ردان على باتريك موديانو أو أدب الذاكرة

  1. Malak Alrashed كتب:

    أحببت قراءة مراجعتك عن موديانو! فمنذ منحه جائزة نوبل و انا منتظره ان ارى احدًا يدفعني نحو قراءة كتبه.

    رواية الأفق بدت لي جميلة من وصفك.

    • Mamdouh كتب:

      مرحبا ملاك. أكبر دافع لقراءة موديانو كانت تضارب الآراء حول أدبه في القودريدز. وجدت الكثير يشتكون من أسلوبه ولغته، فقررت قراءته وأنا منفتح على ما يطرح بشرط أن يمتعني. أعتقد أنه نجح بذلك عبر أسلوبه الذي يتميز به. والأفق بلا شك كعمل حديث يحتوي على خصائص وتقنيات أدب موديانو.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s