دوائر


لم يجد مكة في مكانها

الروائي أحمد الحقيل في عمله الروائي الثاني لا يمهد ولا يستهلك صفحات في تقديم أبطاله أو يقوم بتهيئة القارئ لهذه الرحلة الروائية، بل من السطر الأول والحرف الأول مباشرة يجد القارئ نفسه في رحلة التيه مع الأب ضاري وابنه إبراهيم في رحلتهم من المجمعة إلى مكة. رحلة لا تشبه أي رحلة، حيث ينقلب فيها الزمن وينثني، فيعود سنوات إلى الوراء ثم يتقوم فيتقدم الزمن سنوات إلى الأمام.

التغير في الزمان يتبعه تغير في المكان والعكس كذلك. هذا التغير يفترض وجود أدوات وأساليب في السرد الروائي بحيث لا يظهر هذا التغير أو الانتقال في الزمن وكأنه غير محكم الصنع. لو كان هناك عمل روائي آخر يمكن من خلاله المقارنة في حالة الانتقال في الزمن مع رواية دوائر، ستكون رواية المسلخ الخامس مثال ممتاز. الانتقال الزمني في رواية المسلخ الخامس مباشر وسريع وصادم، بل وأحياناً يصبح شكلاً من أشكال العذاب والقهر-رغم طابع رواية فونجيت السوداوي الساخر، فينتقل الزمن في ثلاثة أسطر عدة مرات. الانتقال الزمني في رواية دوائر تفرضه طبيعة الجزيرة العربية ورحلة التيه والضياع لأبطال الرواية. وهناك أمر آخر يجعل من هذا الانتقال الزمني مؤكداً وحقيقياً، وهي الأحداث الشهيرة التي حدثت في تلك الأزمنة. حين يتغير الزمن في دوائر فهو يتغير من تلقاء ذاته ويرجع إلى الوراء دون معرفة ويقين من أبطال الرواية. الشخصيات تتفاجأ، لكنها لا تستمر في حالة المفاجأة بل تتعاطى معها كحقيقة مؤكدة، ويعطي الروائي صورة ولمحة عن الحدث ثم يستمر في رحلة التيه إلى مكة.

لنفترض هذا الأمر: شخصيتان يقطعان صحراء الجزيرة العربية للبحث عن مكة: الأب والابن. كيف سيكون شكل الرواية؟ لا وجود لشخصيات أخرى تثري الرواية، لا وجود لأحداث تسير من خلالها الرواية بخط مستقيم من البداية إلى النهاية، السرد يتعلق بالأب وابنه فقط. كيف يمكن إثراء العمل الأدبي حتى يستحق القراءة؟ في رواية الروائي الأمريكي كورماك مكارثي الطريق كان هناك شخصيتان فقط: الأب والابن، يسيران في طريق طويل هرباً من كارثة ما. لكي يثري العمل الأدبي كان على مكارثي أن يثري السرد الروائي بوصف أشكال الكوارث التي يشاهد وبمختلف الروائح التي يصادف. العين تصف ما تشاهد أمامها من روائح وأشكال. أصبح الوصف ليس أداة تغطي الأجزاء الناقصة من العمل الأدبي، بل ركن أساسي من النص وتثريه. في رواية الحقيل لا توجد كارثة، أمامه صحراء واسعة قاحلة وشخصيتان: كيف سيثري النص الروائي؟ لا يحتاج الأمر لكارثة كما حدث مع مكارثي حتى يكون للوصف وجود وركن أساسي في هذه الرواية. بعد كل انطلاقه جديدة تكون الصحراء برمالها وصخورها وتشكلاتها البيئية والسماء بأجوائها الغائمة والممطرة والأشجار والأزهار بمختلف أشكالها وأصنافها. أي شيء يشاهده الأب والابن في هذه الرحلة يسجل له حضوراً ومكانا. لم يعد وصف الأماكن والروائح والأشجار إضافة تثري العمل الأدبي، بل لها قوة هائلة، وتجعل القارئ يعيش حالة التيه في الصحراء واقعاً مع الأبطال لا تخيلاً. وحتى حالة الشخصيات الجسدية وتأثيرات الصحراء فرضت عليهم واقعاً جديداً: الرائحة والتشققات وتغير طبيعة الغذاء والساعة، كل ذلك صنع واقعاً جديداً في الصحراء. ليس هذا وحسب، بل على الروائي واجب آخر: إذا كان سيرسم صورة لحدث في عصور قديمة فعليه أن يصف أجواء ذلك المكان وطرقه وأجواءه. أي أن الوصف الذي يمكن أن يكون واحداً في العمل روائي، أصبح في رواية دوائر متعدد: الأول يختص بالصحراء بكل ما فيها، والثاني هي الأماكن التي حدثت فيها أحداث تاريخية وتجري فيها أحداث تاريخية أمام أبطال الرواية.

هذه الأدوات خطيرة في أي عمل روائي: أن ينتقل الأبطال زمنياً، أن ينثني الزمان ليعود لعصور قديمة ماضية، ثم يرتفع فيصعد عدة عقود. أي خطأ بسيط قد يسبب مشكلة وتنقص من العمل الروائي. في رواية الحقيل السابقة خطوط كان هناك استخدام بسيط في خاصية الزمان، ولم يكن موفقاً بشكل كامل. هنا لم يستخدم خاصية واحدة فقط، بل استخدم كل ما هو متاح أمامه: من انتقال في الزمان، وتغير في الأمكنة، الشخصيات يشاهدون أحداثاً من عهود سابقة مندثرة، ويتخطى الحقيل كل ذلك دفعة واحدة ليخلق شخصيات في العمل الروائي تظهر من العدم: كأن يتحدث الأب مع قرينه، ومع ظله الذي يتقدم ويقف أمامه، ومع انعكاس البطل، أو أن تظهر شخصية سحرية إلى الوجود، لكنها تظهر وكأنها جد حقيقة، بل لا بد أن تكون حقيقية. كل هذه الأدوات والأجواء السحرية من الصعب أن تتعامل معها دفعة واحدة دون أن تسقط أو تزل. إن كان هناك استخدام لكل هذه الأدوات فقد تفرض موضوعات سحرية غير منطقية، لكي تكتمل مع موضوع العمل الممتلئ بكل هذا السحر والفنتازيا. لكن موضوعات الشخصيات ترتكز على نقطة واحدة: الانتماء، الهوية. الرحلة كانت إلى مكة، لكنها أصبحت رحلة للبحث عن هوية الشخصيات في الأمكنة التي ولدوا فيها وتربوا وعاشوا جل حياتهم فيها. هذا الانقلاب من رحلة بحث عن مكان إلى رحلة بحث عن الهوية يحدث مع تقدم الرحلة، حين يشعر الأب والابن أن هناك واقعاً مستحيلاً يصعب التعايش والتأقلم معه، أن المكان المراد الذهاب إليه اختفى للأبد، وأصبحت العودة إلى الديار شبه مؤكدة، لكن أين هي الديار؟ لم تعد في مكانها كذلك، فكيف تعيش بلا هوية، بلا لغة، تمارسها وتعيشها وتتخاطب بها مع الآخرين، أن تكوت غريباً في أرض هي وطنك وأرضك، هذا ما يفعله التيه والضياع في دوائر.

في الرواية مشاهد سينمائية خالصة، بل وأظن أن خبرة الحقيل في النقد السينمائي صورت هذا المشهد للأب ضاري وهو جالس في الصحراء بعد رحلة التيه المضنية، تخرج امرأة من شجرة سدر-هي زوجته-أكثر شباباً وأكثر نضارة وتجلس بقربه ومعه ماء، وتتحدث معه وكأنها لم تنقطع عنه لعدة أيام. مجرد فكرة خروج امرأة من شجرة سدر هذه فكرة كافية لتجبرني على القول بأنه من أجمل المشاهد الروائية التي قرأت مؤخراً. مشهد أشبه بالحلم، تدور أجواءه في فضاء حلمي نقي.

الواقع بما يحويه من ضياع وتيه يجعل من مساحة الحوارات محدودة: ذلك بأن الواقع صعب ومهلك، أن تجد نفسك فجأة في تيه وضياع لا ينقطع. الأب والابن؛ لن تتخطى الحوارات عن ماذا سيحدث، ماذا سنفعل، كيف نعيش، ماذا نأكل، وهل سنموت في الصحراء، أم ستكون هناك بارقة أمل في هذا الفضاء اللانهائي. لكن الحقيل يجعل من حوارات أبطاله أشبه بالعبثية والعدمية، حين يتقابل البطل مع قرينه أو انعكاسه أو ظله السؤال الأول هو المهم، والباقي مجرد إحالات على السؤال الأول.

الشخصيات لا تصل إلى مرادها وما تطمح إليه. يستقر الأب والابن في بابل القديمة، واقع فرضته ظروف الزمان والمكان. والرجل الذي أخذ ابنه ليصحبه إلى مكة –ضاري-توفي ودفن في عالم غريب آخر هو بابل. الابن إبراهيم أصبحاً أباً، ولديه ابن هو سنحاريب، ولد وعاش وتربى في بابل، ويقرر الأب الجديد إبراهيم بعد وفاة الجد ضاري أن ينطلق في رحلة بحث جديدة عن المجمعة مع ابنه سنحاريب.

الروائي يفرض واقعاً آخر وتيه جديداً لهذه الشخصيات الأخرى، وانطلاقة أخيرة في عالم الزمان والمكان والأحداث التاريخية، لكن هذه المرة هناك صراع من نوع آخر، صراع هوية حاد ومؤلم للغاية؛ الهوية لم تعد تتعلق بالانتماء وحسب، أصبحت متعلقة باللغة والأسماء والطبيعة والأجواء والناس والتاريخ والممارسة والدين، كل هذه أصبحت تشكل نوعاً من الهوية. الأب والابن الجديد ليسوا من هوية واحدة، ولا من زمن واحد، الأول من الجزيرة العربية في زمن آخر، والثاني من بابل من عصور سحيقة، صراع هوية بين الاثنين، بين الأب والابن. صراع مؤلم وساحق وحزين، ذلك أن كل واحد منهم له تاريخ ووجدان وثقافة مختلفة، فكيف يتأنى لهم السير والعيش بحثاً عن مدينة، في تكرار أبدي مؤلم؟

أنا أثق بمشروع أحمد الحقيل القصصي، واعتبره من أحد أفضل من يكتب القصة القصيرة حالياً. لديه طاقة سردية هائلة، ومتجدد. وهذا التجدد يعود في جزء رئيس وكبير منها إلى مشروعه القرائي الضخم والمسيرة النقدية السينمائية التي أعطته الكثير. رواية الحقيل الأولى: خطوط كان فيها مشروع رواية مثيرة للغاية وعبقرية، لكن أعتقد بأن الحقيل استعجل نوعاً في نشرها نظراً لوجود عدة نقاط وجدتها سلبية في الرواية. قبل سنوات قليلة أرسل لي الحقيل قصة طويلة-وأظن بأنها مشروع رواية-. قرأت الرواية وأنا على ثقة بمشروع الحقيل القصصي، أعجبت بها للغاية، كانت تحمل فكرة عبقرية ووجود لشخصيات بارزة أضفى على ذلك العمل قوة وطاقة غير طبيعية. لا أعرف أين ذهب هذا المشروع الروائي إذ لم ينشر حتى الآن. رواية الحقيل الثانية والأخيرة: دوائر، أعطتني الثقة في أحمد الحقيل الروائي. تحمل فكرة قصصية لا تكاد تلمح مثيلاً لها في السرد العربي الحديث، ولخروجه عن الخط الروائي الممل الذي يحصر موضوعات الرواية في السعودية في العلاقات الاجتماعية الرتيبة، ها هنا موضوع – بلا جدال – يستطيع أن يقارع طريق مكارثي بقوة، وبلغة جميلة وقوية. كل ما في هذا العمل الروائي مكتمل ولا توجد أي ثغرات فيه، من أجل ذلك، رواية دوائر تستحق الإشادة والاحتفاء بها.

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب عربي. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s