صلاة تشرنوبل


جائزة نوبل للآداب ليست مقياس لجودة أعمال الفائز بالجائزة من عدمه. هناك أدباء لم تقترن أسماءهم بالجائزة، ومع ذلك أعمالهم خالدة وحية عند الجمهور القارئ. وهناك أدباء لا يُعرفون إلا بذكر أنهم حاصلين على جائزة نوبل للآداب، ومع ذلك أعمالهم ليست منتشرة عند الجمهور القارئ، أو قد تكون شبه منتشرة، وقد تشتهر أعمال هذا الأديب لحظة الفوز بالجائزة لسنة أو سنتين ثم تطوي أعماله النسيان ويبقى مجرد اسم من لائحة طويلة من الأسماء. والفائزين بجائزة نوبل لا يحملون رؤية واحدة وجودة أعمالهم تختلف. هناك أدباء حصلوا على الجائزة وأعمالهم تشهد على أصالة إبداعهم الأدبي.

كقارئ يحب الاطلاع على أي شيء جديد، أجد أن الميزة الكبرى لجائزة نوبل هي في الفرصة التي تمنحها الجائزة للتعريف بأعمال تستحق الاطلاع عليها، أعمال أدبية ما كان لها أن تشتهر لولا جائزة نوبل. الجائزة بما تحمله من صيت أدبي واهتمام عالمي تسلط الضوء وتلفت الانتباه. في العام 2015 أُعلن عن الفائز بجائزة نوبل، وهي البيلاروسية سفيتلانا ألكسييفتش. وذكر في خبر فوزها أنها استحقت الفوز بالجائزة نظير أعمالها المتعددة الأصوات التي تمثل معلماً للمعاناة والشجاعة في زماننا. إنها تعمق بأسلوبها الاستثنائي الذي يقوم على تداخل دقيق بين صوت البشر فهمنا لعصر كامل. لقد ابتكرت نوعاً أدبياً جديداً، تجاوز القوالب الصحفية ومضت قدماً في نوع ساعد آخرون في خلقه. إذا خلت المكتبات من أعمالها ستكون هناك فجوات، وهذا يبين مدى أصالتها.

يتضح من خبر فوزها بالجائزة أنها من مدرسة الصحافة. أي أنها ليست روائية أو شاعرة أو كاتبة مسرح. وذلك لا يقلل من قيمتها في حقل الأدب إذ يوجد كم كبير من الروائيين العظام ما كان لهم أن يصلوا إلى هذه الدرجة من الأدب لولا مرورهم وتدربهم على الكتابة في الصحافة. وكذلك فوز امرأة من حقل الصحافة قد لا يكون مستغرباً، إذ أن هناك فائزين بجائزة نوبل لم يكتبوا نص أدبي أو شعري واحد، لكنهم فازوا بالجائزة نظير مكانتهم السياسية.

ما هي قيمة أعمال سفيتلانا ألكسييفتش على وجه الحقيقة-خصوصاً أنها من مدرسة الصحافة-وأعمالها كانت في سياق العمل الصحفي الاستقصائي الذي يقوم على البحث والاستكشاف؟ من الصعب الحكم على أعمالها قبل قراءة أي نص كامل لها. ولذلك يبقى الحكم عليها من نظرة بعيدة ناقصاً وغير مكتمل. ولأن جائزة نوبل اسم أشبه بالماركة التجارية، يبقى توفر أعمال سفيتلانا مسألة وقت قصير لا أكثر. وللتعريف بأعمالها من مؤلفاتها، نشرت مجلة دبي – قبل أن تتوقف – مجموعة نصوص للمؤلفة من عدد منوع من مؤلفاتها. بعد قراءة تلك النصوص تولدت لدي الرغبة في طلب أعمالها. في نصوصها نوع من الإفضاء والاعتراف، وكأن هذا الافضاء يسكن في نفس الشخصية الإنسانية، غارقاً في الأعماق، ينتظر صياد ما لكي يخرج هذا الإفضاء إلى الخارج.

هذه هي مهمة سفيتلانا ألكسيييفتش على وجه الحقيقة في عالم الأدب؛ أن تجعل الشخصية الإنسانية المسحوقة، الشخصية الإنسانية التي لا يعرفها أحد، التي دائماً تبقى على الهامش وليس لها نصيب في الحياة، هذه الشخصية المهمشة المسحوقة، تحمل بداخلها صوت آخر ورؤية أخرى وعالم آخر، يحتاج هذا الإنسان لأن يكشف عن نفسه ويبوح بمكنونات أسراره وفقده وعذاباته. في المآسي العظيمة، هذا الإنسان هو أكثر من يخسر، لكنه يبقى مجرد رقم في قائمة الضحايا لا أكثر. أما في عالم سفيتلانا هو إنسان له كامل الحق في أن يقول ما كان ممنوعاً عليه أن يقوله، أو-قد لا يكون ممنوعاً من قول ما يرغب به-لكن من الذي يستطيع أن يجعل هذا الإنسان أن يبوح بأسراره؟ بصورة أخرى: الفرد الذي يريد أن يقول شيئاً خاصاً به يحتاج لأن يثق بالمستمع الذي يتحدث إليه، يريد منه الإنصات والاستماع ومشاركته لحظات الألم والتعاسة والفرح والمفاجآت. أن يبوح الفرد بمكنونات أسراره كمن يسلم الطرف الآخر مفاتيح أسرار الفرد ومكنوناتها الخاصة. وحين يتحدث الإنسان بما عاشه وعايشه، قد يذكر ما هو عادي وهامشي وساذج، هذه الأشياء التي تبدو عادية وهامشية هي ما تجعل الاعتراف والبوح ذو قوة هائلة.

المؤلفة تبدو في مؤلفاتها وكأنها مخرجة أفلام وثائقية؛ تحمل الكاميرا، وتصوبها صوب أبطالها-الذين هم من عامة الشعب: مزارعين، رجال إطفال، ربات بيوت، مدرسين، علماء، نجار، ممرضة، تجلس أمامهم وتترك لهم المجال لأن يقول ما يريدون قوله ويوثقون من خلال حديثهم تجاربهم في عالم المأساة الذي وحد هؤلاء المجموعة الهائلة من البشر، لكنه ترك أثراً على كل واحد منهم، أثر لا يمحى. أنا لا أسال الناس عن الاشتراكية-تقول سفيتلانا-بل أسألهم عن الحب، والغيرة، والطفولة، والشيخوخة، وعن الموسيقى والرقص وتسريحة الشعر، هذه هي الطريقة الوحيدة للكشف عن الكوارث في سياق الحياة اليومية.

في السادس والعشرين من أبريل، عام 1986م، في أوكرانيا-التي كانت ضمن الاتحاد السوفييتي-وقعت كارثة في مفاعل تشرنوبل، وأصبحت تعرف على مستوى التاريخ بأنها أسوأ كارثة نووية مدنية. توفي الكثير في هذه الحادثة، معالم المدينة والمدن المحيطة تلوثت إشعاعياً وأصبحت غير قابلة للسكن والحياة. الأمراض السرطانية من وقوع الكارثة ولسنوات طويلة تتصاعد، فكرة الإنجاب أصبحت محفوفة بالمخاطر إذ أن وراءها حدث خطير: أطفال مشوهون، غير مكتملين النمو، يعانون من تشوهات جراء التسرب الإشعاعي الذي خلفه انفجار المفاعل النووي. الرياح قامت بنقل تأثيرات الانفجار والإشعاعات إلى مدن وقرى قريبة من أوكرانيا، ومن المناطق التي تتماس مع موقع الكارثة هي بيلاروسيا، موطن الكاتبة سفيتلانا ألكسييفتش.

ما الذي يُعرف عن هذه الكارثة؟ لقد حدثت في الاتحاد السوفييتي الذي كان على وشك السقوط. في أوج صراع الحرب الباردة. وكحدث قد يضفي سقوطاً على الاتحاد الأحمر، تم التعامل معه بطريقة خالية من الاحتراف. لم يكن ينقص الاتحاد السوفييتي العلم بإجراءات الإخلاء في حالة وقوع كارثة نووية مثل التي حدثت في هيروشيما وناكازاكي، إذ أنها تُدرس في المدارس والجامعات نظرياً وعملياً. لكن تشرنوبل كانت مفارقة، لم يكن يُتصور أن يحدث مثل ذلك. المفاعلات النووية السوفييتية آمنة تماماً، ودرجة أمانها على درجة عالية من الموثوقية. فكيف يحدث مثل ذلك في مفاعل آمن؟ من لحظة وقوع الحادث تم التعامل معه بطريقة أودت بحياة الكثيرين، الاستجابة القائمة على الاعتراف لم تكن حاضرة؛ إذ ليس هناك أي كارثة، مجرد حادث بسيط. الاعتراف قد يؤدي إلى نوع من تزعزع الصفوف أو حدوث انشقاقات وهروب، لكنه قد ينقذ الكثيرين من المأساة. وعدم الاعتراف يجعل الحياة تسير هادئة تماماً دون وجود أي نوع من المنغصات، لكنها تحمل في طياتها الكارثة التي حلت وستحل على الكثيرين.

الكارثة مجرد أرقام. كم هو عدد القتلى، كم هي المساحة التي تلوثت، كم هي نسبة التلوث في التربة، كم عدد المصابين، كم عدد المرضى، مجرد أرقام لا أكثر. لكن: ماذا تقول الأم التي شاهدت ابنها يخرج ولا يعود جراء الكارثة؟ وماذا يقول النحال الذي يربي النحل، وخرج للمزرعة وشاهد النحل قد غادر للأبد-لم يعد له وجود! – وماذا يقول الصياد الذي كان يجد الأسماك بوفرة ثم أصبحت من الماضي السحيق-وماذا تقول الزوجة التي تشاهد زوجها يتحول إلى فرانكتشتاين، مشوهاً محطماً كأنه وحش؟ كل ذلك تكشفه اعترافات الإنسان في كتاب صلاة تشرنوبل للمؤلفة.

الكتاب، أو بصورة أخرى الرجال والنساء الذين يتحدثون في الكتاب تجمعهم المأساة. أمر خارج عن المألوف أحدث في كل واحد منهم أثراً لا يمحى. قد يغلب الطابع الحزين على الافضاء والبوح بما يعتمل في قلوبهم، لكن ليس كل الناس عقليتهم ورؤيتهم واحدة: هناك من أصبح ساخراً، يأخذ الأمر برمته بصورة مثيرة للسخرية، يضحك من الكارثة والتبعات لا لأجل الضحك بحد ذاته، بل لأن الضحك حصن ودفاع أخير ضد الموت الذي يترافق مع الزمن التشرنوبلي. وهناك من يدافع بحرارة عن النظام السوفييتي ويصور الأمر بأكمله وكأنها مؤامرة من الغرب. لكن الأغلب بلا شك ليسوا من هذا الصنف. الكتاب يبدأ بنص عنوانه: صوت إنساني وحيد، والنص الأخير من الكتاب بعنوان: صوت إنساني وحيد. الذي يجمع ما بين النصين أن المتحدث امرأة في مقتبل العمر، متزوجة من رجل له صلة بالكارثة، المرأة تبدو عاشقة حد الموت لزوجها، لم يدم زواجهم إلا فترة زمنية قصيرة، ثم جاءت الكارثة وألقت بتبعاتها على هذا المرأة، فترى زوجها الذي تحبه بجنون يفقد شيء من جسده ويسير في متاهة الفقد حتى الموت. ثيمة النص الأساسية هي في الفقد والموت والكارثة من لحظة حدوثها حتى الموت، لكن النص الأول تحديداً ممتلئ بالحب بشكل هائل. إنها في حديثها عن الموت، تتحدث عن الحب وكيف أحبت. النص الأول مكتمل الأركان كنص أدبي أو قصة قصيرة حيث يصلح لتجسيده في إطار سينمائي. ليس هناك موت واحد يتمثل برجل الإطفاء الذي ساهم في إخماد الحريق في قلب المفاعل، بل أن زمن الموت المتصاعد المصاحب لكل ذرة من ذرات الحياة قد بدأـ إذ أن المرأة قد تصاب هي كذلك بالإشعاعات التي تلقاها زوجها، لكن الضحية لم تكن المرأة، بل الطفل الذي في أحشاها، إذ تلقى كل الاشعاعات من الأب، وخرج من حياته المائية إلى القبر مباشرة، دون اسم، قرب قبر الأب. النص الأخير نفس النص الأول، لكن المرأة هنا صبية مقبلة على الحياة، درجة الحب لديها جعلتها هي من تتقدم للرجل الذي تحب وتطلب منه الزواج. حياة كانت تسير على نمط جميل حسب تصورها حتى تحدث الكارثة، فقامت برسم معالم على وجه الزوج، لم يتلقى الجسد هذه الاشعاعات المتناثرة، بل استقبل الوجه كل ما يحمله التلوث النووي، فعاش فترة زمنية قصيرة يتقلب من خلالها الوجه إلى مختلف الأشكال، يفقد جزء من عينه، يسقط شيء من جلده وتتكسر العظام، يحدث للوجه تغيرات حتى يصبح من الصعب النظر إليه. وكم هي قاسية تلك الحظة التي يطلب فيها المرآة ليرى وجهه.

النصوص في هذا الكتاب تتفاوت في القوة والطرح والاتجاه. إحدى المتحدثات كانت تتحدث بألم عن ابنتها التي لا تشبه أي فتاة، إذ لا تحمل أي أعضاء سليمة في الجسم يسمح لها بإكمال حياتها الطبيعية كأي إنسان آخر. أحدهم كان غاضباً من قرار طرده من المنزل بأمر السلطات، ويحن إلى باب المنزل الذي يحمل تاريخه وتاريخ عائلته. أحدهم كان صياداً مكلفاً من قبل السلطات بقتل كل الحيوانات، فتسير إليه القطط والكلاب مرحبة بالإنسان الذي اختفى من هذه المدينة، ثم يبادرها بإطلاق النار، إلا أحد الحيوانات الذي تلقى من الرصاص ما يكفي لقتله لكنه لم يمت، فبقي أمام قاتله يتلوى، دون أن يجد الصياد رصاصة واحدة ينهي فيها حياة الحيوان المتألم. بعض النصوص طابعها أخاذ إذ يجتمع مجموعة من المتحدثين وينطلقون في الحديث دون أي ذكر للمتحدث، يقولوا ما يريدون دون ضوابط. بعضهم يبدو جاداً، والبعض يتدخل ليلقي ما يشبه النكتة عن الكارثة وهكذا.

كل نص يبدأ بكلمة مونولوج: مونولوج حول منظر قمري، مونولوج لا نستطيع العيش من دون تشيخوف وتولستوي، مونولوج عما لا نعرفه: الموت يمكن أن يكون جميلاً. هذه الكلمة تحمل عدة تفسيرات أحد التفسيرات التي أجدها متوافقة مع هذا الكتاب هو ما ذكره أ.د أحمد أبو طالب في رؤيته النقدية لمونولوج سيبيريا، إذ يرى المونولوج كالإفضاء، تعرفه القواميس بكونه الكشف عن الشيء وتبيينه بوضوح تام، علاوة على اشتماله على صفة الخصوصية، وقد يحتمل السرية.

لا أعرف طريقة تحرير الكاتبة لهذه النصوص والأحاديث. إن كانت قد قامت بتحرير النصوص بحيث تبدو كنص أدبي سليم خالي من التكرار وتداعي الذاكرة، فذلك لم يحدث نظراً لوجود نصوص يفقد فيها النص اتجاهه ويتجه صوب ناحية أخرى. يبدو لي أن المؤلفة اعتمدت كثيراً على صوت المتحدثين أنفسهم، وتعطي أهمية كبيرة للحظة انفعالاتهم من ناحية التوقف لأجل البكاء أو التوقف لعدم القدرة على إكمال الحديث، أو التوقف لعدم النسيان. لكنها قد تمارس نوعاً من التحرير لا يمس ما يرغب المتحدث بالحديث عنه، كالزيادات التي لا داعي لها أو تشذيب الحديث وجعلها بصورة أجمل. وسواءً كان الأمر كذلك أو بصورة أخرى: كتاب صلاة تشرنوبل وثيقة تاريخية حفظت أصوات الكائنات البشرية من الضياع. كم من حادثة كبرى وكم من موقف يحتاج لأن يُكشف عنه، لا من ناحية الحدث بحد ذاته، أو التاريخ أو السياسية أو، بل على الإنسان ذاته. تقول المؤلفة في مقدمتها عن هذا الكتاب: هذا الكتاب ليس عن تشرنوبل، بل عن عالم تشرنوبل. كُتب عن الحادثة وصورت مئات الآلاف من المترات من أفلام التصوير. أنا أشتغل على ما يمكن أن أسميه التاريخ المغفل، على الآثار التي لم تترك أثراً لوجودنا على سطح الأرض وفي الزمن. أكتب وأجمع الأحاسيس اليومية، والأفكار، الكلمات، أحاول الارتقاء لأكون روحاً.

Advertisements
هذا المنشور نشر في وثائقيات, أدب روسي. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s