ذئب السهوب


قرأت أول كتاب للروائي الألماني هرمان هسه قبل خمس سنوات: رواية ذئب السهوب. وطوال هذه السنوات الخمس كنت أحمل هذه الصورة في ذهني: رواية ذئب السهوب رواية عظيمة ومبهرة، لكن أين عظمة الرواية وأين الإبهار في هذا النص الخالي تماماً من الأحداث؟ لم تكن لدي المقدرة على تقديم تفسير يفسر إعجابي بالرواية. ما أذكره من تلك القراءة أن النص يسير بهدوء حتى الصفحات الخمسين الأخيرة، حينها تتغير طريقة الكتابة ويصبح النص سريعاً متدفقاً كتيار نهر يتدفق بعد حصار طويل. ما الذي جرى في هذه الصفحات الخمسين؟ لقد أعجبت بها للغاية، لكني لم أملك فهم كامل لمعنى هذه الصفحات وما يذهب إليه المؤلف. وأصبحت كمن يقرأ وهو موقن بأنه يعرف كل شيء، وفي ذات الواقع لا أملك أي تفسيرات تبرر هذا الإعجاب. لذلك، وضعت فكرة إعادة قراءتها مرة ثانية متى ما توفر الوقت.

أعدت قراءة الرواية قبل أيام، ولم ينقص إعجابي بالرواية قط، بل كنت محقاً بأن الصفحات الخمسين الأخيرة ذهبية، نثر شعري متدفق فيه من الرؤى والأفكار ما يجعل كاتب هذه الرواية يستحق التكريم والخلود في فضاء الأدب.
يذكر هرمان هسه في مقدمة الكتاب بأن ما من كتاب أثار من اللغط وسوء الفهم أكثر من رواية ذئب السهوب. وغالبية – حسب قوله-من يحملون سوء الفهم هذا هم من الذين أحبوا الرواية أكثر من الذين رفضوها، فما حقيقة ذلك؟

حين يذكر هرمان هس يقال: ما من كاتب كتب عن الروح أفضل من هرمان هسه، وأعترف بأني لا أفضل هذه النظرة تجاه هرمان هسه، رغم نزعاته التي توصف بالصوفية في أعمال أخرى مثل سد هارتا. هرمان هسه لا يختلف عن أي من الأدباء الذي عاصروا القلق وكتبوا عنه، بتلك الحالة من الحدة والقسوة والسوداوية. وأن يكتب مثل هسه عن القلق أمر طبيعي للغاية. رواية ذئب السهوب كتبت في أجواء طاغية من القلق: بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وقبل الحرب العالمية الثانية. الكاتب متحطم للغاية، وبطل روايته هذه يحمل روح قلقة، إذ أن الحرب الأولى لم تكن كافية، ويبشر-بل لديه اليقين-بأن حرب ثانية تطل برأسها وستهطل على سكان أوروبا.

بداية ذئب السهوب فيها من بدايات النرويجي الكبير كنوت هامسن: بطل الرواية يظهر من العدم، هكذا صدفة، يظهر في محيط جديد، كغريب، غير أن بطل هسه لا يحمل أي ميزة من ميزات أبطال هامسون، لا يثير الفوضى، إذ أنه-والحق يقال-لم يقم بعمل أي شيء يستحق الذكر، ولا يوجد أي حدث في مسيرة أحداث الرواية ما يجعله مميزاً للغاية. الأحداث هي بداخل بطل هسه، والتساؤل الذي يحيط بالنص الأدبي ويجعل من حياة البطل لا تطاق هو: هل هو إنسان؟ هل يتصرف كما يجب أن يقوم الإنسان بفعله؟ أم هل هو ذئب؟ وما هي مهمة الذئب الذي هو جزء منه؟

تبدو كثنائية جدلية داخل عقل البطل وروحه: الذئب والإنسان. الإنسان يقوم بالعمل الجليل والجميل، والذئب يترصد للإنسان ساخراً منه، إذ ما هي الفائدة من كل ما يقوم به الإنسان من أعمال جليلة وجميلة. كل واحد منهم يكمن للثاني ويترصد له، حالة صراع وحرب. وأحياناً يحدث التصالح والوئام بينهم، إذ أن الإنسان والذئب يتحالفان ويتساعدان في مسيرة الحياة.

وحين يقدم المؤلف بطله بمثل هذا التعقيد عليه أن يقدم تفسير، أو يمرر إلى القارئ ما يشبه التفسير من خلال الأحداث. وكما ذكرت، لا توجد أحداث يمكن من خلالها تفسير ما يحدث من صراع داخل عقل وروح البطل. ولذلك اتجه المؤلف إلى أسلوب رجل القبو الدوستويفسكي، حيث يقدم البطل نفسه من خلال قسمين كبيرين: القسم الأول أطروحة حول ذئب السهوب. والقسم الثاني: الأحداث الداخلية ومسيرة بطل ذئب السهوب.

التصور الأول الذي يُطرح بقوة هو حرية البطل واستقلاله. خلال مسيرة حياته فضل الابتعاد عن الناس مبجلاً حريته واستقلاله. غير أنه وسط حريته التي حققها بكل حزم، أدرك فجأة أن هذه الحرية التي صنعها ودافع عنها بحزم هي موت، إنه يقف وحيداً. نبذ العالم، والعالم بالمقابل نبذه وشأنه. وفي وسط هذه الاستقلالية والحرية بدأ يختنق ببطء في جو النأي والانعزال. كانت الحرية رغبة وهدف، وأصبحت قدر وعقوبة. لديه العديد من الأصدقاء، لكن الأمر لم يتعد العطف والود. لم يقترب منه أحد، ولم يعد في إمكان المرء أن يقوم بدور في حياته، أصبح محاط بأناس متوحدين، جو ساكن.

التصور الثاني هو في التبسيط الذي تصوره البطل حول نفسه: هل هو إنسان؟ هل هو ذئب؟ أم هو خليط من هذا الإنسان والذئب؟ إن هذا التقسيم إلى إنسان وذئب كما تبينه الأطروحة ليس إلا تبسيط هائل للأمر، إنه تصور داخلي حتى يعرف البطل حقيقة نفسه غير أنه ابتعد كثيراً أو لم يلقي نظرة أكبر حول نفسه. ذئب السهوب هاري هاللر يرى في نفسه كائن بشري، عالم من الثقافة والمشاعر، وعثر أيضاً إلى جانب هذا في داخله على ذئب، عالم مظلم من الغريزة والهمجية والوحشية، وعلى طبيعة سافلة وفجة. إن تفسير النفس الإنسانية تحمل في داخلها على كم كبير من التعقيد، ومجرد تبسيط الأمر إلى صراع بين ذاتين لمحاولة حمقاء كما يقول. هاري-وغير هاري-لا يتألف من ذات أو ذاتين، بل أكثر من ذلك بكثير، ليس فقط بين قطبين، كالجسد والروح، والقديس والآثم، بل بين آلاف الأقطاب، أقطاب لا حصر لها.

كل إنسان يتوصل إلى حد جعل وحدة الذات المفترضة ثنائية الجانب هو عبقري حتماً أو على الأقل شخص استثنائي إلى أقصى حد ومثير للاهتمام. ولكن على أرض الواقع: كل ذات، من ناحية كونها وحدة واحدة، هي عالم متعدد الجوانب على أعلى مستوى، وسماء مرصعة بالنجوم، وعماء من الأشكال والحالات والمراحل والاحتمالات.

هاري هاللر هو صورة لمفكري القرن الجديد، منغمس بالفكر حول الآداب والفنون والموسيقى، وفي ذات الوقت مناهض للحرب وكاتب صحفي مندد بالدعاية الإعلامية المؤيدة والداعمة للحرب السابقة والحرب القادمة الجديدة. فقد التواصل مع العالم الآخر كلية، إذ لم يتبقى لديه إلى خطوة واحدة حتى ينتقل إلى العالم الآخر.

يتعرف هاري هاللر على بطلة الرواية-هرمينه-فيسير معها طوال النص في رحلة جحيمية، انغماس تام في طقس جحيمي لم يتعرف عليه هاللر يوماً. وكأن بمؤلف الرواية يريد لبطله الرئيس الذي يبحث عن حقيقة ومعنى وجوده في هذه الحياة أن يقتحم عالم الجنة والجحيم، أن يتذوق كلاهما بكل ملذاتها وعذاباتها، حتى يمكن له أن يعرف أن يقف الآن وماذا يفعل. هرمينه التي تظهر كموموس هي النظير لهاللر، الجزء المفقود من أرواحهم موجود لدى الطرف الآخر. غير أن هرمينه تعري بطل الرواية تماماً وتضع فكر وحياة هاللر أمامه: هاري هاللر حسب تصور هرمينه-فنان ومفكر، رجل ممتلئ بالفرح والإيمان، يسعى إلى ما هو عظيم وخالد، ولا يرضيه التافه والحقير، ولكن كلما أيقظته الحياة وأعادته إلى نفسه، عظمت حاجته وازداد عمق آلامه وخوفه ويأسه الذي يستولي عليه، حتى غرق. إيمانه لم يعد يتنفس، اختنق، ومات.

رغم أن الرواية غير مقسمة إلى أجزاء يمكن وصف كل جزء على حدة إلا أنها نظرياً مقسمة إلى قسمين يمثلان خط الرواية: القسم الأول يمثل الفكر والأطروحة والتفسير حول ذئب السهوب. القسم الثاني هو العالم الواقعي ومسيرة البطل في الحياة. وهذه المسيرة تضمن علاقته مع أبطال الرواية والحوارات التي تدور بينهم، والمونولوج الذي ينطلق في عقل البطل هاري. هرمان هسه مبهر حين يتحدث عن الموسيقى ويكتب عنها. يكتب عنها بحب وعشق، ويعطيها معاني متعددة. هناك الموسيقى الحسية، والموسيقى الروحية، والموسيقى الخالدة التي تبقى في البال حتى عندما لا تعزف. لكن هسه يتجلى بقلمه في الصفحات الخمسين الأخيرة. حين يدخل بطل الرواية عالم سحري فنتازي، يقابل المرايا ويتطلع إليها، وفي كل مرآة من هذه المرايا هناك صورة لبطل الرواية وهو صغير، وهو شاب، وهو كبير، يعرض تاريخ البطل في مختلف مراحل حياته. مراحل الحب والعشق التي عاشها في شبابه، غير أنه لم يعشق ولم يحب بكل تفاصيله، لم يندفع إلى الحب ذلك الاندفاع الذي يجب أن يكون. هناك لحظات يجب فيها أن تقفز، أن تصل إلى مرحلة ثانية أو مستوى آخر، وثبة، كوثبات كيركيجارد الثلاث، لكن هاللر ظل محصوراً في منطقته يرفض الوثب. وفي المرآة الأخرى يجد هاري نفسه في ساحة الحرب. هل كان البطل معاصراً للحرب بمثل ما كتب هسه؟ قد يكون كذلك وقد لا يكون. غير أن هذه الصورة تحمل الرعب بكل تفاصيلها، ولم يعد هذا الرعب بغريب عنا، نحن أبناء هذا الجيل وهذا القرن المثخن بالدماء والرعب-، وخلف كل مرآة يتطلع إليها هاري هاللر، كان يجد نفسه، فاشلاً في حياته، أزهق روحه في عالم الفكر ولم يتواصل مع البشر والحياة، ولم يعرف الضحك. في المرآة الأخيرة يقابل هاللر واحد من أبطاله الخالدين: موتسارت. لكن موتسارت ليس الصورة الموسيقية الخالدة، وإنما الإنسان الساخر، الرجل الذي يضحك. لا يحمل موتسارت حل سحري لهاللر غير أن يسخر منه ويستهزأ بهذه الحياة العفنة التي خلفها هاللر وراءه. وإن كان سيساعده في أمر ما، فهو أن يعرف طبيعة دوره في هذا المسرح-الحياة، وأن يعيش، وأن يتعلم أن يضحك، الاستماع لموسيقى الحياة والإجلال للروح الكامنة خلفها، هذا كل شيء، ولا أكثر من ذلك.

يقال أن كثير من الأفكار التي تدور في عقل ذئب السهوب هي نتاج مرحلة مر بها مؤلف الرواية، ولا أحمل في ذهني أي تصور لهذه المراحل إذ لم أتخطى هذا الكتاب لهسه، ولدي الرغبة بقراءة أعمال أخرى للمؤلف. لكن لو أردت إعطاء صورة مختصرة عن ذئب السهوب سأقول: إنها عالم من السوداوية، عالم من البؤس والكآبة، المؤلف سار على نهج بطل القبو الدوستويفسكي، نهاية دون حل، نهاية تشاؤمية، محبطة للروح، دون اكتشاف أي منفذ يطل على عالم آخر غير هذا العالم السوداوي. وهرمان هسه كان من الأوائل ربما الذي كتبوا عن الجنس في ذئب السهوب أوائل القرن الماضي بمثل هذه الصورة الصاخبة الجحيمية. ورغم هذه السوداوية، وعدم وجود الأحداث التي تبين تفاصيل قصة البطل، إلا أن الأدوات التي يمتلكها هرمان هسه كافية بأن تجعل نص خالي من الأحداث نصاً مثيراً للغاية، وقوياً، بل فيه من القوة ما يجعل من النص كاملاً ورائعاً ولا يحتاج لأي حدث يفسر سيرة ذئب السهوب.

الرواية تم تجسيدها في عمل سينمائي للمثل الكبير ماكس فون سيدو، لكن مهما كانت عبقرية الممثل الذي سيقف ليجسد نص مثل ذئب السهوب، فإنه من الصعوبة بمكان أن تجسد نص يمتزج فيه الخيالي بالواقعي، والتفاصيل السحرية التي تحلل شخصية البطل من الداخل والأحداث الخيالية التي تظهر أمامه بتتابع دون انقطاع. إنه لأمر صعب على الكاميرا أن تفعل بمثل ما يقوم به النص الأدبي من مقدرة فذة على القفز بين هذه العوالم.

Advertisements
هذا المنشور نشر في هرمان هسه, أدب ألماني. حفظ الرابط الثابت.

4 Responses to ذئب السهوب

  1. kaboo6 كتب:

    تصوير التجربة بهذه الطريقة قد يشكل ردة فعل مخيفة ..

    شدتني الصورة التي أوردتها في البداية …
    لمن هي ؟؟؟

  2. محمد المبارك كتب:

    ذئب السهوب خيال يجعلك تذهل عن الواقع هي بالفعل من الروايات التي تأسرك على الدوام تظل في روحك وتبهرك مهما أبتعدت عنها، هي في نظري من أجمل ماكتب هسه على الإطلاق، ربما تشبيهك إياها برواية في قبوي لدستويفسكي هو سر إعجابي بها، وأشكرك من الأعماق على هذه المدونة الباذخة الجمال

    • Mamdouh كتب:

      العفو محمد، وشكراً لقراءتك. ذئب السهوب بالفعل هي رائعة المؤلف، وإن كان هناك قراء يفضلون سد هارتا أو دميان، ولم أجد حتى الآن من يرفع من قيمة لعبة الكريات الزجاجية إلا علي عزت بيغوفيتش الذي يحب هذا العمل.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s