كهف ساراماغو


في تلك اللحظة التي ستبقى فيها عيناك تتطلع إلى الجدار، إلى ما صنعته يد الإنسان، حينها سيبدأ الموت. موت الإنسان.

في جمهورية أفلاطون يخاطب سقراط محاوره جلوكون بهذا التصور: تخيل طائفة من الناس تعيش في كهف سفلي، يدخله النور من باب، وقد سُجن فيه هؤلاء الأقوام منذ نعومة أظافرهم، والسلاسل في أعناقهم وأرجلهم، فاضطرتهم إلى الجمود والنظر إلى الأمام فقط، لحيلولة الأغلال دون التفاتهم، ثم تصور أن وراءهم ناراً ملتهبة في موضع أعلى من موقفهم، وأن بينهم وبينها دكة عليها جدار منخفض كسياج المشعوذين الذين ينصبونه تجاه مشاهديهم وعليه يجرون ألعابهم المدهشة. ولتتصور رجالاً يحملون شتى أنواع الأدوات الصناعية التي تعلوا على الجدار، وتشمل أشكالاً للناس والحيوانات وغيرها، صنعت من الحجر أو الخشب أو غيرها من المواد، وطبيعي أن يكون بين حملة هذه الأشكال من يتكلم ومن لا يقول شيئاً. يرد جلوكون على سقراط وهو مأخوذ بهذا الوصف ومصدوم: إنها حقاً لصورة عجيبة، تصف نوعاً غريباً من السجناء. غير أن رد سقراط كان واضحاً ومباشراً: إنهم يشبهوننا! ذلك لأن السجناء في مواقعهم لا يرون من أنفسهم ومن جيرانهم شيئاً غير الظلال التي تلقيها النار على الجدار المواجه لهم من الكهف، لا يعرفون من الحقيقة في كل شيء إلا ظلال الأشياء المصنوعة.

بعد قرون، سيأتي الروائي جوزيه ساراماغو ليرسم صورة لإنسان الكهف في العصر الحديث، وسيقول مثلما قال سقراط: إنهم يشبهوننا.

في رواية الكهف للروائي البرتغالي جوزيه ساراماغو لم أجد نص روائي يسير بسرعة، مثل رواية العمى للمؤلف ذاته، حين ينفجر الحدث من أول صفحة ولا تتوقف الإثارة إلا في الصفحات الأخيرة. ولا توجد أحداث متسارعة تتسارع وتجعل القارئ يمسك صفحات الكتاب محاولاً معرفة إلى أين سوف يتوقف. ولا وجود لأفكار ساراماغو التي تحير القارئ وشخصيات الرواية حول العمى الذي يصيب الجميع أو انقطاع الموت عن البشرية.

جوزيه ساراماغو في الكهف يتأمل النفس البشرية في حالة القلق، والفقد، والخوف من المستقبل. يحاول سبر أغوار نفسيات أبطاله: كيف سيعيشون في هذه الحياة. وكيف سوف يتأقلمون مع المكان وتغير الزمان والتطور الصناعي. وهذا التأمل يسير مع الرواية في خط مستقيم، لا وجود لأي نوع من التصاعد أو السرعة. قد يكون الهدوء أو السير في خط هادئ لا وجود لأي تصاعد فيه يحمل ميزة سلبية تحطم النص الروائي وتجعله مملاً. لكن-وهنا الشيء المهم-قد يكون هذا الهدوء هو ما يجعل العمل الروائي يقف على قدميه ويجعله مؤثراً وكاشفاً لطبيعة الإنسان ومقدار حيرته في العصر الحديث. ساراماغو جعل رواية الكهف تسير بهدوء حتى النهاية، لكن هذا الهدوء هو مجرد هدوء في الظاهر، في الشكل الخارجي، أما على شخصيات أبطاله، فهو تصاعدي، لا يعرف التوقف. الحيرة والقلق تسكن في أرواحهم حتى اتخذوا ذلك القرار الذي حررهم من القيد.

ما الذي يـتأمله جوزيه ساراماغو في رواية الكهف؟ وهل كان ساراماغو يعرف بأن القارئ قبل أن يدخل معه في دائرة تأملاته يريد من النص الروائي أن يمتعه أولاً وأخيراً؟

للإجابة عن هذه الأسئلة يجب إعطاء لمحات عن قصة الرواية. الرواية تتحدث عن صانع خزف قروي يدعى سيبريانو ألجور، يعمل في صناعة الأواني الخزفية في فرن الخزف الخاص به في قريته. يصنعه بيديه، مشرفاً على كل عمليات الصناعة. في نهاية كل فترة يقوم بتعبئة شاحنته من هذه الخزفيات ويذهب بها إلى ما يدعى بالمركز. وهو صورة مجازية عن المجتمع الصناعي والسوق الاستهلاكي والطغيان الحداثي، ليقوم بعرض صناعته على المركز. والمركز يقوم بدوره بتسويق وبيع هذه المنتجات المصنعة من قبل صانع الخزف. وقبل أن يعود أدراجه إلى قريته، يأخذ الخزاف زوج ابنته –مرسيال-الحارس الذي يعمل في المركز بصفته رجل أمن، ومرسيال يتطلع لأن يترقى حتى يحصل على الاقامة الدائمة في المركز. يتفاجأ العجوز بمدير المشتريات في المركز وهو يخبره بأن ما يصنعه لم يعد يدر نفعاً للمركز، وأن المركز حالياً – وهو رمز للحداثة والسرعة الاقتصادية-قرر أن يستبدل الخزف الذي ينكسر بالبلاستيك المصنع من قبل المصانع الآلية. أي أن على الخزاف ألا يأتي لعرض ما يصنعه على المركز مرة أخرى. هذا هو موضوع الرواية بشكل مختصر.

من الممكن القول بأن ساراماغو يستعرض الفروقات الهائلة بين حياة الريف والمدينة، بين حياة الطبيعة والمركز. لكن ساراماغو لم يستعرض ولم يفكر بأن يقدم أي فروقات بين حياة الريف الطبيعية وحياة المركز الحداثية. المؤلف اتخذ نوعاً من الحياد؛ لم يتجه إلى كتابة قصائد غنائية عن الريف وأشجاره وأمطاره وأجواءه، ولم يتجه إلى تقديم هجائيات عن حياة المركز الحديثة. عبر تفاصيل الحياة اليومية تظهر فروقات الحياة. حياة العجوز صانع الخزف ممتلئة بالحياة. حين أقول ممتلئة بالحياة فأنا لا أشير هنا إلى أنه يعيش حياة كلها سعادة وراحة، بل إن حياته مليئة بالتفاصيل الحياتية التي تأخذ وقته وتعطيه اليقين بأن حياته لها قيمة وتستحق بأن تعاش. حين يسير بين القرى والأكواخ يتطلع إلى شجرة التوت الهائلة. شجرة هائلة ضاربة جذورها في أعماق الأرض. تبدو جميلة، لكنها لا تبدو أجمل دون معيشة الإنسان بالقرب منها، والتطلع لثمارها وظلالها، وقطرات الندى التي تتجمع في الصباح عليها. حين يسير العجوز في الطرقات يقفز بين برك الماء المتجمعة في الطرق، وشكلت لها محيط قرب الأكواخ والمزارع. حين يسير حافياً، فإن التربة تعرفه جيداً. تعرف تلك القدم التي تسير عليها وتطمئن لها، إذ أن الأقدام أجمل من الآلة التي لا تفرق. وحين يعمل العجوز في كوخه فهو يعمل بكامل جسده: يلمس، يتحسس براحة كفه، يشم الرائحة، الأصابع تعرف تشكل قطعة الخزف، النار التي تعمل لساعات حتى تقوم بعملها بأكمل وجه. ثم بعد أن ينتهي من صنع مادته الرائعة ينظف كل ذرات الغبار لكي يكون مكان العمل جديراً بالعمل في الأيام اللاحقة. طعم الإنجاز له مذاق وروعة مثل خلق العمل الفني. الفنان الذي يصنع تحفته الفنية الخاصة يشعر بلذة قصوى عندما يتجلى له العمل الفني وهو مكتمل الأركان. العجوز صانع الخزف فنان، يشعر بتلك اللذة القصوى حين يشاهد ما صنعته يداه. وحين يذهب العجوز إلى المركز، ركن الحداثة والصناعة، يتطلع إلى ما يطلق عليه بالحزام الأخضر. وهو حزام ليس له من اللون إلا الاسم فقط، مشهد ممتد مغطى بالبلاستيك، طبيعة مكفهرة تجعل النفس تشعر بالغم. وإن وجدت نباتات هناك فهي بالإسم كذلك، إذ لا يمكن أن يكون هناك في هذا الحزام نباتات حقيقية، لها ثمار يمكن شمها ولمسها وقضمها. المؤلف جعل من الحياة الصناعية شكلاً معمارياً هو المركز، مثل الأبراج وناطحات السحاب. لم يهاجمها أو يصفها كمركز للشر فقط. من الممكن أن يهاجم شكله القبيح مقارنة بتلك الحياة البسيطة في الريف، لكن النقد الحقيقي يجب أن يكون من الداخل لا من الخارج. كان على المؤلف أن يجعل أبطاله يقبعون داخل المركز، يعيشون فيه حتى يعرفوا طبيعة المركز ونظامه. ومن خلال العيش فيه، بالإمكان معرفة الفرق بين حياة القرية والمركز.

يضع ساراماغو حياة العجوز صانع الخزف وابنته في موضع الاختبار: لم تعد صناعة الخزف مقبولة من قبل المركز، والمركز ليس بحاجة بعد الآن لأي نوع من هذه الأواني الخزفية المعرضة للكسر. أن تخبر أي فرد أنه لم يعد صالحاً للعمل، أو تحطم عمله، يصبح هذا الإنسان-كما يقول العجوز-خارج نطاق الحياة. ما الذي يعنيه البقاء فجأة دون عمل، والابتعاد عن البيت والفرن وعن الحياة بأكملها. لكي يعيش العجوز على أمل عليه أن يسلك طريقين: الطريق الأول أن يقوم بخلق صناعة جديدة، بدلاً من الأواني يصنع تماثيل. وهذه الصناعة الجديدة كذلك مشروطة برأي المركز والزبائن؛ هل سيشترون أم لا. والرأي الثاني: أن يذهب العجوز ليقيم مع ابنته وزوج ابنته في المركز.

يلاحظ القارئ وهو يتابع هذه المسيرة التأملية أن صانع الخزف كان يعيش على أمل النجاح، على أمل أن يكون هناك زبائن يعجبون بهذه التماثيل التي يصنع. يحلم بالنجاح، لأنه لو نجح في مهنته الجديدة بإمكانه أن يستمر في الانفاق على نفسه وابنته والبقاء في المنطقة التي يحب. إذا فشل في صناعته-وهو العجوز الذي لم يعد يسعفه الوقت لإتقان أي صناعة أخرى-ماذا سيفعل حتى يعيش؟

إما أن يموت من الفقر في كوخه هذا، أو يرحل مع ابنته وصهره للإقامة في المركز. أتذكر بأني قرأت بداية الرواية أكثر من ثلاث مرات-على أمل أن استمر في القراءة-وفشلت. ساراماغو يتميز بنوع خاص من السرد. نصوص مصمتة، لا يوجد فيها مساحات للتوقف أو تغير في لهجة السرد أو أن يمسك أحد أبطال الرواية بالنص. النص بيد الراوي المسيطر على كل شيء في هذه الراوية. والحوار يعرف من نبرة الخطاب ورد الفعل، إذ أنه في سطر واحد قد تجد أكثر من شخصية تتحدث وتناقش. بعد أن تخطيت عدة صفحات، أصبح سرد ساراماغو بحد ذاته هو المحفز للقراءة وهو الداعم الأكبر للقارئ في تأمل هذه الشخصيات التي أشعر بأنها من لحم ودم. شخصيات حقيقية تتحدث عن الإنسان بصدق وشفافية. حتى شخصية الكلب في الرواية له حضور ثري للغاية، وذو قوة قل أن تظهر في أي عمل أدبي آخر.

قرأت عدة أعمال أدبية عظيمة، منها ما بقي في ذاكرتي وصنع دهشة لا أزال أشعر بها وبقوتها، والبعض منها احتفظ بذكريات جميلة عنها، تمر في الذاكرة بين فترة وأخرى. لكن رواية الكهف ستبقى في ذاكرتي لأنها-ويا للغرابة-وجدت فيها جزء رئيسي من حياتي، ليس كأحداث وإنما وصف الفكرة وطريقة التحرر.

تلقى العجوز صانع الخزف ضربة قاضية عبر رفض المركز شراء أي منتج له، حتى التماثيل الجديدة لم تجد لها أثر عند الجمهور. لم يعد للعجوز إلا العيش مع ابنته وصهره في المركز. وهنا، في هذا المركز النابض بالحياة الحديثة يصنع ساراماغو كهف أفلاطون. إنسان العصر الحديث الذي ينقطع عن التواصل الحي مع البشر، الإنسان الذي يفتقد للهواء والشمس، الإنسان الذي يبدأ يومه وينتهي بالتعامل مع الآلات، المحاصر بالجدران من كل الجهات، لا وجود لا نوافذ يتواصل فيها مع الحياة-تبدو أداة صالحة للانتحار! -، لا يعرف من العالم إلا ما يعرفه إنسان الكهف في جمهورية أفلاطون، مكبل لا يستطيع أن يتطلع للخلف. ولن يستطيع. لكي يعرف ما هو في الخلف أو ما هي الحياة، عليه أن يكسر الطوق ويحرر نفسه.

ساراماغو كان محللاً ومتأملاً طوال صفحات الرواية، لكنه أمام هذا العذاب، في الصفحات الأخيرة كان ثورياً، حرر شخصياته وأطلقهم باتجاه الحياة. لم يعدهم بحياة أفضل، ولم يقدم لهم الورد لأنهم تحرروا. أطلقهم للعالم وفي خضم الحياة: قد يعيشون وقد يموتون، لكنهم بالطبع سيعيشون حياة تستحق بأن توصف بأنها حياة. تأتي لحظة في الحياة يكفينا فيها أن نحمل جسدنا وحده على كاهلنا. قال ذلك صانع الخزف العجوز سيبريانو ألجور في رواية جوزيه ساراماغو البديعة: الكهف.

Advertisements
هذا المنشور نشر في جوزيه ساراماغو. حفظ الرابط الثابت.

One Response to كهف ساراماغو

  1. ابراهيم كتب:

    يا سيدي ….

    عرضك شيق وممتع متعة الرواية نفسها
    زوايا خاصة قد لا أفهمها داخل الكهف ….

    لكن ….

    شكراً لك

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s