الرجل الضاحك


لا يمكن أن يقول التاريخ كل شيء. وإذ يعيبه الازدحام، يتوجب عليه أن يختار. وتقوم الرواية بما لا يقوم به التاريخ، فالرواية دراما من جهة، وتاريخ من جهة أخرى. إنها تكمل القصة بالتصوير، والحكاية بالحياة. أما نحن، فيبدو لنا من المفيد بالدرجة نفسها على الأقل، أن نروي العادات مثلما نقص الحوادث. إذا ما سئل مؤلف هذا الكتاب لماذا كتب الرجل الضاحك، فلسوف يجيب بأنه أراد كفيلسوف، أن يثبت الروح والضمير، وكمؤرخ أراد أن يكشف حقائق ملكية قلما هي معروفة، وأن يزود الديمقراطية بالمعلومات، وأنه كشاعر أراد أن يصنع دراما. إن هذا الكتاب دراما، كما قصد المؤلف. دراما الروح، فمن جهة هناك المسخ الذي هو المادة، والجسد، والوحل، والزبد، والجوع، والعطش، والثراء، والاقتدار، والقوة، والعجز، والتشويه، والعبودية، والعار، والقيد، والتنكيل، والعذاب، والمتعة، والجاذبية، والتطور الاجتماعي والبشري، ومن الجهة الأخرى: الروح. إذا ما نُظر إلى هذا العمل من وجهة نظر معينة أكثر ضيقاً بكثير، يمكن أن يكون عنوانه: إنجلترا بعد ثورتها وقبل ثورتنا.

شبه الإجماع الذي يفرضه قراء فيكتور هيجو حول روعة بعض أعماله مثل البؤساء وعمال البحر، وربما نوتردام باريس، قد لا تجده في عمل الرجل الضاحك، أو الرجل الذي يضحك. ما الذي يجعل من إسهاب المؤلف النثري في البؤساء ذو قوة هائلة تسحب القارئ وتجذبه بقوة، وفي ذات الوقت الإسهاب النثري في الرجل الذي يضحك يجد فيه القارئ سلبية كبيرة في العمل الأدبي؟ المؤلف لم يتغير، فها هي لغته ذاتها، غنائية حارقة، يتفنن في هز روح القارئ، يسير معه من رحل العذاب الأولى في البحر، إلى رحلة السلام الأخيرة، في البحر. يغوص إلى الأعماق: باحثاً ومستكشفاً في أعماق روح الشعب، ثم يبشر بها، ويقدمها، تلك المسماة بالحقيقة، أمام من ينكر وجودها.

كتب فيكتور هيجو الرجل الذي يضحك في نهايات فترة منفاه الطويل خارج فرنسا. استغرقت كتابة العمل الأدبي ثلاثة سنوات تخللها انقطاعات مطولة وإعادة كتابة لبعض الفصول وتغيير لنهاية العمل لثلاث مرات، ريثما يستقر الإلهام على نهاية تعطي العمل خاتمة بديعة. يذكر المؤلف في عدة رسائل له أنه ينوي كتابة نوع من الملاحم الاجتماعية من التاريخ الأوروبي، يبدأ بعمل تدور أحداثه في إنجلترا في القرن السابع عشر، يتناول حال الحكم الملكي بعد جمهورية كرومويل، وعمل ثاني يتصل بالعمل الأول، ولكن هذه المرة في فرنسا، قبيل الثورة الفرنسية الأولى، ويتناول الحكم الملكي. والعمل الثالث يتناول موضوع ما بعد الثورة الفرنسية، ما بعد العام 1793م. انتهى هذا المشروع بنشر العمل الأول، وهو الذي يعرف الآن بالرجل الضاحك. أما العمل الثاني فلم تكن تجربة الرجل الضاحك مشجعة لكي يتناول الحكم الملكي، ولكي يبرهن على مشروعه الثوري الجمهوري، سوف ينتقل من البؤس في الرجل الضاحك إلى منصة الإعدام مباشرة في العمل الثالث: رواية عام 93م

من بين أعمال فيكتور هيجو الروائية، هذا العمل يحمل خصائص مختلفة عن الأعمال الأخرى. أطلق فيكتور هيجو بقلمه صوب كل شيء، وفي أي طريق. هناك حضور متعدد للصوت الروائي العليم، وهناك إسهاب طويل للغاية في ذكر تفاصيل التفاصيل. لم يكتفي المؤلف في وضع قارئه في المكان الذي يريد، وبالشكل الذي يجد أنه ملائم، بل يتخطى ليعطي تفاصيل لأشياء لا داعي ذكرها. ولو تم جمع هذه التفاصيل الكثيرة والإسهاب الذي يتخطى الحدود لأصبح حجم الرواية هو نصف الرواية بشكلها الحالي. هل هذه الإطالة والاسهاب تحمل ملامح قوة أم ملامح ضعف؟ هو بين هذه وتلك. أحياناً يظهر قوته بتفصيل يسيطر عليه تماماً، ثم يجد نفسه في طريق آخر مختلف عن الذي بدأ به. يبدأ قوياً وينتهي إلى أن يكون ضعيفاً. ما فائدة أن يفرد صفحات مطولة ليذكر تفاصيل أسماء أعضاء مجلس اللوردات وألقابهم ومناصبهم وعلو كعبهم في المجتمع؟ هل يريد المؤلف من قارئه أن يكون عليماً بكل التاريخ الإنجليزي، وتحديداً الطبقة الملكية والارستقراطية وتصرفاتها؟ أم أنه يقدم الجديد في هذا النص؟ هناك فصول قد لا نجد فيها جاذبية أو تطرح أموراً مثيرة للاهتمام، لكنها قد تشكل في زمنها شيئاً جديداً لم يكن معروفاً في السابق، مثل مشهد الملاكمة: وكأن المؤلف يرسم لجمهور زمنه صورة لمعركة بين بطلين من أبطال الملاكمة. في الأعمال التي عليها شبه إجماع على روعتها، النقد الأدبي اتجه لنقد ما تسمى بعيوب هيجو. ورغم وجود هذه العيوب إلا أنها لم تكن ذات تأثير كبير ومؤثر في العمل الأدبي. أما في الرجل الضاحك فلم تكن هناك عيوب وحسب، بل إن هذه العيوب تضاعفت بصورة كبيرة للغاية ويصعب السيطرة عليها. هل كانت الرواية فاشلة؟ لم تستقبل استقبالاً كبيراً. اتهم المؤلف الناشر بأنه السبب في ذلك، بسبب ضياع فترة النشر الملائمة والنشر المجزأ وفترات تأخر حتى وقت الانتخابات. ويتهم المؤلف نفسه كذلك، بإستخدامه للرواية بشكل سيء. أردت-يقول المؤلف-أن أجعل منها ملحمة، أن أجبر القارئ على التفكير عند كل سطر، ومن هنا أتى نوع من غضب من جهة الجمهور نحوي.

رغم هذه النظرة السلبية: هل يستحق فيكتور هيجو أن يتفرغ له القارئ ويعطي من وقته الثمين مساحة للرجل الضاحك؟ قد لا أستطيع التعبير عن مجموع قراء فيكتور هيجو، لكن سأجيب من وجهة نظري كقارئ: القارئ الذي لا يعطي الثقة للمؤلف مهما كان ويفضل أن يحوز على الثقة من خلال النص والسير معه، قد لا يجد هذا القارئ ما يبحث عنه. أما القارئ الذي يعطي فيكتور هيجو ثقة مطلقة، سوف يجد في هذا العمل أشياء عظيمة. كقارئ يثق بهيجو قبل قراءة النص: توقعت – من نظرة اطلاعيه مسبقة-بأن للمؤلف ملاحظات كثيرة في هذه الرواية تحديداً، ولكني كنت على ثقة بأني سأصل لتلك المرحلة التي أجد نفسي فيها في الأعال. نعم، هيجو إذا تجلى يصل إلى تلك المرحلة. يرتفع إلى الأعلى، حيث هو المكان المراد الوصول إليه. ولكن: ليصل إلى هذا الأعلى ويرتفع في الأعال، فهو يسقط في الأعماق، إلى عمق ليس له قرار، باحثاً ومستكشفاً، لعله يأخذ من ذلك العمق الظلامي شعاعاً من نور يرشده إلى الأعلى.

البحر مرة أخرى؟! الكتابة عن البحر، أو في محيط بحري يستلزم نوع من البراعة الأدبية. هذه البراعة قد تُفقد إذا تم تقديم عمل متكامل أساسه البحر. والمؤلف قد نشر قبل الرجل الضاحك أفضل أعماله عن البحر: رواية عمال البحر، فأي شيء جديد سوف يضيفه الماء في الرجل الضاحك؟ ها هنا البحر كان شاهداً على جريمة كبرى، وحاملاً لشهادة هذه الجريمة لعقود: استودعها البحر في أسراره وقذف بها إلى الأعال. لقد حمل البحر الخطايا إلى الأسفل، بقوة هائلة. وقذف البحر النور إلى الأعلى. كان البحر مجرماً وشاهداً وقاضياً وحاكماً. بصورة غامضة: جماعة من خاطفي الأطفال يتركون صبياً في جزيرة ويغادرون بسفينتهم إلى جهة غير معلومة. من جهة هناك الطفل: وحيداً، صغيراً، في الظلام والبرد والجوع والوحدة والعاصفة. ومن جهة أخرى هناك السفينة الصغيرة التي أشرعت شراعها للرياح، في جو كان يبدو عليه أنه هادئ، وسيقود الركاب إلى بر الأمان. البحر هنا ليس سلطة اجتماعية يجب أن يقوم البطل بقهره، وليس محارباً، بحيث أن البطل يجب أن يغرس سيفه في عبابه. البحر هنا صورة جديدة: معركة وقاعة محكمة. هي معركة لأنها تمثل صورة من صور العواصف البحرية: ما هي هذه العاصفة، ما شكلها وقوتها، وهل هناك عواصف أخرى: أشكال متنوعة من العواصف يزخر بها هذا البحر؟ تقديم هذه العاصفة يستلزم استحضار كل أدوات العاصفة، من مصطلحات بحرية وتشبيهات، وتصرف المسافرين بمواجهة الخطر، واختفاء الكواكب التي تفيد كنقاط تحديد المكان. فصل الأوركة في البحر هو واحد من روائع النصوص الأدبية التي كُتبت عن البحر، بل هي أشبه بالملحمة. ملحمة أبطالها أفراد قاموا بعمل خاطئ، تركوا طفلاً لا حول له ولا قوة في جزيرة، بتعليمات من شخصية أو شخصيات كبيرة! عمق هذا الفصل وبراعته كانت في الصورة والحركة، الطريق الذي يؤدي للنهاية، الموت. غير أن المؤلف يستحضر اللانهاية هنا. هنا يصرخ زعيم السفينة: ألا يزال هناك شيء يمكن إلقاؤه في البحر؟ لم يكن هناك شيء، كل ما تحمله السفينة قد ألقي في البحر حتى لا تغرق. لكن السفينة كانت تنوء تحت حمل ثقيل لم يتم إلقاؤه بعد؛ إنه شيء غير مرئي، ثقيل للغاية. ما هو هذا الشيء الغير مرئي الثقيل للغاية؟ الخطايا. لم يعد التفكير بالنجاة، فالطريق سوف يفضي إلى الغرق، غير أن هذا الغرق يجب ألا يحدث قبل أن تُقذف الخطايا في البحر. الجريمة التي بدأت منذ مدة طويلة، منذ عشر سنين وانتهت بإلقاء الطفل في الجزيرة. إن أي مخرج سينمائي – مهما كان حجم المعدات التصويرية وبراعة أي كاتب سيناريو-لن يصل إلى تلك الدقيقة البالغة الجمال من العاصفة البحرية، حين تستوي جباه الخاطئين في السفينة مع سطح البحر، وما من شيء يدل على أثرهم إلا اليد التي كانت مرفوعة باتجاه السماء!

ومن تلك اليد الغارقة، تبدأ رحلة الصبي في الجزيرة، في جو عاصف، في مكان موحش ممتلئ بالفزع والقلق والوحشة والبرودة والليل. هل أصبح الليل ثيمة من ثيمات هيجو الكبرى؟ في الرجل الضاحك الليل له حضور طاغ، مماثل للبحر، هو علامة على اختفاء الحياة والحب. بل هو قرين للظلم. إن الليل يتمثل بسواده، وسواد الليل واتساعه يطبق على الصبي. غير أن هناك من هو أعظم من سواد الليل. إن الليل هو الأقل سواداً من الإنسان. وفي ذلك المكان الموحش المقفر تدور معركة بين الموت والليل: الطفل يصعد! ليس هناك من مسيرة مستوية، الولادة هي خروج إلى العالم. والصبي الصغير في رحلة الحياة تلك يصعد وينزل؛ يشاهد القانون. غير أن القانون الذي شاهده ليس قانوناً عادلاً، كان تعذيباً ورعباً أكثر منه قانوناً. وشاهد العدالة الاجتماعية، غير أن هذه العدالة لا تحمل إلا اسمها فقط، وكانت جريمة بحق إنسان، امرأة ميتة تحمل رضيع! يوجز الصبي رحلة العذاب الأولى في خطابه الشهير: ذات ليلة عاصفة، وكنت صغيراً جداً ومتروكاً ويتيماً، دخلت إلى تلك الظلمة التي تسمونها المجتمع. وأول شيء رأيته هو القانون تحت شكل مشنقة، والشكل الثاني غناكم، تحت شكل امرأة ميتة من البرد والجوع، والثالث هو المستقبل، تحت شكل طفلة محتضرة، والرابع هو الطيب والحقيقي والعادل، تحت شكل متشرد ليس له رفيق وصديق إلا ذئب.

هناك من سيقول: فيكتور هيجو يرسم صورة قاتمة لصغار في حالة بؤس ليستدر دموع قارئه، والتيار الواقعي سيقول أي سخافة تلك، بتلك الألفاظ التي يتلاعب بها الشاعر هيجو، والتي ترسم صورة لا توجد إلا في خياله، إن هذه الرومانتيكية لعينة! ليقول الرافضين لهيجو ما يريدون وليشتموا الرومانتيكية التي تتجسد بألفاظ ترسم صورة في غاية البؤس، غير أني كقارئ يحب أدب فيكتور هيجو؛ لا أشعر إلا بالاهتزاز وأنا أقرأ مسيرة الطفل تلك في هذه العاصفة الليلية. لم يبكيني، لكنه يفعل أكثر من ذلك: إنه يهز من الأعماق. إن أعظم نص روائي بالنسبة لي هو الحرب والسلام لتولستوي، ولا أجد أي مؤلف يصل إلى مرحلة الحرب والسلام. غير أني مع فيكتور هيجو أصادف تلك الحالة التي لا أجدها مع تولستوي: أشعر بأعماق روحي تهتز لهذه التفاصيل وهذا المشهد وهذه البراعة الفذة.

“كان الثلج ينير الميتة، إن الشتاء والثلج لا يضيرُ أحدهما الآخر. لقد كان عريُ الثديين مؤثراً. كانا قد خدما، وكان قد أصابهما الذبول السامي. ذبول الحياة التي يمنحُها الكائن الذي غادرته الحياة، كان الجلال الأمومي يحل فيهما محل الطهارة البتولية. وعلى رأس حلمة أحد الثديين، كانت هناك لؤلؤة بيضاء. إنها نقطة حليب متجمدة. كانت البنت الصغيرة ترضع من هذا الرخام، إنها ثقة محزنة أرادتها الطبيعة. غير أن فم الطفلة لم يكن باستطاعته أن يجد الثدي الذي تجمدت عليه قطرة الحليب التي اختطفها الموت، فصرخت الرضيعة التي اعتادت على المهد أكثر مما اعتادت على القبر. ما إن نجحت الطفلة في العثور على خد الطفل حتى أطبقت عليه فمها، وشعرت بالدفء، فنامت. إنها أول قبلة لهاتين الروحين في الظلمات. بقيت الأم راقدة وظهرها على الثلج، ووجها نحو الليل. ولكن في اللحظة التي تجرد فيها الصبي من ملابسه لكي يغطي البنت الصغيرة، كانت الأم تراه من أعماق اللانهاية التي كانت فيها”.

أن يسقط الطفل في هذه المسيرة الليلية-لو كان وحده-لكان الأمر جد يسير، إذ أنه يتحمل قرار نفسه ووجوده. ثم إن الآخرين ليس لهم وجود، بل لهم وجود قريب لهم ويعلنون عن أنفسهم من خلال منازلهم وإشعالهم النيران للتدفئة، فهل كانوا يشعرون بذلك الصبي الشبحي الذي يسير ليلاً حاملاً طفلة صغيرة؟ إن الجو البارد والطقس العاصف والثلج الذي يتساقط ومغطياً القرية، ليست برداً. ليس حقيقياً. إن برد البشر أكثر رعباً من برد الليل والعاصفة. كان مقدراً لهؤلاء الأطفال أن تتحقق لهم العدالة، ولكن ليس عبر هؤلاء الذي لا يهتمون، بل عن إنسان وذئب هم خارج النطاق البشري والطبيعي.

” لا تضحك”

هل يعقل بأن يكون هناك ضحك صادر من هذا الطفل؟ ضحك من أجل ماذا؟ لا يوجد ما يدعو للضحك، كل ما هو موجود يدعو للرثاء، للبكاء. غير أن وجه الطفل يرسم صورة لطفل يضحك. يضحك طوال الوقت، وهو نائم وهو مستيقظ يضحك. حتى بكاءه، فهو بكاء ضاحك. وحزنه حزن ضاحك. إذا ضحك الطفل لن يتغير شيء إذ أن داخل الطفل يتطابق مع الخارج. لكنه إذا بكى أو أصابه الحزن فهو يغدو أكثر إضحاكاً من قبل. الاختلاف بين الداخل والخارج يكون على أشده، غير أنه يكون أكثر قابلية للضحك. دمية هائلة تسير على الأرض. مهرج دائم. من الذي جعله ضاحكاً بهذه الصورة المرعبة؟

الروائي العليم يسير مع أبطاله في كل مكان ويعود إلى أي زمن، عالماً بكل الأحداث والتفاصيل، أي أنه خالق للعمل الفني بكامله. وهذا النوع من الخلق الفني يتحول إلى اندماج مع الأبطال أحياناً. فحين يكتب المؤلف مونولوج داخلي لأحد الأبطال، يكون ذلك واضحاً بأن البطل يتحدث عما يدروه في ذهنه. ولكن في اللحظة التي يتوقف فيها المونولوج ويبتعد البطل يظهر الروائي العليم وهو فاقد كل الاستقلالية، ينضم بكامله إلى البطل ليستمر في تأكيد المونولوج الداخلي ومؤيداً له في أي اتجاه يتجه إليه. لم يفعل ذلك مرة واحدة أو مرتين، بل مرات متعددة، ولكن مع الطفل وبطل الرواية: جوينبلين، يصبح الروائي مستقلاً تماماً. مستقلاً في وصف مسيرته وبالتعبير عن رأيه وما يراه. غير أن هذا الطفل الذي رسمه المؤلف بهذه الصورة هو سيفه المسلط على الحكم الملكي ومكوناته. إنه يعبر عن فكرته السياسية ورؤيته التي تختمر وتتجه إلى أن تكون جمهورية بالكامل.

أن تقرأ لفيكتور هيجو معنى ذلك كم هائل من المشاهد الخالدة. هناك كم هائل من المشاهد التي برع المؤلف في رسمها. ولكن المشهد الذي سيذكرني بالرواية ليس مشهداً لكنه خطاب. خطاب في مجلس اللوردات الإنجليزي. المؤلف طوال صفحاته الكثيرة يحاول أن يكسر ويحطم بنية الملكية الإنجليزية، غير أن هذا التكسير لم يصل إلى درجة التكسير الضخم والمخيف. كل ما كان المؤلف يريد التعبير عنه في هذه الرواية، عبر عنه في هذا الخطاب الذي لم يتجاوز العشر صفحات. ما الذي كان يطمح إليه المؤلف في هذا الخطاب؟ لست مطلعاً تماماً على سيرة حياة المؤلف. فهو قد كان نائباً في الجمعية الفرنسية قبل أن يتم نفيه، وفي أحد خطابات النائب هيجو كان النواب يسخرون من النائب. لعله كان جمهورياً متطرفاً في الوقت الذي تحول فيه غالبية النواب للملكية. هل هذا واقع؟ بالفعل، وهو شيء فيه استقلالية كبيرة. في الوقت الذي كان فيه ملكياً كانت الغالبية في الاتجاه الجمهوري. وفي الوقت الذي سقطت فيه الجمهورية وتحولت الغالبية إلى الملكية، ألقى بكامل نفسه في الاتجاه الجمهوري، مؤيداً ومدافعاً ومسخراً قلمه وجهده ونضاله تجاه الجمهورية وإسقاط نابليون الثالث. كان جوينبلين يخاطب اللوردات بنفسه، معبراً عن الرعب الذي شاهده، ولا يستطيع اللوردات مشاهدة أو مجرد التفكير فيه. ليس لأنه غير واقعي، بل لأن العقل-أو عقولهم-لن تصل إلى رؤية ما شاهده الرجل الضاحك في مسيرته في طول البلاد الإنجليزية وعرضها. هم اعتادوا على قول نعم، هو اعتاد على قول نعم ولا. حين يقول لا فهو ينفصل عن هذا المجموع الموافق دائماً على كل ما تطلبه السلطة. من بإمكانه أن يقول لا؟ لا بد أنه شخص جد مميز إذ لديه القوة والمقدرة لكي يقول لا. غير أنه لم يكن البؤس. البؤس يطالب بحقه في الحديث. يخبر هؤلاء الذين في الأعال أن هناك شيء تحتهم، وربما فوقهم؛ هو الجنس البشري. هذا البائس الضاحك المثير للسخرية له المقدرة على التعبير عن أحزان الجنس البشري، ليس لأنه قوي. بل هو جد ضعيف، لكنه لأنه سقط في هاوية الأعماق، واقتطف من تلك الهوة ما لا يستطيع أي أحد التعبير عنه. الشعب صمت، وسيكون المحامي الهائل لهذا الصمت. لا يوجد خطاب في أي نص روائي يستطيع التعبير عن حزن الجنس البشري بمثل خطاب الرجل الضاحك:

أنا ذلك الذي يأتي من الأعماق، أيها اللوردات، أنتم الكبار والأغنياء، وهذا محفوف بالخطر. وأنتم تفيدون من الليل، ولكن حاذروا، فهناك قوة كبرى، هي الفجر. والفجر لا يمكن أن يُهزم. ولسوف يأتي، إنه يصل. فهو يحمل في ذاته دفق النهار الذي لا يقاوم. إن الشمس هي الحق، أما أنتم فالامتياز. فلتخافوا، إن سيد البيت الحقيقي سيطرق الباب. ومن هو أبو الامتياز؟ إنه المصادفة. ومن هو ابنه؟ إنه سوء الاستخدام. لقد أتيت لكي أحذركم. إن ما صنعه الرب حسن، فقد ألقي بي إلى الهاوية، وبأي هدف؟ لكي أرى قعرها. إني غواص، وآتي باللؤلؤ، الذي هو الحقيقة، إني أتكلم لأني أعلم. لقد كابدت ورأيت. لا، إن العذاب ليس كلمة، أيها السادة السعيدون، والفقر قد ترعرعت فيه، والشتاء قد ارتعدت فيه، والجوع قد ذقته، والاحتقار قد عانيته، والطاعون قد أصبت به، والعار قد تجرعته، ولسوف أتقيؤه أمامكم ..!

من يلمح النفس الثوري في هذا الخطاب لن يجادل بأن هذا الخطاب كتبه هيجو ضد عدوه الرئيس نابليون الثالثـ والذي، سيكون بإمكان المؤلف بعد ما لا يقل عن سنتين أن يعود إلى وطنه، وأن يعود نائباً، كفاتح من الفاتحين، ضد عدوه وعدو بلده: الملكية ممثلة بنابليون الثالث.

إن ما بدأه المؤلف نصه الروائي بالبحر والليل، اختتم به هذا العمل بالبحر والليل. بدأت الرواية بالبحر الذي سيعصف بالسفينة، والليل الذي أطبق على الجزيرة. وانتهت بالليل الذي أضاءت بداخله نجمة عظيمة، لا يستطيع أحد أن يصل إليها دون أن يلامس البحر! لا أستطيع إعطاء وصف لمشهد خاتمة الرواية، فهو جد عظيم. وفي هذه القراءة لم أذكر أي تفصيل يمس الرواية وقوتها. ما هو مثير للانتباه أن عناوين الفصول تتحاور فيما بينها، وكأن النص الروائي ليس وحده. عنوان الفصل الأخير: الفردوس المستعاد على الأرض. أي أن الجنة، أو ما هو جميل بصورة لا نهائية قد عاد إلى الأرض بعد غياب، بعد موت. غير أن عنوان الفصل الأخير يأتي نافياً وموكداً لتلك الواقعة: لا، في الأعالي!

مشهد النهاية يحتاج لتفصيل لارتباطه بحياة المؤلف. توجد ملاحظة في نهاية الكتاب، يقص من خلالها فيكتور هيجو حادثة غرق سفينة نورماندي، يكتب: في سفينة نورماندي البخارية التي غرقت في عرض البحر، منذ أربعة أيام، كان هناك نجار مسكين وزوجته. لم يبق إلا زورق انقاذ قد امتلأ بالناس الذين كانوا يحطمون قلس المركب ويهربون. فيصيح الزوج: ” انتظرونا، سوف ننزل”. أجابوه من الزورق:” لم يعد هناك مكان إلا لامرأة، فلتنزل امرأتك”. طلب الزوج من زوجته أن تذهب، غير أنها أجابت: ” لا. لا أبداً، لن اذهب، ليس هناك مكان لك، فلنمت معاً”.

إن هذه “لا، لا أبداً” رائعة. هذه البطولة التي تتكلم لهجة محلية تقبض القلب، إنها لا لا أبداً رقيقة مع ابتسامة رقيقة أمام القبر. وطوقت المرأة المسكينة بذراعيها عنق زوجها، وماتا كلاهما. إني أبكي وأنا أكتب لك هذا، وأفكر بصهري الرائع شارل فاكري ..

فيكتور هيجو يذكر في هذه الملاحظة عرضاً حادثة غرق ابنته الكبرى والأثيرة في البحر مع زوجها. كتب الصديق عدي الحربش مقال ذكر فيه تفاصيل هذه الحادثة:

في الثامن عشر من جولاي 1843، وتحت كآبتي زواج وابتعاد ابنته الأثيرة ليوبلدين وفشل مسرحيته Les Burgraves، قرر فيكتور هيغو أن يمنحَ نفسه عطلة و أن يسافر بمعية عشيقته جولييت دراوت إلى أسبانيا. أسبانيا هي مرتع طفولة هيغو، حيث عاش مع أمه و أخيه في كنف والده الجنرال العامل في جيش بونابرت. رغم تطلع هيغو إلى هذه الرحلة، إلا أنه كان ممتلئا بمشاعر سوداوية طوال الوقت. حتى البحر الذي كان يبعث السعادة عادة في نفسه، لم يزدها إلا تجهما وتشاؤما. بعد شهرين، وصل هيغو إلى جزيرة أوليرون. في ذلك اليوم كتب في مذكرته الخاصة: “الموت في روحي… الجزيرة بدت وكما أنها كفن كبير مبسوط فوق البحر، والقمر مشعل فوقه.”

قضى هوغو الليلة مع دراوت في فندق الجزيرة. في اليوم التالي عاودا السفر، وتوقفا في طريقهما في روشفورت. كان عليهما الانتظار فيها لمدة ست ساعات قبل أن تستكمل العربة طريقها. في ساحة المدينة، في مكانٍ يدعى (مقهى أوروبا)، جلس هيغو مع جولييت و طلبا بعض الجعة. أمامها على طاولة خالية، كانت الصحائف الباريسية ملقاة. سحبت جولييت جريدة Le Charivari وسحب هيغو صحيفة Le Siecle. كتبت جولييت في مذكرتها: “فجأة، انحنى حبيبي المسكين مشيرا نحو الصحيفة، قائلاً بصوت مخنوق: شيء رهيب حدث! شفتاه كانتا شاحبتين، عيناه حدقتا دون غاية، وجهه وشعره غارقان في العرق، يده المسكينة أطبقت فوق صدره وكما أنها تحاول منع قلبه من الانفجار.”

ما قرأه هيغو في ذلك اليوم هو خبر غرق ابنته ليوبلدين مع زوجها تشارلز في نهر السين قبل خمسة أيام. ليوبلدين التي بالتو تزوجت، ابنته الكبرى الأثيرة، الأكثر شبها بوالدها، غرقت! وهو بعيد عنها ومشغول مع عشيقته بالتجول! نهض هيغو متحاملا وقال لجولييت أنه يجبُ أن لا يجذبا الأنظار. تركا القهوة وأخذا يمشيان بلا وجهة تحت الشمس الحارقة. توقفا مرتين، الأولى فوق كرسي صخري، والثانية فوق العشب. كانت العجائز حولهما يغنين بإحدى قصائد هوغو. أرسل هوغو رسالة إلى زوجته آديل يقول فيها: “يا إلهي! ماذا فعلت بك؟” عندما وصل هوغو إلى باريس كانت ابنته تحت التراب. لم يكتب أي شعر لمدة تزيد عن السنتين و النصف. بعد مرور عام، بدأ سلسلة من رحلات الحج نحو قبر ابنته في Villequire. لم يتجرأ على كتابة شعرٍ يرثي فيه ابنته إلا بعد مرور سبع سنوات، عندما أصبح منفيا في جزر القنال. هناك ضم مجموعة من قصائد المتفرقة في ديوانه الشعري تأملات Les Contemplations . قام بتقسيم الديوان إلى جزئين: الأول بعنوان (آنذاك)، و الثاني بعنوان (الآن).. و بينهما صفحة فارغة مكتوب عليها تاريخ وفاة ابنته ليوبلدين.

قصيدة (غداً، ساعة الفجر) Demain, des l’aube تُعد من أشهر القصائد الفرنسية على الإطلاق. تتألف القصيدة من ثلاث رباعيات متتالية، يتحدث فيها الراوي عن عزمه على النهوض فجرا للسفر نحو قبر حبيبته كي يضع بوكيها من الزهور فوقه. بالطبع كل من قرأ القصيدة فهم أن المقصودة بها ليوبلدين، وأن المتحدث هو هيغو نفسه. القصيدة غُنيت مراتٍ عديدة،

غداً، ساعةَ الفجر، عندما ما تبيّضُ الأرياف،
سوفَ أنطلق. أترين: أعلمُ أنكِ تنتظرين.
سأمضي عبر الغابة، سوف أعتلي الجبال.
لم أعدْ أطيقُ البقاءَ بعيداً عنكِ أكثر.

سوفَ أمشي و عيوني شاخصةٌ نحوَ أفكاري،
لن أرى شيئاً حولي، لن أسمع أيَّ نبهة،
وحيداً، مجهولاً، محدودبَ الظهرِ، معقودَ اليدين،
حزيناً، و اليومُ لديّ سيّان مع الليل.

لن أتطلعَ باحثاً عن الذهبِ في الغروب،
و لا الأشرعة البعيدة المغادرة صوبَ هارفلور
و عندما أصل، سوفَ أضعُ فوقَ قبركِ
إكليلاً من براعم الخلنج و الهولي الأخضر.

Advertisements
هذا المنشور نشر في فيكتور هيجو, أدب فرنسي. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s