الجوالون: كرامسكوي ورفاقه


الفن، بكافة أشكاله من فنون موسيقية أو تشكيلية أو معمارية، وحتى الأدب والنقد والفلسفة والعلوم، إذا أصبح مكبلاً بالخط الرسمي للدولة أو الأعراف والتقاليد التي تحد من انطلاقته، يجب أن تمر عليه فترة زمنية يصبح فيها خاملاً، مكرراً، لا جديد فيه. قد يحدث أن يخرج من الفن المحاصر بشتى أنواع هذه الحصارات ما يثير الجدل والإعجاب. لكنه إعجاب لا يتخطى الحدود القصوى للحصار، أي أن هذه الحدود مسموح بها-ضمن الأعراف والتقاليد أو رؤية الدولة-في أضيق الاحتمالات. المبدع حين يقدم ما يؤمن بأنه قادر عليه، فهو يقدم ذلك العمل من أعماق روحه، من ذاته، وكأن العمل الفني جزء لا يتجزأ منه. ولكي يستطيع أن يقدم مثل هذه الأعمال، على الفنان أن يكون حراً، وأن يكون العمل حراً، غير محاصر. مسألة أن هذا الفن مقبول أو هذا الفن غير مقبول، يرجع ذلك للمتلقي: إن كان هذا العمل قد عبر عن فكرة أو فلسفة بطريقة جميلة، أو لم يحسن التعبير ولم يوفق فيها أو تخطى الحدود الاجتماعية.

الفن التشكيلي الروسي إلى قبل منتصف القرن التاسع عشر كان واقعاً تحت سلطة أكاديمية الفنون: سلطة تحد من الانطلاق، تعتمد على تقليد الفنانين الأوروبيين، لا يوجد فيها مساحات واسعة من حرية الفنان بإختياره للعمل والرؤية الفنية. ما هي مهمة الفن التشكيلي تحت هذه الأجواء؟ أن يظل ينتج أعمال فنية تعرض في دوائر الدولة-ممثلة في الأكاديمية-دون أن يتفاعل معها الجمهور ويتذوقها ويشعر بها، ويكتشف إن كان هذا الفن يعبر عنه أم لا. تعرض لطبقة محددة: رجال أعمال ومهتمين بالفن ومقتني الأعمال والطبقة الراقية. وتنتهي هذه الأعمال إلى قصور الطبقة النبيلة: بورتريه لشخصيات، أحداث تاريخية فيها من الأساطير الكثير، أو أحداث مقتبسة من الإنجيل. حتى لو أنتج هذا الفن أعمالاً جميلة، يبقى غير مكتمل، لعدم وصوله لطبقات الشعب كافة. إن عملاً مخصص لفرد أو مجموعة محددة ليس بفن.

حين قام الناقد اليساري بيلنسكي بتقديم نقده الشهير للآداب الروسية وتاريخها، مع ظهور بوشكين بلغته الشعرية، وقيام الواقعية النقدية عبر غوغول، انقلب مسار الأدب بدرجة كاملة. تخلى عن التقليدية والسير خلف الآداب الأوروبية، وأصبح للجيل اللاحق نماذج وطنية تستحق التقدير. ومع هذا التقدير والتعظيم لهذا الجيل الكبير أمثال بوشكين وغوغول وبيلنسكي لم يكن هناك أي نوع من التبعية: فتحوا مسارات أوسع، وتعددت رؤى الأدب، وكانت النتيجة أدب عظيم حُفظ في صفحات الإبداع الإنساني.

في منتصف القرن التاسع عشر، وفي نهاية إحدى المراحل الدراسية في الأكاديمية الروسية الفنية، أعلنت الأكاديمية عن مسابقة فنية بمناسبة تخرج طلابها، ومن سيفوز في هذه المسابقة سيحصل على ميدالية أرفع أكاديمية فنية في البلاد، ويتم إرساله للخارج لإكمال دراسته والحصول على شهادة أعلى، مع تقديم كل أشكال الدعم الفني له من مواد ومعدات وما يتطلبه العمل الفني. وكان موضوع المسابقة: رسم لوحة مقتبسة من الأساطير الفنلندية، تمثل الإله أودين وقد حط على كتفيه غرابان، ونام عند رجليه زوج من الذئاب. وكانت نتيجة هذه المسابقة أن كل الطلاب الرسامين، وكانوا يمثلون صفوة الطلاب الشباب، رفضوا رسم هذا الموضوع بتاتاً. كان أساتذة الأكاديمية يعتقدون بأن الطلاب لن يفكروا مجرد تفكير بالخروج عن تقاليد المؤسسة العريقة، لكن الواقع أن كل الطلاب لم يتحفظوا وحسب، بل وأعلنوا رفضهم لكل أشكال التكبيل الذي تمارسه المؤسسة على فنهم وأعمالهم. وإن كان هنالك مسابقة، يجب أن يكون لكل رسام الحق في أن يرسم أي شيء يرد في ذهنه ويفكر فيه. هذا الرفض كان تمرداً، ليس تمرد على المؤسسة الفنية الرسمية وحسب، بل على الدولة، وكان من نتائج ذلك أن هؤلاء الطلاب أصبحوا تحت رقابة الشرط السرية كونهم أشخاص مشبوهين.

في تلك الأيام كان تولستوي يفجر روائعه الأدبية، وكان دوستويفسكي يثير الصخب بأعماله. ألن يكون هناك أمثال دوستويفسكي وتولستوي في الفن التشكيلي؟ لم يتأخر الجواب طويلاً إذ أن غالبية الطلاب الذين رفضوا رؤية الدولة أصبحوا يقفون بموازاة تولستوي ودوستويفسكي: مثل إيفان كرامسكوي-وكان زعيم المتمردين، وإيليا ريبيين وغيرهم.

في سبعينات القرن التاسع عشر تجمع مجموعة من مبدعي الرسم في جماعة عرفت لاحقاً بالفنانين الجوالين. وكان هدفهم الأول إخراج الفن من محيطه في الدوائر الرسمية وعرضه حصراً هناك، إلى الشعب، عبر تنظيم مؤتمرات ولقاءات وعروض فنية تجوب مختلف الأراضي الروسية من بلدات وأقاليم ومحافظات. إن إخراج الفن من حصاره وتقديمه للشعب، يتطلب أن يتغير الفن من حالة التقليد إلى حالة الإبداع عبر التعبير عن هذا الشعب وشخصياته، بكافة فئاته. وهذا الإبداع سيعرف الشعب على هذا الفن ومتابعة نجاحاته، ويكون التأثير متبادل: نجاح الفنانين وتسهيل بيع أعمالهم، وتنمية حب الفن في المجتمع.

لا توجد قوانين مكتوبة في رابطة الجوالين. لكل واحد منهم الحق في التعبير عن فنه، بأي صورة وشكل ولون. لكن المهم، أن يكون نابعاً من ذات الفنان، معبراً عنه، ويتجه إلى صفوف الشعب. يمكن اعتبار رسالة إيفان كرامسكوي بأنها بيان عام لفن الجوالين. يقول في رسالة إلى صديقه سوريكوف:

من السهل أن نأخذ تجارب الآخرين، وكل ما حققته البشرية وابتكرته، وأخص ما أبدعه الفنانون العظام مثل تيسيان وريفيرا وفلاسكيز وموريلو وروبنز وفان ديك ورامبراندت، وغيرهم. علمنا هؤلاء كيف نرسم ونصور، وأنا على يقين مثلك بأنهم كانوا معلمين حقاً. لكن دعني أقول لك أن أياً من أساليبهم وطرقهم في الفن لا يناسبني. وأنا كفنان روسي متواضع وصادق، ذلك أننا نفكر بطريقة أخرى، ورؤيتنا إلى الفن تختلف عن رؤيتهم تمام الاختلاف. فكر يا صديقي وقل لي بكل أمانة ووضوح: هل كان موريلو أو تيسيان واقعيين فعلاً؟ هل كانت شخوص لوحاتهم أجساداً حية كما نراها في الحياة؟ وهل تخطر على بالك لوحات تيسيان أو روبنز أو رامبراندت حين تشاهد وجوه من تلتقيهم من الناس في الحياة يومياً؟ أستطيع أن أجيب عنك، وبكل جرأة وبلا تكلف إنهم ليسوا كذلك. فأنت ترى في لوحاتهم أشخاصاً لم نلتق بهم قط، ولم يصورهم أحد. إن الفنان الروسي لا يعلمه أحد، وعليه أن ألا يتعلم من أحد، غير ما يراه من وجه الناس التي نراها الآن في مدننا الروسية. إن الأسئلة المطروحة في الفن الآن، تتطلب طرقاً وأساليب أخرى للتعبير، ولا تساعدنا في ذلك أية إرشادات تأتي من الإرمتاج أو غيره. لقد مضى على هؤلاء الفنانين مائتان أو ثلاثمائة ونيف من الأعوام، ومع الزمن تغيرت طريقة تفكير الفنان وحساسيته أيضاً، فأصبحت شيئاً آخر تماماً، حتى الألوان تغيرت وحل محلها ألوان أخرى، وعليه فإن الانطباعات اللونية الآن عند الفنانين تختلف اختلافاً جذرياً عما كانت عليه في الماضي.

حين أقامت جماعة الجوالين معرضهم الأول، أصاب نجاحاً غير طبيعي إلى درجة الوصف بأنه أهم حدث فني في بطرسبورغ، والتجربة الجريئة لفنانين ديمقراطيين يقومون بدور تنويري. كان أول اتصال مباشر بين الفنان والجمهور. خرج الفنان من عزلته الماضية إلى واقع الحياة الحقيقية في أهم فترة من فترات التاريخ الروسي، وهي فترة إلغاء نظام القنانة وتحرير العبيد وإصلاح الأراضي. وهذا الحدث كان مفصلياً عبر تغييره طبيعة الفن ورؤيته ورسالته. هدف الفن حين كان تحت رؤية أكاديمية الفنون للتزيين: تزيين القصور والبيوت وتربية الأجيال من خلال رسم يعبر عن الأحداث الهامة في الدولة. وهذه الأحداث الهامة تلغي الواقع وتقدم الشخصيات السياسية والراقية كمحررين وإصلاحيين. وكذلك هناك موضوعات تستحق الرسم وأخرى يجب أن لا يتجه إليها الفن، ما يستحق الرسم أشبه بالتقليد ومحاكاة أعمال الأوروبيين، وأبطال وشخصيات ورد ذكرها في الإنجيل. وإذا تجرأ الفن بأن يتجه للطبيعة، فهناك أفضلية لمناطق محددة مثل المناظر الإيطالية لغناها اللوني. أي أنها طبيعة بعيداً عن طبيعة الفنان الروسي وأرضه. أما رؤية وهدف الجوالين فغير هذه النظرة التي تحاصر وتقتل الفن: ليس الموضوع جميل أو غير جميل، مضحك أو حزين، بل الأهم: تتمثل في قول الحقيقة، لا تنحصر مهمة الفنان في التأثير على المشاهد بقدر ما ترمي إلى تهذيب ذوقه الجمالي، والإرتقاء بمقدرته على تلقي الفن والتعامل معه، ولكن كيف؟ لوحات الجوالين عبارة عن أقاصيص، لكنها لم تكتب بالكلمات، وإنما باللون.

هناك عدة فنانين من هذه الجماعة هم المفضلين لدي. وجميعهم تميزوا برؤيتهم الخاصة. البعض منهم تميز برسم الطبيعة، والبعض الآخر برسم البورتريه، والبعض أبدع برسم أحداث تاريخية مختلفة عن السائد. والبعض منهم نقل روائع التحليل النفسي الذي أبدع فيه الأدباء الروس في لوحاتهم. أجد إيليا ريبين هو الأكثر تميزاً بينهم. أعماله الفنية قصص درامية، وكأن المشاهد يشاهد الصورة ويقرأها ككلمات. ولعل الصورة الأولى في هذا المقال توضح تأثير الصور في لحظة تسجيل حدث. إيفان الرهيب يضرب إحدى زوجاته. يندفع ابنه وولي عهده للسيطرة على غضب أبيه، غير إن إيفان ليس الأب أو الزوج، بل هو إيفان الرهيب، أعمى لا يرى ما أمامه. وحين يجد الابن يحول بينه وبين ما يفعل بكامل إرادته، يهوي عليه بأداة حادة بكامل قوته حتى يسقط الابن صريعاً. ريبين لم يظهر لنا الخلاف الذي وقع بين الأب والابن، ولا اللحظة التي تملك فيها الغضب الأب. ما نشاهده هو النتيجة: الهول، والذعر. عينا الأب تنظر إلى الأمام وجسد الأب يطوق الابن القتيل. يقيناً أن إيفان في هذه اللوحة لم يعد يرى ما أمامه وهو ممسك برأس ولي عهده، إذ أنه مطوق بالندم، وجسده يعبر عن هذا الندم. التناسق بين الحدث والمكان مبهر، اللون الأحمر ليس محصوراً في الدم الذي يغطي الرأس. الأثاث الجميل والسجادة الحمراء امتزجت مع لون الدم، وكأن اللوحة تصرخ ضد القتل والدم. زميل الرسام، إيفان كرامسكوي يقول: أنا على يقين من أن عدد الجرائم يجب أن تقل حتماً بعد مشاهدة هذه اللوحة. هل كان هذا هو هف الفن؟ قد يكون ذلك ولكن عبر اتجاه آخر. ريبين مولع بتصوير الحياة المعاصرة، وهذه اللوحة تمثل حدثاً قديماً نوعاً ما، غير أنها تظل وثيقة الارتباط في حياة الرسام المعاصرة، وهي الفترة التي شهدت تصاعد في عملية الاغتيال، ويقابل هذه الاغتيالات أحكام بالإعدام. واللوحة، نشرت للجمهور في ذلك العام الذي اغتيال وأعدم فيه الكثير من الشخصيات.

ما الذي يجب أن يعكسه البورتريه؟ العرف السائد في الفن يقتضي من الفنان أن يرسم شخص ما في أحسن صورة. أما الجوالين-إيفان كرامسكوي كمثال-يرى أن أهم ما في فن البورتريه هو أن يعكس صورة المرء الحقيقية كما هو في الواقع، دون تزيين أو تدخل من الرسام. عندما شاهد ريبين بورتريه كرامسكوي الشخصي أصابه نوع من خيبة الأمل، إذ لم تتضمن أي تزيين للوجه. الرسام رسم نفسه في اللوحة كما يعتقد بأنه هو كذلك في الواقع: بارز الوجنتين، بلحية شعثاء خفيفة وعينين غائرتين. هذه الواقعية في فن البورتريه أكسب كرامسكوي شعبية جارفة إذ أنه أصبح مطمع لعدد من الكتاب والشخصيات لكي يقوم برسمهم. وإحدى هذه اللوحات هي للأديب الروسي تولستوي. تولستوي أصبح ساحة منافسة للرسامين الجوالين: رسمه ريبيين في عدة لوحات بديعة، منها لوحته تلك التي يجلس فيها تولستوي وكأنه كاهن على كرسي، بلحيته الطويلة، وتولستوي وهو مرتدياً زيه الفلاحي، أشبه بالناسك. تسنى لإيفان كرامسكوي أن يرسم تولستوي في حياته، في الوقت الذي كان الكثير من الفنانين يحلمون بذلك. بينما كان كرامسكوي يعمل بريشته، محاولاً دراسة وجه تولستوي، كان الكاتب الكبير يراقب هذا الرسام أيضاً. ولم يخطئ تولستوي حين وصف الرسام بمشروع فنان حقيقي، وفي وقت لاحق ظهر في رواية آنا كارينينا نموذج للرسام إيفان كرامسكوي متمثلاً في شخصية الفنان ميخايلوف. لكن، هل بورتريه تولستوي هو أشهر أعمال كرامسكوي في فن البورتريه؟ بورتريه امرأة مجهولة هو أكثر بورتريه شهير لفنان روسي من جماعة الجوالين، بل لعله أشهر بورتريه روسي. عندما عرضت للمرة الأولى كان السؤال المطروح: من هذه المرأة التي ظهرت في اللوحة بهذا الجمال؟ ترتدي ثياب أنيقة، وتجلس في عربة خيل. الرسام فصل ما ترتديه بكل حرفية: ثنيات الملابس وقفاز اليدين بدقة باهرة. لم يجب الرسام عن شخصية هذه المرأة. وطرح ذات السؤال على زميله الرسام إيليا ريبين، وتنبين أنه لا يعرف عن هذه المرأة شيئاً، لكنه أجاب: يبدو أن هذه المرأة ليست بورتريه لشخصية محددة، وإنما هي لوحة لشخصية استمدها الفنان من مخيلته. وكعادة العمل الفني العظيم الذي يطرح مع أي عمل جديد للفنان، يعود السؤال من جديد حتى تسبب للرسام بالضيق والملل حسب تعبيره.

في جلسة مع أحد الأصدقاء، عرض أحد الزملاء لوحة لكرامسكوي تمثل السيد المسيح بصورة مختلفة عن اللوحات التي اعتاد الرسامون رسمها عن السيد المسيح. صورة تمثل المسيح وهو إنسان طبيعي، عادي، مثل كل البشر في هذه الحياة، بعيداً عن الصور الواردة في التراث المسيحي. وإن كانت هناك فكرة تصل إلى مشاهد هذه اللوحة فهو أشبه بالحزن، اُلقي عليه وأثقل كتفه. لكن مصيره يتحتم عليه قبول ما تلقى. ولكي يصور الرسام الأجواء المحيطة بالمكان كما يحب، ذهب في زيارات للخارج لمشاهدة بعض اللوحات عن السيد المسيح، وسافر إلى شبه جزيرة القرم ليشاهد ويحس بالمكان الجبلي المقفر. يصف الرسام لوحته المسيح في الصحراء:

في الصباح يجلس المسيح وحيداً، متألماً، منهكاً ومعذباً بين أحجار باردة موحشة، ويداه المرتعشتان مضمومتان إلى جسده، وأصابعه متشابكة ومتشبثة بقوة، وقدماه متشققة، ورأسه يتدلى بين كتفيه وهو ساهم في تفكير عميق. لعله كان صامتاً منذ زمن طويل؟ بدأ وكأن شفتيه المزمومتين توشكان أن تقولا شيئاً ما، عيناه لا تريان الأشياء، إنه لا يحس بشييء، حتى ببرودة الصباح.

أتذكر نصاً يعطي وصفاً لحالة الفنان، عندما يريد التمعن في الشخصية المراد رسمها والغوص في أعماقها، حتى يمكن رسمه بصورة هي أقرب إلى الحقيقة أكثر من أي شيء آخر. إذا كان إيفان كرامسسكوي وإيليا ريبين اشتهروا بأعمالهم عن تولستوي، فإن الرسام فاسيلي بيروف-وهو أحد جماعة الجوالين-رسم المنافس الأكبر: دوستويفسكي. تصف آنا غريغورريفنا دوستويفسكي في مذكراتها مشهد رسم بيروف لدوستويفسكي:

رغب بافل تريتياكوف صاحب معرض الصور الجاليري الشهير في موسكو، وهو من المعجبين بنتاج دوستويفسكي، أن يحصل على صورة زيتية له فأوفد إلى بطرسبورج لهذا الغرض الرسام الروسي المعروف فاسيلي بيروف. وقبل أن يبدأ هذا الأخير عمله صار يتردد علينا يومياً طوال أسبوع ويفاجئ دوستويفسكي في شتى أحواله اللاإنسانية ويحاوره ويستفزه خصيصاً للخوض في مواضيع شائكة، إلى أن تمكن من تصيد أعمق تعبير في ملامح زوجي وهو شارد الذهن غارق في تأملاته الفنية. التقط بيروف لحظة الإبداع أو الذهول التي كنت تلمستها مراراً وأنا أدخل على زوجي مكتبه، لأمر ما فأجده غائصاً في ذاته يحدق فيها من الداخل، وأخرج دون أن أكلمه. وفيما بعد يتضح لي أنه لم يشعر بوجودي ولا يصدق بأني دخلت عليه المكتب في تلك اللحظة. كان بيروف رجلا ذكياً لطيف المعشر. وكان دوستويفسكي يرتاح إليه كثيراً حتى أنه كتب عنه في الصحف مرتين. وقد حضرت جميع وجبات رسم الصورة النصفية الشهيرة في نيسان-ايار 1872. ويتميز هذا البورتريه بقيمة فنية يعترف بها الجميع ولا تضاهيها من هذه الناحية سوى صورة نصفية أخرى بالحجم الطبيعي لدوستويفسكي رسمها كرامسكوي في اليوم الثاني لوفاة الكاتب.

للإستزادة: كتاب مدرسة الفنانين الجواليون: إيفان كرامسكوي ورفاقه، للدكتور علي خليل. من إصدارات الهيئة السورية للكتاب. وللتعرف على أعمال مدرسة الجوالين، يفضل البحث عبر أسماءهم للإطلاع ومنهم: إيفان كرامسكوي، إيليا ريبين، فاسيلي بيروف، فيدور فاسيليف، ألكسي سافراسوف، ميخائيل كلود، فيودور فاسيليف، إسحاق ليفيتان، فاسيلي بولينوف، إيفان شيشكن، غريغوري مياسويدوف، أرخيب كوينجي، نيقولاي غي، فاسيلي سوريكوف، ألكسي بوغولوبوف، فاسيلي فيريشاغن، إيلاريون بريانشيكوف، فلاديمير ماكوفسكي، قسطنطين سافيتسكي، فاسيلي مكسيموف، نيقولاي يارشينكو.

Advertisements
هذا المنشور نشر في فن تشكيلي, أدب روسي. حفظ الرابط الثابت.

3 Responses to الجوالون: كرامسكوي ورفاقه

  1. ابراهيم كتب:

    الله الله

    رائع جداً

  2. Nouf كتب:

    تدوينة رائعة جدًا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s