أغسطس


العمل الفني الذي يحتفظ بمقومات وجوده ويحمل خصائص فنية أو أدبية تميزه عن غيره من الأعمال الفنية الأخرى، لا يعني بأن هذا العمل سوف ينجح فور نشره للجمهور أو حتى بعد فترة قصيرة. لكن لديه ميزة: سيعيش فترة طويلة ولديه القابلية للاستمرار حتى يأتي الوقت المناسب لإعادة اكتشافه من جديد. يصعب تحديد الوقت المناسب إذ سيبقى في المجهول: إحياء العمل الفني عن طريق النقد أو مجموعة خاصة تحيي العمل الفني لضرورته في فترة زمنية معينة، أو حتى ترجمته للغة أخرى ونجاحه في بلد آخر. توجد عدة أمثلة، مثل الكاتب الكلاسيكي هرمان ملفيل، صاحب الرائعة الأدبية موبي ديك. رحل عن هذا العالم ولم تتحدث عنه إلا صحف قليلة، ولم تكن موبي ديك ذات حضور قوي مؤثر في ساحة الأعمال الأدبية. ظل هذا العمل محتفظاً بطاقته حتى تفجرت بعد أربعين سنة من وفاة المؤلف، وأصبحت حينها من روائع الأدب الأمريكي. والمثال الأخير، والذي سأتحدث عنه هنا هو الروائي جون إدوارد ويليامز. كيف نجحت أعمال جون ويليامز في تصدرها لقائمة أكثر الكتب مبيعاً عبر أعماله: ستونر، تقاطع بوتشر، أغسطس، وهو لم يشهد طوال فترة حياته حتى التسعينات أي نجاح جماهيري؟ هل جيل همنجواي كانوا مسيطرين بقسوة على الساحة الأدبية بحيث أن أي محاولة من قبل أدباء آخرين لا يسيرون على نفس نهج هذا الجيل محكوم بالفشل؟ أم أن الوقت ليس ملائم للنجاح. حين نشر ويليامز رواية أغسطس، فاز مناصفة مع كاتب آخر بجائزة الكتاب الوطنية، وبيعت كل إصدارات أغسطس، لكنه يبقى نجاح متواضع لا يرقى لأن يكون نجاحاً يستحقه العمل الفني.

وكعادة الصديق عدي في توصياته، أشار عليّ بقراءة رواية أغسطس، لما تتميز به من خصائص فنية معينة. وحين فتحت الصفحات الأولى من الرواية أعجبت بجمال لغته وأسلوبه والبناء السردي الذي يتكئ عليه في بناء عالم أغسطس. وحين أطلعت على موضوع الرواية الأساس تركت الرواية فترة من الوقت حتى أستطيع قراءتها وأنا عالم بأحداثها التاريخية المدونة في التاريخ. ولذلك اتجهت لكتب أخرى تستطيع أن تعطيني مفاتيح عالم أغسطس. قرأت فصل أغسطس من قصة الحضارة لويل ديورانت، ومسرحية يوليوس قيصر لشكسبير، وفصل قيصر من كتاب السير للمؤرخ بلوتارخ. وحين بدأت بقراءة أغسطس، قرأت العمل وأنا عارف بكل الأحداث، بمعنى: أن العمل الأدبي لن يستطيع أن يفاجئني في أي حدث من أحداثها، لكن الفن بجماليته هو من يقدم لك الحدث بصورة أخرى مختلفة عما هو مكتوب من قبل المؤرخين.

جون ويليامز كاتب محترف، يكتب بإحترافية شديدة للغاية. ليست لديه غاية كبرى كالحديث والبحث عن آلام الحياة والخلاص البشري. العمل الفني يجب أن يكتب بإحترافية، وهذا الاحترافية تستلزم أن تصنع عالماً جديداً محدد الإطار والمكان والزمان. لكن هناك نوع من المخاطرة، إذ أن موضوع الرواية هو عن شخصية شهيرة للغاية، وهو أغسطس قيصر: وريث يوليوس قيصر والامبراطور الأول – بل والمؤسس الفعلي للإمبراطورية الرومانية. كيف يستطيع المؤلف أن يتخطى حاجز التاريخ ليظهر أغسطس في عالم الأدب؟ هناك عدة مدارس تتناول الموضوعات التاريخية في الأدب. البعض منها يجعل من شخصيات الرواية التي ليس لها وجود في التاريخ، حضور في النص، تؤثر وتتأثر بالحدث التاريخي. والبعض قد يقوم بعمل تناظر ما بين شخصيات حقيقية وشخصيات مختلقة. أما شخصيات جون ويليامز في أغسطس فهي كلها حقيقية. لا توجد شخصية واحدة إلا ولها دور كبير في حركة التاريخ الروماني. هذا هو الإطار العام. يبقى أسلوب السرد. كيف سيكون؟ الموضوع ضخم للغاية. حين يطرح الأديب موضوع عن أغسطس من بدايات شبابه إلى وفاته، ليس بالإمكان التغاضي عن شخصيات أخرى لها حضور منافس لأغسطس، بل وهناك من هو أهم منه، مثل شقيق جدته ومتبنيه يوليوس قيصر، وماركوس أنطونيوس، وشيشرون، وبروتوس، ورفاق أغسطس والمؤسسين للإمبراطورية أمثال القائد العسكري ومستشاره ماركوس أجريبا، و ميجنياس. وحتى لو أستطاع التوفيق بين هذه الشخصيات عبر إعطاء كل واحد منهم صوت يتميز به، هناك مسألة أخطر من الشخصيات، وهي الأفكار والاتجاهات السياسية والاجتماعية التي قادت إلى سقوط الجمهورية وبروز الإمبراطورية.

بناء جون ويليامز السردي ضم كل هذه الشخصيات وأضاف عليها على الحراك الأدبي المتمثل بفلاسفة وشعراء كبار أمثال هوراس وفيرجيل وأوفيد ونيقولا الدمشقي، وجغرافيين وفلاسفة وخدم وعساكر وكليوباترا وزوجة أغسطس وابنته وغيرهم. ونجح المؤلف في ذلك لأن السر كان في الصوت: كل شخصية لها صوت يميزه عن غيره. ويجب أن يكون الصوت مسموعاً على إطلاقه، مباشر بشكل كامل وواضح وجلي، بحيث لا يكون هناك حديث مباشر وحديث غير مباشر، أو المناجاة أو حديث النفس. ولا يتحقق هذا النوع من البناء إلا عبر شكل قائم على الرسائل، واليوميات، والمذكرات. رواية أغسطس كلها تسير على هذا النهج: يوليوس قيصر يفتح السرد برسالة لوالدة أغسطس يطلب منها إرسال الصبي معه ليعلمه على القتال وفنون الحكم. ثم ينطلق السرد عبر مذكرات للقائد أجريبا وهو في نهايات عمره، رسالة من مستشار أغسطس، ميجنياس إلى مؤرخ روماني يشرح فيها ما حدث. رسالة من شيشرون إلى بروتوس يهون فيه من خطر الصبي ذو التسعة عشر عاماً، أغسطس. النص يسير مع حركة التاريخ بكل يسر وهدوء. كل هذه الطرق في الكتابة والأسلوب تنبئ عن احترافية جون ويليامز، لكن هناك خاصية استطاع التحكم بها وهي الزمن: الرسائل واليوميات والخطابات وإعلانات مجلس الشيوخ جميعها تحمل تواريخ ليست متقاربة، تتناوب ما بين الحاضر والماضي. هذا التناوب لم يكن مبعثراً بحيث تظهر الرسائل واليوميات وكأنها ليست منظمة، بل تسير بخط مستقيم دون وجود أي تفرعات تحطم السرد. وكمثال على ذلك: يوميات أجريبا نشرت قبل الميلاد بخمس سنين، رسائل ميجنياس قبل الميلاد بعشر سنين، إعلانات مجلس الشيوخ ورسائل شيشرون وغيرهم تحمل تاريخ قبل الميلاد بخمسين سنة: تحكم في الزمن، وإعطاء كل واحد منهم صوت مميز، وفترة حكم أغسطس، كل هذه اكتملت وكونت رائعة تاريخية هي رواية أغسطس لجون ويليامز.

حتى تكون السيطرة كاملة على النص ويتحكم به المؤلف، لم يطلق العنان لقلمه في الحديث عن أغسطس كنقطة بداية ونهاية. بل قسمها إلا ثلاثة مراحل، عبر تصنيف النص إلى ثلاثة كتب. الكتاب الأول يتناول عودة أغسطس إلى روما وهو في التاسعة عشر من عمره، حين يتعرض متبنيه ومن يناديه بعمي يوليوس قيصر لإغتيال سياسي أجهض مشروع الملكية، ثم صعوده في عالم السياسية والحكم حتى يصبح الإمبراطور. بصورة أخرى: الكتاب الأول يتناول نجاح أغسطس من عمر التاسعة عشر حتى الخامسة والثلاثين. الكتاب الثاني ينطلق في عالم الحراك الأدبي عبر شعراء وفلاسفة شكلوا جزءاً من ذاكرة التاريخ، بالتوازي مع أقسى فشل تعرض له أغسطس، ألا وهو حكايته مع ابنته والانفصال المتمثل بالنفي! يمتد عمر النص في الكتاب الثاني من عمر أغسطس حتى قبل وفاته بسنتين، أي ما يقارب ثلاثين سنة. أما الجزء الأخير فهو خاص بأغسطس وحده. الصورة الأبرز في هذه الكتب الثلاثة أن صوت أغسطس غير مسموع. لا يعرفه القارئ ولا يسمع منه مباشرة إلا عبر أصوات الآخرين: أصدقاءه أو أعداءه. وإذا ظهر في حوار ما فهو عبر أصوات الآخرين، لا عبره هو. هذا الشكل من الكتابة جعل صورة أغسطس تتمثل في أفعاله السياسية وردود أفعاله، لا نعرف شيئاً عن أفكاره وروحه. في الكتاب الثالث فقط ظهر صوت الإمبراطور لأول مرة بشكل مباشر، قبل وفاته بأيام قليلة، في رسائل إلى نيقولا الدمشقي يبث فيها فكره وروحه وأهم مراحل حياته.

ما الذي يجعل من الإمبراطور أغسطس موضوعاً جذاباً في رواية هو محورها الرئيسي؟ هل لأنه أول من أعمل سيفه في الجمهورية وقضى عليها وقام بتأسيس الإمبراطورية؟ أم لأن ما قام به بمثابة المعجزة؟ سيرة أغسطس هي مثال بارز للغاية حول حياة درامية لصبي عليل لم يكن في وارد ذهنه أن يصل إلى ما وصل إليه، تحمل ملامح أشبه بملاحم الشعراء الرومانسيين، إذا أنه فيها نوع من الحركة والتنقل والصعود حتى تكتمل بصورتها النهائية. ليس بإمكان المؤلف أن ينجح في كتابة نص عن شخصية تحمل مقومات أكبر من أغسطس، وما أقصده هو يوليوس قيصر، إذ أن شبح شكسبير سيطوق رؤية المؤلف لو كتب عن يوليوس قيصر. بالإضافة لذلك، هي أشبه بالمغامرة الكبرى، إذ كيف يمكن كتابة نص يستطيع مضارعة نص ولغة شكسبير، وتحديداً نص واحد من مسرحيته الشهيرة، ألا وهو خطاب ماركوس أنطونيوس في تأبين قيصر. هذا النص أشبه بحائط سد ضخم يصعب كسره. بعد اغتيال قيصر، لم يقم صديق قيصر، ماركوس أنطونيوس بالدعوة للحرب ضد قتلة قيصر، إذ أن القتلة أشبه بالوطنيين ونفذوا الإغتيال لكي يبعدوا عن الجمهورية شبح الاستبداد السياسي والملكية المطلقة، ولن تكون لديه القوة لذلك لأن القوة تحت أيديهم. أخذ منهم الأمان وأعطاهم العهود بالحرية، بل وتقاسموا السلطة، لكن كان لديه مشروع واحد يجب أن يسمح قتلة قيصر لأنطونيوس بفعله: أن يؤبن قيصر ويرثيه أمام الجمهور. ألقى أنطونيوس خطبته الشهيرة في رثاء قيصر تحت نظر قتلة قيصر وإشرافهم. وكان النص الشكسبيري مثالاً رائعاً على قوة البلاغة التي تفجر وتقلب الطاولة أمام العامة. أنطونيوس لا يدين القتلة في الخطاب، أنه يرثي قيصر، ويبين للعامة ما فقدوه عبر هذا الموت. ولكن شيئاً فشيئاً، يضيف أنطونيوس كلمات فيها من النقد إلى القتلة: إذ كيف لهم أن يقتلوا مثل هذا الرجل؟ شيئاً فشيئاً، ينقلب الخطاب بتوجيه الدعوة للناس بمطاردة قتلة قيصر وقتلهم وحرق منازلهم وإعمال السيف فيهم. ماركوس أنطونيوس موضوع جذاب لنص: هو وأغسطس يمثلان يوليوس قيصر. أنطونيوس قائد عسكري فذ، فيه من النبل في القيادة العسكرية ما ينبئ عن وريث محتمل لحكم قيصر، لكن نزواته الشهوانية واحتقاره للجميع وتسرعه ألقى به في غياهب التاريخ. أما أغسطس، فهو لا يحمل مقومات القيادة العسكرية كما لدى عمه وأنطونيوس، لكن فيه من الصبر وقوة التحمل والمداراة السياسية ما يجعله ثعلب، يفر من مكان لآخر، ويحول ما ينقصه إلى قوة له حتى وصل إلى ما وصل إليه.

نص جون ويليامز لا يحمل مفاجأة، كل شيء معروف كما هو مدون في التاريخ. لكن نثره يرسم صورة جميلة للحدث. في إحدى ساحات التدريب خارج روما يتلقى الشاب الذي كان اسمه غايوس أوكتافيوس (أغسطس) وأصدقاءه أجرابيا وميجنياس رسالة من ساعي بريد محموم يركض ليبلغ أوكتافيوس بالحدث الجلل: اغتيال يوليوس قيصر. هذه الرسالة رسمت قدر الشاب العليل: يترك أصدقاءه ويسير لوحده في شعاب ساحة التدريب: اغتيال قيصر معناه اغتيال الشاب العليل لأنه وريثه ومتبنى من قبل قيصر. هل يعود إلى روما ويترك عالم السياسة أم يقوم بذلك النوع من المغامرات الرومانتييكة، لا يعرف إلى أين قد تتوقف وماذا ستنتج. لو قرر بأن يهجم ويقاتل سيخسر الكثير وقد يقتل، إذ لا يوجد قائد روماني مسموح له بأن يدخل قوات عسكرية إلى روما. وهو ليس بقائد ولا يحمل أي صفة سياسية أو عسكرية، هو على الهامش، مجرد صبي! ثم أنه وهو الشاب العليل، لم يحصل على الاعتراف بوراثة قيصر، ولا يملك القوة ولا الطاقة التي تمكنه من إعماله سيفه في قتلة عمه. وهكذا يدخل روما بكل هدوء، مع أصدقاءه، محاولاً تشكيل نوع من التحالف يسمح له ببناء قوة عسكرية تحت غطاء سياسي مؤمن من قبل مجلس الشيوخ نفسه. أغسطس وأنطونيوس لديهم نفس الطموحات، نفس الحقد تجاه قتلة قيصر. لكن أنطونيوس يقوم بمغامرة بسبب قضية تفاهة، ظهر أمام روما كخائن للجمهورية. ولم تجد الجمهورية من يحمل السيف تجاهه إلا أغسطس، الشاب ذو التسعة عشر عاماً. يتقاتلان، وينهزم أنطونيوس. لكن ما غاب عن ذهن مجلس الشيوخ المسيطر على القوانين والقرارات وتعيين القادة أن هدف أغسطس الأول هو الغطاء السياسي، المتمثل بتعيينه قنصلاً. ولا ينقصه إلا تشكيل قوة لمطاردة قتلة قيصر. ولم يحدث هذا التحالف إلا بالتعاون الوثيق مع عدوه الحالي: ماركوس أنطونيوس.

بوابة الجحيم كانت مشرعة. تحتاج إلى من يدفعها بقدمه بكل قوة. لم تُشرع البوابة بعد اغتيال قيصر، بل تم فتحها منذ اللحظات الأولى لشرارة الحرب الأهلية، عبر انقسام مجلس الشيوخ إلى حزبين: حزب يسيطر عليه العامة يقوده قيصر، وحزب يسيطر عليه الشيوخ بقيادة بومبي. مسألة الصراع هي: الحرية الكاملة في انتخاب الحكام وممارسة السلطة والنقد وتنفيذ القرارات وتشريعها أدت إلى ظهور طبقة حاكمة فاسدة، قائمة على الرشاوي والمحسوبيات والقتل. حتى مع وجود قوانين تمنع الفساد وتزيح ما يظهر من عفن في السلطة، إلا أن المنفذين والمشرعين هم أنفسهم من أصحاب الطبقة الفاسدة. الخيارات: هل حان وقت ملكية مطلقة تقلل الفساد وتحطمه بيد من حديد، مع توفير الأمن والنظام للعامة، أم هي حرية قائمة على فساد ومحسوبية أشاعت الفوضى والدمار الاقتصادي في الجمهورية؟ يذكر ديورانت في قصة الحضارة بأن الشعب الروماني لم يعد مولع بالحرية، بل مل الفوضى وتاقت نفسه إلى الأمن والنظام، وكان يرضى أن يحكمه إنسان يضمن له الخبز والألعاب، وأدرك إدراكاً أن جمعياته السمجة التي يتغلغل فيها الفساد ويمزقها العنف لا تصلح لحكم الإمبراطورية، ولا تستطيع إعادة الحياة إلى إيطاليا المريضة، بل إنها لا تستطيع أن تحكم روما نفسها.

لم تكن هذه المسألة مطروحة في ذهن أغسطس وأنطونيوس حين اجتمعا، ليست مسألة حرية وعودة الحريات التي كان قيصر قد أعمل قراراته ضدها. وإنما هي: من يجب أن يموت؟ يصف المؤرخ اليوناني بلوتارخ في كتاب السير بأن اجتماع أغسطس وأنطونيوس هو أكثر الاجتماعات دموية، إذ نتج عن هذا الاجتماع سيل هادر من الدماء. تنافس حاد بين الاثنين على إضافة قوائم يجب إعمال القتل فيها. يقول بلوتارخ:

لم يجدوا صعوبة في التفاهم على أمور كثيرة جداً، وقسموا حكم العالم بالسهولة التي يقتسمون فيها ميراثاً من آبائهم. وكان أعظم ما واجههم من صعوبة هو الاتفاق على الأشخاص الذين سيتم القضاء عليهم، إذ كل واحد منهم يطلب حقه في التخلص من أعداءه وإنقاذ أقرباءه ومن يمت إليه بصلة الرحم. وبالنهاية تغلب الحقد الذي يشعر به كل واحد منهم على الشعور بالكرامة والشرف تجاه أقربائهم، بل ولائهم لأصدقائهم. ضحى أغسطس بشيشرون لأجل أنطونيوس، في حين تخلى أنطونيوس بدوره عن خاله لوجيوس، وأعطي ليبيدوس امتياز قتل أخيه باولوس. مهما يكن من أمر، فإني لا أستطيع أن أعد شيئاً أكثر وحشية وهمجية من الاتجار بالدم. بعد كل هذه الصفقات الدموية مبادلة موت بموت، لا أعتبر جريمتهم في التخلي عن أولئك أقل من جريمتهم في قتل من قبضوا عليهم. لأن الإساءة التي اجترحوها بحق أصدقائهم هي أشنع الجريمتين، إذ أنهم قتلوهم دون أن يشعروا بكره نحوهم.

وانطلق بحر الدماء. قتل جميع قتلة قيصر، المنفذين والمحرضين أمثال شيشرون وبروتوس وكاسيوس، وتخطى ذلك إلى قتل من ليس له علاقة بقتل قيصر. كل من وقف في وجه مشروع أنطونيوس وأغسطس كان مصيره القتل. أكثر من ثلاثمائة من أعضاء مجلس الشيوخ، أكثر من ألف ومائتين من المتنفذين ورجال الأعمال، عدد ضخم من ليسوا لهم علاقة بالحكم، وجدوا أنفسهم في حرب عنيفة قضت على الجمهورية بشكل كامل. وتسير أحداث التاريخ كما هو معروف حتى يصبح أغسطس هو الحاكم المطلق والوحيد بعد أن تخلص من كل أعداءه: قتلة قيصر، وأصدقاءه: أنطونيوس.
يتساءل ويل ديورانت في قصة الحضارة:

أي رجل هذا الذي ورث ملك قيصر في الثامنة عشر من عمره، وكان سيد العالم في الواحد والثلاثين، والذي حكم روما نصف قرن من الزمان، وأشاد أعظم إمبراطورية في التاريخ القديم؟ كان كئيباً وجذاباً معاً، ولم يكن أحد أسمج منه، ولكن نصف العالم قد عبده رغم هذه السماجة. كان ضعيف البنية لا يمتاز بالشجاعة النادرة، ولكنه كان قادراً على أن يهزم جميع أعدائه وينظم شئون الممالك وينشئ حكومة أفاءت على الدولة المترامية الأطراف على مدى قرنين من الزمان رخاءً منقطع النظير. نجح أغسطس فيما أخفق فيه قيصر لأنه كان أكثر من قيصر صبراً، وأوسع منه حيلة، ولأنه كان يفهم فن الألفاظ والأشكال، ويرضى أن يسير سيراً وئيداً حذرا في المواقف التي اضطر فيها عمه العظيم لضيق وقته أن يخرج من التقاليد المرعية، ويحدث في نصف عام من حياته من التغييرات ما يتطلب جيلاً كاملاً.

ينتهي الجزء الأول من الكتاب بسيطرة أغسطس الكاملة على الإمبراطورية. الجزء الثاني أكثر حميمية من الأول، رغم انخفاض مستوى الأحداث على المستوى السياسي، إلا أنه عامر بالأدب والحركات الأدبية والشعراء أمثال أوفيد وفيرجيل وهوراس: شعراء كبار تركوا بصمة لا تزال حية في الذاكرة الأدبية. كقارئ للرواية، هذا الفصل لم أتأخر كثيراً في قراءته، لتضمنه جزء خاص من سيرة أغسطس، وهو الفشل الأكبر أو المصيبة الكبرى التي ألقيت عليه في حياته: ألا وهي سيرة حياة ابنته الوحيدة جوليا وقراره الصريح بنفيها في جزيرة معزولة محاطة بالصخور والبحار، مقطوعة عن العالم في سجن أبدي. أغسطس المولع بالتنظيمات الإدارية والتشريعية التي نظمت سلوك الناس في تجارتها وأعمالها وحياتها السياسية-ونجح في ذلك بصورة مذهلة-، أصدر قراراً يحاول فيه تنظيم الحياة الاجتماعية. عبر هذا القانون الخاص بالحياة الاجتماعية وضع أغسطس الزواج تحت حماية الدولة ورعايتها، وأعطى هذا القانون الحق للأب بحقه في قتل ابنته الزانية هي وشريكها ساعة أن يضبطهما متلبسين بهذه الجريمة، وأجاز للزوج أن يقتل عشيق زوجته إذا ضبطه في منزله، أما زوجته فلم يكن له أن يقتلها إلا إذا ارتكبت الزنا في بيته هو. ماذا سيفعل الحاكم المطلق على الإمبراطورية إذا تناقلت الأفواه أن طفله الوحيد من نسله: ابنته جوليا هي موضع اتهام، ويتداول سيرتها في الجمعيات وبين الشعراء بأنها ترتكب من المحظورات ما يقودها حسب القانون إلا القتل مباشرة؟ في الكتاب الثاني من الرواية، يهاجم بعض الشعراء أمثال أوفيد هذه القوانين التي تحد من حريتهم ويشجعون على التمرد حولها والتغني بالجمال والحب. وتكتب جوليا مذكراتها وهي منفية في الجزيرة: لماذا ألقى بها الامبراطور في هذه الجزيرة المفجعة؟ بين الصخور والمحيط! حين كانت في السابعة عشر من عمرها زوجها والدها من ابن زوجته: مارسلس. سيكون من نتيجة هذا الزواج وريث يحمل اسم قيصر، إلا أنه لا تكاد تمر سنتين حتى يتوفى هذا الزوج. في التاسعة عشر من عمرها يقرر قيصر بأن تتزوج ابنته من صديقه-والقائد الحقيقي للقوة العسكرية الإمبراطورية، والذي ساعد أغسطس في تأسيس الإمبراطورية: أجريبا. ولم تمر سنوات قليلة حتى يتوفى أجريبا، وكان مرشحاً لأن يتولى الإمبراطورية بعد أغسطس، وتترمل ابنته مرة ثانية. ويقرر الأب أن يزوج ابنته للمرة الثالثة لمن سيصبح الامبراطور التالي: تيبريوس نيرون. ولكن، أين ابنته جوليا من كل هذه الحياة؟ كان يحلو له بأن يقول: ليس لدي ابن، لدي جوليا وروما. لكن تبين له بأن قدر الواحد منهم هو قدر الآخر. حياة جوليا وجسدها أصبح مشروعاً سياسياً ووطنياً لقيصر. تقول في مذكراتها بأنها لا تعرف شيئاً من البهجة التي يشعر بها العامة لأنها أصبحت في خدمة روما وأهداف الإمبراطور الكبرى. لكن القلب له رؤية واتجاه، والحياة أمامها-وهي التي ترملت مرتين-مشروعة الأبواب أمامها، إذ تستطيع أن تتذوق منها وتشعر بها وتحس بنشوة الحياة. وتحدث الأزمة حين تتمرد على قوانين أبيها وتحضر الاجتماعات والأمسيات، ولها من العشاق ما يجعلها تعيش في حالة طرب لا ينقطع. في الفصل الأخير من الكتاب الثاني يستدعي الامبراطور ابنته ليحدثها. اعتبر هذا الحوار الأخير أحد أجمل فصول الكتاب: امبراطور عجوز، وأب، تمثل أمامه ابنته، وسيطلق حكمه النهائي عليها: هل هي بريئة أو مذنبة – حسب تصوره وقوانينه؟ هل تتغلب عاطفة الأبوة على الحاكم، أم يرتفع الحاكم فوق كل العلاقات الأبوية؟ جوليا في حوارها لم تهتم بنفسها بقدر اهتمامها بمن أحبت: ما مصيره؟ الأب يستجوب ابنته ويريد إجابات واضحة، والابنة تجيب بصراحة، ومع كل جواب تطرح سؤال عن مصير عشيقها؟ بنهاية هذا الحوار ينتصر الإمبراطور على الأب، ويحكم بنفي ابنته في جزيرة معزولة مقطوعة عن العالم، أما عشيقها وكل من تسامرت معه، فكان مصيرهم الموت.

الكتاب الثالث من الكتاب هو صوت أغسطس، لأول مرة يتحدث مباشرة في رسائل مطولة إلى نيقولا الدمشقي. رسائل يكتبها عجوز على حافة الموت، رجل حاز على المجد والنصر في كل مراحل حياته. ولكن لمن يكتب؟ لا يكتب لأحد! ولا يبرر أو يرثي، إنه يكتب للسماء الزرقاء التي تظله، ويكتب للبحر الهائل. يكتب وهو جالس في قاربه، تدفعه الرياح لأي اتجاه، وكأن كل شيء كل انتهى. ولكن من هو أغسطس؟ وماذا سيقول عن نفسه؟ حين تلقى خبر وفاة عمه ترك أصدقاءه وذهب يسير في الشعاب الخضراء غير مصدق، يبكي: هل كل شيء قد انتهى أم أنها البداية. قبل أن يبكي كان الشاب الذي يسير بخطوات في سبيل العلم والمعرفة وفنون الحكم. وبعد البكاء كان قد تغير، ليس هو الشخص الذي كان قبل البكاء. أصبح شخصاً آخراً، وكأنه تلقى الأمر بأن يغير العالم. ولكن قبل أن يغير العالم، عليه أن يغير نفسه. يتمنى لو كان الأمر أشبه بقصيدة، لكن هذا العالم ليس بقصيده. كان عمه يقول له: إقرأ القصائد وأعشقها وتمثل بها، ولكن إياك أن تثق بها مطلقاً! حين سار هذه المسيرة الطويلة لم يكن لوحده: كان معه أصدقاءه الذين كانوا فعلياً من المؤسسين الحقيقيين للإمبراطورية: أجريبا وميجنياس. لكن أين هم الآن؟ كان أجريبا يتمتع بصحة ممتازة وطاقة لا تعرف الكلل، لكنه رحل وهو في الخمسينات من عمره، أصدقاءه الآخرون وعمه وكل من ساروا معه قضوا نحبهم إما صغاراً أو في قوة صحتهم، بينما هو العليل المريض، والذي قيل بأنه لن يتجاوز الثلاثين من عمره، عمّر أكثر منهم، وشاهد ما لم يفكر به أي أحد آخر. هل ما قام به من أعمال وحكم ونجاح في الإدارة، يستحق بأن يضحي المرء من أجله أجمل سنين عمره، وأن يضحي بابنته- وهي التي يسميها روما الصغيرة- في سبيل روما؟ يبدو، أنه لا شيء يستحق. باسم روما حكم على ابنته بالنفي، وأجبر نفسه على عدم مقابلتها لأكثر من خمسة عشر سنة حتى توفي. هل هو الكره؟ ليس كذلك، لكن روما حكمت، وأزاحت حب الأب الذي سطع في قلب الإمبراطور العجوز

والآن وقد أتقنت تمثيل دوري، فصفقوا بأيديكم وأخرجوني من المسرح بتصفقيكم

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب أمريكي, تاريخ. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s