الأب غوريو


حين يكتب فيكتور هيجو عن باريس، يشبهها بفتاة مغناج، تنفجر ضاحكة في وجه الجنس البشري وتقول أأنا بلهاء؟! لها ابتهاج هو بمثابة الصاعقة، وضحكتها فوهة بركان يصيب رشاشه الأرض. ولها الحق في أن تكون كذلك حسب تصوره، إذ أن لها يوم 14 تموز، وهي تحمل جميع الأمم على أن تقسم يمين ملعب التنس. كتبها ومسرحها وفنها وعلمها وفلسفتها ينهل منها البشر: تفاخر بباسكال وديكارت وروسو وفولتير وموليير. يشاطرها الكون لغتها، وهي فوق ذلك كائن أخلاقي. أكثر من عظيمة، وغير متناهية. لماذا؟ لأنها تتجرأ حسب قوله. غير أن باريس هذه تصدر من رجل يرى هذه المدينة درع يتحصن به ويحارب بها ضد نابليون الثالث. باريس من الخارج، باريس الثورة والمدينة والأرض والدولة، وليست باريس التي يعيش فيها الفقير والغني، رجل البلاط والموظف العادي، العمال ورجال الشرطة. باريس الثورة مختلفة عن باريس البشر. بلزاك- وهو بلا شك رسام باريس- يرى هذه المدينة من منظار آخر. باريس الطبقة الراقية لا تدري بتلك الوجوه الممتلئة بآلام نفسية، هي بحر، أو محيط حقيقي. لو ألقي فيه المرجاس لن يصل إلى القاع. مهما تعدد واهتم مستكشفوا هذا المحيط، سيكشف دوماً فيه مناطق غير مرتاده، وأغوار مجهولة وجواهر وأشياء سهى عنها الغواصون الأدبيون. وفندق مدام فوكيه في رواية الأب غوريو واحدة من هذه الأماكن المجهولة.

الكتابة عن بلزاك أشبه بالغوص في محيط من الأدب والفكر والفلسفة. ليس لأن سيرة حياته مثيرة، فهي عادية ومليئة بالكوارث والتهور، لكن كأديب، كعاشق يقرأ كل ما يقع بين يديه، ويهتم بأن يُنظر إليه كأحد مؤرخي التاريخ الفرنسي اجتماعيا وفلسفياً وأدبياً، فبلزاك محيط حقيقي. الأديب ستيفان تسفايج في نهايات حياته، كان يخطط لأن يكتب أربعة كتب عن بلزاك، لأنه حسب تصوره هو الكاتب العظيم الذي يستحق بأن يكون معلماً للروائيين. ولأن ما قام به من بناء أدبي محموم للكوميديا الإنسانية هي أحد أروع الآثار الأدبية التي سيخلدها التاريخ. وإن كنت سأستشهد برأي، لن ابتعد كثيراً عن معاصري بلزاك، إذ قال الأديب الكبير فيكتور هيجو على قبر بلزاك في رثاءه: إن جميع كتبه تؤلف كتاباً واحداً، كتاباً حياً، ساطعاً، عميقاً، نرى فيه كل حضارتنا المعاصرة تروح وتجيئ. هو كتاب رائع أعطاه الشاعر عنوان الكوميديا وكان يمكن أن يعنونه بالتاريخ الذي يأخذ جميع أشكاله وأساليبه، كتاب فيه من الحقيقي والشائع والمبتذل والمادي، والذي في بعض الفترات ومن خلال جميع الحقائق الممزقة بشكل واسع ومفاجئ، يفسح المجال بغتة، لاستشفاف المثال الأكثر قتامة والأكثر مأساوية. مبدع هذا العمل الهائل والغريب هو من السلالة الفذة لهؤلاء الكتاب الثوريين. انطلق صوب هدفه لا يحيد عنه، وقبض بيديه الاثنتين على المجتمع الحديث وراح يخلع عنه كل شيء: عن البعض نزع الأوهام، عن الآخرين الآمال، عن هؤلاء صرخاتهم، وعن أولئك نزع الأقنعة.

والكتابة عن أدب بلزاك أشبه بالكتابة عن نص أدبي ليس له نهاية. يحتاج لوقت حتى يتمكن القارئ من فهم أبعاد العمل العظيم المسمى بالكوميديا الإنسانية. ولفهم أبعاد هذا العمل يحتاج القارئ لأن يتتبع رحلة الشخصيات، وصور الحياة في كل الكوميديا. تنقسم الكوميديا لعدة أقسام: صور من الحياة الخاصة، صور من الحية الباريسية، صور من حياة المقاطعات، صور من حياة الريف، الدراسات الفلسفية، وكل هذه الصور والدراسات تجتمع في إطار فني هي الكوميديا. و لأن شخصيات بلزاك ليست شخصيات تبدأ وتنتهي برواية واحدة. هي ممتدة، وفي ذات الوقت منفصلة. يستطيع القارئ أن يقرأ أي عمل دون ترتيب ويطوي صفحات شخصيات هذه الرواية. ولكن حين يقرأ عمل آخر سيصادف واحدة من تلك الشخصيات التي قرأ عنها. فهو في رواية ما شاب في مقتبل العمر، وفي رواية أخرى وزير في الحكومة. كمثال على ذلك: لبلزاك رواية قصيرة بعنوان لويس لامبير، وهي عن شاب شديد الذكاء، أغرق نفسه في العلم. ويحلو للنقاد الأدبيين أن يقارنوا هذا العمل القصير للغاية بفاوست غوته. هذه الشخصية تموت في نهاية الرواية. وفي رواية ثانية: الأوهام الضائعة، يتلقى مجموعة من الشباب خبر وفاة لويس لامبير. يأتيهم هذا الخبر كالصاعقة ويقومون برثائه في عدة صفحات، حتى أن أحدهم وصف لويس لامبير بأحد ألمع عقول عصره.

بلزاك واقعي، لا رومانتيكي. رغم أن الرومانتيكية تفجرت بصورة أكبر بعد وفاته إلا أن تأثيرات واقعيته الأدبية كان لها حضور وثبات وتأثير.. وحتى بعد وفاته، يجد بعض الروائيين اتجاههم في الكتابة الواقعية، وإن كان أشهر مثال على ذلك هو إميل زولا، حين دخل عالم الأدب وأراد أن ينجح، قدم التحية لمعلمه الواقعي الأكبر وسار على نهجه بأن أقام نوعاً جديد من الملهاة الواقعية. لي تجارب سيئة مع الواقعية، بعكس الرومانتيكية التي أجدها الأقرب إلي في الأدب. وإن كنت سأحدد مثالاً سأقول واقعية غوستاف فلوبير. لا أستطيع أن أتقبلها، وأشبهها بالمقصلة. إذا كان هؤلاء الأدباء ساروا على نهج معلمهم بلزاك: فكيف ستكون واقعية بلزاك إذاً؟ أتذكر بأني فتحت صفحات من رواية بلزاك الزنبقة في الوادي وأُعجبت بلغته وتصويره. وتجرأت حينها وقلت أن بلزاك رومانتيكي لا واقعي، لكن تلك اللغة كانت ضرورة فنية بسبب نوعية السرد. الأفضل بأن أغامر وأقرأ بلزاك مباشرة. قراءة أولى خالية من التحيزات وبعيدة عن تلك الآراء التي تصف بلزاك بأعظم الروائيين، وهو قول شهير لأديب إنجليزي إذا لا يوجد روائي عظيم استطاع أن يقدم مادة أدبية مثل بلزاك حسب قوله

في الصفحات الأولى من الأب غوريو يخاطب القارئ مباشرة: هذه المأساة ليست بخيال ولا برواية، كل شيء فيها حقيقي، حقيقية إلى درجة أن كلاً يمكن أن يتبين عناصرها في بيته. وبهذا الخطاب للقارئ يصف بلزاك المكان الذي تدور فيه الرواية: فندق برجوازي يضم بين جنباته أشخاص كل واحد منهم لديه نوع من المأساة. والواقعية تقتضي التفصيل: ليس كل شيء متعلق بالأبطال إذ أن المكان له حضور، فيصور المؤلف المنطقة والشارع واتجاهاته وشكله وإحساس المار بهذا المكان والإضاءة التي تغطي جنباته في إحدى الساعات. تبدأ الصورة كبيرة ثم تضيق شيئاً فشيئاً حتى يصل إلى الفندق: يبدأ بالمدخل والحجرات والجدران والأشكال الفنية فيه والروائح وإنعكاسات هذه على السكان،. بلزاك أشبه بكاميرا التصوير، يلتقط عدة صور ويصفها، حتى يصل إلى المقيمين في هذا النزل الذي تدور حوله المأساة. كلمة مأساة كافية لتصف الجو المحيط وطبيعة سكان الفندق. لكن الرؤية تتغير: الكاتب الرومانتيكي سيهيم شعراً ببطل المأساة، وسيرفع من نوع المأساة الخاصة بالأبطال إلى درجة تبدو معه هذه المأساة وكأنها نوع من التضحية أو رحلة للخلاص من الظلام إلى النور، حدث أساسي يجب أن يمر به الإنسان كي يتطهر. بلزاك بواقعيته لم يسلك هذا الاتجاه، ولم يتجه لتحليل نفسية أبطاله حتى يظهروا للقارئ بصورة أوضح. إن الجسد هو أوضح نقطة في التصوير الأدبي الواقعي: الجسد بطبيعته من شحوب وكآبه وضياع. للجسد لغة تعطي تصور أولي عن ماهية الشخص: أصحاب بلزاك ذوي بنية متينة الهيكل صمدت لعواصف الحياة، وجوههم جامدة قاسية ممسوحة، كوجوه عملات لم يعد يتداول الناس بها، أي أنهم على الهامش. أفواههم الذابلة مسلحة بأسنان نهمة، يشعرون بمآسي تمّت أو لا تزال جارية، لا من تلك المآسي الممثّلة تحت أضواء المسرح بين لوحات ملونة، بل مآسي حية صامتة، مآسي قارسة تحرك القلب بحرارة، مآسي مستمرة. من المنطقة إلى الشارع ثم الفندق والسكان: لم يقطع بلزاك تصويره الواقعي إذ يتنقل من جانب لآخر بكل سلاسة. ولا داعي للقطع إذ أن الزمن متصل، غير منقطع.

الطريقة البلزاكية في الرواية تعطي أهمية قصوى للمكان، وتحديداً المنزل. كان لدي هذه الفكرة: الإثارة تستلزم الحركة، التنقل من مكان لآخر، وعدم الثبات. بلزاك يحافظ على مكانه ولا يتزحزح منه إذ أن كل الحوارات والأحداث تدور إما في الفندق أو على المسرح أو في الغرف، ولا يترك أبطاله وحيدين، إذ يجعلهم يتصادمون ويتفاعلون مع الآخرين. الروائي الإنجليزي سومرت موم يعتقد بأن بلزاك هو أول من استخدم المنزل كمكان تدور فيه أحداث قصة، ومنذ ذلك الحين والمنزل يستخدم مرات عديدة، لأنه وسيلة ملائمة، تمكن المؤلف من خلالها من أن يعرض لمختلف الشخصيات معاً في مختلف المشاكل. هذه الطريقة البلزاكية ذات تأثير في الأدب إذ أن روائيين كثر ساروا على نهج بلزاك في هذه الطريقة، وإن كنت سأذكر مثال سأقول دوستويفسكي، الروائي الشهير، إذ أن غالبية أعماله مقامة على الطريقة البلزاكية في مكان واحد.

يحلو لبعض النقاد وصف رواية الأب غوريو بدرة تاج الكوميديا الإنسانية. كقارئ قرأ الرواية، بلزاك لم يخرج عن أفكار عصره وتحديداً من بعض الأعمال التي اشتهرت حينذاك حول المال والعائلة والعلاقة بين الآباء والأبناء. ولن أبالغ إذا قلت بأن بعض جوانب القصة كانت درامية للغاية ولا تحتاج لكل هذا، لكن الروائي حين كتب الأب غوريو يجعل قارئه يسير بلا توقف بصورة محمومة ليصل إلى الصورة المفجعة في هذه المأساة: أن يقتل شخصية طيبة للغاية مثل الكلب، ولكن هذه المرة ليس بواسطة جريمة أو حرب، بل من أقرب المقربين وأكثرهم حباً لك.

حين يصل الشاب راستينياك إلى باريس قادماً من الريف لدراسة القانون في إحدى الجامعات الريفية، كان شاباً محتفظاً برقة وجمال أبناء الريف الذين لا يفكرون أبعد من عائلتهم ومستقبلهم. غير أن المجتمع الجديد ليس الريف: هنا باريس. لكي يدخل إلى هذه المدينة ويصل إلى ما يطمح إليه، يحتاج لأن يقفز عدة قفزات حتى يصل. لكن المشكلة هي التكلفة: هل يستطيع أن يضحي بما يحمل من قيم في سبيل لأن يصل؟ أو يظل على ما هو عليه، لن يستطيع أن يرى أبعد من أنفه؟ هي ذات المشكلة الدوستويفسكية في الجريمة والعقاب: هل يستطيع البطل الدوستويفسكي راسكولينكوف أن يقتل في سبيل أن يخلص المجتمع من الشر؟ الطريق أمام راستينياك ليس مفروشاً بالورود، إذ أن هذا العالم الباريسي مرعب، إذا أراد أن يعيش عليه أن يعامل العالم كما يستحق أن يعامل، يضرب دون رحمة، يتعامل مع الرجال والنساء كأحصنة بريد تنفق عند كل مرحلة وهكذا يصل إلى أوج طموحاته. بلزاك يشبه بطل روايته: هو مثله مولود في العام 1799، وأخ بكر مثله، ولديه أختان يحبهما، وانطلق في التحصيل العلمي حتى حصل على الدرجة الجامعية، ثم تعرض لآلام الحياة بدخوله المجتمع مجرداً من ميزات الثروة. حين يتطلع الشاب راستينياك في نهاية الرواية إلى مدينة باريس: يرفع يديه في وجه المدينة كخصم، كعدو، متوعداً إياها بأنه سينتقم وينتصر. وهو ذاته الروائي المجرد من ميزات الثروة: حين قرر أن يغزو باريس، أن يكون نداً لنابليون، لكنه بقلمه.

نماذج شخصيات بلزاك عالمية أكثر منها فرنسية. أهم شخصيات الأب غوريو ظهروا في عدة أعمال عظيمة لاحقة مثل شخصية راسكولينكوف في الجريمة والعقاب، فهي نسخة مطورة وأكثر تعقيداً من النموذج الأول في رواية الأب غوريو: أوجين دو راستينياك. وشخصية اللورد هنري في صورة دوريان غراي لأوسكار وايلد، بل وسأتخطى ذلك وأقول شخصية فيلم العراب هي نموذج للشخصية البلزاكية العظيمة: فوترن. ليس هناك من شخصية بمثل براعة فوترن. كيف يمكن للشر أن يكون متجسداً بهذه الجاذبية الشديدة. شخصية جذابة تسحر كل شخصيات الرواية، وتجذب القارئ لقوة حجته وآراءه الشديدة القسوة. لكي يصل أمثال راستينياك إلى ما يطمحون إليه، عليهم أن يتخذوا المثال الأكبر: نابليون. أن يقفزوا فوق الحاجز وفوق القوانين. أن يكون هو من يسحق بأقدامه، لا أن يسحق تحت أقدام الآخرين. هل يريد راستينياك أن يغدو محامياً؟ لكي يكون كذلك عليه – كما يقول فوترن في خطابه الشهير في رواية الأب غوريو: عليك أن تعاني لعشر سنوات وتنفق ألف فرنك في الشهر، وأن تكون لديك مكتبة ومكتب، وأن ترتاد المجتمع، وأن تُقبل معطف أحد المحامين المرخصين للحصول على دعاوي وأن تكنس قصر العدل بلسانك، ولو أن هذه المهنة ستصلك إلى غايتك لما كان لدي أي اعتراض، لكن اذكر لي في باريس خمسة محامين ممن بلغوا الخمسين يكسبون أكثر من خمسين ألف في العام؟ بدلاً من أن أحطم نفسي على هذا النحو، أُفضل أن أصبح قرصاناً! ولكي يصل الفرد في باريس إلى ما يطمح إليه عليه أن يكون عبقرياً، ويتقن الفساد، يجب الولوج في كتلة البشر كقنبلة مدفع، كجرثومة طاعون: الناس ينحنون تحت سلطان العبقرية، يبغضونها، يحاولون الافتراء عليها لأنها تأخذ دون اقتسام، لكن يخضعون لها إذا دامت، وبكلمة واحدة: يعبدونها راكعين إذا لم يستطيعوا دفنها في الوحل.

يذكر هنري ترويا أن دوستويفسكي تأثر ببلزاك وترجم رواية الأب غوريو وأوجيني غرانده إلى الروسية. وقد تخطى ذلك بإضافة كلمات من قبله لم ترد من قبل بلزاك، لكي يظهر التأثير بأقصى ما يستطيع. تدور في ذهني فكرة مقارنة بين بلزاك ودوستويفسكي، بين شخصيات أعمالهم: راستينياك وفوترن في الأب غوريو، وراسكولينكوف في الجريمة والعقاب. حين أظهر بلزاك شخصية راستينياك، أظهرها كشخصية ممتلئة بالبراءة، ابن ريفي يحب عائلته ويحب أختيه ويسعى لإسعادهم. يحدث الصراع في روحه حين تتكشف له حقيقة الحياة والعلاقات الاجتماعية في باريس. اكتشف هو بذاته الحاجز الذي يفصل بين حقيقته وبين ما يطمح إليه. غير أن بلزاك أضاف شخصية فوترن لكي يشعل الحريق ويحدث الصخب في داخل روحه. ما حدث في روح راستينياك صراع كأي صراع يحدث في داخل أي فرد، لكن فوترن كان كالشيطان، يصب الزيت على النار ويدعو للتخطي وقفز الحواجز. شخصيتين في الأب غوريو تقابل شخصية واحدة في الجريمة والعقاب لدوستويفسكي. راسكولينكوف مثل راستينياك: قادم إلى المدينة للدراسة ويحب أخته ووالدته ويسعى لإسعادهم. لكن راسكولينكوف ينقصه من يصب الزيت على النار، لا وجود لفوترن في الجريمة والعقاب- رغم أن شخصية سفايدريجلوف تحمل شذرات من فوترن، لكن دوستويفسكي هنا جعل راسكولينكوف ذاته يحمل روح راستينياك وفكر فوترن، دفعة واحدة. راسكولينكوف معجب بنابليون ويفضل أنه يكون مثله ويسير على نهجه. وإذا أراد ذلك عليه أن يكون مثله، بطل خارق يتخطى كل القوانين، وكل الأعراف، حتى يصل. ها هو فوترن في داخل راسكولينكوف: يعيش بداخله. شخصيات دوستويفسكي تعاني صراعاً مريراً، شخصيات مفكرة، تحمل من المتناقضات الشيء الكثير. وهذه ميزة عظيمة لا تتوفر إلا عند قليل من الأدباء. وهذا لا يقلل على الإطلاق من فوترن بلزاك، إذ أنها شخصية صافية للغاية وساحرة، رغم تجسيده للشر المطلق. أن تظهر شخصية مثل هذه، تسحر كل من يقابلها بقوة حجته وبيان لغته، ثم تتكشف حقيقة من نوع آخر في تاريخ هذا الشخص، حقيقة لا تقلل من قوتها، بل وترفعها للأعلى، وها هو فوترن. ومن ذاكرة دوستويفسكي كذلك، تذكر كتب السير أن دوستويفسكي استشهد من ذاكرته بمقطع شهير في رواية الأب غوريو، حين كان يلقي الخطاب الشهير عن بوشكين، حين يقول راستينياك لصديقه الطالب بيانشون: عندما يكون موت شرطاً للحياة، هل يمكن لشاب أن يضغط على زر ويقتل موظفاً كبيراً في عمق الصين؟ ويجيب بيانشون بوجوب ترك الموظف الكبير حياً لأنه سيكون عجوزاً.

حين كان الروائي بلزاك يحتضر، كان يصرخ هاذياً: استدعوا بيانشون، إن بيانشون سينقذني. ولم يكن بيانشون هذا إلا شخصية خيالية، طبيب في رواية الروائي: الأب غوريو.

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب فرنسي, الكوميديا الإنسانية. حفظ الرابط الثابت.

2 Responses to الأب غوريو

  1. ابراهيم كتب:

    شكراً

  2. جميل اتطلع للنظر في الكتاب ..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s