ماذا تقول الأشجار؟


الأشجار ملاذ. من يعرف كيف يتحدث معها ويستمع لها، أياً كان، سيتمكن من معرفة الحقيقة. هي لا تعظ بالدروس والمبادئ، إنما تعظك جريئة بتفاصيل قانون الحياة الأول.
الشجرة تقول: الجوهر مختفي بداخلي، الشرارة، الفكرة، أنا حياة من حياة أبدية. المحاولة والخطر الذي أَخذتهُ الأبدية مني فريد من نوعه، فريدةٌ في بنية وعروق جلدي، فريد في حركة الأوراق الصغيرة على أغصاني، وفي أصغر ندبة على لحائي . خُلقت لأشكل ولأكشف الأبديّة في أصغر تفاصيلي.
هرمان هسه/ حديث الأشجار

ما الذي يفعله هذا الجندي الغريب في هذه الغابة؟ هل هو ضائع بعد ليلة صاخبة من المعارك؟ أم هرب وفضل أن يلقي السلاح، ووجد نفسه في مواجهة هذه الأشجار في هذه الغابة؟ قد يبدو للوهلة الأولى أنه يسكن بقرب هذه الغابة، لكن وجود شجرة وكأنها ذبحت في معركة تعطي انطباع بأنه كائن غريب، شاذ عن هذه الطبيعة، وجوده غير مرحب به. الطول العظيم لأطول الكائنات الحية طولاً يستعد للانقضاض عليه وتخليص الأرض والسماء من وجوده!

مناظر الطبيعة وجمالها، بأشجارها وسماءها وأزهارها وبحارها كثيرة للغاية في الفن التشكيلي. ولكن أن تكون الأشجار في لوحة ما تحمل طبيعتها الخاصة كشكل هذا أمر، وأن تكون الأشجار في لوحة أخرى لها روح حية، وكأنها تحاور، وترقص، وتحارب، وتحمل معاني رمزية شيء آخر ومختلف كل الاختلاف.

هناك صور أدبية وفنية للأشجار جميلة للغاية في الأدب. لو فكر ديفيد ثورو بكتابة رواية يرسم من خلالها صور رمزية وفنية للأشجار، لن يجد أكثر من كنوت هامسون ورواية بان معبراً عنه وعن هذا الغزل والرهبانية في أرجاء طبيعة غابة نورلاند. أتذكر عند قراءة كتاب والدن لثورو ذلك النوع من الحياة، وجمال الطبيعة، بحيواناتها وأشجارها وأنهارها وأصواتها. يكتبها كشعر، كصلاة. كنوت هامسون- ولا أظنه اعتكف في الطبيعة كثورو- كان أكثر شعرية من ثورو في بان: وثني يتحاور، ويتأمل، ويستنطق أسرار وأشجار نورلاند. وتكفي فصول الليالي الحديدية في الرواية حتى يقول القارئ: هذا أفضل نص أدبي عن الطبيعة والأشجار.

في جلسة حوار مع الصديق الدكتور عدي الحربش، أخبرته بأن موضوع الأشجار في الأدب يحتل تفكيري، بسبب خاتمة قصة الحاج مراد لتولستوي. وسألته إن كان يستحضر في ذاكرته لوحة تشكيلية لشجرة تحمل مقومات وجودها، لا كحالة طبيعية، بل ضرورة فنية أو رمزية. مباشرة ذكر لي لوحة جندي في الغابة لقطب الرومانتيكية الألماني كاسبر ديفيد فريدريش. وأشار بأنها تحمل معنى سياسي بارز. حاولت أن أفسر هذه اللوحة وأجد بداخلها معنى وفشلت، من الأفضل عدم التبحر في اللوحات ومحاولة اكتشاف نمط محدد أو تأويلات تتفق مع وجهة نظرنا. لكن، في بعض الأحيان، من الأفضل التبحر باللوحة التشكيلية ومعرفة ماذا تشكل، خصوصاً إذا كان الرسام مثل كاسبر ديفيد الذي رسم الطبيعة بشكل آخاذ، محملاً إياها بصور رمزية. هناك تصورين: التصور الأول لمن لا يفضل التأويل. هذه اللوحة تسمى جندي في الغابة. يسير أحد الجنود في أحد الغابات محاط بالأشجار من كل جهة، وخلفه شجرة تبدو وكأنها تم قطعها من فترة قصيرة. هذه صورة أولى لا تحتمل التأويل. الصورة الثانية -وهي المهمة هنا-تحاول اكتشاف ما يحدث. الجندي الذي يسير في الغابة هو بالفعل جندي غريب في هذا المكان، جندي فرنسي تائه من جيوش الغازي نابليون، يجر أذيال الهزيمة بعد سقوط الجيش النابليوني. والأشجار الطويلة تمثل الأمة الألمانية التي تعرضت للغزو: بجنودها وسكانها وطبيعتها وجمالها وعبقريتها. والشجرة التي تبدو وكأنها تعرضت للذبح، هي صورة لجندي ألماني سقط شهيداً في معركة الدفاع عن وطنه. هل هناك ما هو أجمل من أن يتحول كائن حي، لا يتحرك ولا يتزحزح من مكانه، صامت، إلى مثل للشهيد؟ إلى صورة للحب والعشق؟

أذكر قصة نُشرت قبل سبع سنوات بعنوان شجرة بني يام، للصديق عدي الحربش. وهي من روائع الأدب السعودي والعربي. وحين أقول من روائع الأدب السعودي، فلا أجد مبالغة ولو بدرجة بسيطة للغاية. إنها قصة تستحق بأن تتربع على عرش القصة القصيرة في الأدب السعودي، على أمل أن تنشر في يوم ما في كتاب. القصة تتناول نزوح بطل القصة عواد العجمي مع زوجته زينب من بلدة العيون إلى الصمان إثر تفشي مرض في العيون. في طريقهم إلى الصمان يكتشف عواد أن بندقيته تعاني من خلل ما. يطلب من زوجته أن تبقى لفترة بسيطة ريثما يعود ويصلح البندقية. فترة زمنية قصيرة لن تؤثر. عند ذهابه لإصلاح بندقيته يسمع عواد بكاء بعض العوائل وهم يستنجدون لنجدة الشيخ راكان بن حثلين إثر اعتقاله من قبل الأتراك. عواد وعد زوجته بأن يعود لها، لكن أن يعتقل من هو فخر قبيلته، فهنا تختلف الأمور، لا يستطيع أن يبقى كما هو ثابتاً لا يتحرك. ها هنا فكرة جمالية هائلة، تمنع عواد من العودة لزوجته. في محاولة لنجدة الشيخ راكان، قُبض على عواد، وتم إرساله للسفينة التي ستقلهم إلى أحد السجون التركية، وكان نصيب عواد أن يسجن مع شيخ قبيلته. الزمن توقف عند عواد. أطلق وعده لزوجته بأنه سيعود لها في ظرف ساعات، وها هي أيام وأشهر وعواد يحاول ويحاول الهرب من أجل أن يفي بوعده. تلوح فرصة في الأفق: السجان التركي يقدم عرضاً للشيخ راكان بأنه يستطيع أن يُخرجه ويهربه من السجن. ابن حثلين وهو المعتقل في أقصى الشمال يغمره شعور التفكير، يتذكر المراعي والخيام، وأهله وأفراد قبيلته. عواد توقف الزمن لديه، إلى درجة عدم يقينه من مرور ستة أشهر على الوعد الذي قطعه على زوجته. زينب، بشعور الانتماء والمحبة وصدق زوجها تجلس أيام وأيام وهي مؤمنة بأن زوجها سيرجع. بعد أن يستمع الشيخ راكان لقصة عواد، فضل الشيخ الجليل أن يحول فرصة الهروب هذه لعواد، ابن قبيلته، لا لنفسه. ويطلب منه أن يغادر بدلاً منه وينطلق إلى زوجته التي تنتظره. ذكر تفاصيل القصة يفقدها جماليتها، لا أعرف تقديم قصة جميلة للغاية مثل هذه. لكن لا أستطيع أن أنسى نهاية هذه القصة على الاطلاق. عواد الذي هرب من الأراضي التركية ينطلق بأقصى ما لديه إلى الصحراء، ليأخذ زوجته وابنة عمه. لكن ماذا وجد حين وصل إلى المكان الذي ترك فيه زوجته؟ يقول المؤلف:

قفزَ عوّاد لا يلوي متوجها جرياً صوبَ الغدير، نحوَ المكان الذي ترك فيه ابنة عمه. عندما وصل، وجدَ أمامه شجرةَ سدرٍ لم تكن موجودةً عندما ترك ابنة عمه قبلَ سبعة أشهر. كانت شجرة السدر تملك نفسَ قامةِ ابنةِ عمه و نفسَ ملامحها، تماماً. تقدّم عوّاد مترنحاً نحوَ شجرة السدر حتى التصقَ بها. مسحَ براحتيه الخشنتين لحائها و عفّر بالدموع تربتها. سقطَ على ركبتيه، و ضمّها بذراعيه. أخذ يتمتم بصوتٍ مفجوع:
“تأخرت! تأخرت! تأخرت! تأخرت!”
يا إله السماوات، ألا توجدُ رحمةٌ فوقَ هذه الأرض؟ ألا يوجد شخص، حيوان، كائن، غصن.. يستطيع أن يهتفَ في تلك اللحظة: “أنتَ لم تتأخر! إذ أنكَ لم تتوقف لحظةً واحدةً عن العمل في سبيلِ الرجوع.”
كان قدراً على زينب أن تنتظر ابن عمها كالأشجار و أطول.
و كان قدراً على عوّاد أن يرجعَ بعد شهورٍ فلا يجد ابنة عمه حيّة.
و لكن من قال أن الحياة تنتهي بانعدام الجسد الانساني؟ من قال أن الأشجار لا تصغي و لا تفهم؟ لقد عاشت السدرة و بقيت في موضعها بجانب الغدير أسفل قصر ابن عالج. عاشت و بقيت قامتها منصوبة رشيقة، رغمَ أنّ أغصانها جرداء يابسة. عاشت لترى ابن عمها يموت و يُدفن أسفلها، في الجهة الغربية منها. منذ ذلك الوقت، و شجرة السدر تنثني بجذعها المنهوك ناحية الغرب.

يذكر الناقد هارولد بلوم في أحد مؤلفاته أن أجمل رواية كتبها تولستوي هي الحاج مراد، وهي رواية قصيرة نُشرت بعد وفاته، تحكي قصة الثائر الآفاري الحاج مراد، صديق القائد شامل، والتقلبات التي مرت في حياته من قتال الروس بعنف وشجاعة، إلى الانضمام للروس. أحد الزملاء القراء قال بأن خاتمة هذه القصة سينمائية. وحين اقتربت من نهاية القصة لم ألحظ هذه السينمائية في قصة تولستوي. ولكن، بسطر واحد، قلب تولستوي موازين القصة بشكل كامل. لا أقول بأنها سينمائية، لأن السينما- رغم مقدرتها الفنية العالية- تعجز أن تقلب كيان القصة بالكامل في سطر واحد، وفي كلمات لا تتجاوز العشرة. تبدأ القصة بصوت تولستوي الظاهر للعيان، عائداً إلى بيته عبر الحقول، وقد حُشت المروج، واستعد الناس للحصاد. كانت الأزهار تعرض ضروباً عجيبة من الألق. وفي طريقه كان يجمع باقة ضخمة من الأزهار. وعند مجرى الماء شاهد زهرة تسمى تتار. هبط إلى المجرى، وطرد نحلة كانت تنام في وسط الزهرة. أخذ يقتلعها، لكن ذلك كان صعباً جداً. كانت النبتة مقاومة جداً، حتى مرت خمس دقائق في محاولة محمومة لإقتلاعها. كانت الزهرة كما يقول جميلة، لكنها لا تتناسق مع باقة الأزهار. فكر وهو يتذكر مجهوده ليقتلعها: يا لها من قوة، ويا لها من حيوية خارقتين للعادة! وبأي قوة دافعت عن ذاتها، وما أغلى الثمن الذي باعت به حياتها! يُكمل مسيرته إلى المنزل، وعلى اليمين تنتصب شجيرة صغيرة، تتار أخرى. وكان لها ثلاثة أفنان صغيرة ناشئة. كان أحد الأفنان الثلاثة مكسوراً، معلقاً مثل يد مقطوعة. وكان الأخير مقطوعاً وملطخاً بالتراب، إلا أنه ظل منتصباً. ربما سحقتها عجلة عربة، لكنها عادت إلى انتصابها. مثل محارب انتزعت منه أحشاؤه، وقطعت ذراعه، وبقرت عيناه. لم تشأ أن تخضع للإنسان، الذي يدمر أخواتها من حولها: يا لها من شجاعة! الإنسان يُخضع كل شيء، يستأصل ملايين الأعشاب، لكن هذه ظلت تقاوم. يقطع تولستوي تأمله في الأشجار والأزهار مباشرة، ويتذكر قصة قوقازية قديمة عاش جزء منها، وروى له بعض الشهود جزء آخر، والباقي سيتخيله بنفسه. وهذه القصة هي قصة الحاج مراد. ما الذي يربط بين هذا التأمل في الأزهار والأشجار، وقصة الثائر الحاج مراد؟ كان الأولى بالمؤلف أن يدخل في عمق القصة مباشرة، وكان يستطيع ذلك ولن يخسر شيئاً. لكن هذه القصة هي عن هذه الزهرة المحاربة، التي قاومت ورفضت أن تتخلى عن حياتها ووجودها، وعن قصة الثائر الحاج مراد، الذي يقاتل من أجل أن لا يُنتزع وجوده، من أرضه وسماءه وأهله. بعد أن تنتهي قصة الحاج مراد، أو وجود الحاج مراد في الرواية، يعود المؤلف إلى ذات الزهرة في المقدمة، ليشبه نضال حياتها الأخير بنضال الحاج مراد الأخير.

لم يخطر في ذهني أن ابحث عن الأشجار كصورة أدبية وفنية إلا بعد خاتمة الحاج مراد. كيف تسنى لتولستوي أن يرسم صور متعددة للأشجار؟ الحاج مراد ليست إلا مثال قصير. أعمال تولستوي الكبيرة كالحرب والسلام وآنا كارينينا تضم مثل هذه الصور. لكن قبل الأعمال الأدبية هناك سيرة الحياة الممتلئة بطبيعة خضراء ممتدة. حين يكتب الناقد والروائي هنري ترويا عن سيرة تولستوي، فهو يصف مكان إقامة تولستوي في ياسنايا بوليانا: مزرعة ممتدة تركض فيها الخيول لمسافات طويلة، ممتلئة بالأشجار والأزهار، ويحيط بها نهر ممتد، يجعل من هذا المكان جنة عدن. في طفولته، كان الأخ الأكبر لتولستوي، ويدعى نيقولاي، يخبره عن جذع شجرة في الغابة تحمل سر السعادة. كان يبحث هو وأخيه عن هذه الجذع كما تقول المرويات، ولم تحصل المصادفة للقاء هذا الجذع. تقول حفيدة تولستوي للروائي والقاص ستيفان تسفايج أن جدها سمع من إحدى عجائز القرية، أن السعادة تعم حيث تزرع الأشجار. قام جدها بغرس بعض الأشجار في الغابة المحيطة بياسنايا بوليانا. بعد وقت طويل تذكر الشيخ هذه النبوءة الجميلة، فعبر عن رغبته في أن يدفن تحت الأشجار التي غرسها، وقد دفن وفق رغبته. يقول تسفايج:

ربوة مستطيلة وسط غابة تشكل أشجارها فوقه قبة، بلا صليب، ولا شاخصة، ولا كلام منقوش. يرقد الرجل العظيم مثل أي شريد، مثل جندي مجهول. إن مدفن نابليون تحت أقواس الرخام في Unvalides أو تابوت غوته في Furstengruft لا يثير أي منها عاطفة عميقة كالتي يثيرها هذا الضريح في سكينته المهيبة، وانزوائه المشجي في موضع في الغابة لا يُسمع فيه إلا همسات الريح التي لا تحمل كلمة ولا رسالة.

رغم أني قرأت آنا كارينينا قبل ثمان سنوات، إلا أني أتذكر غالبية مشاهده الخالدة. ولا أستطيع أن أنسى مشهد الحصاد. بطل الرواية قسطنطين ليفين يقرر ذات صباح، هرباً من التفكير وضغوط الحياة، أن يحصد مع فلاحيه. جمالية هذا المشهد كانت قائمة على الحركة، والشعور الداخلي القائم على حب العمل والمشاركة الشعبية، وتخفيف الضغط عن العقل عبر تحريك الجسد لساعات طوال. عدت لقراءة هذا المشهد قبل أيام، محاولاً اكتشاف قوته، ولا زال محتفظاً بحرارته، وكأني أقرأ المشهد للمرة الأولى. جمالية التناسق والحركة في المساحات الخضراء الممتدة، خلق نوع من الموسيقى داخل النص: أصوات الفلاحين وهمساتهم ونداءاتهم وتوجيهاتهم أشبه بالأغاني الشعبية القديمة. تذكر صوفيا تولستوي- زوجة الروائي- أن ذلك المشهد الغنائي قائم على تجربة حية للروائي وعائلته. كان يشارك فلاحيه الحصاد حتى قبل نشر اعترافاته بعشرين سنة. ولكن تبقى شهادة الرسام الكبير إيليا ريبين أفضل شهادة في رسم صورة للمشهد. يقول ريبين: إنه شغوف بشكل غريب، وحار وجدي للقيام بهذا العمل. كنت شاهداً على عمله الذي لا يكل منه في الحقول. كان يروح ويجيء في الحقل منذ الساعة الواحدة ظهراً حتى الثامنة مساءً. يوجه المحراث خلف الأحصنة، ويشد على نفسه نطاقاً آخر مربوطاً إلى نطاقه، وأمامه حصان يشق الحقل. العرق يتصبب منه بغزارة، وثوبه السميك الذي يرتديه لأعمال الحقل مبللاً تماماً. كثيراً ما كان أثناء صعود الهضبة يعبر بوجهه المصفر وبخصلات شعره المبللة بالعرق، اللاصقة على جبينه وخديه، عن توتر وإرهاق شديد. وفي كل مرة كان يصل إليّ، كان يلقي بنظراته المرحبة السعيدة، ويلقي إليّ بكلمة مازحة.

رغم جمالية هذا المشهد في آنا كارينينا، إلا أن أحد أفضل صور الأشجار في أعمال تولستوي هي في رواية الحرب والسلام. ليس كشكل فني فقط، ولكن لتأثيرها التبادلي بين الإنسان والطبيعة، الإنسان والشجرة: الشجرة بشكلها الخارجي وما تمثله من قيمة جمالية ليست إلا انعكاس لداخل الإنسان ذاته. في رواية الحرب والسلام، بطل الرواية الأشهر الأمير آندريه بولكونسكي العائد من حرب الأباطرة الثلاثة وهو محطم ومكتئب، يذهب في زيارة خاصة لأحد النبلاء. كان الربيع بأشجاره وجماله يغمر الطريق. لكن هناك شجرة واحدة كانت استثناء: شجرة السنديان. سنديانة عجوز تنتصب سامقة على حافة الطريق. أكبر من أي شجرة أخرى، كبيرة بحيث لا يستطيع أن يحتضنها إلا شخصان اثنان. أغصانها متكسرة منذ فترة طويلة، مغطاة بندوب قديمة، أذرعها وأصابعها الضخمة الخرقاء الممدودة بغير تناظر تجعلها تنتصب بين أشجار البتول الباسمة الضاحكة، أشبه بعجوز غاضب مبغض محتقر. كانت وحدها ترفض الاستسلام لفتنة العام الجديد وتأبى رؤية الربيع والشمس. كأنها تقول: الربيع! الحب! السعادة! ألا تأنفون من هذا السخف الأبدي، ألا ترون أن كل هذا ليس إلا حماقة وسخفاً؟ لا يوجد ربيع ولا شمس ولا سعادة؛ لست أؤمن بآمالكم وأكاذيبكم. لطالما حاولت أنا أيضاً أن أبسط أذرعي، وأصابعي العقفاء تخرج من ظهري وتطلع من جنبيّ، وتنبت أنى تشأ أن تنبت. وأبقى على حالي، حيث أنا لا أتغير ولا أتبدل. لست أؤمن بآمالكم وأكاذيبكم. آندريه يلتفت إليها وكأنه ينتظر وقوع شيء ما. كان في ظلها حقل امتزج فيه العشب بالأزهار بينما ظلت هي، هي الوحش الجبار، تنصب بعناد قامتها الهائلة الكئيبة:

لقد انتهت حياتنا، انتهت تماماً، كهذه السنديانة!

بعد أيام قليلة، عند عودته على ذات الطريق، بحث عن هذه السنديانة التي تتفق معه في الرأي. كان في حالة روحية مختلفة. يريد أن يراها بعد أن فتحت الحياة نافذة على روحه. ولكن أين هي؟ شاهدها، ولكن ليس بتلك الصورة المعتمة التي رآها في أول مرة، اختفى التجهم واليأس وانبعث منها أوراق فتية مزدهرة بماء الحياة، تدعو للتساؤل، : كيف استطاعت تلك العجوز الفانية أن تفعل ذلك: إنها الحياة!

للشاعر الألماني قصيدة قصيرة بعنوان خريف، تحمل صورة شعرية للغاية تزداد اتساعاً حتى تغمر الكون بأكمله. تبدأ بتساقط أوراق الأشجار في الخريف. يحمل هذا السقوط اتجاه صوب الموت، يشمل الأشجار والإنسان، وينتهي إلى الذي يمسك هذا العالم، بكل جلال، بين يديه.
تسقط الأوراق، تسقط من مكان بعيد،

وكما لو أن هناك حدائق في السماوات أدركها الجدب؛
إنها تسقط وفي سقوطها ما يتخذ هيئة: “لا”

وفي الليل، تسقط الأرض الثقيلة
من عند النجوم إلى وحدتها.

جميعنا نسقط. هذه اليد تسقط.
وانظر إلى الآخرين: إنه فيهم جميعا.

ورغم ذلك؛ هناك من يمسك هذا السقوط
بحنو لا نهائي بين يديه.

مقالة: حديث الأشجار لهرمان هسه، ترجمة سياف الشهري
ترجمة قصيدة خريف: د. عدي الحربش.

Advertisements
هذا المنشور نشر في مقالات, تولستوي. حفظ الرابط الثابت.

7 Responses to ماذا تقول الأشجار؟

  1. ابراهيم كتب:

    حديث شيق ورائع

    شكراً على امتاعنا

  2. Abdullah كتب:

    ما أجمل مدونتك ياممدوح ، أي كتب تقرأ وفي أي حقبة تعيش!
    إعجابي بقلمك وذائقتك

  3. نغمة السماء كتب:

    حينما قرأت مقالك هذا تذكرت رواية لعبدالرحمن منيف اسمها أم النذور!
    أم النذور أيضاً شجرة!!
    وأنا الآن أحاول أن أسترجع أحداث لأستوعب مكانة الشجرة في الرواية.أصلاً منذ فترة وأنا أفكر في إعادة قرائتها لإنني قرأتها وأنا في الخامسة عشر من عمري وكنت أشعر أن لها مغزى لكنني لم أتوصل إليه بشكل ملهم كما توصلت له في قرائاتك للروايات التي ذكرتها

    • Mamdouh كتب:

      مرحبا بكِ نغمة المساء ، وشكراً جزيلاً على هذه المعلومة. أحد الزملاء ذكر رواية منيف الأشجار واغتيال مرزوق. موضوع الأشجار ظننه بسيطاً للغاية، أو يمكن الإحاطة به. لكن الآن قد أفكر بكتابة تدوينة ثانية عن الأشجار. لتوفر كتاب ثري للغاية حول الأشجار بعنوان: انتصار الشجرة، للمؤلف جون ستيوارت كوليس.

  4. نغمة السماء كتب:

    وأذكر ايضاً تشبيهات وتصاوير جبران خليل جبران في كتابه النبي عن الشجر.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s