صيف 1787

صدر عن مشروع كلمة للترجمة قبل ثلاثة سنوات تقريباً كتابين عن تاريخ الدستور الأمريكي، تحت إشراف الدكتور أبو يعرب المرزوقي. الأول كتاب: الأمريكيون الجوامح وأصول الدستور لوودي هولتون بترجمة المرزوقي. والثاني كتاب صيف 1787: الرجال الذين اخترعوا الدستور لدايفد أو. ستيورات، وبترجمة د. محمد بوهلال ومحفوظ العارم.

قرأت الكتاب الأول – الأمريكيون الجوامح – إلى المنتصف، ولم أستطع إكمال القراءة. كان أشبه بالمرجع الضخم عن الحالة المالية للولايات الكونفدرالية، من تضخم وسندات وأوراق مالية، وكيف ساهم هذا الحراك النقدي باتجاه صناعة الدستور الأمريكي. لم أستطع السيطرة على المعلومات لتخصصها المالي والاقتصادي، ففضلت التوقف عن قراءته واتجهت للكتاب الثاني: صيف 1787. وكان بعكس الكتاب الأول، زاخر بالمعلومات، والآراء، مكتوب بلغة روائية فنية تصف لك المشهد بتمامه، بحواراته وصراعاته وحالة الطقس وتأثيرها على أعضاء المؤتمر، إلى درجة أن القارئ قد يجد نفسه عضو في مؤتمر فيلادلفيا، هذا المؤتمر الذي يناقش مشروع يجمع هذه الأمم من الولايات المتناحرة مع بعضها البعض بعد الاستقلال من التاج البريطاني. لن أبالغ إذا قلت أن الكتاب أشبه بالفيلم الكلاسيكي 12 رجلاً غاضبا. ولكن هذه المرة لا توجد قضية واحدة: بل عدة قضايا، ولا يتعلق الأمر بمصير فرد، بل بأمم في حالة يرثى لها من التفكك تحت ظل كونفدرالية ليس لها إلا صلاحيات ورقية.

يبدأ الكتاب من عند الفرجيني الأشهر جورج واشنطن مع صديقه جورج مايسون. تلقى مايسون رسالة من مندوبي مريلاند يعلنون فيه عن شوقهم للقاء مايسون للتفاوض معه بشأن النزاع بين الولايتين على مسائل التجارة والصيد وحقوق الإبحار في نهر بوتوماك. لم يكن يعلم مايسون عن هذا اللقاء شيئاً بسبب صعوبة الاتصالات حينها. ولكن: ما الحاجة إلى أن تتفاوض الولايات مع بعضها البعض؟ بعد الاستقلال اندلعت نزاعات بين الولايات الثلاثة عشر المستقلة، غير الموحدة. كونكتيكوت مع بنسلفانيا على الأرض، نيويورك ونيوهامشاير على فيرمونت، نيوجيرسي تهاجم السياسة الضريبية لنيويورك على السفن. الولايات التي لديها موانئ ستفرض رسوم على البضائع القادمة من الولايات المجاورة، وفي المقابل سترد الولايات المجاورة بأي طريقة. ثلاث ولايات من نيوإنجلند حاولت فرض تنازلات على البريطانيين بتقليص التجارة معهم، قوضت كونكتكوت هذه الخطة بتنمية تجارتها الخاصة مع بريطانيا. هذه النزاعات قلصت التجارة وكل أشكال النشاط الاقتصادي. إذا كان على هذه الولايات الرغبة في تحقيق الازدهار الاقتصادي عليها أن تتوقف عن التنازع فيما بينها.

النزاع الداخلي بين الولايات ليس إلا صورة واحدة. هناك الصورة الثانية الشهيرة، وهي تتعلق بثورة الجندي تشايز. ثورة كان من أسبابها الأولى وطأة الديون القديمة التي ازدادت بسبب ارتفاع الفوائد، والضرائب المفروضة على الناس، دون وجود أي نوع من الحماية. وهناك التهديد الخارجي الذي تمثل باحتلال بريطانيا حصون في الغرب الأمريكي، ورفض التجارة مع الأمريكيين، الإسبان أغلقوا نهر المسيسبي دون الأمريكين لمدة ربع قرن.

النظام الكونفدرالي ساهم مساهمة كبيرة في الثورة الأمريكية، في زمن الحرب. لكن في زمن السلم، لم يكن يعاني خللاً بقدر ما كان غير فاعلاً أو ذا تأثير يذكر. من على بعد أميال في باريس، شاهد جيفرسون انتفاضة شايز بذهول ملاحظاً أنه التمرد الوحيد خلال أحدى عشر سنة: لقد حرم الله علينا أن نمضي عشرين سنة دون أن نرى مثل هذا التمرد. إن شجرة الحرية يجب أن تنتعش من وقت لآخر بدماء الوطنيين والطغاة، فذلك هو سمادها الطبيعي. لكن واشنطن عبر عن هذا التمرد بصورة نموذجية:

أي دليل على حاجة حكومتنا إلى الحركة يمكن أن يقدمه المرء أقوى من هذه الاضطرابات؟ إن تجاذب ثلاثة عشر ولاية للسلطة وتنازعها رأس الحكومة الفيدرالية سيجلب الخراب للجميع. إما إننا شعب متحد أو أننا لسنا كذلك. في الحالة الأولى دعونا نتصرف في كل الأحوال كأمة، فإن لم نكن أمة فلنتوقف عن لعب مسرحية هزلية والإدعاء بأنها حقيقية.

اللوحات الفنية التي تمثل واشنطن وهو ممسك بوثيقة الدستور مع المندوبين، تعطي صورة مثالية حول عملية صناعة الدستور والرجال الذين صنعوه في مؤتمر فيلادلفيا، في فترة زمنية تقارب الأربعة أشهر. من ينظر إلى المؤتمر وفكر المؤتمر من الخارج لن يختلف رأيه عن رأي المؤرخ الفرنسي دو توكفيل حين وصف رجال المؤتمر بأرفع المواهب وأنبل القلوب التي ظهرت في العالم الجديد. الرأي العام- مشحوناُ بوجود قادة كبار أمثال واشنطن والدكتور فرانكلين وألكسندر هاملتون و ماديسون ومايسون كانوا على يقين بأن المؤتمر تحت قيادة هؤلاء وتخطيطهم سيقودون أعضاء المؤتمر بكل هدوء وحكمة نحو بر الأمان. جون آدامز عبر بسخرية لاذعة عن هذه النظرة المثالية بقوله:

ما إن ضرب عمود الدكتور فرانكلين الكهربائي الأرض بشدة حتى برز الجنرال واشنطن، فشحنه فرانكلين بعموده، ومن ثم قاد هذا الثنائي كل السياسيات والمفاوضات والتشريعات والحرب.

من داخل المؤتمر، يصف جورج مايسون الأعضاء: الذين قدموا من الولايات الشرقية أوغاد حمقى، والذين قدموا من الولايات الواقعة جنوب فرجينيا مجموعة من الحمقى والمجانين، والذين قدموا من الولايات الوسطى يلهثون وراء المناصب. سواءً كانوا أنصاف آلهة- كما ذكر ذلك جيفرسون- أو مجانين أو شيئاً بين بين، فإن مستقبل الأمة الأمريكية كان يقف على كاهلهم.

لم تتح لي الفرصة لقراءة مسبقاً عن فحوى الحوارات بين أعضاء المؤتمر حول الدستور الأمريكي. هذه نظرة أولى بعد قراءة هذا الكتاب. يخيل إليّ: لو كانت أقوال أعضاء المؤتمر يمكن تحويلها إلى أفعال، لسالت الدماء في قاعة فيلادلفيا. ولو تسرب فحوى النقاشات النارية بينهم خارج جدران القاعة، من المحتمل، أن تحدث قلاقل تُسقط المؤتمر دفعة واحدة وللأبد. لا شك أن هناك قيادة حكيمة فضلت الجنوح بعيداً عن النقاشات وفضلت الصمت والمراقبة، وهو ما كان يفعله واشنطن حين تم تنصيبه رئيساً للمؤتمر، ولا يوجد أحد في القاعة يضاهي تاريخه وشهرته. وهناك عضو آخر لا يجيد الانطلاق في الحديث لكبر سنه، لكنه دائماً ما كان يعطي لمسات تخفف الأجواء المحتقنة، ويتجسد ذلك بصاحب العصا الكهربائية الدكتور فرانكلين. وحتى بعد أن تم الاتفاق بين المؤتمرين على الدستور، وافق فرانكلين على الدستور رغم إعلانه صراحة بأن هناك مواد متضمنه في الدستور لا يمكن أن يقبل فيها حتى آخر عمره، لكن شيئاً يحمل قيمة كبيرة ولو كان أعرجاً يستطيع قيادة الأمة الوليدة، فهو معه قلباً وقالباً. شخصيات من مختلف الأفكار والاتجاهات: محامين وعسكريين وقضاة ورجال أعمال، فضل بعضهم التضحية بمصالحه الذاتية في سبيل الآخرين، والبعض الآخر تمسكوا بمطالبهم حتى الرمق الأخير، حد الموت. وبين التضحية والتمسك يدور النقاش حول الدستور: هل يجب أن تكون هناك حكومة قوية مركزية تدير شئون البلاد؟ وهذه الحكومة القوية، ما صلتها بحكومات الولايات: هل تشريع الولاية يبقى حاكماً في الولاية، متربعاً على عرش السلطة، أم أنها يجب أن تتحرك تحت مظلة الحكومة الفيدرالية. وما الطريقة المثلى للتوفيق بين ممارستين سيادتين للسلطة في بلد واحد ووقت واحد؟ قضايا متعددة تبدأ بالحكومة القومية: فيدرالية أو كونفدرالية، والمجلس التشريعي بمجلسيه والقضايا التجارية والضرائب. أهداف المؤتمر لا تتخطى الضرورات الرئيسية للحكم: من حكومة وقضاء وتشريع وعلاقة السلطات مع بعضها البعض. ولكن كيف يمكن الموازنة بين ما تطمح إليه ما تسمى بالولايات الكبيرة- ذات الكثافة السكانية الأكبر والمساهمة بدرجة كبيرة في الدخل القومي من ضرائب وخلافه، وبين الولايات الصغيرة ذات الكثافة السكانية الأقل. ظهرت أول مشكلة حول التمثيل النيابي: هل تنتخب كل ولاية العدد نفسه من المشرعين بالضبط، أم يتم تحديد الممثلين حسب عدد السكان؟ وفي مجلس الشيوخ: هل تتساوى الولايات مساواة تامة في عدد الأصوات، أي لكل ولاية صوت واحد؟

قبل أن يتخلص المؤتمر من مشكلة الأصوات- تحت صفقة لن يكون الشيطان إلا أحد رعاتها الأساسيين- فتح الباب لمناقشة موضوع الرئاسة، وفترته الزمنية، وهل سيكون ملكياً كبريطانياً، أم منتخباً رئاسياً من الكونغرس. لم يكن موضوع الرئيس القادم لهذا البلد مشكلة بحد ذاته. واشنطن- حتى قبل أن ينهي المؤتمر صراعاته- كان أشبه بالقيصر المتوج، ينتظر التتويج تحت اتفاق أعضاء المؤتمر، لكن المشكلة كانت عن الرئيس الذي سيلي واشنطن: إن كان منتخباً شعبياً، ألا يمكن أن يستبد بالسلطة، ويعيد الأمة إلى حالة الاستبداد، أو إذا كان منتخباً من المجلس التشريعي، ألن يكون مجرد ألعوبة لفصيل سياسي مسيطر على مجلس الشيوخ حينها؟

يذكر مؤلف كتاب الأمريكيون الجوامح وودي هولتون أن البنود المفضلة في الدستور الأمريكي لدى عامة الشعب لم تنشأ نتيجة مؤتمر فيلادلفيا، ولم تتم مناقشتها في المؤتمر، وإنما كانت نتيجة لمعارضي الدستور الرئيسين. من أهم هذه البنود هي ما تسمى بوثيقة الحقوق. من جملة الانتقادات العديدة الموجهة للدستور أثناء معركة التصديق، لم يكن أيّ منها بالشدة نفسها التي استهدفت غياب الحماية للحقوق الفردية. كيف نسي زعماء الثورة الأمريكية الذين حاربوا البريطانيين دفاعاً عن الحرية الأمريكية، تضمين تلك الحقوق في الدستور؟ حين صوتت الولايات بالموافقة على الدستور، أدخلت كل ولاية من الولايات جملة من التعديلات بمثابة إعلان للحقوق. بعد سنة واحدة من إقرار الدستور وافق الكونغرس على اثني عشر تعديل للدستور، وتم الإعلان عنها بمثابة وثيقة الحقوق. وتتضمن تلك التعديلات التي يتعلق بها الأمريكيون أكثر من أي شيء آخر ويربطونها بالدستور: حرية التعبير والعبادة والصحافة والحماية من التفتيشات اللامعقولة، وحق المثول أمام هيئة محلفين في القضايا ذات الطابع الأجرامي والمدني وضمان التقاضي المستحق وفق القانون، والوعد بالتعويض العادل إذا انتزعت الحكومة أملاك الناس، وحظر العقوبات الوحشية وغير العادية.

حكاية الدستور الأمريكي صراع لا ينتهي. الحرب العسكرية، لن تصل في عنفها مثلما وصلت إليه نقاشات المؤتمر. لا يمكن الإنكار بأن فيه أفكار ثورية، وتحديداً حول المستقبل. فقد ساوى بين الولايات القائمة مجتمعة وبين الولايات التي ستنضم إلى الاتحاد الأمريكي- في منطقة الغرب تحديداً. وتضمن تشريعاً يحضر الرق في هذه المناطق الجديدة.

ولكن، وهنا أكثر الأشياء مأساوية وسوداوية في حكاية الدستور الأمريكي: العبودية! قد تكون مفارقة: النقاش حول مواد الدستور بالحوار والنقاش والمساومات. طريقة مثالية دون إطلاق نار. ولكن الفكرة- وخصوصاً إذا كانت مثيرة للجدل وملعونة إلى هذه الدرجة، فهي تنمو وتتصاعد حتى تنفجر الفقاعة، ويصبح الحوار بالسلاح والنار والقتل، وهذا ما حدث. كتب أحد أحفاد جون آدامز:

كُتب علينا نحن أبناء الجيل الثالث والرابع أن ندفع ضريبة التسويات التي قام بها الجيل الأول.

إن كان لأعضاء المؤتمر القوة الكاملة لمنع الحديث عن العبودية لما ترددوا في ذلك، لكن العبودية بمأساويتها ووحشيتها تلقي ظلالاً كاملة على الدستور والولايات، لا مفر من الحديث عنه، ليس بصفته عملاً غير أخلاقياً ولا إنساني، بل لأنه يختص بمشكلة التمثيل في مجلس النواب الأمريكي.

أعضاء المؤتمر والعبودية، يمكن تقسيمهم إلى ثلاثة أقسام.

القسم الأول هم أعضاء معارضون بشكل كامل للعبودية، ورافضين لمبدأ استمراره في الأراضي الأمريكية. نظرة هؤلاء الأعضاء نظرة أخلاقية وإنسانية بحتة، إذ يرون في هذا العمل مأساة شيطانية لابد أن تتوقف. ومشكلة هؤلاء الأعضاء أن صوتهم خافت، ليس له تأثير لعدم قوته وعدم وجود أعضاء كثر يحملون مثل هذه النظرة.

القسم الثاني هم أصحاب الولايات الكبيرة، غالبيتهم من الشمال. رفضوا أن تستمر العبودية على الأراضي الأمريكية، وطرحوا فكرة التحرير التدريجي حتى يمكن بعد سنوات قليلة تحرير كل العبيد. مشكلة هؤلاء لا يمكن تفسيرها بشكل واضح، ويمكن ردها إلى الطمع الإنساني والرغبة في الكسب والارتفاع الاقتصادي. لماذا؟ في نفس الوقت الذي يرفضون فيه العبودية في مناقشات الدستور الأمريكي، لديهم في منازلهم ومزارعهم مئات العبيد يعملون لديهم. واشنطن نفسه أمر بإحضار عبيده: إلى أعمالهم بمجرد ظهور ضوء الصباح، واستمرارهم فيها إلى هبوط الليل، وملازمتهم الجد ما داموا في حالة عمل. المفروض أن يبذل كل عام ( ذكر أو أنثى ) أقصى ما يستطيع من جهد تسمح به قوته خلال أربع وعشرين ساعة دون أن يخاطر بصحته أو بنيته الجسدية. والدكتور فرانكلين كذلك، كان يمتلك مجموعة من العبيد، لكنه في المؤتمر رفض صراحة الاستمرار فيه. غالبية هؤلاء – الرافضين للعبودية في الدستور، والملّاك في نفس الوقت- في أواخر حياتهم قاموا بتحرير عبيدهم. واشنطن في آخر أيام حياته أعطى توجيه أن يحرر كل عبيده وعبيد زوجته، ووجه أمواله لمساعدة العبيد المحررين الذين تقدموا في السن ولم يعودوا قادرين على العمل والانفاق على تعليم الآخرين.

القسم الثالث هم أخطر أعضاء المؤتمر، لأن وجودهم بحد ذاته في المؤتمر كان لهدف رئيسي لا يمكن التنازل عنه بأي حال من الأحوال، ألا وهو الاستمرار في العبودية. تركزت قوة دعم العبودية في الجنوب. وبالنسبة لهم، لم يكن ثمة هدف أسمى من حماية العبودية، وبدون تلك الحماية قد لا تنضم الولايات الجنوبية إلى الحكومة الجديدة.

ليست الأخلاق أو القيم الأخلاقية خاصية لفرض سطوتها في هذا النقاش. هو شأن تجاري سياسي من أجل رفع حصة كل ولاية من ولايات الجنوب في التمثيل النيابي وفي الازدهار الاقتصادي. ليس غريباً أن يتحول النقاش حول أخلاقية العمل بحد ذاته إلى نقاش حول هل السود كائنات بشرية أو ملكية خاصة. وإذا كانت الولايات الداعمة للجنوب تريد رفع حصتها عبر إضافة صوت العبيد، هناك من يقول- ساخراً- من طرح فكرة حول تصويت الحيوانات والخيول لأنها ملكية خاصة كذلك في نفس الوقت! كان من نتيجة هذا النقاش الفاوستي الطاحن صفقة الدستور مع الموت: صفقة الثلاثة أخماس سيئة السمعة. بوجود حوالي ما يقارب أكثر من نصف مليون عبد في الولايات الجنوبية، سيمنحها ذلك اثني عشر مقعداً في الكونغرس على الأقل، وعدد مماثل من الأصوات الانتخابية الاضافية.

موضوع العبودية كان حاضراً في سنة 1787، داخل المؤتمر وخارجه. في تلك السنة كان يقدر عدد العبيد بما يقارب 681.000 عبد، أو سدس إجمالي عدد السكان. في ذلك الصيف حظرت ولاية ماساتشوستس وحدها العبودية عن حكم قضائي، ولم يصدر عن قرار تشريعي. وبعد إقرار الدستور تبنت بعض الولايات الشمالية تحرير تدريجي. لم تكن العبودية متجذرة بشكل كامل في الشمال، كان الاعتماد عليه بصورة أقل من المتوسط، بعكس الجنوب الذي انغرست فيها العبودية في كل مؤسسة اقتصادية واجتماعية.

عند كتابة الدستور تبنى عميد المدافعين عن العبودية جون راتليدح إضافة فقرة هي الأعز لديه وعلى تجار العبيد: ألا يتوقف توريد العبيد إطلاقاً! وكان من نتيجة هذا الإقرار المروع توريد أكثر من 170000 إنسان أفريقي إلى أمريكا! الصورة الدرامية للمؤتمر تقول بأن هذا الدستور المتحالف مع الموت ذهب بأكمله إلى الجنوب. قانون الثلاثة أخماس سيزيد من قوتهم، وضمنت تجارة العبيد الحفاظ على نظامه لفترة طويلة. أما من أحد يرفض مثل هذا القانون, أو يحتج عليه؟ ليس للدين والإنسانية أي علاقة بالعبودية- يقول ذلك راتليدح متحدياً أعضاء المؤتمر، ناقلاً أخلاقية هذا العمل إلى عالم السياسية الوحشي. لا جدال بأن هناك من رفضه، وهناك من صرح بوضوح أنه عمل شرير ولن يدعم هذه العبودية المحلية، أو كما وصفها جورج مايسون: هذه المتاجرة الجهنمية تهدد بإنزال قضاء السماء على أمريكا. حين عاد الجنرال بينكي إلى ولايته تفاخر بنصره: لقد أمّنّا توريد عدد غير محدد من الزنوج لمدة عشرين سنة، ولن تستطيع الحكومة الوطنية أن تحررهم لعدم إمتلاكها السلطة، ولقد تحصلنا على حق استرجاع عبيدنا في أي جزء من أمريكا قد يفرون إليه.

أثناء انقاد المؤتمر قدمت مجلة من فيلادلفيا وصفاً مؤثراً لوحشية الانتقال من أفريقيا:

يُسرع تموج البحر من زفرات القلوب، وتفلت الأرواح المتنهدة من أجسادها! أنّات مائة رجل، وتحسّر مائة امرأة، وصيحات مائة طفل، هي شيء واحد! يسود الصمت، وتلقى الجثث لأسماك القرش المترصدة ذات الفكوك المفترسة التي أُشبعت بلحم البشر! الأسواق في الغرب مليئة بالعبيد. وآباء القمع موجودون هناك: قلوبهم المتحجرة تعتبرهم دواب لحمل الأثقال.

يقول مؤلف كتاب صيف 1787 دافيد سيتورات أن آراء المؤرخين تختلف في الصفقات البغيضة التي عقدها المؤتمر بشأن العبودية. يميل بعض المؤرخين إلى القول بأن المندوبين فعلوا أفضل ما في وسعهم في تلك الظروف، تحت ذريعة أن أمريكا ليست جاهزة لتحرير العبيد. كان المندوبون بحاجة لتشكيل حكومة جديدة، وكان يجب تقديم تنازلات في موضوع العبودية من أجل الحفاظ على تماسك الاتحاد. وأشاد البعض الآخر في حذف لفظ العبودية من الدستور، وهو ما حال دون تلطيخ الوثيقة بهذه اللفظة في وقت كان فيه الملايين يعيشون حياتهم تحت ذلك الظرف. ولأن جميع المندوبين كانوا موضوع احتفاء، فإنهم يتحملون مسؤولية عن كونهم قاموا بتحصين العبودية أعمق من أي وقت مضى، ولم يبادروا حتى بالتعبير عن رفضهم لها. لقد أنشأوا حكومة متدثرة بالعبودية إلى حد أن داعية العتق جون براون كان بوسعه أن يكتب في بيان إعدامه: إن خطايا هذا البلد الآثم لا يمكن تطهيرها بغير الدم. ورغم اجتماعهم من أجل تكوين حكومة يمكنها أن تُجنب التمردات، مثل ذلك الذي قاده شايز، كان الإرث الذي تركوه يتضمن مسؤولية عن ويلات الحرب الأهلية العظمى التي تفوق الوصف. ظلّت اعتذارات المؤرخين وإداناتهم، رغم ذلك خارج الموضوع. فقد ضمنت طبيعة المؤتمر أن تكون العبودية مثبتة في الدستور. بعد الحرب الأهلية العظمى وافقت الأمة على التعديلات التي محت صفة وصمة العبودية من الوثيقة وشرعت في محوها من حياتها. حظر التعديل الثالث عشر العبودية، وضمن التعديل الرابع عشر حماية متساوية للقوانين، وحمى التعديل الخامس عشر حق التصويت، واتسعت تعديلات القرن العشرين لتشمل حقوق التصويت للنساء، وسمحت للشعب –وليس للهيئات التشريعية للولايات- بانتخاب أعضاء مجلس الشيوخ، وألغيت ضريبة الرأس التي كان الجنوبيون يستعملونها لإيصال صناديق الاقتراع أمام نسل العبيد. تم تعديل الدستور سبعة وعشرين مرة. وهكذا، تتواصل قصة الدستور. إن الدستور، هذا المولود في السرّ، طفل المثالية النبيلة والمساومات السياسية الخشنة، قصة ستستمرّ باستمرار الأمة.

لمن يريد الاستزادة بصورة أكبر عن الدستور الأمريكي، مع هذا الكتاب لدافيد سيتورات، كتاب لأبو الفكر المحافظ الأمريكي ألكسندر هاملتون- بالاشتراك مع ماديسون وجون جاي- بعنوان أوراق فيدرالية. والجدير بالذكر أنه عند اقرار أعضاء المؤتمر على وثيقة الدستور، كتب واشنطن: أنجزت تلك الوثيقة من قبل 11 ولاية، والعقيد هاملتون.

Advertisements
هذا المنشور نشر في فكر و فلسفة, أدب أمريكي, تاريخ. حفظ الرابط الثابت.

2 Responses to صيف 1787

  1. ⚖Dalaliv كتب:

    هل آقدر احملوه اون لي عندي بحث واحتاج هذا الكتاب 💔

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s