أسرار


لم تُمنح جائزة نوبل قط لمستحق لها بقامة كنوت هامسون.
توماس مان.

في مقالة للمؤرخ اليساري هوارد زن يشير إلى أن وظيفة المبدع، أي مبدع سواء في الأدب أو الموسيقى أو الرسم، هو أن ينتج ويقدم أعمال جميلة للجمهور فقط. يبدع من تلقاء نفسه ويقدم ما يعتقد بأنها مادة جميلة: يمنح الجمال والضحك والعاطفة والمفاجأة والدراما. لكن هناك أعمال يجب على المبدع أن يفعلها، وهي أكبر من مهمة الإبداع، وهذه الأعمال تتمثل بأن يتسامى على ما هو حالي، يترفع على جنون العالم والرعب، يحاول أن يبعد عن الجمهور لحظات الرعب والخوف. يجب عليه أن يتجاوز المؤسسات المسيطرة ويفر من أمامها ومن ما تفرضه أو ما يقوله الإعلام السائد. ومن خلال ذلك: يفكر خارج حدود الفكر المسموح به ويتجرأ لقول أشياء لا يستطيع قولها الآخرون. ويستشهد هوارد زن بالروائي الأمريكي مارك توين، حين شنت الولايات المتحدة حرباً-أو بمعنى أصح غزو- للجمهورية الفلبينية. هنأ الرئيس روزفلت الجنود الذي قاموا بعدة عمليات قتلوا فيها الكثيرين في هذه الحرب وحافظوا حسب قوله على شرف العلم الأمريكي. مارك توين شجب هذه التهنئة وأدان هذه الحرب وأصبح أحد أهم المحتجين ضد الحرب في الفلبين: لقد قفز توين من دوره ككاتب قصة وأديب إلى قلب النزاع السياسي، لقد تجرأ على قول أمور لم يكن الكثيرون في البلد يقدرون على قولها. وما دمت قد ذكرت الفلبين، هناك مثال أوضح ويعطي الكثير حول دور المبدع في الحياة العامة. الأديب والطبيب الفلبيني خوزيه ريزال. من هو خوزيه ريزال؟ بتخطيه لما فوق الابداع أصبح البطل القومي للشعب الفلبيني. حصل على إجازة في الطب ومارس الكتابة الأدبية ويتحدث ويكتب بعشر لغات، وحازت أعماله على إشادة تخطت الجغرافيا الاسيوية لتصل إلى عواصم العالم المختلفة. وحين وجد شعبه تحت نير الاستعمار الاسباني كتب بقلمه ورفع راية التحدي تجاه الاستعمار حتى كان اليوم الذي أعدم فيه: ذلك الإعدام الذي أشعل شرارة الثورة ضد المستعمر.

هذه هي المفارقة، ولعلها من أكبر المفارقات في الأدب الأوروبي في القرن العشرين: وهي ما يتعلق بالروائي النرويجي الحائز على نوبل للآداب عام 1920م الروائي كنوت هامسون. كيف بأديب أصبح المعبر عن الروح القومية النرويجية، وسيد من سادات الأدب في البلاد، وأكبر مجدد في تاريخ حركة الأدب الأسكندنافي في نهايات القرن التاسع عشر، أن ينخرط هذا الانخراط الفج في السياسة إلى درجة الطعن في خاصرة الوطن بقساوة لا مثيل لها! سيرة حياته تشهد له بأنه وصل إلى ما وصل إليه عبر كفاح طويل ومؤلم، في رحلة طويلة للبحث عن مصدر رزق يقيه من التشرد والهجرة من النرويج، وحين استطاع أن يمسك بالقلم ويقدم ما يؤمن بأنه رائع وجميل، لم يكن لأي حد الفضل في مساعدته والوقوف معه، هو بنفسه من كافح وكتب واثبت بأن لديه أشياء كثيرة تستحق الاعجاب. حين غزت النازية الألمانية النرويج كتب كنوت هامسون مقالة بعنوان: كلنا ألمان. هل هي كراهيته العميقة لما يصفه بالإمبريالية البريطانية هي السبب في اتجاهه للألمان؟ هي بلا شك إحدى أكبر الأسباب، ولكن كيف يمكن هز أسس الإمبريالية البريطانية في حالة الغزو النازي لوطنه؟ ربما كان يخشى من أن تصل بريطانيا إلى وطنه، ففضل القوة الوليدة التي تبشر بأوروبا جديدة يقودها هتلر، وكان هامسون مؤيداً لهذه الحركة والقوة الجديدة في أوروبا: حركة ترفض الإمبريالية وتحمل مقومات وجود مثالية ورائعة. ولكن هل كانت كذلك؟ حين كتب هامسون مقالة كلنا ألمان كان منعزلاً في بيته، لا يشتري الصحف، ولا يستمع للإذاعة لضعف في حاسة السمع لديه. كسيد من سادات الكلمة، وجد نفسه مضطراً لأن يقابل الحاكم النازي للنرويج من أجل العفو عن شابين نرويجيين كانا منتسبين للثوار. الحاكم النازي يعرف هامسون. لن يجد في الأرض النرويجية من يكتب بقلمه ويؤيد ما يجري أكثر من هامسون نفسه. ولكن، في حسابات هذا الحاكم، السياسة لا علاقة لها بالأدب، ولذلك قرر إعدام الشابين بأسرع ما يمكن وهذا ما حدث. كثر الحديث بعد هذا اللقاء عن إلغاء النرويج من الخارطة الجغرافية وجعلها تابعة للنازية الألمانية للأبد. يقوم العجوز كنوت هامسون بزيارة للنمسا ليلتقي شخصية مهمة قد تساعده في تحريك المياه الراكدة في النرويج والتخلص من الحاكم النازي. لم تكن تلك الشخصية إلا هتلر نفسه. يلتقي هتلر هامسون، مرحباً بهذا الشخص الذي ألقى خطاباً مهماً يؤيد فيه القومية الألمانية ومهاجماً الإمبريالية والبريطانيين وغيرهم. تذكر السجلات الأرشيفية أن هتلر بادر هامسون بالكلام، سائلاً إياه حول طبيعة عمله الأدبي: واخضرت الأرض: كيف استطاع كتابتها، وهل كان وقت الكتابة في الليل أو النهار. يريد هتلر –كما ذكر- أن يعرف حالة الابداع لدى الأديب ممثلة بهامسون، ويقارنها بالإبداع ممثلة بالسياسي هتلر. لكن هتلر يخاطب عجوز لم يأتي إلا لهدف واحد. بادر بالإجابة قائلاً بما معناه: أن الحاكم النازي يفعل أشياء تثير غضب الشعب ويجب أن يستبدله هتلر، يجب أن يتخلص من هذا الرجل الذي يدمر سمعة هتلر بأفعال إجرامية وتصريحات تبشر باختفاء النرويج للأبد. حاول هتلر التملص من إلحاح هامسون، إلا أن الأخير عبر بصراحة مخاطباً هتلر: وكأني أتحدث إلى حائط! لم تمر دقائق قليلة حتى طرد هتلر الروائي هامسون، ووجد الروائي العجوز نفسه في حالة يرثى لها من الخوف. بعد سنوات قليلة، حين تتحرر النرويج و يعلن عن موت هتلر، يكتب كنوت هامسون مقالة جاء فيها: لقد كان هتلر محارباً عظيماً من أجل الإنسانية!

بصورة أو أخرى، انتساب هامسون لأحد التيارات السياسية أو تبنيه لرأي سياسي ليس أمراً مثيراً للجدل إذ أن عدد ليس بالقليل من الأدباء لهم أراء في السياسة، لكن درجة المشاركة السياسية وخطورتها هي من تجعل حالة كنوت هامسون خطيرة ولا يُعرف كيف يتم تبريرها. بعد تحرير النرويج تم إدخاله لمصحة نفسية. قد تكون تلك الآراء ناتجة عن حالة من الجنون، قد تكون تلك الآراء ناتجة عن عدم معرفة كاملة بما فعلته النازية في أوروبا. إلا أن هامسون يعلن بأنه ليس بمجنون، وها هو في المستشفى النفسي يكتب عملاً جديداً وسيقدمه للجمهور في أقرب فرصة. رغم كل التبريرات التي ذكرت أو ستذكر لاحقاً، ارتباط هامسون بالنازية نقطة سوداء في تاريخ الشخصي كأديب وإنسان له حضور في ذاكرة الأدب الشعبي والروائي في عموم أوروبا. لمن سيقرأ كنوت هامسون ويريد أن يعرف تاريخ كنوت هامسون السياسي، عليه أن يشاهد فيلم هامسون Hamsun 1996، والذي قام بدور الروائي كنوت هامسون الممثل السويدي الكبير ماكس فون سيدو. الفيلم يقدم هامسون كما ذكرت في هذه المقالة من ارتباطه بالنازية، ولكن هل هذا كل شيء؟ يقدم المخرج مادة سينمائية مقتبسة من دراسة لباحث دنماركي يدعى توركيلد هانسن. من الأفكار التي طرحت في هذا الفيلم أن هامسون أيد القيم الألمانية، وهي قيم لن يختلف أي فرد عليها. لكن عزلة هامسون جعلته لا يعرف ماذا يجري في أوروبا من مجازر ومعتقلات. ولو كان يعرف ذلك من الممكن أنه لن يسكت. ويدلل على ذلك بأن أحد ناشري هامسون المقربين هو من اليهود، ولم يكن له أي احتقار أو كراهية. في أحد أعظم مشاهد الفيلم وتحديداً جلسة محاكمة كنوت هامسون، يلقي الممثل ماكس فون خطبة طويلة يتحدث فيها عن كل شيء. لم ينكر، ولم يدعي الخرف حتى يمكن له أن يهرب. يعلن تحمله لكل أفعاله. أما ما جرى على أرض الواقع كما يقول من عذابات وقتل ومجازر، لا يعلم عنها شيئاً، لأنه منعزل، ولا يستطيع الاستماع إلى الإذاعة كما يقول، ومع ذلك هو أخطأ بكل ما فيه وعليه تحمل المسؤولية.

هذه ملاحظة جديرة بالملاحظة في الأدب النرويجي: في الربع الأخير من القرن التاسع عشر كان هناك نوع من السيادة الأدبية تمثلت في الأربعة الكبار، ومنهم من يسمى بأبو المسرح: هنريك إبسن. هذه السيادة الأدبية رغم قوتها وشعبيتها في أوساط المجتمع إلا أنها ليست محصنة، أي ليست مقدسة. إذا كانوا يمثلون القمة والروعة في النتاج الأدبي، فهناك آخرين يملكون مواهب يستطيعون من خلالها تحقيق الكثير، وإن كان الأمر يحتاج لمجازفة من نوعاً ما، إذ أن المواجهة ليست مع أفراد بقدر ما يمثلون مجتمع أدبي وشعبي كبير. أحد الروائيين النرويجيين، كنوت هامسون – ولم يكن يملك إلا رواية واحدة هي رواية الجوع، وحصلت على مراجعات نقدية جيدة ومع ذلك لم تحقق أرباحاً-فتح النار على الأدباء الكبار. كان رأس الحربة لجيل جديد يبشر بأفكار جديدة. وبيانهم الرسمي الذي بشر بهذه الأفكار كان عبارة عن مقالة في مجلة العصر الجديد حملت عنوان: فهم الحياة اللاواعية للعقل. المناطق الغامضة في النفس البشرية، تيار الوعي الذي حان أن يحتل مكانة أخرى، جديدة ومؤثرة. تيار الأفكار الساكن في العقل يجب أن يخرج كإعصار، انفجار يجتث ما أمامه. كان هامسون يبشر بهذه الأفكار، داعياً إلى نوع جديد وأفكار جديدة تتخطى ما هو عليه الآن. أن يتوقف الوصف الطبيعي والحالات الاجتماعية إلى الفرد من الداخل. امتدت هذه الحركة الجديدة من المقالات والصحف إلى المحاضرات. وفي إحدى هذه المحاضرات تلقى المسرحي الكبير إبسن دعوة لحضور محاضرة لكنوت هامسون في كريستينا، أو ما تعرف الآن بأوسلو. كرس هامسون في هذه المحاضرة هجومه على التيار القديم ممثلة بإبسن، وتوسع من حركة نقده ليشمل الروائي الكبير تولستوي! هذه الخلفية النقدية لكنوت هامسون رافقها في ذات الوقت تطبيق عملي. إذا كان هامسون يبشر بحركة جديدة، عليه أن يأتي بمثال حي حتى يمكن معرفة ماذا يعني بالحياة اللاواعية للعقل، وماهي ملامح هذه الحركة اعتماداً على الفن، وليس تنظير. وكانت النتيجة هي رواية أسرار.

هل عاد دوستويفسكي مرة أخرى إلى الحياة ليكتب نص أدبي نُشر تحت اسم كنوت هامسون؟ أم أن هناك بالفعل يوجد روائي يستطيع أن يصل إلى ذروة التحليل النفسي في شخوص أبطاله بقدر ما كان يفعل دوستويفسكي؟ لا أريد ذكر اسم دوستويفسكي في هذا المقال. أُفضل أن يكون مخصصاً لأسرار ولصاحبها النرويجي، ولكن ماذا نفعل بتأثير دوستويفسكي الضخم على فن هامسون في رواية أسرار بحيث لا يمكن التغاضي عنه. أحد الروائيين قال بأن هامسون تخطى دوستويفسكي نفسه، قد لا أتفق معه بشكل كامل ولكن- بعد قراءة أسرار- أقول بأن هامسون وصل إلى مناطق مخيفة في النفس البشرية لم يصل لها دوستويفسكي نفسه. لم أتحيل بأنه سيأتي يوم أقول فيه مثل هذا الرأي، لكن هامسون فعلها بجدارة، وكانت مفاجئة بالنسبة لي ولم أتخيلها حقاً. ولو دللت على ذلك سأقول: لنجمع شخصيات تتناقض مع بعضها البعض من أدب دوستويفسكي: المحقق بروفير في الجريمة والعقاب، والأمير ميشكين في الأبله، وستافروجين في الشياطين، وإيفان في الأخوة كارامازوف. هذه الشخصيات تتناقض فيما بينها أشد التناقض، كل واحد منهم انطلق في اتجاه بعيداً عن الآخر. السؤال هنا: هل هناك إمكانية لجمع فكر هؤلاء الأربعة في شخصية واحدة؟ لا يمكن .. من المستحيل أن يحدث مثل هذا الأمر على الاطلاق. كيف يمكن جمع شراهة التحقيق لبوفير مع مسيحية الأمير الجمالية، مع غموض ستافروجين، وفكر إيفان الملحد؟ كنوت هامسون تجرأ في أسرار على أن يقدم شخصية أدبية هي من أغرب الشخصيات في الأدب. حتى بعد الانتهاء من الرواية وقراءة عدة صفحات نقدية عن الرواية، لم أعرف على وجه الدقة ماذا يريد بطل الأسرار وما حقيقته. الأسرار تبقى أسرار، لا تكشف عن نفسها ولو تلميحاً. السر القابع في الأعماق، يجد في ذلك المكان آماناً لا سبيل لإخراجه إلى بأمر صاحبه. ولو قرر صاحب الأسرار أن يكشف عن ما يخبئ في الأعماق: هل ستكون لديه القدرة على الحديث بحيث يصدقه الجمهور العام دون أن يتم اتهامه بالجنون؟ هذا الغموض الذي يحيط ببطل الأسرار ظهر لنا كجامع ومعبر لشخوص دوستويفسكي الأربعة المتناقضة. ولم يكن النص مهلهلاً أو طويلاً لصعوبة احتواء الأفكار. نص متوسط الطول 250 صفحة جمع وعبر عن هذه الأفكار بأبلغ ما يمكن للأدب الروائي أن يصل إليه.
يضع كنوت هامسون بطل رواية أسرار جون نيلسن نايجل أمام القارئ من أول صفحة، ويسير معه في جميع صفحات الرواية، لا يتركه لحظة واحدة، حتى الصفحة الأخيرة. هذا الحضور المباشر لبطل الرواية ترافق مع أمور غريبة: من أين أتى هذا الرجل؟ أي أرض كان يقيم فيها.. ولماذا حضر إلى هذه المدينة الصغيرة ليثير فيها البلابل والفوضى بأفكاره وقصصه؟ هل يحمل مخططات لتنفيذها أم أنه تائه، ضائع، لا يعرف أين يذهب وأي مكان يسير فيه الآن؟ وصل نايجل إلى هذه المدينة من اللامكان، دون تاريخ.. من السفينة إلى الأرض مباشرة، وكأنه كائن ليس فيه من طبيعة البشر وفكرهم. الحركات التي يسير عليها غريبة تنبئ عن جنون: ينزل من السفينة ثم يصعد، ينزل ثم يصعد، ثم يقرر النزول نهائياً على الأرض ليستقر في هذه المدينة. لم يذهب إلى الفندق. سار باتجاه أقرب صيدلية ليحصل على مادة سامة. وهذه المادة كانت قريبة له أكثر من نفسه: مجرد النظر إليها يمنحه الاطمئنان، وكأنه يمتلك تذكرة عبور إلى الحياة الثانية، أو إلى العدم. حين يصل إلى الفندق يسمع عن جريمة حدثت في هذه المدينة: شاب في مقتبل العمر مضرجاً بالدماء قرب الغابة. تستحوذ تفاصيل حياة القتيل على عقل نايجل. يجلس نايجل في أحد صالات الفندق ويستحوذ انتباهه أحد الموظفين الحكوميين الكبار الذي يقوم بالسخرية من أحد الشخصيات المركزية في الرواية: مانيمن. هذا الموظف في السلك القضائي يسخر من مانيمن، محاولاً إجباره على الشراب والضحك معه. يقوم نايجل ويطلب من مانيمن – وهو لايزال غريباً-أن يصفع هذا المسؤول وسيعطيه مكافأة مالية إذا قام بذلك. تنعقد أواصر الصداقة بين نايجل و مانيمن. وهنا تظهر أولى ملامح من شخصيات دوستويفسكي: المحقق بروفير في الجريمة والقعاب.في جلسة حوارية يبدأ نايجل بطرح الأسئلة حول ما يجري في هذه المدينة: لماذا يُعامل مانيمن هذه المعاملة القاسية، وحين يبوح مانيمن بجريمة القتل تلك يبدأ التحقيق من قبل نايجل: كيف قتل؟ وما دلالة المكان؟ وماهي علاقة المقتول ببعض الشخصيات في البلدة، والنسائية منها تحديداً. إن من يطرح هذه الأسئلة لا يمكن أن يكون إلا محققاً قضائياً أو شخص يحمل الانتقام. رغم ذلك، نايجل ليس محققاً. وصل إلى هذه المدينة كمهندس زراعي، ولا شيء آخر. والملمح الآخر: الغموض الذي يكتنف تصرفاته وأفكاره تجعله موازيا لشخصية الشياطين: ستافروجين. يقوم بأعمال أخلاقية كبيرة، وفي ذات الوقت يقوم بأعمال في غاية الانحطاط. إلى أين يتجه بهذه الغرابة؟

من ملامح العبقرية في رواية أسرار هو تيار الوعي، وتحديداً في الفصل الثالث وفي الفصل ما قبل الأخير. إن كانت لدي القدرة على استخدام مفردة أخرى غير تيار الوعي في نص هامسون هذا لما ترددت في ذلك. ارتبط هذا المفهوم في الآداب الأوروبية بمارسيل بروست وجيمس جويس وفيرجينيا وولف. وعرفت هذه التقنية في استخدامات قبل صعود هذا التيار بشكل كبير، كما في أحد فصول آنا كارينينا لتولستوي. كنوت هامسون لا يحمل إرث تولستوي باستخدامه تيار الوعي، ولم يسير على نهج الجيل اللاحق: جويس مثلاً. تيار الوعي عند كنوت هامسون غاضب. أشبه بالانفجارات. ضربات رجولية تجتث ما أمامها دون رحمة. هذا التداعي الانفجاري للذاكرة غير مشتت. لا يعتمد هامسون على الغموض والابهام في هذا السرد، بل هو صريح صراحة مباشرة. ولا يفقد القارئ مسيرة التداعي هذه: إذ أن من المنطقي أن يكون هذا التداعي يحمل علامات توقف، لأن لا منطقية أو تراتبية في هذا الشكل. أشعر بأن هامسون يحترم قارئه كثيراً ويريد أن يقدم له أقصى قدرة من المتعة. حسناً، لا أظنه تجاوز هذا الأديب أو هذا في هذا الشكل: ولكن أقول: أي قلم جحيمي يمتلكه هامسون في هذا الشكل من السرد؟ بمثل هذه القوة التي يمتلكها هامسون، يستطيع المؤلف أن يغزو العالم بأدبه وقد فعلها، ويستطيع أن يهب قارئه أقصى ما يريد وأظنه – من تجربة القراءة له – أنه نجح وبتفوق. في الفصل الثالث، يجلس نايجل في غرفته. يمسك رأسه بيديه ويبدأ ذلك التداعي: تداعي يبدأ برثاء القتيل وهو يسأل نفسه: أي لعنة قادت القتيل إلى أن يسير في هذا الطريق، كان بإمكانه أن يسير في الطريق المعاكس أو ذلك الطريق. وحين يريد هامسون أن ينتقل لموضوع ثاني أو تداعي آخر لا يقطع النص، بل هو مستمر كعادة هذا الشكل الأدبي. لكنه يقطعه بخفة عبر السخرية من نفسه، السخرية من الآخر، العلاقة بين نايجل والآخرين، ثم يبدأ بالتداعي من جديد. من أشكال هذه الانقطاعات الخفية هو توقف التداعي بسبب قوة السرد، لم يعد العقل قادراً أن يرتب الكلمات ويخرجها بكل سهولة، كأن يقول مخاطباً عقله: شش شش! واحد، اثنين، ثلاثة، سبعة، ثمانية، إنها الثامنة! الساعة الآن الثامنة! تسعة، عشرة. العاشرة الآن.. يجب أن أنهض؟ ولكن أين تدق هذه الساعة. انقطاعات بسيطة مثل هذه ثم يعود نايجل مخرجاً كل ما في عقله. وقد لا يحمل تيار الوعي حدث، قد يكون أي شيء. في أحد الصفحات يسأل: هل تعرف من هو الشاعر العظيم؟ لماذا؟ الشاعر العظيم لا يخجل! أحد النبلاء الفرنسيين سأل فيكتور هيجو: من هو أعظم شاعر فرنسي؟ أجاب هيجو: ألفريد دي موسيه هو الشاعر الثاني العظيم. من الأدب إلى الطبيعة وعالم الفكر حتى يصبح نايجل معبراً عن فلسفة نيتشه. قلت سابقاً أن أي قارئ لفلسفة نتيشه يجب أن يطلع على هذا النص: البطل معبراً وممثلاً لفلسفة نيتشه حول الكائن الأعلى. لكن صاحب الأسرار يقلب الطاولة بعد صفحات بسيطة إذ لا يحمل ولا يمثل ولو شذرة واحدة من شذرات نيتشه. أما تيار الوعي في الصفحات الأخيرة فهو من أروع ما خطه قلم هامسون. تداعي للذاكرة بسبب مسيرة الأحداث في الرواية، وتحديداً بسبب شخصية الرواية النسائية: داجني. العلاقات التي يقيمها نايجل مع شخصيات الرواية النسائية تنقسم لقسمين: حب شهواني تجاه داجني، وحب قائم على الشفقة تجاه مارثا. نايجل يطارد داجني كظلها، عاشق هذا الجسد وهذا الجمال بصورة محمومة. ومن جهة أخرة امرأة كبيرة في السن ذات شعر أبيض، هي مارثا، يسقط في غرامها وكأنه مستعد لفعل أي شيء فقط حتى لا تتألم من ظروف الحياة الصعبة. في علاقته مع داجني: العلاقة شهوانية. في علاقته مع مارثا: العلاقة مثالية، قائمة على التضحية. هنا مكمن الصعوبة أو بمعنى أصح: الأسرار! هل نايجل واعي بتلك العلاقات، أم أن ما يترسب في لاوعيه هو المتحكم بعلاقاته هذه؟ في تيار الوعي الثاني يمسك نايجل رأسه الذي يهتز ويطلق ما يخرج منه بصورة محمومة. لكنه تفوق على نفسه حين جعل هذا التداعي الغاضب شعرياً بامتياز. كررت كلمة غاضب أو انفجار حين أتحدث عن تيار الوعي عند هامسون. لأن ما يجري في هذه الصفحات لا يمكن وصفه إلا بالغضب أو الانفجار على وجه الحقيقة. أتذكر خمسة أسطر من رواية مرتفعات وذرينغ لإيملي برونتي، حين يصل هيثكليف إلى قمة جنونه، مخاطباً كاثرين. كلمات بسيطة كانت تحمل مزواجة بين الانتقام والحب. نايجل ليس هيثكليف، لكنه وصل إلى تلك الحالة من الانتقام والحب تجاه داجني. أي قوة تمتلكها تلك المرأة! وكأنه اكتشف السر ليصرح بنفسه هذا الرأي، لكنه انطلق في خطاب شعري في صفحات متعددة تجاه داجني: هائماً وعاشقاً، ينسج لحن من العشق في تدفق هائل، إلى درجة عزمه تحويل اسمها إلى قسم، تحلف البشرية بإسمها, وسيتحمل هذه الخطيئة أمام الله كما يقول. وهنا يحدث الانقلاب، أو الكارثة. ما إن يلتقط أنفاسه قليلاً حتى ينقلب بشكل كامل ويفجر غضبه وانتقامه. وكأن الكائن الذي تحدث لنا بصورة شعرية هو كائن آخر مختلف عن الكائن الذي يحدثنا الآن. لقد انتهيت من الرواية قبل عدة أيام، ولم أقرأ أي عمل حتى الآن. كلما شعرت بحاجة ماسة للقراءة افتح أي صفحة من صفحات الرواية وتحديداً تلك التي يمارس فيها المؤلف تقنية تيار الوعي. كيف بإمكان النص أن يحمل شاعرية عظيمة مع تلك القوة الهائلة في التدفق السردي؟ حين أتحدث عن تيار الوعي من مونولوج وانطباعات حسية ودراما ذهنية أتذكر مباشرة أروع نص في آنا كارينينا تولستوي، حين يستخدم تولستوي هذه التقنية في ذروة أحداث الرواية، وكان استخدامه لها عظيماً ومبهراً. هامسون يفعل مثل تولستوي لكنه يضرب، وكأن ما يكتب به النص مطرقة وليس قلم. مطرقة تحطم وتبعثر. وهذا الضرب السردي مكتوب بلغة عذبة وشعرية للغاية. ليست الدراما بتأثيراتها هي من تجبر القارئ بالاستمتاع بالنص، بل إن النص ذاته بلغته الفخمة جعلت منه قوة مضاعفة فوق قوة هذا التدفق السردي.

للطبيعة مكانة كبرى في رواية أسرار. الغابة تطلق نداءات خفية تجذب إليها روح نايجل. إنه يبجل القروي الذي يعيش في أرجاءها، مبجلاً طبيعته وحياته وهو يقود ماشيته إلى درجة القول بأن نايجل وجد أخيراً ما وصفه بالمواطن النرويجي الصالح. يصاب بالرعدة حين يجد نفسه منساقاً إلى الغابة، عميقاً عميقاً: وحين يختلي بأرجائها يشاهد على الضفة الأخرى المدينة، وعلى الناحية الأخرى الغابة، والسماء اللانهائية في الأعال. عبر نايجل عن هذه الطبيعة بوصفها بالكنيسة: تعرف خطواته واتجاهاته، يعرف كل غصن من أغصانها، وتعرفه الطيور، وحين تشاهده تنطلق في عزف موسيقي تبجيلي له.

لا يمكن الكتابة عن أسرار دون أن تكشف أحد أخطر مراحلها، وتحديداً في الصفحة الأخيرة من الرواية. والكشف عن ما حدث في الصفحة يستلزم قراءة الرواية كاملة حتى يكون وقع الحدث على القارئ كالصاعقة. كنت أسأل أحد الأصدقاء- الزميل عدي الحربش- عن حقيقة نايجل وما يريد. وصلت إلى منتصف الرواية، وكلما بنيت رأي حول نايجل يأتي في الصفحات اللاحقة لينقض هذا الرأي. كان الجواب الذي يأتيني: انتظر الصفعة الأخيرة حتى يحدث الانقلاب الكامل وستفهم نايجل بشكل كامل. ما أذكره حين قرأت هذه الصفحة بأني ضحكت كثيراً. ثم قرأت الصفحة مرة ثانية وغضبت منها ومن مؤلفها وكنت أسأل نفسي: ما الذي حدث فعلاً؟ وكيف يكون ذلك الشيء يسير أمامك دون أن تراه ثم يظهر هكذا دفعة واحدة بشكل مخيف. لم ابحث عن إجابات لأن هناك إجابة واحدة: الهاوية. كان يحلو لكنوت هامسون أن يحلل شخصيات أبطاله، لكن من قال بأن هناك عمق قد ينتهي؟ لم يكن هناك إلا الهاوية السحيقة، هاوية لانهائية!

Advertisements
هذا المنشور نشر في الآداب الاسكندنافية. حفظ الرابط الثابت.

3 Responses to أسرار

  1. amal كتب:

    نصبر للترجمة ، تدوينة رائعة تزيد من طول الانتظار لقراءة هذه الأسرار 😦
    المدونة مرجع مهم للقراءات المميزة ما شاء الله ^^

  2. shoukrimedi كتب:

    تدوينة فوق المدهشة، جهد واضح، تحياتي

  3. osama كتب:

    مقالة جيدة ! استمر

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s