من الأعماق


من الحسن الآن أن يسمح لأوسكار وايلد أن يجتاز سلم الشهرة التي كان يعشقها إلى أعراف الحقارة والنسيان التي يستحقها. إن قبر النسيان الذي يرشح بالحقارة يجب أن يطمر تباهيه الأحمق وتبجحاته الفارغة وغروره المريض.
صحيفة الديلي تلغراف، عام 1895م.

في أحد الأيام، قام أوسكار وايلد بزيارة أحد الأندية التي يرتادها كثيراً. وجد في هذا المكان رسالة قصيرة من ماركيز كوينز بيري، والد صديقه ألفريد دوغلاس، مكونة من أربع كلمات تحمل أعنف هجوم قد يتعرض له أي شخص في لندن. كلمات تتهم أوسكار وايلد بالانحراف والشذوذ. تلقى وايلد عدة نصائح من أصدقاءه تطلب منه أن لا يفعل شيئاً ولا يقيم أي دعوى ضد الماركيز. وفي الطرف الآخر كان هناك تحريض من صديقه بأن يرفع وايلد دعوى ضد والده الماركيز. خضع وايلد لرأي صديقه ورفع دعوى قضائية ضد الماركيز تتهمه بالتشهير. وجد نفسه في صراع مرير بين عائلة متفككة. وإن تسنى لوايلد أن يربح الدعوى لكان له أن يحقق الكثير مما يطمح إليه. أمرت المحكمة الماركيز بأن يقدم أدلته حول هذا الاتهام. الماركيز وجدها فرصة سانحة لأن يسقط أوسكار وايلد ويتخلص منه، فأطلق جيش من المخبرين مهمتهم الرئيسية جمع الأدلة ومقابلات بعض الشهود وإجراء تحقيقات حول هذا الأمر. مع تقدم إجراءات المحاكمات انقلب الأمر رأساً على عقب: أصبح وايلد هو المتهم الآن، إذ أن غالبية الأدلة تدفع بالأمر لأن يكون اتهام الماركيز صحيحاً. لم يتخيل وايلد أنه سيستخدم بعض الجمل الواردة في مقدمة رواية صورة دوريان غراي للدفاع عن نفسه. حين يسأل من قبل المدعي العام عن بعض القصائد ومحتواها وفكرتها، كان ينزع لأن يتهمهم بأنهم متوحشين، إذ أنهم ينزعون الجماليات الخاصة بها ويجعلونها كشيء قذر لا يصح بأن يذكر. ويستخدم كلماته الشهيرة: لا يوجد كتاب أخلاقي أو غير أخلاقي، توجد كتب كتبت بطريقة جيدة، وكتب كتبت بطريقة سيئة، هذه كل المسألة. الذين يجدون معان قبيحة في الأشياء الجميلة هم أناس فاسدون، ولا يمتلكون حتى القدرة على الإدهاش. إن هذا لخطأ. الذين يجدون معان جميلة في الأشياء الجميلة هم الناس المتحضرون. بالنسبة إلى هؤلاء يوجد أمل. لا يوجد فنان لديه ميول أخلاقية. الميول الأخلاقية لدى الفنان هي شذوذ غير مقبول في طريقة التعبير. المعصية والفضيلة بالنسبة إلى الفنان لا يتجاوزا أن يكونا مواد خام للفن. يعلن هذه الاراء بكل بفرح وكأن حركته الجمالية تغطي أرجاء المحكمة، ولم يعلم بأن كمية الأسئلة المرهقة ستطيح به حتى يصرخ: ماذا تريدون؟ ليتلقى الجواب من القاضي الذي يقول بأنه لن يتردد في الحكم بأقصى حكم يسمح له القانون، وهو سجن أوسكار وايلد لمدة سنتين مع الأشغال الشاقة.

عاش أوسكار قبل سجنه حياة مرفهة للغاية. حياة مترفه، تمتد من الشكل الخارجي الذي يتمثل بأزياءه الصاخبة وشعره الطويل، وأثاث المنزل المتعدد في تشكيلاته وتصميمه، وليس آخراً: الحركة الجمالية، والتي هو من أحد كبار رموزها في نهايات القرن اتاسع عشر. أما في الأدب، فلا جدال بأنه أحد أفضل الأقلام الأدبية التي كتبت المسرح والرواية والقصة القصيرة والشعر والمقالة. لم يكن يهدف إلى إصلاح العالم، لم يكن يحمل غاية بعيدة. كان نجم في عالم المسرح وفي أوساط المجتمع. كان يتفاخر بأنه قادر على تحويل أي شيء إلى شيء جميل، ويصرح في أحيان بأنه استطاع أن يحول الفن إلى فلسفة، والفلسفة إلى فن. كل هذا سقط دفعة واحدة. من حياة سعيدة مرفهة مترفة إلى عالم المسجونين. وهذا السقوط حمل معه تبعات لم يتخيل وايلد أنه سيشاهدها عياناً ويتذوقها. شبه وايلد مجمل حياته في مشهد، عندما كان طالباً في جامعة أكسفورد، يشاهد أمامه حديقة جميلة للغاية، ويتمنى، بل وسيسعى لأن يأكل من ثمار هذه الحديقة وكل حدائق الدنيا. تخرج من الجامعة وهو يحمل هذه الشهية للذة، اندفع بها إلى أقصى حد، وكانت تلك غلطته المميتة. حصر نفسه في أشجار تلك الحدائق التي تراءت له ورافة الظلال، زاهرة سامقة، ولم يطلع على تلك الحدائق التي لا يصل إليها الضوء: الخيبة والعار والفقر والأسى واليأس والشقاء والدموع، وتأنيب الضمير، كل هذه كان يخشاها وعزم أن لا يعرف عنها شيئاً. ولكن القدر حكم عليه بأن يتذوق من كل الأصناف، وأن تكمّل الحياة دورتها عليه، فيتذوق من كل أنواع البهجة، وكل أشكال الحزن واليأس والمعاناة.

في عام 1905 م نشر الوصي الأدبي لأوسكار وايلد، روبرت روس، مقتطفات من رسالة لأوسكار وايلد تحت عنوان دي بروفينديس، وهي كلمة لاتينية تعني من الأعماق. كتب أوسكار هذه الرسالة وهو في السجن، يهدف من كتابته إلى أن يتبين معالم طريقه ويكشف أي حياة سيعيش من أجلها بعد أن يخرج من السجن. هذه الرسالة الموجزة شعرية للغاية. كتبت بتدفق محموم، وكأن غضب أوسكار وايلد من الاهانات التي تلقاها في السجن والحياة التي وجد نفسه فيها تفجر بتلك الشعرية التي لا يجيد إلا أمثال وايلد كتابتها. لم يخاطب وايلد في الرسالة المختصرة أحداً ما. كأنها نص أدبي أو مقالة أو سيرة ذاتية قصيرة. في العالم 1965 نُشرت الرسالة بنصها الكامل. وهنا ظهر الفرق. لم تشكل الرسالة المختصرة إلا نسبة قصيرة للغاية من الرسالة الكاملة. وهذه المرة موجهة إلى شخص بعينه: اللورد ألفريد دوغلاس، صديق وايلد ورفيقه، والتي قادته هذه العلاقة إلى حتفه.

أي مقالة أو قصيدة أو قصة قصيرة أو نص شعري لأوسكار وايلد يستحق أن يقرأ. يمتلك زمام لغته بصورة بارعة، بل هي بلا شك طوع بنانه ولا تخذله. ولكن أن تصبح رسالة شخصية طويلة للغاية من روائع أوسكار وايلد الأدبية، وتنافس مجمل أعماله على مختلف اتجاهاتها فهذه مفارقة غريبة، وإن كانت ليست صعبة المنال على قلم قادر على تطويع الأفكار في جمل مختصرة للغاية، تصلح للاستشهاد. ذكر وايلد في رسالة إلى الوصي الأدبي على أعماله روبرت روس بأن الرسالة التي يكتبها في السجن هي أهم رسالة يكتبها في حياته، بل هي أهم عمل يقوم بكتابته، لأنها تعبر بصورة نهائية عن موقفه الفكري من الحياة، والطريق الذي يرغب فيه بمواجهة العالم، وتطور شخصيته وما ينوي الحصول عليه، وأخيراً: الهدف الذي تصبو إليه الروح.

هل كتب أوسكار وايلد هذه الرسالة لكي يقرأها اللورد ألفرد دوغلاس شخصياً، أم كتب وايلد هذه الرسالة لكي يقرأها العامة من الجهور؟ الجمهور الذي بصقوا عليه وفرحوا بسجن وايلد. لم يكن المحافظين هم الذين فقط أيدوا سجن وايلد، بل حتى الصحافة اللندنية وكل من كان يقرأ لوايلد كان سعيداً بسجنه. ذُكر في إحدى كتب السير أن العاهرات الذين كانوا يتجمعون حول المحكمة أطلقوا الهتافات والتأييد لسجنه، وسخر منه البعض بأن الوقت قد حان لكي يتخلص من شعره. هل كان مكروهاً إلى هذه الدرجة أم أن هذه مجرد تبعات لفشل الدفاع عنه في المحكمة أما ماركيز كويننز بيري؟

الرسالة ليست مقسمة. كتبت بتناسق مذهل وبشكل كامل وبنفس واحد، دون أن يكون هناك أي توقفات أو تغير في لغة الخطاب. جواباً على السؤال المذكور: الرسالة بالفعل كتبت لألفرد دوغلاس لكي يقرأها شخصياً، وكتبت كذلك للجمهور العام، من أجل أن يعرفوا وايلد عن قرب دون أن يكون هناك أي تبريرات، فقط مجرد تفسير كما يذكر وايلد. الرسالة في صفحاتها الأولى قذائف نار مشتعلة: لائحة اتهام عريضة ضد اللورد ألفرد دوغلاس الذي كان سبباً في حدوث كل ما تعرض له وايلد. أي قارئ للرسالة في بدايتها سوف يستشعر غضب وايلد، وكأنه يصرخ بكل ما في داخله. يدعو وايلد صديقه بأن يقرأ الرسالة ويكررها حرفاً حرفاً حتى تصبح الكلمات نار حارقة أو سكين جراح تفجر جسده الرقيق لكي يعرف ماذا فعل به وأي صاعقة نزلت به جراء ما فعل. وإن وصلت الكلمات إلى قلبه وبكى، فليشارك مع من يعيشون في غرف ضيقة ومنزوية، لايكاد يمر عليهم يوم دون أن يبكوا بكاءً مريراً. تتغير طبيعة الرسالة بعد عدة صفحات قاسية موجهة إلى صديقه، إلى شخصية أوسكار وايلد مع الحزن والمعاناة والألم. الرسالة الموجهة للجمهور تبدأ من لحظة تحرر وايلد من إلقاء كل ما يريد لدوغلاس، ويبدأ بالكتابة عن نفسه وعائلته والفن والفلسفة واللاهوت، والسجن والحياة والعفو والذنب والخطيئة.

وإن كان الحكم القضائي هو الذي ألقى به في السجن، إلا أنه يذكر بأنه ما من شخص جنى عليه وقاده إلى هذه الهاوية أكثر من أوسكار وايلد نفسه. يقول في قصيدته أنشودة ريدنج جاول:

وَ لكن كلَ رجلٍ يقتلُ الشئَ الذي يعشق
ليسمعَ الجميعُ كلامي هذا:
أحدُهم يفعلُها بنظرةٍ مريرةٍ
والآخرُ بكلمةٍ مُغازِلة
الجبانُ يفعلُها بقبلة
وَ الشجاعُ بضربةِ سيفٍ عاجلة

هذه القصيدة الطويلة- وهي آخر عمل أدبي كتبه وايلد بعد خروجه من سجنه- تتحدث عن ضابط شرطة قتل زوجته، وهو مسجون في السجن ينتظر تنفيذ الحكم عليه بالإعدام شنقاً. لا يختلف وايلد عن ضابط الشرطة كما عبر في الرسالة، إذ أن أي رجل عظيماً كان أم حقيراً لا يمكن أن يهلك نفسه إلا بيديه. وبالنسبة له: إذا قيس ما فعل العالم به من شر مقابل بما فعله لنفسه، لرجحت كفة الإساءة التي تلقاها من نفسه وألقت به في غياهب المجهول. النتاج الأدبي رغم قيمته الأدبية إلا أنه قليل للغاية. قلم كقلم وايلد كان قادراً على أن يضع الأدب بين يديه، يقلبه كيفما يشاء إلا أنه غرق في ملذات ليس له حدود. يقول في الرسالة:

وهبتني الآلهة كل شيء تقريباً، ولكني أرخيت لنفسي العنان، فجمحت بي في الشهوة، وتسكعت في الغواية، وأمسيت مبذراً في عبقريتي ومواهبي. خدعتني تلك اللذة التي شعرت بها في إسرافي، في نشاطي وشبابي الممتلئ حياة ويقظة. مللت اعتلاء الذروة، فبحثت في الأعماق عن شعور آخر. عشت حياة لا مبالية بحياة الآخرين، وسررت حين لاقيت سروراً، ونسيت أن كل صغيرة يأتيها المرء في حياته اليومية، تصبح جزءا من خلقه. وأن ما يفعله في معتزله منفرداً سينادى به يوماً في الأعالي. تركت السرة تسود علي، ولكني ختمت دوري بالخزي والعار، ولم يبقى لدى سوى شيء واحد: التصاغر والاتضاع.

ما الذي يجعل من مفردات مثل الحزن والمعاناة ذات أهمية قصوى في هذه الرسالة؟ كان يكتب عن الحزن في أدبه بعين الفنان. لم يكن يتناول الحزن بوجهه الكامل بقدر ما تناول تأثيراته على النفس البشرية. في الرسالة تحدث عن الحزن كعاطفة وحالة إنسانية، وبعين إنسان وجد نفسه محاطاً بشتى أنواع المعاناة. وصف الحزن بكائن له وجود، اقتحم أسوار السجن، باحثاً بين غرف السجن عن ذلك الرجل الذي هرب من كل أنواع المعاناة والحزن. أولى هذه المعاناة هو الاسم الذي كان لامعاً ومن صفوة المجتمع، ورثه من والديه، وكان يحمل إشارات حول تاريخ تطور بلاده ويحمل إسهامات في التاريخ والآثار، وأضحى الآن في الدرك الأسفل من السقوط، لا يشير إلا للخزي والعار. والمعاناة الثانية كانت وفاة والدته حزناً عليه وهو سجين، بعد منعها من مقابلته. يستعير في الرسالة مقولة فيرجيل:

أنا وإن كنت إلهاً للغة، إلا أن الكلمات لا تسعفني لأعبر فيها عن ألمي المبرح وخجلي المرير. موتها كان رهيباً. هي وأبي أودعاني اسماً نبيلاً، ليس في الأدب والفن وعلوم الآثار والعلوم فقط، وإنما في تاريخ شعبي وبلدي وتطوره كأمة، إنني سألحق بهذا الاسم خزياً وعاراً أبدياً. سأحط من قدره بين أناس منحطين، وسأغوص في مستنقع قذر جداً، سأمنحه إلى بهائم فيجعلون منه اسماً بهيمياً، وامنحه إلى مجانين يجعلون منه كلمة مرادفة للجنون، ما الذي علي أن أقاسيه وأظل أقاسي: ليس من أجل قلم للكتابة، ولا ورقة للتدوين!

وثالث شكل من أشكال المعاناة هو انفصال زوجته عنه، وحرمانه من مقابلة ابنيه للأبد: سيريل وهولاند.

لم يدخل وايلد السجن كمناضل من أجل قضية وغاية محددة. ولو كان يحمل غاية، لكان السجن أكثر حرية له من الخارج. لكنه دخل السجن وهو متهم حتى أخمص قدميه، مكروها ومحتقراً من الجميع. حتى أدبه الذي كان شهيراً والمسرحيات التي تعرض لسنين عدة توقفت للأبد، وأصبح الكتاب الذي يحمل اسمه ممنوعاً. في الرسالة هناك مشهدين بمثابة مفتاح لفهم نفسية وايلد. بعد أن خرج من زيارة من المستشفى إلى السجن، كان واقفاً في عربة لا يغطيها أي شيء. توقفت العربة لعدة دقائق. وكان الفضوليين يشاهدون أوسكار وهو في حالته هذه من السقوط المدوي. كان الجو ممطراً، ولم يكن يحمل ما يقيه هذا المطر. كان يتلقى الإهانات والبصق عليه: لا أكاد أنسى هذه اللحظة أبداً. لا تمر ذكرى ذلك اليوم، وتلك الساعة، وتلك الدقيقة، دون أن أبكي بكاءً مريراً. وفي المشهد الثاني: حين كان أوسكار خارجاً من أحد السجون لينقل إلى آخر، كان كل من يقابله يسخر منه ويتندر عليه. شخص واحد، يبدو أن فقير، حين شاهد هذا المكبل بالسلاسل ويقاد إلى سجنه الجديد، رفع يده إلى قبعته وأحنى رأسه إلى هذا السجين. هذه الحركة كانت أكبر هبه تلقاها وايلد في سجنه بل ربما في حياته، إذ أن هناك من يحترمك كإنسان ويقدر الألم الناشى من تلك الجدران والأشغال الشاقة. هذه الحركة شبيهة بحركة القس في البؤساء، حين قال بأني أشتري منك روحك وأبيعها إلى الله. وصف وايلد هذا الرجل الذي لا يعرفه بالقديس، إذ أن روح كهذه الروح، وحب كهذا الحب، لم تخرج إلا من روح جميلة، وحكيمة: يرون في السجن مأساة على حياة السجين، ويعبرون عنها بعثرة وبعارض يستدعي عطف الآخرين، هذا كل ما يرونه. ينتهي وايلد في مسيرة الحزن هذه إلى وصف الحزن بأنه أكثر العواطف البشرية حساسية، ولا يوجد في عالم الفكر ما يهزه الحزن هزاً عنيفاً. وخلف هذا الحزن هناك المعاناة. وهي ليست دائماً مدعاة للحزن، بل قد تكون مدعاة للفرح والسعادة. صرخة الطفل هي صرخة ألم، لكنها مدعاة للسعادة. ولكنها- أي المعاناة- في أحيان كثيرة، تحتاج للتسليم حتى يتحرر المرء من الثقل. من أمثلة ذلك في الرسالة ما يذكره وايلد بقوله:

فقدت سعادتي ومالي وحريتي، ولست الآن سوى سجين صعلوك لم يبقى لديه إلا الأطفال، وسرعان ماسلبهم القانون مني، فكانت تلك ضربة مرعبة على نفسي حتى أني لم أعرف ما أفعل. خررت باكياً وأطرقت برأسي لساعات. حينئذ، تراءت لي تلك اللحظة أنها ستخلصني، إن خير ما أستطيع فعله هو الرضا والتسليم بكل شيء، منذ تلك اللحظة- ولو بدا ذلك غريباً- أمسيت أسعد حالاً، ولا شك أني أدركت نفسي وفحواها وجوهرها، وقد كنت قبلها عدو لها من وجوه شتى، ولكني ألفيتها ترحب بي وتستقبلني كصديق ودود، لأنه حينما يسعى المرء لنفسه ويتقرب منها، تجعله بسيطاً كطفل.

هل أفكار وايلد عن الفن وهو في السجن هي نفسها أفكاره قبل السجن؟ في كتاب تاريخ الأدب الإنجليزي يذكر المؤلف بأن وايلد –رغم كل شيء- هو الذي جمع خيوطاً كثيرة في كتاباته من فكر ومشاعر نهاية القرن، إنه هو الذي يعبر عن الجو النفسي لنهاية القرن التاسع عشر بأسلوب عميق ومعقد: لقد وضع نفسه متعمداً خارج المنظمة التقليلدية للسلوك والأخلاق. كشخص وككاتب يتوافق مع الصورة التي نتلقاها عنه، صورة ذلك المتأنق الحانق، الذي يرفض التورط في الحياة، لكن التناقضات الكامنة في أعماله كانت أبلغ تعبير عن انهيار القيم في نهاية القرن. هناك نقطة واحد في مجال الفن لم يكتب عنها أوسكار وايلد قبل السجن، ويبدو أن السجن ألهمه ليعبر عن رأيه في هذه القضية. يقول بأن السيد المسيح هو الرائد الأكبر للحركة الرومانتيكية في العالم أجمع. أي عمل أدبي مثل بؤساء هيجو وأعمال أخرى تحمل شذرات من السيد المسيح. حين يتحدث المسيح عن الجميل والجليل حسب قوله فهو يحاول أن يظهر هذا الجميل والجليل في الآخرين. أساس جبلته هي أساس طبيعة الفنان، خيال متقد عميق، قاده لأن يفهم البرص في الأبرص، والعمى في الضرير، وشقاء العائشين للمسرات وفاقة الأغنياء. الطريقة الوحيدة التي يقدر عليها الفنان كما يقول هو أن يعبر عن الحياة بوضوح شديد للغاية. يرى الصم أموات، ولكن لم يكن كذلك مع السيد المسيح الذي، بمخيلة عميقة للغاية تملأ المرء رهبة، قد اتخذ عالماً كاملاً: عالم الألم المبهم الصامت، كمملكة له، وجعل نفسه لسان حاله الأزلي. أولئك الذي هم تحت سطوة الفن- الأبرص، الأعمى- والذين لا يسمع صوتهم إلا الله، فضل أن يكون معبراً عنهم: عيناً للأعمى، وآذان للصم، وصرخة في شفتي الذين يتلعثمون. لا تكون الفكرة ذات قيمة حتى تتجسد وتصبح صورة، ولقد جعل نفسه صورة لرجل المعاناة، كما سحر الفن وساد عليه.

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب إنجليزي. حفظ الرابط الثابت.

One Response to من الأعماق

  1. وايلد.. حزنت عليه نفس حزني على مأساة فيرجينيا وولف و محمد شكري و حسن مطلك ..أدباء متباعدون في المواضيع متقاطعين في الحظ السيء الذي أوقد إبداعهم حتى الذروة كما لم يكتبوا من قبل.
    شكراً.. لا أتوقف عن دخول هذه المدونة الغالية.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s