المعلم ومارغريتا: المخطوطات لا تحترق


بدأت الرواية الروسية- الرواية التي يستطيع معها أي قارئ أن يتفاعل معها إلى الدرجة القصوى- مع روائي الأرواح الميتة نيقولاي غوغول، وانتهت مع الطبيب الروائي مؤلف رواية المعلم ومارغريتا ميخائيل بولغاكوف. ومن الغرائب كذلك أن تبدأ الرواية الروسية مع غوغول الذي قام بإحراق مخطوطة الجزء الثاني من الأرواح الميتة، وحرم قراءه متعة متابعة رحلة الأرواح وهجائية غوغول المثيرة للانتباه. وانتهت كذلك مع الطبيب بولغاكوف الذي قام بإحراق مخطوطة روايته المعلم ومارغريتا، لكن الحظ كان في صف الأدب العظيم والقراء في جميع أنحاء العالم، إذ قام هذا الروائي، بجهد محموم وذاكرة قاسية بإعادة كتابة الروية اعتماداً على الذاكرة، وإن كان صاحب الرواية قد غادر ولم تظهر رائعته للعالم إلا بعد ربع قرن من رحيله. هذه الفترة الزمنية: ما بين غوغول وبولغاكوف، لا تعني أن كل روائيي هذه الفترة هم روائيين عظام. عدد الروائيين الذي وصلوا إلى الحدود القصوى من الابداع لا يناهز العشرة روائيين على حد أقصى. وهذا لا يعني أن لا وجود لشيء يستحق أن توصف بالرواية خارج هؤلاء العشرة. هناك روائيين يكتبون الرواية، لكن لم يصلوا إلى درجة الخلق الفني الكامل المستقل. من الطبيعي أن يكون هناك تأثير، فلا يمكن أن يوجد روائي روسي مر بهذه الحقبة دون أن يتأثر بغوغول وبوشكين، لكن التأثير شيء، والإبداع المستقل الذي يتخطى التأثير شيء آخر. التقليد الكامل الواقع تحت سلطة التأثير لم يأتي بإبداع حقيقي ومؤثر. الروائي الذي تأثر بإبداع سابقيه، وأنتج شيئاً هو بمثابة النتاج الفني المستقل، أو الخلق الجديد هو آخر الروائيين الروسيين الكبار: ميخائيل بولغاكوف.

في المرحلة السوفييتية هناك ثلاثة أعمال هي من روائع الأدب الروسي: الدكتور زيفاجو للشاعر باسترناك، والدون الهادئ لميخائيل شولوخوف، والمعلم ومارغريتا لبولغاكوف.

المعلم ومارغريتا يصعب تصنيفها إلى نوع من أنواع الرواية. لقد جمع هذا النص الروائي ما بين السخرية العنيفة والهجائية القاسية، والملحمية الضاربة القدم، والتي تعود لذروة التاريخ الديني المسيحي. وما بين هذه الملحمية والكوميديا الساخرة، هناك السحر الذي يذكرنا بإبداع غوغول. لكن بولغاكوف هنا لا يقلد ولا يسير على خطى من يعتبره أستاذه، بل تخطاه وخلق ذلك النوع الذي لو استمر كاتبة بالكتابة عنه لأحدث زلزالاً قد نجد له تأثير في آداب أمريكا اللاتينية. لا أشير هنا إلى الواقعية السحرية إذ أن بولغاكوف لا يسير على دربها، بل إن بنيان أدبه في هذه الرواية يستطيع لوحده أن يقف مباشرة، والند للند، مقابل الواقعية السحرية، والتي لم تظهر إلا بعد وفاته بعشرين سنة تقريباً.

صعوبة تصنيف هذا النص فتح الباب كذلك لما يسمى بالرمزية في القصة. كل شخصية، وكل حركة، وكل رأي: عن ماذا ينبئ، وهل لهذه الشخصيات الروائية وجود حقيقي في العالم الواقعي أم لا. تاريخ ميخائيل بولغاكوف الشخصي وسيرة حياته المتقاطعة مع عدة شخصيات أدبية وسياسية ومنها ستالين، هي السبب في محاولة بعض النقاد تفسير شخوص الرواية وحبكتها على الأرض السوفييتية. إذا أخذنا سيرة بولغاكوف كمفتاح للرواية، نلحظ ذلك الأثر أثناء إقامته في كييف بأوكرانيا، يمارس مهنته كطبيب. في فترة زمنية قصيرة للغاية تولى السلطة في هذه المدينة خمس حركات سياسية، كل حركة تطيح بالأخرى وتسحقها، حتى كانت الثورة البلشفية هي الأخيرة والقاضية. بولغاكوف الطبيب يمارس مهنته، ويخضع كما خضع كل البشر في هذه المدينة لتلك الحركات الثورية والسياسية، وقد كان له أن يقتل لولا ارتداءه الزي المدني في اللحظة الأخيرة. كأديب يعيش في الأراضي السوفييتية: كان عليه أن يخضع، وأن يضع أدبه في خدمة الحزب. رغم النجاحات التي حققها في المسرح وفي الرواية، لم يصل بولغاكوف إلى حالة من الرضى لدى الطبقة الأدبية الحزبية. كان منبوذاً بصورة مريعة، وفي أواخر حياته منعت مسرحياته من أن تُعرض. أرسل رسائل إلى الحكومة السوفييتية يطلب فيها الهجرة مع زوجته. وصله الرد من ستالين: أجرى ستالين اتصال به وأجبره على البقاء، ووجد له وظيفة في المسرح الفني. ومع ذلك، لم يعش هانئاً إذ كان أدبه يتعرض للخنق ولا سبيل له لعرض روايته الكبيرة المعلم ومارغريتا. ولم تنشر للجمهور إلا بعد ربع قرن من وفاة المؤلف، فماذا لدى بولغاكوف ليقدمه للجمهور بعد ربع قرن من رحيل المؤلف؟

تبدأ الرواية باقتباس من فاوست غوته:

والآن قل من أنت؟
أنا جزء من تلك القوة، القوة التي تريد الشر أبداً وتعمل الخير أبداً.

لا أجد اقتباس يصف الرواية أكثر من هذا الاقتباس لغوته. ولا تظهر دلالته إلا في اللحظات الأخيرة من النص، بل إن بعض الشخصيات الروائية مأخوذة من فاوست غوته. لا تتحدث أبداً إلى الاغراب، عنوان الفصل الأول: شاعر ورئيس تحرير لصحيفة روسية يتناقشان في جو موسكوبي حار حول قصيدة الشاعر عن السيد المسيح. الصحفي ينتقد الشاعر لأنه لم يقدم ما اتفقا عليه: يجب أن تكون القصيدة تنكر وجود المسيح وأن لا وجود له على الاطلاق. يمر رجل غريب مرتدياً زياً شتوياً، ويثير اهتمامه حديث الشاعر والصحفي. يقترب منهم ويسألهم بصوت منخفض: هل تنكرون وجود المسيح؟ يجيبون وكأنها حقيقة: لا، ليس موجود على الاطلاق. يفرح هذا الرجل الغريب برأيهم ثم يسأل: هل أنتم ملحدين؟ يسأل وهو مرتعب، ثم تأتي الإجابة وبصوت عالي: نعم، ولا نؤمن بأي شيء على الاطلاق. يهلل الرجل الغريب لهذا الرأي ويفرح. ثم يشير إلى كانط في نقد العقل المحض ويهلل له، ثم يشتم كانط ويتهمه بالجنون لأنه قدم برهان آخر على وجود الله في نقد العقل العملي. لكن هذا الرجل الغريب، والذي يبدو كما تظهر ردود فعله يهلل للإلحاد ويشيد به يسأل: إذا لم يكن هناك إله، من يستطيع أن يدبر الأمور؟ هل هو الإنسان الذي لا يعرف ماذا سيحدث له بعد فترة زمنية قصيرة إن كان سيستمر في الحياة أم لا، أم أن هناك بالفعل إله له وجود حقيقي؟ وهنا ينفجر هذا الرجل، والذي هو الشيطان بعينه، البروفسور فولند، في حديث ملحمي طويل عن السيد المسيح والحاكم الروماني بيلاطس البنطي، وكأنه يهزأ بإلحادهم.

الرواية تسير على هذا النهج: الشيطان مع رفاقه يزورون موسكو، ويفعلون ما لا يخطر على بال: لا يتقاطعون مع أحد دون تحل على الكارثة. لا تكاد مؤسسة أدبية أو تجمع للفن في موسكو دون أن يحل عليها السقوط الكامل من قبل فولند ورفاقه. يتخطى بولغاكوف عبر شيطانه فولند المؤسسات الأدبية والصحف والمسارح إلى عالم الموظفين الحكوميين والبيروقراطيين والتافهين والذي يتلذذون بالفضائح. وكأن بولغاكوف هنا ينتقم من كل من كان له دور في إيقاف أدبه. هذا النهج هجائي ساخر، يذكرنا بأدب غوغول في الأرواح الميتة. أقول يذكرنا بأدب غوغول لأن بولغاكوف وصل إلى ذروة الكوميديا والروح الشعبية التي تصل إلى الكبار والقراء اليافعين على حد سواء. لكن بولغاكوف- وكأنه يستأذن معلمه غوغول بالانطلاق- يصعد من ذروة سخريته إذ لا وجود لمكان يحيط به، ولا فترة زمنية تجبر الروائي على الثبات والانطلاق بخطوات منطقية. ورغم وجود هذه السخرية إلا أن حوارات فولند ورفاقه تكتسب أهمية كبيرة حيث يطرح فولند القضية التالية: هل سيكون هناك خير إذا انتهى الشر؟ أم أن الخير لا يمكن أن يوجد دون وجود الشر نفسه؟

النهج الثاني في الرواية يدور في القدس، في القرن الأول للميلاد. حين يصل رجل مكبل الأيدي والأقدام أمام الحاكم الروماني بيلاطس البنطي. لم يكن الرجل- حسب التراث المسيحي- إلا السيد المسيح. لكنه هنا ليس فيه شيء من التراث المسيحي. بولغاكوف أظهر السيد المسيح كإنسان طبيعي، جميل للغاية، ينتمي لعالم البشر: يسوع الناصري. هذا هو الشخص، ولا يحمل أي ألقاب أخرى. يدخل في مناقشة حوارية بديعة للغاية حول أفعال يسوع الناصري في القدس، واتهامات المجمع اليهودي له بإثارة الفوضى في القدس والتهديد بتدمير الهيكل لبناء هيكل الحقيقة الجديد. أول نقطة قد نلحظها في هذه الفصول- والتي تحمل قوة جبارة للغاية لصالح الرواية- هو تأثر بولغاكوف بالروائي دوستويفسكي، وتحديداً في فصل المفتش العام في رواية الأخوة كارامازوف. هذا هو الإبداع الفني الذي أحب أن أشير له وشددت عليه في بداية المقال. حين يتأثر أحداً ما بفصل المفتش العام، سوف يفتح الباب واسعاً حول الفكرة الفلسفية داخل النص، والحبكة الروائية ذاتها. في نص دوستويفسكي لا يوجد أي حوار: ينطلق المفتش العام في خطبة مطولة حول فكرة الحرية التي يريد المفتش العام السيطرة عليها. وفي مقابل المفتش العام هناك السيد المسيح، بحضوره الديني كما في التراث الديني المسيحي. لكن بولغاكوف هنا- وكأنه تحية لمعلمه الثاني دوستويفسكي- ينطلق في عالم المسيح الإنسان: يسوع الناصري، مقابل الحاكم الروماني الخامس للقدس بيلاطس البنطي. قوة المسيح في المفتش العام هو حضور ديني تاريخي صرف. قوة يسوع الناصري في نص بولغاكوف هو في حضوره الإنساني الصرف. رغم ضعفه مقابل سطوة السلطة إلا أنه امتلك زمام المبادرة بشكل كامل. لا يقبل بأي حلول مؤقتة مع السلطة الرومانية، تقوم في أحلامه وأقواله ممالك الحق والعدل. وقوة نص بولغاكوف هو في بطولة بيلاطس البنطي نفسه، والذي هو بمثابة البطل الأول في الرواية، رغم عدم وجوده في النص إلا بنسبة قليلة. كإنسان، وكفرد يحمل إرادته بنفسه، لن يستطيع الحاكم الروماني أن يصد ذلك الهجوم الصاعق للخير من قبل من يقف أمامه. لكنه هنا يجلس وهو الفرد الإنسان الحاكم، المكلف من قبل الامبراطور الروماني بحكم هذه المدينة القلقة. يستطيع أن يقف ويصد الحكم الصادر عن المجمع اليهودي، ولكن كيف يعفو عن من يبشر بانتهاء سلطة الحاكم وسلطة القيصر نفسه؟! هذه الأزمة التي يجد فيها الحاكم نفسه تسير حتى انتهاء الرواية بنهاية لا أعرف أي قلم قام بتصويرها والكتابة عنها.

يكاد القمر أن يكون شخصية روائية في أدب بولغاكوف. فهو هنا كنور معلق في السماء، نافذة للمناجاة والعتاب، ومرآة للقلق والخوف والرعب، وشاهد على ما يحدث للبشر من خير وشر. يتصاعد حضوره في النص كفنية شعرية، إلى أن يصل إلى درجة الثبات مع أحد شخصيات الرواية، في مقابلة عمرها أكثر من عشرين قرناً: حين يصبح القمر بدراً، يهطل القلق هاذياً على بيلاطس البنطي حول ما جرى في القدس قبل عشرين قرن: ما الذي حدث بالضبط؟ ذلك الفيلسوف الجوال، الفقير المبشر بحب البشر، هل يستطيع أن يتقابل معه ويحدثه مرة أخرى؟ يحدث بيلاطس نفسه بأن الطمأنينة لا تعرف سبيلاً إلى قلبه تحت القمر، وأن منصبه جر الوبال عليه، إنه يردد هذا الحديث في كل الأوقات، وفي ساعات اليقظة، ويرى الأشياء ذاتها، يرى طريق للقمر يقوده إلى من يبحث عنه لعله يتحدث مع يسوع الناصري، لكن: الخلود كتب عليه ذلك، ولا يستطيع أن يغير التاريخ والواقع، ولو قدر له أن يبيع هذا الخلود ويستبدله، لما تردد في أن يكون متى العشار. لم أجد القمر مثيراً إلى هذه الدرجة في نص أدبي كمثل ما خطه قلم بولغاكوف. القمر نافذة ومرأة وشاهد، ونهر وطريق!

مساري الرواية: الشيطان ورفاقه، وبيلاطس البنطي ويسوع، تكفي لأن تكون رواية كاملة، وهذه الشخصيات تكفي النص الروائي وتغنيه. في منتصف النص الأدبي، يذكر الراوي العليم مخاطباً القارئ: هل تعرفون ما هو الحب على حقيقته؟ من قالك لك أيها القارئ أن الحب الصادق، الخالد، ليس له وجود على هذه الأرض؟ ألا فلتحل اللعنة على لسان الكاذب! اتبعني أيها القارئ-دون سواي- وسأريك مثل هذا الحب. وقصة الحب هذه لم تكن إلا قصة المعلم ومارغريتا. من بين كل شخصيات الروائية، يستطيع القارئ الحصيف، والذي يفضل البحث فيما وراء النص أن يجد لشخصية المعلم ومارغريتا وجود حقيقي. لم يكن المعلم إلا الروائي بولغاكوف نفسه، ولم تكن مارغريتا إلا زوجته ألينا بولغاكوف نفسها. كيف توصلت إلى هذا الرأي؟ فولند الشيطان له مقولة هي عماد هذه الرواية: المخطوطات لا تحترق. بعد أن أكمل الروائي بولغاكوف روايته هذه قام بإحراقها عمداً، لقنوطه ويأسه من إمكانية نشرها. من وقف معه ليكتب ويعيد كتابة هذه الرواية بالكامل من جديد؟ ومن نشر هذه الرواية بعد سنوات من وفاة مؤلفها؟ هي زوجته، وهذا ما حدث في الرواية. لكن- أجد نفسي في حيرة في محاولة تفسير كيف يكتب بولغاكوف: الشيطان يزور موسكو ويعيث فساداً في المؤسسات الأدبية والمالية فساداً ورعباً، ثم ينقطع النص لنعود إلى القدس في زمن بيلاطس البنطي. ثم يستمر هذا التتابع حتى يظهر المعلم، والذي ظهر لنا كعاشق: يحب الكتب والقراءة، ويكتب رواية عن شخصية تاريخية هي بيلاطس البنطي. لا يجد المعلم أصداء لعمله هذا ولا إمكانية لنشره، فتحل عليه الصاعقة: يحرق مخطوطة روايته ويجد نفسه نزيلاً في مستشفى للمجانين. النص الداخلي، أي نص بيلاطس البنطي، ظهر لنا بصورتين: الأولى من خلال الراوي الأول العليم، وقد ظهرت بلسان فولند. الصورة الثانية من خلال المعلم: لم يتحدث أبداً عن شخصيته كسرد طويل، لكنه يمتلك المخطوط الروائي، وهو من كتبه. بمعنى: نص بيلاطس تجول وانطلق في هذا العالم دون أمر من مؤلفه، لكن هذا التجوال يقف في لحظته الأخيرة عند المعلم: بإمكان المعلم وحده أن ينهي قصة بيلاطس البنطي ووجوده وتاريخه الشخصي، فماذا سيفعل؟ يا لروعة هذا الكتابة الأدبية! ويا لروعة الخيال حين ينطلق محطماً الأزمنة والأمكنة، يقلب الواقع إلى خيال والخيال إلى واقع. كوميديا لاذعة، واقعية تاريخية تقذف بالقارئ بعيداً وتجعله مقيماً بالقدس، يتجول في إرجاءها وطريقها حتى يصل إلى الجبل ولحظات قلق الحاكم الخامس الروماني، ثم يعود بسرعة إلى نوع من الفنتازيا، يجب التعامل معه بحذر. لو لم يكن هناك قوة متفجرة في النص، لأصبحت هذه الرواية تصلح كنوع من الألعاب السحرية، مساحة للتسلية فقط. أما وقد كتبت بهذا الشكل، وتلك الفنية العالية، لا مجال لذكرها دون القول بأنها واحدة من أعمق وأذكى روايات القرن العشرين بلا منازع.

تم تجسيد المعلم ومارغريتا في عدة أعمال سينمائية. منها ما كان اختصاراً للرواية، ومنها ما كان محدداً بفصول الحاكم بيلاطس البنطي. أفضل تجسيد لهذا العمل الروائي هي السلسلة التلفزيونية المعلم ومارغريتا، إصدار 2005م. وهذه السلسلة عرضت في التلفزيون الروسي وحققت نجاحاً كبيراً. ما يميز هذه السلسلة هو وقوف المخرج فلاديمير بورتكو خلف هذه السلسلة. وقد كانت له تجربة سابقة مع السلسلة التلفزيونية الأبله، المقتبسة من رواية الروسي دوستويفسكي. ميزات هذه الحلقات التلفزيونية أنها لا تترك حواراً ذا تأثير أو مشهد كان له تداعيات دون أن يكون حاضراً في العمل التلفزيوني. أتذكر مشهد في نهاية الرواية، وكان مشهداً عادياً لكن الصخب الذي يخلفه يجعل له تأثير ويكتسب حضوراً قوياً. رفاق البروفسور فولند يقتحمون في نهاية عبثهم بموسكو مطعم خاص بالأدباء. يتعرضون للتوقيف ويُمنعون من الدخول بسبب عدم وجود بطاقة هوية تثبت انتسابهم لأهل الأدب. يجيب أحد هؤلاء الرفاق، باغموث: هل دوستويفسكي يملك هوية؟ لا أظن ذلك! يكفي أن يقرأ المرء خمسين صفحة من أعماله حتى يعرف بأن هذا الشخص أديب، وربما أكون أنا دوستويفسكي. موظفة الاستقبال تجيب وكأن كل شيء طبيعي: لكن دوستويفسكي ميت. يجيب باغموث بسخرية وهو يصرخ: أنا أحتج! دوستويفسكي خالد لا يموت!. ومن ميزات هذه السلسلة كذلك اللون الذي يكتسي العمل. إذا كان الحوار ممتداً وطويلاً، يفرض اللون المائل للبني حضوراً طاغياً ويكتسح الشاشة. وقد يمتد هذا اللون لعدة حلقات كاملة، إذ أن الحوار في نص المعلم ومارغريتا طويل جداً ومتتابع: في المسارح والشقة رقم خمسين، وفي المستشفيات والغرف والشوارع. ما إن تبدأ بوادر تغيير وانتقال حتى تظهر الألوان الطبيعية وكأنها تدعو المشاهد للمتابعة بدقة. أي قارئ لهذه الرواية يجب أن يشاهد هذا العمل، ولن يلحظ أي فرق.

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب روسي. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s