بدون عائلة: حكاية طائر


بماذا يفكر الطائر لحظة طيرانه في الأعالي؟ حين يخترق السحاب ويقطع الوديان والجبال: ماذا يرى؟ وبماذا يفكر؟ وما الذي يعتمل في داخله وهو يطير؟ إذا استطاع الكاتب الدخول في وعي طائر، قد يكون بالإمكان كتابة قصة أو رواية اعتماداً على هذه الرؤية الغير مرئية. في جلسة أدبية مع الصديق عدي الحربش، طرح الزميل عدي فكرة لكتابة قصة ، لكن لا يعرف الطريق أو الأساس الذي تحمله القصة. فكرة القصة هي عن وعي طائر لحظة طيرانه. قلت للصديق عدي أنه قد تكون هناك طريقة واحدة لكتابة القصة. وهي طريقة افترضت بأنها بورخيسية مع تطويرها بحيث لا تكون وكأنها مقال. يجب أن تطرح القصة عبر تقسيمها لعدة أقسام. القسم الأول تسجيل ما يراه الطائر وهو يطير مخترقاً السحاب. وهذه التسجيلات لا تنتمي حقيقة لعين الطائر إذ أنها تسجيل من عقل بشري يحاول بأقصى قدرته تسجيل ما يراه الطائر تباعاً. قد يكون تسجيل المرئيات عميقاً بحيث يعرض الطائر جزء من المكان ثم يستعرض في لاوعيه تاريخ هذا المكان وما يشكل في حياة طائراً ما. وفي القسم الثاني يصبح السرد عبارة عن تداعي للذاكرة لأن الطائر يمر بسرعة على الأمكنة، فيكون التسجيل سريعاً متتابعاً، وقد لا نلحظ في هذا التسجيل أي منطقية، باستثناء أن يكون هذا التداعي محملاً بتأويلات متعددة، بحيث تكون كل كلمة له تأويل وإشارة لشيء ما كتاريخ وشخصيات وأحداث. وقسم ثالث يسرد فيه القاص سبب كتابته لهذه القصة، في محاولة جاهدة لأن يعيش ولو للحظة في الأعالي: أن يرى بعين طائر، ويفكر بعقل طائر، وأن ينتمي إلى عالم آخر بعيداً عن عالم الإنسان. وقد يعترف الكاتب في النهاية بأن القصة ليست إلا محاولات لكتابة قصة ولم تصبح قصة بعد ولن تكون كذلك.

سبب إعجابي بفكرة قصة الطائر هي من بقايا الطفولة. أذكر مسلسلاً كرتونياً يستعرض فيه بطل المسلسل قصص عن حياة حيوانات أليفة ومتوحشة وتقاربها مع الإنسان. في إحدى هذه الحلقات كانت عن طير حمام زاجل حقق نجاحات كبيرة في مسابقات للطيور. في إحدى المسابقة استطاع هذا الحمام ويدعى سهم قطع منتصف المسافة اللازمة للفوز، وحين عاد إلى أدراجه محققاً فوزه المتوقع، يتعرض لضربة من صقر محاولاً اصطياده. لم يعد يستطع سهم الانطلاق مرة أخرى للطيران لتعرضه لإصابات بليغة. يرعاه أحد القرويين وهو معجب بهذا الطائر الذي يحمل سواراً ذهبياً حول قدمه. يريد أن يمتلكه، لكن الطائر الذي يفقد هويته الأساسية: حرية الطيران والانطلاق في السماء، لن يصبح طائراً بعد الآن. فقد وجوده وحياته وكل شيء. بعد شهور، حين يتعافى سهم من إصابته ويجد باب القفص مفتوح، تصيبه رعدة عظيمة تدعوه بأن انطلق وأسبح في فضاء الله. ينطلق سهم في رحلته الأخيرة مستعيداً وجوده وكيانه وحياته. قد لا أستطيع ككاتب أن أسجل ماذا يشاهد الطائر لحظة طيرانه، لكن الذي أعرفه بأني قد ذقت ذلك الإحساس الرهيب، حين انطلق سهم وشاهد الجبال الذي اعتاد على المرور عليها، والسهول والهضاب والوديان والمنازل، لا يفكر فيها بقدر ما يشعر بأنه يعيش حياة حارة وعظيمة، لأنه يستطيع تحريك جناحيه وكأنه امتلك كل ما أمامه. لم تعد هناك حدود، ينطلق بأقصى ما يستطيع .. ليس للفوز في السباق هذه المرة، بل ليعيش بكل ما فيه، بكل ما يملك من قوة في الجناحين وإرادة في الحياة.

مرت فترة طويلة لم أفكر فيها بهذه القصة. ولكن فجأة، حين أغلقت رواية الروائي الفرنسي هيكتور مالو قبل أيام: بدون عائلة، ظهرت لي قصة الطائر من جديد، إذ أن الروائي الفرنسي استطاع أن يدخل وعي طائراً ما وأن يسجل ما يراه وما يشاهد من الأعالي، رغم أنه لا يوجد أي طائر على أرض الواقع، ولكن من خلال عقل طفل بريء. من خلال عيني بطل الرواية الطفل ريمي، وصل هيكتور مالو إلى قمة نجاحه في الدخول لوعي طائر، في هذا العمل الأدبي الذي أصبح خالداً.


من الأحلام التي احتفظت بها في ذاكرتي أن أقرأ يوماً ما عن ريمي روائياً، بعد تلك الذكريات التي احتفظت بها من طفولتي لهذا المسلسل الكرتوني المفرط في حزنه وسعادته. رغم البؤس الذي كان يكتنف العمل التلفزيوني، بمرافقة الصوت القدير وحيد جلال، كان ريمي بالنسبة لي بطل من أبطال الملاحم، لا يختلف عن أبطال هوميروس وأبطال فيكتور هيجو. بل هو الوريث الشرعي لبؤساء هيجو. حاول ريمي، والمؤلف بصورة أصح أن يكشف عن حالة البؤس التي يعيش فيها الأكثرية الساحقة من أبناء الشعب في عصر الانتاج المتزايد والتراكم الرأسمالي، وأن يسير في رحلة البؤس هذه في أرجاء الدولة الفرنسية: من القرى والأرياف إلى المقاطعات والغابات والمدن. وكل هذه الرحلات بما فيها من فقر وسعادة تعطيه دافعاً لأن يكون سيد نفسه حتى وهو في قمة تعاسته.
تبدأ القصة في قرية فقيرة من القرى الفرنسية تدعى شافانون، يعيش ريمي مع والدته حياة طبيعية جميلة. رغم الفقر، إلا أن وسائل الأمان متوفرة: الأم والبقرة. الأم في حياة طفل. والبقرة للحليب والغذاء. يقودهم الفقر إلى بيع البقرة حتى تحل الصاعقة على ريمي حين يخبره زوج والدته بأنه ليس إلا ولد لقيط، تم الاعتناء به فقط على أمل أن يسدد والدي الطفل قيمة حضانته له طيلة هذه السنوات الثمان، إذ أن ملابس الطفل حين تعرض للاختطاف كان يبدو بأنه من عائلة ثرية. ولم يطالب به أحد طيلة هذه السنين، ولا يبدو أن أحد سيبحث، وآن أوان للطفل بأن يترك المنزل لتكلفته العالية في هذا البيت الفقير، ولا يجد الزوج جيروم حلاً إلا بيع هذا الطفل لموسيقي متجول مع حيواناته الاستعراضية، والذي يدعى السينيور فيتالس. ومن هنا تبدأ رحلة ريمي ليصنع ملحمة غنائية في أرجاء فرنسا، قوامها البؤس المطلق والسعادة الهائلة. أقول البؤس المطلق لأن لا سقف يؤويهم: متجولون، يعزفون ويرقصون ويمثلون ليأكلوا وليعيشوا. إذا نجح العرض الفني كانت غنيمتهم جيدة. وإذا فشل العرض لأي سبب، لا يظهر إلا الفقر متحركاً على مساحة الأرض والسماء.

ريمي كان هو الطائر. الطائر، أي طائر هو كائن بريء مسالم. ولا تكون البراءة بأبلغ صورة مالم تكن متجسدة في عقل طفل صغير لا يعرف أهوال الدنيا ومصاعبها وشقائها. حين يطير الطائر، فهو يتعرف على أماكن جديدة: يشاهد أشياء لا يعرفها أي أحد: إذ أن ما يراه نتيجة لمغامرات قوامها الترحال الأبدي. وهذا الترحال إذا كان لطائر صغير فهي محفوفة بالمخاطر. خطر الصيد من قبل الكائن البشري أو الانقضاض عليه من قبل الطيور الجارحة. يحتاج لمعين، كالأم مثلاً: توجهه وتدله على الطريق. لم يشتد عوده بعد. الرحلة بمثابة مخاطرة عظيمة قد تكلفه الكثير. وهكذا هو ريمي. طفل صغير وجد نفسه يقطع مختلف الأراضي، يصعد الجبال وينام في الحقول والغابات، ويأكل في الشوارع مع معلمه السينيور فيتالس. وعند كل اكتشاف لشيء جديد هناك دهشة واستغراب ومعرفة. كلما كانت المعرفة أكبر كلما تقوى عوده وأصبح أكثر اعتماداً على نفسه. المصاعب التي يواجهها في السفر من ناحية الأكل وصعوبة توفير الأكل هي المصاعب التي يجدها الطائر البريء في عدم معرفته بالاتجاهات والمناخ المتغير والخوف من الانقضاض وتوفر الأكل المناسب له. وهي كما يقول فيتالس للطفل المرافق له: الحياة في الغالب معركة لا نتمكن فيها أن نفعل ما نريد.
كاد هذا الطائر الطفل أن يجد حياة مستقرة تؤمن له كافة متطلباته المادية، لكن المعلم فيتالس وجد فيها قناع يدمر إمكانيات الطائر الطفل. التدريب القاسي الذي يخضعه له سيكون أكثر فائدة، قد يتعلم ويتربى في بيئة أخرى وسيتكون عقله، لكن لن يكون فيها شيء من طبع هذا الطفل. طباع الطفل الطائر تتكون تحت تربية معلمه في بيئة مفتوحة تحت كل الظروف وكل الاحتمالات. قد يجد في هذه الاحتمالات الفقر والتعاسة، لكنها ستهبه سعادة روحية تكفيه طوال حياته.

السينيور فيتالس هو البطل الرئيس للرواية، وقد تكون الرواية خاسرة لعدم وجود شخصية يكتنفها غموض مثل هذه الشخصية التي كان لها شأن عظيم في الماضي. قد يبدو هذا المتجول العجوز شخصية فقيرة للغاية ويجد في هذه الحياة مجالاً للعيش، لكن تاريخه الفني يحاصره من كل جهة. وحين يتطلع إلى ريمي وهو يحاول العزف على الآلات الموسيقية تصيبه الرعدة، وكأنه يعود مباشرة إلى ماضيه الذي هجره. لم أجد معالجة أدبية تتعلق بحكاية الفن وهجرته، أو حالة السقوط بسبب تقادم العمر مثلما وجدتها في هذه الرواية، وفي العمل السينمائي Limelight للسينمائي العظيم تشارلي تشابلن.

لم يكن في وارد الذهن أن أقوم بعمل مقارنة بين النص الأدبي والعمل التلفزيوني الذي أخرجه المخرج الكبير الراحل أوسامو ديزاكي، لولا هذه الأغنية الشعبية الموجودة في العمل التلفزيوني وليس لها وجود في النص الأدبي. هناك حركة تدور في عقل فيتالس في النص الأدبي، تذكره بتاريخه، كلما تطلع إلى ريمي. ديزاكي قام بحركة كبيرة. بدل أن يكشف عن حقيقة فيتالس مباشرة، رسم مشهداً يصلح لأن يكون كافياً للمشاهد، بمشهد عذب، يخرج العجوز من أحد الكهوف التي ينام فيها مع فرقته ويتطلع إلى البحيرة التي أمامه. يخرج آلته الموسيقية ويعزف تلك الأغنية الشعبية الايطالية Fenesta che lucive التي تقول ( كما ظهرت لنا بصوت وحيد جلال ): بهجة النور تأتي من النافذة، لكن قلبي في الظلام. وقد ترجمها الصديق عدي الحربش قبل سنوات:

أيتها النافذةُ المضيئة، انطفأ نورُك،
هل ترقدُ حبيبتي خلفَكِ مريضة؟
أختها اقتربتْ من النافذة و قالت:
حبيبتك ماتت، لقد فرغوا من دفنها.

لطالما بكت كلما نامت وحدَها
و الآن تنامُ في صحبة الأموات.

ادخل باحةَ الكنيسة و فتّش عن تابوتها
عاين ماذا حلّ بحبيبتك..
من بين الشفاه التي لطالما انبثقت ورداً،
الآنَ يخرج الدود، آهٍ، يا للأسى!

يا عمّ، يا حارس الكنيسة، اعتنِ بها
اشعل دائماً شمعة فوقَ جدثها.

العمل الذي قام به أوسامو ديزاكي في إخراجه لريمي، كان أكثر ثورية وتأثيراً من الرواية نفسها. رغم قيمة الرواية وتأثيرها الذي لا يُنكر. قمت بتصفح صفحة الكاتب في القودريدز وقرأت التعليقات على الرواية: لا يكاد أحدهم يذكر الرواية دون أن يقرن معها عمل ديزاكي التلفزيوني، وكأنها متلازمة معه. عشت مع العمل التلفزيوني سنوات لا تنسى، أو بمعنى أصح حياة لا تنسى، إذ لا احتفظ بذكريات من الصغر أكبر من هذه الذكريات التي كانت مع ريمي. وعندها عاهدت نفسي بأن احتفظ بهذه الذكرى للأبد، وأتمنى أن أجدها في نص أدبي يسمح لي بالعودة ولو قليلاً إلى تلك الأيام، وهذا ما حدث في قراءتي لرائعة هيكتور مالو بدون عائلة. أتذكر جملة واحدة قيلت في عمل ديزاكي ولم تذكر في النص. تنتهي رحلة ريمي في النص الأدبي بوجود عائلته واستقراره بعد رحلة كفاح مريرة. أما في العمل التلفزيوني، فعقل الطفل لا يهدأ. ها قد وجد العائلة والاستقرار والسعادة، لكن هل هو سعيد حقاً؟ هل هو أكثر سعادة من الحياة التي كان يعيشها مع فيتالس، ولاحقاً مع الطفل ماتيا والكلب كابي، أصدقاء ريمي في الرحلات السابقة؟ يأتي الرد وكأنها صدى لتعليمات فيتالس: ريمي! تابع إلى الأمام قدماً! اترك المنزل، وأخيراً تمكن الطائر الصغير من الطيران بمفرده.!

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب فرنسي. حفظ الرابط الثابت.

6 Responses to بدون عائلة: حكاية طائر

  1. مازن كتب:

    أنا من محبي قصص الطيور وذكرتني بقصة أخرى … النورس جوناثان للكاتب ريتشارد باخ …
    أتمنى أن أرى مراجعة أدبية جميلة لهذه القصة على أرصفتكم
    تحياتي
    مازن

  2. Sarah4R كتب:

    تحليق عالٍ ممدوح، تدوينة ملهمة، أشكرك.

  3. hind1413 كتب:

    أللللله يا ريمي, إن شاء الله أقرآ الروايه تحمست جدّااا كثير ::(.. من فين شاريها؟! ماحصلتها إلكتروني -.- . إرفعها لنا D: …. عآد أنا كمان ريمي أحد ذكريات الطفوله التي لا تُنسى بس أتوقع إنت شايف فلم الكرتون ريمي الولد xD

    • Mamdouh كتب:

      صحيح.. ريمي الولد، وشاهدته أيام طفولتي، وشاهدت قبل فترك قليلة. الكتاب كان لدي من فترة، من إحدى الدول العربية، قبل أن تتفجر الأوضاع هناك. إذا حصلت طريقة لرفعه لن أتردد إن شاء الله. شكراً هند.

  4. hind1413 كتب:

    قام بإعادة تدوين هذه على Hind Blog وأضاف التعليق:
    تدوينه رائعه لا تفوّت

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s