ثمّة حذاء ..


في عام ١٨٨٥ م، بدأ فينسنت فان جوخ برسم أول عمل كبير له: آكلو البطاطس. عبر هذه اللوحة أراد جوخ أن يظهر حالة بعض الفلاحين الفقراء أثناء تناولهم لوجبة البطاطس التي تم إعدادها داخل منازلهم. فان جوخ لم يصور الفلاحين بشكل رومانسي بعكس بعض الرسامين الذين استوحوا من هذا الموضوع أشكال رومانسية. الكدح حتى غروب الشمس من أجل الحصول على أكل يبقيهم أحياء؛ هذه صورة واقعية وحقيقية، تستحق التسليط عليها بشكل أكبر وعلى حقيقتها، وإن استطاع أن يعمل جهده أكبر: أن يزيل الصورة النمطية عن الفلاحة وإظهار الارتباطات الاجتماعية بها، من عمل وشقاء وعائلات تكدح في سبيل العيش. في إحدى رسائله لأخيه يقول فان جوخ: حاولت التأكيد على حياة هؤلاء الناس الذين يأكلون ما حصدوه من بطاطس، تحت الضوء، وبأيديهم العارية التي تفلح الأرض.هم الذين يجنون أقواتهم بكل أمانة.

لوحة آكلو البطاطس: إن تحدث عنها فان جوخ في كتاباته كما جاء في رسائله لأخية أم تحدث عنها بشكل عام من ناحية الفكرة والموضوع والشكل، فهي قابلة للتفاعل مع المشاهد. يستطيع الذي يشاهد هذه اللوحة أن يعرف المحيط العام والحالة الإجتماعية، بل وذهب البعض منهم إلى التأكيد بأن تلك الأماكن ماهي إلا الغرف المنزوية السوداء والمهملة التي كان يكتبها عنها الروائي دوستويفسكي في رواية الفقراء وغيرها. ولكن ماذا عن لوحة الحذاء لفان جوخ؟ هل تتوفر مقومات تسمح لمشاهد اللوحة بأن يتفاعل معها كما يتفاعل مع اللوحة السابقة؟ وماهو موضوعها الرئيس؟ وما تشكل في حقيقتها؟

لن يختلف هذا الحذاء عن أي حذاء في العالم الواقعي، العالم الذي نحيا به ونشاهد من خلاله مختلف الصور والأشياء والموضوعات. إن التشقق الذي يحدث في أحد الجدران المألوفة لنا قد يسبب ضيقاً؛ دلالة على التصدع والإنهيار والسقوط. لكن ما إن يعزل هذا التشقق في إطار محدد، بحيث يُفصل ما بين القطع السليمة والقطع المتشققة، حتى يتحول موضوع المادة المعزولة، أي التشقق أو التصدع، إلى مادة للتأمل والتفكير، وبصورة أخرى: يصبح عملاً فنياً مكتمل الاركان. ربما كان حذاء فان جوخ مرمياً في إحدى الشوارع، أو على قارعة الطريق؛ تخلص من خلاله أحد الفلاحين من هذه الأحذية المهترئة، أو كما هو معروف، أن جوخ اشترى هذا الزوج من الأحذية لغاية في نفسه: إما لإرتداءه أو ليكون موضوعاً لعمل فني. وسواء كانت الغاية هي غاية شخصية أو موضوع فني، فإن جوخ قدم للجمهور العام مادة فنية تصلح لدراسات حول الإطار العام للفن، ومتى يصبح هذا الشيء عملاً فنياً، وماهو الفن، وكيف يحدد الإطار مساحة صغيرة يُحول من خلالها الأشياء المهملة والغير مرئية إلى مادة تم تكثيفها لدرجة كبيرة جداً، بحيث يصعب التخلص منها.


لوحة الحذاء أضحت مادة لسجال فلسفي حول حقيقتها وما تمثل. ذكرها مارتن هيدجر في أصل العمل الفني بقوله:

من الفتحة المظلمة للأجزاء الداخلية المتهرئة للحذاء، تطل خطوات الفلاحة المُنهكة. وعبر ثقل الحذاء وتيبس جلده، يطالعنا العناد والتشبث المتواصل لخطواتها المجهدة المتباطئة عبر الأخاديد الطويلة والمتشابهة في الحقول التي اجتاحتها الرياح الباردة الجافة. وتحت نعلي الحذاء، تمتد المسالك والمجازات الموحشة في الحقل عند هبوط المساء. أما في شكل الحذاء فتتردد النداءات الصامتة للأرض وعطاياها الهادئة من أنواع الثمار الناضجة وكذا يتجسد ايثارها وكرمها المتخف في آسى الاخاديد الطويلة في الحقول الشتوية. في هذا الحذاء تعايننا صور القلق الصامت الوجل الذي يستبد بصاحبه من احتمالات هلاك المحصول والفرح الذي لا يمكن للكلمات التعبير عنه عند تمكن صاحبه من مقاومة العوز والحصول على موسم زراعي جيد. انه يعيد لأذهاننا مشاهد الارتجاف أمام مهد الطفل الوليد والخوف من علامات الموت الوشيك. هذا الحذاء ينتمي للأرض وهو محمي في عالم السيدة الفلاحة. ومن هذا الشعور بالانتماء المُصان، تعلو مكانة هذا الحذاء بوصفه حذاءاً.

تعبير هيدجر- بعيداً عن الموضع الذي استشهد بها- صورة شعرية كاملة، وأعطت تأكيد على أن الحذاء يعود لأحد الفلاحين. ولشدة كثافة اللوحة، ومساحات التأويل التي تعطي، عارض آخرين هيدجر في نظرته هذه. منهم من رفض أن يعود هذا الحذاء إلى أحد الفلاحين، وأننا إذا أردنا معرفة حقيقة اللوحة والحذاء يجب العودة لجسلات فان جوخ الشخصية، ومنها رسائله التي تشكل مصدر ثمين للمعلومات. ومنهم من أعطى رأياً مستقلاً معارضاً رؤية هيدجر، مثل دريدا.

هذه الصورة الفوتوغرافية من أحب الصور إليٓ وأكثرها تأثيراً. ولا أبالغ إن قلت أنه في عالم الصور الفوتوغرافية هذه اللوحة تحتل الرقم واحد. عندما تطلعت إليها للمرة الأولى شدتني تلك الابتسامة للطفل، وكأنها خرجت بعد حزن موجع وطويل جداً. أن يشكل الحصول على حذاء مدعاة لسعادة هائلة وطاغية، ها هنا صورة كاملة من تاريخ عام للدولة والأرض والإنسان. طبقاً لما ورد في تاريخ هذه الصورة، فإن الصليب الأحمر الدولي قام بتوزيع بعض الملابس والأحذية في دولة النمسا في زمن الحرب العالمية الثانية. وعندما تسلم هذا الطفل هذا الزوج من الأحذية، لم يكن تعبير الفرح لديه هو القفز إلى الأعلى: كأي طفل يشعر بسعادة كاملة وحقيقية، بل رفع رأسه للأعلى ممسكاً بأحذيته الجديدة وكأنه يتنفس للمرة الأولى هواءً نقياً، هواء لا يحمل رائحة الدخان والمتفجرات والحروب التي جعلت من حصول طفل على حذاء بمثابة عيد ومناسبة كبرى جدير بالكل أن يحتفل بها. بالقياس على لوحة فان جوخ: الصورة تحمل تاريخها الشخصي من فكرة وموضوع. وإن كان المشاهد سيتأمل فيها، فإن هناك رؤيتين حول حذاء هذا الطفل. الرؤية الأولى هي رؤية الطفل إلى هذا الحذاء وما يشكله بالنسبة له. الرؤية الثانية هي رؤية الأم إلى حذاء طفلها. بالإمكان الاطلاع على الرؤية الأولى من خلال الصورة مباشرة: من سعادة وفرح، وكأن مرآة الفقر والجوع قد تم سحقها بالكامل عبر هذه الابتسامة. لا يمكن أن يكون المكان الذي تسلم فيه هذا الطفل مكاناً يدعو للفرح أو الأمان الشخصي. من الطبيعي أن يكون المكان محطماً وفقد فيه غالبية السكان منازلهم وتم تهجيرهم الخ. ولكن ها هنا شيء أقوى من هذه الحرب وأقوى من التهجير والتدمير: ابتسامة من داخل قلب طفل بوجه هذا العالم. وكأن الحياة قد عادت للوجود من جديد. لم يكن هناك حياة قبل ذلك. عبر ذلك الشعور الرهيب بالتحرر وانطلاق الحياة من جديد: هذه أكبر إدانة للحرب، وأكبر تحية للحياة والعيش بها بكل تفاصيلها.

عن الرؤية الثانية: لا يمكن معرفة هذه الرؤية عبر هذه اللوحة، ولكن الأدب يعطينا الكثير حول هذه الرؤية. ولن أجد أجمل من الروائي الكبير فيكتور هيجو في رواية نوتردام دي باريس. في أحد فصول هذه الرواية يسير فيكتور هيجو مع إحدى أبطال روايته: والدة الاسميرالدا وهي ترثي لحالها وتدعو الله بأن يخلصها من عذابها المتمثل بفقد طفلتها لأكثر من خمسة عشر سنة. وحين تريد الأم أن تستحضر صورة طفلتها الصغيرة، لا تورد تفاصيل الشكل أو الوجه أو الابتسامة: إنها تتذكر طفلتها عبر حذاءها! لم يعطي الروائي فيكتور هيجو الفرصة لأم الفتاة المفقودة أن تتحدث عن هذا الأمر من تلقاء نفسها. كعادته في الخروج على النص والكتابة كما يشتهي، كتب فيكتور هيجو في فصل بعنوان الأم ما يلي: – وهذا الفصل هو أكبر دليل حول رؤية الأم تجاه حذاء الطفل وما يمثله في عالم الواقعية، يقول هيجو:

لا أظن أن في هذا العالم شيئاً يبتعث السرور أكثر من الأفكار التي توقظها في قلب أم رؤية الحذاء الصغير لطفلها. خصوصاً إذا كان حذاء العيد، والحذاء المطرز حتى تحت نعله، والحذاء الذي لم يخطُ الطفل فيه خطوة واحدة. إن في هذا الحذاء لطافة وصغراً، ويتعذر عليه أن يسير بحيث يغدو، بالنسبة للأم، وكأنها ترى فيه طفلها. إنها تبتسم له، وتقبله، وتكلّمه. إنها تتساءل إن كان ممكناً، في حقيقة الأمر، أن تكون هناك قدم على تلك الدرجة من الصغر. والطفل، حتى وإن كان غائباً، يكفي وجود الحذاء الجميل لكي يضع أمام عيني الأم المخلوق الرقيق والضعيف. إنها تظن أنها تراه. وهي تراه بكامله، حياً، وفرحاً، بيديه المرهفتين، ورأسه المستدير، وشفتيه الصافيتين. فإذا كان الشتاء، كان هناك يزحف على البساط، ويتسلق مرقاه بعناء، فترتجف الأم إذ يقترب من النار. وإن كان الصيف، جرّ نفسه إلى فناء الدار والحديقة، واقتلع العشب من بين الأرضيات، وجعل الحدائقي يزمجر لأنه وجد الرمل في المساكب، والتراب في الممرات. إن كل شيء يضحك، وكل شيء يسطع، وكل شيء يلعب حوله، حتى نسمة الهواء، وحتى شعاع الشمس التي ترتع متنافسة في خصل شعره اللعوب. إن الحذاء يُري الأم كل ذلك ويجعل قلبها يذوب مثلما تذيب النار الشمعة. ولكن عندما يضيع الطفل، فإن هذه الصور الكثيرة، صور الفرح والسحر، والحنان التي تتزاحم حول الحذاء الصغير، تصبح بالقدر نفسه أشياء مرعبة، فلا يعود الحذاء الجميل المطرز أكثر من أداة تعذيب تسحق باستمرار قلب الأم. إنه الوتر نفسه الذي يهتز دوماً،الوتر الأكثر عمقاً، والأكثر حساسية، ولكن بدلاً من أن يداعبه ملاك، فإن شيطاناً هو الذي ينقر عليه.

في صورة الطفل السابقة، ذكرت بأن هذه الصورة تعطي لمحة عن التاريخ العام والأرض والمأزق الذي عاشه الطفل وأمثاله. قد لا تظهر هذه الرؤية إلا بعد تدقيق لأن سعادة الطفل اكتسحت أمامها كل شيء ولم يترك مجال للتأمل. ولكن فيلم أطفال السماء للمخرج الكبير مجيد مجيدي يعطي أكثر من ذلك بكثير، عبر حذاء كذلك. حذاء يقوم بالكشف عن حالة المجتمع الفقيرة: حياتهم وآمالهم وصعوبات الحياة، عبر صور مفرطة في البساطة، سهلة الوصول وكبيرة التأثير. القصة بطابعها العام تدور حول الشقيقين علي وزهراء. عند قيام الطفل علي بشراء بعض المستلزمات الغذائية، يفقد حذاء شقيقته زهراء. يبحث عن الحذاء دون جدوى في الممرات وخلف كراتين المحل ولا يجد شيئاً. وجد نفسه في أزمة عميقة. ليس في استطاعة والده ذو الطبع الغاضب توفير حذاء لابنته، وليس في وارد ذهنه أن يشتري شيئاً لصعوبة الحياة المادية. يكتم علي وزهراء في أنفسهم إضاعة حذاء زهراء، واتفقوا على الذهاب إلى المدرسة عبر حذاء واحد: يتناوبان عليه. في الوقت الذي تذهب فيه زهراء إلى المدرسة ترتدي حذاء شقيقها علي. وعند الانتهاء تركض في الطرقات الضيقة سريعاً لتصل إلى أخيها، لتعطيه الحذاء ذاته، وليذهب إلى المدرسة كذلك. هذا الحذاء كان مرآة ضخمة لكشف معالم الحياة الواقعية بين مجتمعات الطبقات الفقيرة في طهران. في الوقت الذي يحلم فيه الأب بالحصول على وظيفة جيدة يستطيع من خلالها الانفاق على زوجته المريضة وأطفاله الصغار، تنحصر مأساة الحياة في وجه الأطفال على هذا الحذاء الذي خلق لهم مشكلة ليست بالهينة على الإطلاق. تلوح في الأفق بوارد للحصول على حذاء جديد لزهراء، عبر مسابقة للجري يشارك فيها طلاب المدارس. سيشارك علي في السباق، ليس لأنه اعتاد على الركض في الطرقات الضيقة للوصول إلى المدرسة حتى لا يتعرض للتوبيخ، يريد أن يركض ويفوز لأن جائزة المركز الثالث هي حذاء جديد! من خلاله فوزه- وتحديداً في المركز الثالث- سيستطيع أن ينهي هذه الأزمة التي أثقلت عليه حياته.

إذا كانت الصورة السينمائية التي يستعرضها مجيد مجيدي بسيطة للغاية، فهي ليست في المتناول أو بالإمكان القيام بمثلها. تحتاج لجهد يرتكز على اختصار كل صعوبات الحياة في شيء واحد فقط. وهذا الشيء الواحد لا يقابله نظير موازي بحيث تصبح هناك عدة مسارات ورؤى يمكن من خلال توحيدها تقديم عمل سينمائي متكامل. ما شاهدته في هذا الفيلم هو مشكلة الحذاء فقط. هذا الحذاء قدم للمشاهد بساطة الحياة الواقعية للفقراء، والبحث عن العمل قرب منازل الطبقة الراقية. الاختلافات والفروقات التي ظهرت بأبلغ صورة في بحث الاب والابن عن عمل في حدائق الطبقة الراقية, وفي الزوايا والممرات والطرق الضيقة التي يمر الفقراء من خلالها كل يوم. وكذلك عن طبيعة العلاقات الاجتماعية، مثل المشاركة في الأكل وتقديم جزء من الطعام إلى الجيران، ولم يتخلى الحذاء عن أساس وجوده إذ يتعرض للمراقبة والتدقيق والفحص والاختبار: عبر تعرضه للمطر، وإحساس الطفلة الصغيرة بأن ما ترتديه مختلف عن قريناتها في المدرسة، إذ ترتدي حذاء يبدو للذكور أكثر منه للإناث.

قد يكون الحذاء مرآة كثيفة تحمل بداخلها رموز وأفكار وفلسفات، مثل حذاء فنسنت فان جوخ.
وقد يكون الحذاء إشارة للحياة، في وجه تجار الحروب ودعاتها، مثل لوحة الطفل النمساوي.
وقد يكون الحذاء موضوع يستطيع المخرج السينمائي من خلاله رسم صورة لمجتمع ما، وحياة أفراده، دون تزييف مثل فيلم أطفال السماء.

Advertisements
هذا المنشور نشر في فن تشكيلي, سينمائيات. حفظ الرابط الثابت.

2 Responses to ثمّة حذاء ..

  1. nassermohd90 كتب:

    وقد يكون الذاء موضوعاً عميقاً تخطه في مدونتك يفتح أمامي الأفاق في النظر في واقع الحياة وهمومها ومشاكلها وفلسفاتها ، شكراً لهذا الموضوع العميق الذي يلعب الحذاء دوراً بارزاً في جميع جوانبه .

  2. محمود كتب:

    مشكور جدا علي هذا الموضوع الذي استحق طول انتظاري له

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s