الفهد


أن تشاهد عمل المخرج الإيطالي الكبير لوتشيانو فيسكونتي “الفهد”II Gattopardo 1963 ويسكن في ذاكرتك السينمائية لسنوات، كعمل فني مميز، ثم تقرأ بعد سنوات الرواية التي اقتبس منها فيسكونتي هذا العمل، لن يكون السؤال حينها حول ما يتعلق بدرجة اقتباس الرواية ومدى براعة المخرج من عدمها في ترجمة الرواية إلى صورة سينمائية. لكن قد يطرح هذا الرأي أو التساؤل: كيف استطاع فيسكونتي أن يفرض شخصية الممثل برت لانكستر ( والذي أدى دور الفهد ) على قارئ الرواية؟ الشخصية الروائية تبقى أقوى في الكلمات، الكثير من القراء يرسمون صور لتلك الشخصية أو تلك في أذهانهم، يفضلون أن تبقى الشخصية كما تصوروها في القراءة، لكن مع الفهد، هذه الفكرة تبدو مستحيلة- بالنسبة لي على الأقل! لانسكتر فرض سطوته على النص بصورة ضخمة، بل ومخيفة! وكأن النص الروائي كُتب بعد أن ظهر العمل على الشاشة، وليس مجرد اقتباس من عمل روائي صدر قبل أن يفكر فيسكونتي بتجسيد الرواية في عمل فني سينمائي. الناقد المغربي عبدالفتاح كيليطو في مقالة له عن دانتي والمعري طرح فكرة أن رسالة الغفران كُتبت بفضل دانتي – حين تم مقارنتها بكوميديا دانتي تحديداً-. قبل ذلك كانت رسالة الغفران نصاً لا تدور حوله الأسئلة. ولكن بعد أن ظهر إمكانية تأثر دانتي بالمعري، طرح كيليطو هذه الفرضية، والتي بدت لي غريبة ولا تصدق. أجد في فكرة كيليطو هذه تطبيقاً عملياً لرواية الفهد، لكاتبها الأمير جوزيبي تومازي دي لامبيدوزا، ولمخرج رواية الفهد لوتشيانو فيسكونتي. من يستطيع أن يتخيل أجمل مشاهد الرواية كما كتبها دي دلامبيدوزا دون أن تظهر كاميرا فيسكونتي عبر إخراجه لروائع المشاهد التصويرية، من حفلة الرقص وتصرفات الفهد بشخصية الممثل لانكستر وهيئته وحضوره الطاغي، وتأمل الأمير للوحة موت الصديق في الحفلة وحالة التشاؤم الرهيبة، والرقص ذاته، وجمال شخصية أنجيليكا عبر الممثلة كلوديا كاردينالي وغرامياتها مع الان ديلون. عمل فيسكونتي السينمائي لم يكن إقتباساً بقدر ما كان خلقاً جديداً استطاع أن يزاحم العمل الروائي ذاته، وجعله خالق للعمل الفني، بالتوازي تماماً مع كاتب الرواية الأمير دي لامبيدوزا. من المفترض أن أتحدث عن رواية الفهد كما كتبها دي دلامبيدوزا، وليس عن عمل فيسكونتي السينمائي وفيلم الفهد. لكن كما هو واضح، آثر فيسكونتي أن يدخل في المقدمة كخالق فني ومشارك رئيس لرواية الفهد.

من الصعوبة بمكان، وخصوصاً في زمن انتشرت فيه تيارات الوعي والعبث، وفي سطوة جيمس جويس وغيرهم، أن يكون هناك عودة للأسلوب القديم في الكتابة الروائية، وأن يكون هناك عمل أدبي أشبه بالرثائية الحزينة لطبقة سقطت وانتهت تحت ضغط الثورات والجماهير. حين عرض الروائي الايطالي الأمير دي لامبيدوزا روايته الوحيدة “الفهد” على عدد من دور النشر لم يتلقى ترحيباً ومساندة. بل ولم يتلقى إشعار بوجود أمل في نشر هذا العمل. كانت الأعذار متنوعة ما بين أسلوب الكاتب القديم أو الحدث التاريخي الذي تناقشه الرواية، أو عدم مواكبتها للعصر. بعد وفاته بسنتين تم نشر الرواية، بدعم كامل من زوجته التي حملت إرث زوجها الثقافي وروجت له. بل وأقدمت على المساعدة في ترجمة هذا العمل إلى الفرنسية والإنجليزية والألمانية. ويبدو أن ذوق الجمهور القارئ كان مختلفاً ومعاكساً لرؤية دور النشر. تم اعتبارها استثنائية لرؤيتها التاريخية في زمن فرضت فيها الواقعية وتيارات الوعي سطوتها.


تدور أحداث رواية الفهد في صقلية، في زمن مفصلي من تاريخ إيطاليا، وتحديداً لحظة نزول المناضل الايطالي غاريبالدي وجنوده الألف شواطئ صقلية في مسعى ثوري لتوحيد إيطاليا المقسمة. تضل شخصية غاريبالدي شبح رئيسي يخيم على صقلية وعلى ظلال بطل الرواية، الفهد، الدون فابريتسيو، أمير سالينا. رغم عدم ظهور غاريبالدي ولو لمرة واحدة إلا أنه يفرض سطوته في تغيرات المجتمع المحلي، والتي تجتث في طريقها كل شيء. شخصية الفهد من أعمق الشخصيات التي قرأت عنها في لحظات التغيير التاريخي. لم يكن المؤلف متشدداً بإظهار الروح الوطنية عبر إلقاء تبعات ما جرى سابقاً على أشباه الفهد، ولم يحاول أن يستعرض ماذا جرى في صقلية في مسعى لتقديم تفسير حول لماذا كانت الوحدة ضرورية أو ما شابه ذلك. هي أشبه بسيرة لنبيل ذو سطوة جبارة يحاول أن يسير مع العصر. وهذه المسايرة بقدر ما هي ضرورية إلا أنها مؤلمة إذ تحمل بطابعها الفقد والاختفاء وتبدل الطبقات وحلول طبقات أخرى مكانها.

لا توجد نقاط تشابه بين مؤلف الرواية، والذي هو آخر رجل من سلالة عائلة دي لامبيدوزا النبيلة، وبين شخصية الفهد في الرواية، والذي هو كذلك آخر شخص من سلالة نبيلة في عائلة آل سالينا. كان دي لامبيدوزا شخصية خجولة مفرطة في الانطواء. لم يذكر عنه أن يهوى التجمعات والنقاشات، كان يجد مسرته في قراءة أمهات الكتب الكلاسيكية بلغاتها الأصلية، وكان قادراً على فعل ذلك إذ كان يعرف نطقاً وكتابة أكثر من خمسة لغات. وكان يهوى جمع المؤلفات وتجليدها إلى درجة مكنته من أن يشار إليه بأنه واسع الثقافة. شارك في الحرب العالمية الأولى كجندي، لكن يبدو أن الحرب العالمية الثانية كان لها مفعول خاص، شبيه بذلك التأثير الذي سقط على المؤلف النمساوي ستيفان تسفايج: خيبة أمل عظمى بالتاريخ ومساره، كل شيء سيذهب سدى، دون أي مراعاة. هذه الخيبة في التاريخ والاجتثاث الذي تسير فيه الحياة نقلها دي لامبيدوزا إلى بطل رواية الفهد الدون فابريتسيو. لم يكن الأمر مجرد سقوط طبقة اجتماعية، بل سقوط محتم للأشياء أمام الطبيعة اللامبالية، وشعور باندفاع الحياة المستمر دون توقف نحو الموت. الفهد ليس شخصية متشائمة أو سوداوية، ولكن حركة العصر أورثت بداخله حرقة على ما يجده جميلاً ويستحق الحياة، لكنه سيُجتث لظروف التغيير الحاصلة. هو ممثل للطبقة القديمة، ينتمي إلى جيل تعيس، على جواد بين زمن غابر وزمن جديد، وهو برغمه موجود في كليهما، لكنه يحمل روح الصقلي الذي يجد أن أوضاعه لن تتحسن، لاعتقاده بأن الإنسان الصقلي كامل: غرورهم أقوى من تعاستهم، وكل تدخل أجنبي – أو من أي جهة كانت هو قلق يبعثر طريقهم باتجاه العدم.

ابن شقيقته تانكريدي الذي رباه ويعتقد بأنه أفضل من كل أبناءه، ينضم إلى قوات غاريبالدي: يشعل النيران في الجبال، ويشارك في حروب التوحيد الإيطالية. حين يعيش الفهد على زمن سينقضي، فهو يعيش كل تلك اللحظات بالكامل، بعلاقات الطبقة واجتماعاتها وقيمها وأزياءها وحواراتها، وإن كان يتفوق على الجيل الشاب بأنه آخر آل سالينا: عملاق يحتضر وتحتضر طبقته معه، لأن معنى الأسرة النبيلة يقوم على التقاليد الحياتية، وكان هو أكبر وآخر من امتلك تلك الذكريات. وحين كان يعيش على الزمن القادم، كان يجد نفسه مشاركة في دعم الثوار الغاريبالديين مالياً، وفي الانتخابات العامة، لكنه لا يستطيع المشاركة لأن زمنه قد انتهى.


من أشهر مشاهد فيلم الفهد هو المشهد الطويل للحفلة الراقصة: يتجمع نبلاء المدينة والجنرالات تحت وقع إصابة غاريبالدي في قدمه وانزواءه بعيداً عن مسرح توحيد ايطاليا. الكل مؤمن بأن التغيير القادم سيكون أفضل وتحت شروط معينة قد تسمح لهم بامتلاك جزء كبير من تقاليدهم العريقة في مملكة إيطاليا الجديدة، لكن الفهد، بحضوره الطاغي المهيب يصل إلى ذروة تشاؤمه في هذا الفصل السينمائي المميز. هو يعتقد بأن هذه الثياب المزينة بالسواد تذكر بالغربان التي تحوم فوق الوديان المجهولة بحثاً عن الجيف النتنة، وإن كان يشعر بالشفقة تجاههم، على تلك الكائنات الفانية التي تبحث عن التمتع بشعاع خالد. يهرب من هذا المكان إلى مكتبة القصر. ما إن يستريح جالساً حتى يستولي على عقله إحساس بشيء غريب، مصدره لوحة معلقة في جدار المكتبة. هذا المشهد في سينما فيسكونتي كان مميزاً: وقد تخرج عدة تأويلات تدور على هذا المشهد، منها الفن والجمال الذي يتلقى رعاية من أمثاله، وقد لا يجد له مكاناً في الزمن القادم. لكن الروائي يتحدث عن تلك النظرة العميقة التي ألقاها الدون فابريتسيو على تلك اللوحة.

وراح ينظر إلى لوحة أمامه. كانت نسخة من موت الصديق للرسام غروز، تمثل رجلاً هرماً يلفظ أنفاسه في سريره بين شراشف ناصعة البياض، ومن حوله الأبناء والأحفاد، يرفعون أذرعهم نحو السقف. وتساءل حالاً عما إذا كان موته سيكون شبيها بهذا: كان التفكير بموته يزيده صفاء بمقدار ما يكدره موت الآخرين، أترى كان ذلك لأنه يعتقد أن موته هو في الدرجة الأولى موت العالم بأسره؟

تحت هذه الحالة من الروح الكئيبة يرقص الفهد رقصته الأخيرة مع تلك الجميلة التي لم تكن لتفلت منه لو كان في ذروة شبابه وقوته، وكأنها وداعية وخاتمة لكل شيء، خاتمة لضربات غاريبالدي التي حققت الوحدة الإيطالية، ووداعية لروح الصقلي الضخم، سليل عائلة الفهود وتاريخها. ينتهي فيلم فيسكونتي بسير الفهد وحيداً في شوارع المدينة بعد الحفلة. رغم حدة كآبته إلا أنه امتلك شيء من اليقين حول ما يجري في زمنه وضرورة تسليم الأمور كلها دون أي رغبة في محاولة أخيرة للنضال لتحسين ما سيُفقد. يتطلع إلى النجوم التي يحب، باحثاً عن نجمة تظهر بين عينيه، تناديه بأن ارحل للأبد. أما النص الروائي فهو يمتد إلى عشرينات القرن العشرين، في فصلين يسدل فيهما المؤلف الستار على عائلة آل سالينا: فصل موت الفهد، وفصل عن بناته وهم في سنوات عمرهم الأخيرة. إن كانت شعرية دي لامبيدوزا عظيمة، وإن كان هناك نص يثبت ذلك، ستكون رواية الفهد بأكملها دليلاً على هذه الشعرية، وإن كنت أجد فصل موت الفهد – والذي لم يظهر في فيلم فيسكونتي- هو أغنى فصول الرواية كثافة في الشعرية: عجوز عملاق يعترف بمرارة أن آل سالينا انتهوا، وغاريبالدي ذو اللحية الكثيفة انتصر. في ثلاثين صفحة تتداعى ذاكرة الفهد الثقيلة حول الزمن والتاريخ وآل سالينا، حتى تظهر تلك السيدة لتأخذه بعيداً:

وفجأة، من بين الجمع الصغير شقت سيدة شابة طريقها إليه: نحيفة الجسم، ترتدي ثوباً كستنائياُ فضفاضاً للسفر. راحت تمد يدها المرتدية قفازاً بين أكواع الباكين، وتعتذر إليهم وهي تدنو منه. لقد كانت هي عينها، المخلوقة المشتهاة أبداً، وقد جاءت لتأخذه .. غريب أن تكون شابة هكذا وتسلم نفسها إليه، لا بد أن موعد سفر القطار قريب، وحين وصل وجهها إلى وجهه رفعت الملاءة، وهكذا في حيائها مع استعدادها لتسلم جسدها إليه، بدت له أجمل مما رآها قط في المرات السابقة في فضاء الكواكب .. ثم سكن هدير البحر سكوناً تاماً!

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب إيطالي. حفظ الرابط الثابت.

One Response to الفهد

  1. Enas كتب:

    وكأني عثرت على كنز؛

    تدوينة أنيقة وماتعة؛كما المدونة تماما.
    شكرا شكرا.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s