معبد السرادق الذهبي


كينكاكو- جي، أو معبد السرادق الذهبي في مدينة كيوتو اليابانية، يعتبر من أشهر الأماكن الثقافية والتاريخية في اليابان. ارتبط هذا المعبد من فترة إنشاءه كمقر للحاكم العسكري (الشوغون) في منتصف القرن الخامس عشر إلى منتصف القرن العشرين في الذاكرة الشعبية اليابانية كأثر خالد يحتفظ بين جنباته الذهبية آثار خاصة ببوذا، مما جعله كنزاً وطنياً قومياً يتم الاعتناء به والمحافظة عليه. ليست الآثار الخاصة ببوذا أو الذهب هو الأثر الذي يجذب الجمهور العام لمعرفة هذا المعبد وزيارته. جمال المعبد بشكله الخارجي والبحيرة التي تطل على المعبد والحديقة القريبة، وسلسلة الجبال المحيطة بالمعبد تعطي له رونقاً وجمالاً فوق تاريخه الثقافي الكبير. أكثر المناظر جلالاً وبهاء هي تلك اللحظة حين تغيب الشمس ويعلن الليل عن حضوره، حينها يتلألأ المعبد بأنواره الذهبية المنعكسة على البحيرة. وحين تشرق الشمس على المعبد تضفي عليه شعاعاً فوق سطحه الذهبي الخارجي.

تعرض المعبد طوال تاريخه من فترة الحروب الأهلية اليابانية إلى نهاية الحرب العالمية الثانية بعدة عمليات سلب ونهب ومحاولات تدمير، إلا أن المعبد احتفظ بمكانته ولم يمس. وفي ذروة الحرب العالمية لم تتلقى مدينة كيوتو التي تحتفظ بالمعبد أي أضرار جسيمة ونجا المعبد من السقوط. بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بخمس سنوات، وتحديداً في تاريخ 1 من يوليو 1950 تعرض المعبد لحدث هز المجتمع الياباني. لم يصدم هذا الحادث اليابانيين أو البوذيين وحسب، بل كل مهتم بالشأن الحضاري والغنى الثقافي والتاريخي للمعبد تعرض للصدمة. قام أحد رهبان المعبد بإشعال النار في المعبد وأحال ذلك الرمز الجمالي إلى رماد! لم يتم التعرف على وجه الدقة لماذا قام هذا الراهب القادم من قرية فقيرة إلى تدمير كنز وطني للقومية اليابانية. قال في محاكمته أن كان يحتج على تسويق البوذية وتحويلها إلى تجارة في زمن الهزيمة ( في سنة حريق المعبد، كانت إدارة المعبد تفتح أبوابها للسياح لزيارة المعبد )، لكن يبقى الأمر غير واضح في المجمل إذ لم تُعرف الدوافع التي دفعت هذا الراهب لحرق وتدمير المعبد.

حين يلهم هذا الحدث التاريخي أحد الروائيين للكتابة عنه، كيف يستطيع الروائي حينها أن يجذب القارئ في رحلة نهايتها معروفة: تدمير كنز قومي للبلاد؟ هل من الممكن أن يكون الراهب الذي قام بإحراق المعبد موضوع للبطولة وللكتابة عنه في نص يحاول الإجابة عن سؤال: لماذا تم تدمير هذا المعبد؟ هل هناك دوافع خفية منطقية بإمكانها تقديم تفسير منطقي لما حدث؟

الروائي الياباني الشهير يوكيو ميشيما وجد في هذا الموضوع، أي حرق المعبد، فرصة ذهبية لكتابة رواية فلسفية تبحث في الفكرة والدافع والحدث نفسه. هناك وقائع تاريخية لا يمكن التغاضي عنها إذا تم تناول موضوع حريق المعبد، مثل حياة هذا الراهب وتاريخه وسجله الشخصي في المعبد. قام ميشيما بالإطلاع على سجلات المحاكمة بل وذهب إلى السجن لمقابلة الراهب. ميشيما لم يحرف في تاريخ المعبد، بل حافظ على ركيزته الأساسية، ألا وهو حرق المعبد ذاته. أما الرواية بشخصياتها وفلسفتها ستكون من نسج قلمه، لا من سجل الواقع. سيجعل بطل روايته هو الراهب الذي قام بإحراق المعبد، وسيعطي المعبد وجود مكاني وتاريخي له حضور في الذاكرة الشخصية للأبطال، يؤثر عليهم ويتأثرون به. أما الموضوع الذي سوف يمسك بخيوط الرواية ويقودها إلى تدمير المعبد هو الجمال.


بطل رواية معبد السرداق الذهبي هو الصبي الفقير ميزوجيشي، ابن أحد الرهبان القاطنين على ساحل بحر اليابان. مصاب بالتلعثم في الكلام، لا يستطيع الانطلاق في الحديث. هذه الشخصية عبرت عن فلسفة الرواية دفعة واحدة، حين أشار في الفصل الأول بأنه ليس من قبيل المبالغة بأن أولى المشاكل الحقيقية التي واجهها في حياته هي الجمال. وتحديداً حين أخبره أبيه بأن ما من ما من شيء على هذه الأرض أجمل من معبد السرادق الذهبي. وحين يتحقق حلم ميزوجيشي بالذهاب إلى المعبد للإقامة فيه تصيبه الرعدة والنشوة لأنه سيشاهد ويعيش بالقرب من الرمز الأقرب للكمال الجمالي. حين يتطلع إلى المعبد من أول نظرة يخبر المعبد بأنه أخيراً قد حضر إليه، و يتوسل إلى المعبد بأن يكون صديقاً له ويكشف سره العظيم. هو يشعر بأنه يستطيع مشاهدة جمال المعبد لكنه لم يره حتى الآن، من النظرة الأولى. يتوسل للمعبد بأن يظهر له جمال يفوق الجمال الذي ظهر له في عقله. وحينها قد يستطيع المعبد أن يخبر ميزوجيشي المتلعثم: إذا كان المعبد جميلاً جداً ولا يوجد أي شيء في العالم يصلح للمقارنة معه، لماذا يجب عليه أن يكون جميلاً إلى هذه الدرجة، ولماذا يجب أن يكون قائماً على أساس الجمال ولا شيء آخر؟

تقوم الرواية على أساس سرد الراوي، والذي هو الراهب نفسه، محاولاً تسجيل ذكرياته من المراهقة إلى المعبد دون القفز على النتيجة النهاية. ليس هناك أي نوع من الأزمنة الحرة في التقدم والتراجع. هناك زمن يمتد من قبل الحرب العالمية إلى حادث تدمير المعبد. في هذه الرحلة الروائية يكشف ميشيما عن حالة بطله المنزوية في ركن مجهول عن الآخرين. شخصية فقيرة مصابة بعلة في النطق، مشكلته الرئيسية هي الجمال وفكرة جمال المعبد. رغم أن المعبد هو الركيزة الأساسية في النص إلا أننا لا نجد ذلك النوع من الإسهاب في المونولج الداخلي، في عقل البطل حول المعبد وجماليته. أحداث الحياة هي من تؤثر في شخصية البطل. وهذه التأثيرات تظهر كانعكاسات تجاه المعبد. فنجد المعبد عند ميزوجيشي في البداية سر عظيم يستحق الكشف عنه، ثم صديق، ورفيق، وحامي، ودرع حصين، إلى أن يصبح العدو الأكبر لميزوجيشي. حين يجد نفسه في مغامرة لأول اتصال مع فتاة يظهر المعبد في وجهه كحجاب محاولاً منعه من الإقدام على هذا الفعل. وحين تضرب عاصفة رعدية المعبد يصرخ البطل وهو داخل المعبد محاولاً التحول إلى المعبد ذاته، والمعبد إليه هو. كل ذلك بلغة عظيمة تفنن ميشيما بالكتابة عنها.

إن قدرة الجمال على الصمود في زمن الحرب والفقد العظيم لمجموعة هائلة من البشر، تدفع البطل إلى التساؤل: لماذا يظل هذا الجمال قائماً بذاته بينما يفقد البشر أرواحهم. يتمنى من أعماق قلبه أن يحقق هذا الجمال ولو لمرة واحدة نوع من المشاركة مع الناس، أي أن يموت معهم، أن يشعر بإحساس الفقد والموت والدمار. لكن المعبد ظل محتفظاً بقوته وجماله.

أحد النقاد قال بأن رغم أن كثير من القراء يفضلون القول بأن ميشيما في معبد السرادق الذهبي دوستويفسكي النزعة، إلا أنه يرى بأن ميشيما يستحق أن يكون تولستوي اليابان. لا أستطيع تخيل أي شكل من أشكال التولستوية في فن ميشيما، وتحديداً في هذه الرواية. النزعة الدوستويفسكية ليست واضحة، بل مكشوفة ويسهل الكشف عنها. ولمن قرأ الشياطين والأبله لدوستويفسكي لن يبتعد أكثر من القول بأن واحد من شخصيات الأبله والشياطين موجود بقوة في رواية ميشيما هذه. في حين أن ميزوجيشي قد يشبه نوعاً ما بطل رواية الأبله، إلا أنه ممتلك لحضوره الواعي ومؤمن بفكرة تحمل طابع التغير والتحول، نجد التدريج في تطور فكرته الجمالية حول المعبد من عشق ووله إلى حرب وكراهية وعداء. بل ومن المثير للانتباه أن يتشارك الاثنان، أي بطل رواية ميشيما ودوستويفسكي النهاية ذاتها، رؤية تدميرية للجمال، وإن كانت السبل مختلفة.

واحد من أشهر شخصيات رواية ميشيما هي شخصية كاشيواغي. هذه الشخصية عدمية بإمتياز، نسخة طبق الأصل من العدمي ستافروجين، بطل رواية الشياطين لدوستويفسكي. حين تتحدث هذه الشخصية يحدث الاصطدام العنيف بين بطلي الرواية. في حين أن البطل الأول واقع تحت تأثير النطق المتلعثم ولا يستطيع أن يعبر إلا بتغيرات حول نظريته الجمالية، نجد هذه الشخصية العرجاء تتفجر حديثاً دون توقف حول الجمال والمعرفة. في حين يؤمن كاشيواغي بأن المعرفة هي السبيل الوحيد لتغيير العالم، يرد ميزوجيشي بأن ما يغير العالم ليس المعرفة أو الكلمة، بل الفعل. بالفعل وحده يستطيع تغيير العالم. وعبر الفعل كذلك يؤمن ميشيما بطل الرواية. إنه يشبه بطله، لكنه لم يدمر المعبد، بل قام بعمله الذي يؤمن بأنه واقعي ويجب أن يتم: اقتحام وزارة الدفاع والمطالبة بثورة مسلحة لإعادة الشرف للإمبراطورية المستسلمة.

نظرية ميزوجيشي عن الجمال ليست ثابتة، بل متغيرة وتتطور بعد تقدم الزمن ومعايشة اللحظة الحاضرة. نظريته في الجمال حين كان شاباً تتغير عن نظريته حين أقام في المعبد. وحين تؤثر دراما الحياة فيه فإنها تؤثر في نفسه وتدفعه دفعاً لتغيير أفكاره. الزمن الروائي زمن صعب وعنيف، زمن سقوط القومية اليابانية وهزيمتها. حين يعبر ميشيما عن اليابان تجده يرسم صورة لمقطع هو أشبه بالحلم في أحد المعابد، حين تقدم إحدى السيدات الشاي لأحد أقرباءها العسكريين، وتاخذ من حليب ثديها وتضعه في الشاي ليشربه ذلك الرجل الذي لن يعود إلى الأبد. وحين يريد أن يذكر السقوط المدوي للأمة يعطي لمحة دفعته دفعته لحرق المعبد، حين شاهد راهب المعبد الكبير برفقة إحدى سيدات الجيشا في الشارع، وكأن المصادر الروحية انطلقت بعيداً عن مكانتها الأصلية وسقطت كما سقط وتغير الكثير، ومنها الامبراطور الذي أصبح إنساناً بعد أن كان بمثابة الإله. يقول الناقد الأدبي وصديق ميشيما، دونالد كين بأن الفصول التي يعبر فيها البطل عن الجمال والمعبد لا يمكن أن تكون مخصصة لأفكار البطل أو أن تكون مختلقة لتكون هي الفكرة الرئيسية. حين ينطق ميزوجيشي عن الجمال فإن ميشيما نفسه هو الذي يتحدث، وكأنه يتعبد في محراب الجمال. المشهد الذي أحدث الثورة الداخلية ودفع البطل لاتخاذ قراره هو هروبه من المعبد وتأمله لبحر اليابان الممتد العريض. وكأنه يصرخ به بأن قم بالعمل، الفعل اللازم لتغيير العالم، أي حرق المعبد! أصبح المعبد هو عدوه الرئيس، لأن الجمال هو المسئول عن كل ما تعرض ميزوجيشي، عن قبحه وتلعثمه، وآن لهذا الجمال أن يسقط، أو ينام، للأبد.

ميشيما لم يقدم أي نوع من الإدانة، أو يدفع القارئ لرؤية أن من قام بهذا الفعل هو مجرم أو عمل تدميري. بروايته هذه حول حريق المعبد إلى طقس إحتفالي، عبر شرارات النار التي غطت سماء المعبد وجعلت منه شكلاً عظيماً وجميلاً.

لا أصنف نفسي قارئاً للأدب الياباني. هذه أول تجربة حقيقية وكاملة. التجربة الأولى كانت مع الروائي البريطاني من أصل ياباني كازو إيشيجيرو، وإن كان منفصلاً عن حضوره الياباني بشكل كامل. التجربة الثانية كانت مع موراكي، ولا أقول بأنها لم تكن جيدة، بل فاشلة. رغم الحضور الجماهيري وشعبيته كما يظهر عند القراء العرب لم أستطع تقبل أي نص له ولا أعرف السبب. أما يوكيو ميشيما، فهي تجربة كاملة وحقيقية. بل وأشعر بأنه يعطي الكثير ويكتب وكأنه كاتب كلاسيكي. انطلاقات فذة في الحوار، وشعرية جميلة في محاولة شرسة لتقديم فلسفة عن الجمال، محاولاً تفكيكها وإظهار ذلك النوع من الطابع التدميري في الجمال. ولا استغرب أن يملك ميشيما مثل هذا الحضور الفني وتحديداً في معبد السرداق الذهبي. اشار ميشيما بأنه تأثر بأديبين اثنين حين كتب هذه الرواية. الأول ياباني وهو موري أوجاي. استفاد منه في صياغة الشكل العام للرواية بطريقة تختلف عن الشكل الذي يتناوله ميشيما في نصوصه. أما الروائي الثاني فهو الألماني توماس مان، وتحديداً من رواية الجبل السحري. استفاد منه في معرفة كيف يكون الحوار – رغم طابعه الفلسفي العالي- قادراً على رفع حبكة الرواية ونسيجها الداخلي. رباعية البحر الخصيب ليوكيو ميشيما هي هدف قادم في قراءاتي المستقبلية، إن شاء الله.

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب آسيوي. حفظ الرابط الثابت.

2 Responses to معبد السرادق الذهبي

  1. wejdan كتب:

    قراءة تفصيلية ثرية..جميل جداً هذا التناغم بين. قراءاتك الحديثة و السابقة..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s