ستيفان تسفايج: شريد عالمه

قبل أن يكون الأديب النمساوي ستيفان تسفايج روائي وقاص وكاتب مقالات وكاتب متخصص في السير، هو قارئ محترف، بل ولا أبالغ إن قلت أنه من أكبر قراء النصف الأول من القرن العشرين. يعرف جيداً ماذا يريد القارئ وعن ماذا يبحث. ويعرف جيداً تلك الحالة الشعورية التي تجبر القارئ على عدم ترك الكتاب لأنه وجد شيئاً يستحق أن يُعطى الوقت اللازم لأجله. حين يكتب عن سير الأدباء والمغامرين والموسيقيين فإنه لا يُكثر من ذكر المراجع والأقوال بحيث تظهر لنا السيرة وكأنها بحث يقدم لقارئ يبحث عن معلومة، هو يفرز كل ما مر عليه من قراءاته وبحثه ويعرض رأيه في مقالة تحتوي على الجديد والجميل، والأهم من ذلك: متعة قارئه ومتعته هو ككاتب. هو يكتب لأنه يعشق الكتابة ويستمتع بها ويجد فيها مرآة ضخمة للجمال، هذا ما يجيده ستيفان بمهارة. وإن كنت اعتبر ستيفان من أذكى الكتاب القراء وأعمقهم في منتصف القرن الماضي، فهو يصف نفسه بالقارئ الغير صبور، لا يستطيع الانتظار طويلاً حتى تأتي تلك اللحظات المربكة في الكتب. حسب تصوره: الكتاب الذي يحافظ باستمرار على مستواه صفحة بعد صفحة، والذي يستحوذ على انتباه القارئ استحواذاً تاماً حتى السطر الأخير، هذا الكتاب فقط هو الذي يمنح القارئ متعة كاملة. ولذلك اقترح اقتراحاً أظن بأنه كان سيكون إنتحارياً، وهو القيام بنشر سلسلة كاملة من آداب العالم القديم والحديث مع حذف تام لكل ما هو زائد فيها، عندئذ يمكن أن تكتسب كل تلك الأعمال التي لا يُشك في قيمتها الخالدة حياة جديدة وتأثيراً جديداً في حياتنا.

من أقسى الرسائل التي نشرت في القرن العشرين هي رسالة ستيفان تسفايج الأخيرة، قبل أن يقوم بعمله الأخير والنهائي: الانتحار. بدأ رسالته بشكر حكومة البرازيل وشعبها على استضافته بعد أن اختفى موطنه الروحي للأبد، ثم يقول:

ولكن الذي بلغ الستين من العمر يحتاج إلى طاقات غير عادية حتى يبدأ بداية جديدة كل الجدة، وما لدي من طاقات قد استنزفتها أعوام التشرد المديدة، لذلك من الأفضل في اعتقادي أن أختم في الوقت المناسب، وأنا منتصب القامة، حياة كان العمل الفكري فيها يعني الفرح الأصفى، والحرية الشخصية الأنقى، والخير الأسمى على الأرض. تحياتي إلى كل أصدقائي! عسى أن تتسنى لهم رؤية الفجر بعد هذا الليل الطويل! وها أنا ذا أتقدمهم وقد فرغ صبري تماماً.

لم يكن ستيفان مفتوناً بالنهايات الدرامية في الحياة. ولم يظهر في سنوات عمره الممتدة من ثمانينيات القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين ما يشبه النزعة الانتحارية لتحرير نفسه. عاش في عصر أسماه بعصر الأمن الذهبي. عصر كان فيه الأمن والاطمئنان ركيزة أساسية يستحيل تدميرها بأي وسيلة كانت. ولكن هذا العصر الذي اطمئن فيه الجميع على أرواحهم وسلامتهم قد سقط بفعل حربين عالميتين عاصرها ستيفان بالتمام والكمال. وهذا المعاصرة قد أسقطت هويته مرتين بصورة متسارعة جداً: اختفى وطنه للأبد، وأضحت مدينته العامرة بالموسيقى والمسرح مجرد مدينة إقليمية تابعة للنازية الألمانية. من يقرأ مذكرات ستيفان في كتابه عالم الأمس سيعجب بهذا النوع من الحياة المليئة بالكتب والمسرح والموسيقى والكتابة والترحال في سبيل الأدب والفكر، ولكن من سيلحظ إشارة ستيفان لرغبته في الانتحار في الصفحة الأولى من الكتاب، حين يشير بأن منزله ووجوده تعرض للتدمير ثلاث مرات، تم فصله عن الماضي وكل ما كان وقذفوا به إلى الفراغ، إلى حيث لا يعرف أبداً!


ينتمي ستيفان لعائلة يهودية نمساوية فاحشة الثراء، في وطن لم تكن أحداث البرلمان أو شؤون العالم تثير لدى السكان أي نوع من الاهتمام. أول ما ينظر إليه المواطن النمساوي كما يشير ستيفان هو المسرح، من شخصيات ونصوص وحياة. حياة المسرح لم تكن مجرد منصة يمثل عليها الممثلون، بل كانت عالم صغير يعكس ما يجري في العالم الكبير. إن وفاة شخصيات سياسية حدث خاص يتعلق بفئة محددة، أما وفاة ممثل مسرحي فهو حدث قومي يستدعي الانتباه والمشاركة في الرثاء. حين يتحدث ستيفان عن نفسه وجمهور طائفته- كيهود نمساويين- فهو يذكر بأن غاية ما يطمحون إليه هو الاندماج مع مكونات الشعب العامة، دون أي محاولة للتدخل في أي سياق أو طبقة معينة خشية أن يجر هذا التدخل عواقب وخيمة على الطائفة. حين يكون هذا الفندق كمثال خاص لاجتماعات الطبقة النبيلة فهم لا يدخلون في هذا الفندق إلا إذا كانوا مجبرين – كمناسبة عامة مثلاً-، وحين تكون المناصب القيادية في الدولة تقوم على أسس طبقية معينة فهم لا يتجرأون للدخول فيها. المكان الوحيد الذي وجدت فيه طائفة ستيفان الدينية مجالاً يسمح لهم بالاندماج في مكونات الشعب العامة دون تخصيص هو الفن والمسرح. إن مجمل الفنون والآداب والموسيقى التي سطعت في أوائل القرن العشرين في النمسا لم تكن لتشع بهذا الإشعاع الحضاري لولا دعم الطائفة اليهودية ووقوفها خلف الفن والأدب. في هذه البيئة التي كانت تتهيأ لثورة في الحياة الاجتماعية والعلاقات بين الجنسين نشأ ستيفان تسفايج. كان النظام في مملكة هابسبورغ النمساوية والذي وصفه ستيفان بعصر الأمن الذهبي، يحمل جمود هائل يضرب الحياة الاجتماعية، من العلاقات بين الأفراد والجنسين إلى المدرسة التي كانت بمثابة سجن، حيث يذكر بأن غاية ما يحدث في هذه الجدران هو انقضاء الوقت وترديد المقولات خلف الأساتذة دون أي نشاط إبداعي يسمح بالاكتشاف والمغامرة والحوار. ولكي يعوض هذا الجفاف الذي يضرب في الحياة الاجتماعية والدراسية يكوّن ستيفان مع مجموعة من رفاقه مجموعة تكتب الشعر وتقرض الأدب وتكتب المقالات في شتى الصحف الألمانية في النمسا وألمانيا. هذه الانطلاقة الأولى في المجموعة الأدبية حررت ستيفان ليرتقي في عوالم لا تحدها حدود. يلتقي بأعلام عصره ويصبح صديقاً لهم، بل ومن النادر أن يكون هناك أديب ومفكر في القرن العشرين دون أن يكون ستيفان صديقاً له، مثل ريلكه وفرويد وجيمس جويس ودالي ورومان رولان وآخرين.

وهذه الانطلاقة الأدبية رافقتها رحلة في دنيا العالم. فها هو ستيفان ينطلق من شرق العالم إلى غربه دون جواز سفر، وهو يعرف عن تلك الأراضي قبل أن يزورها من قراءته لها في الكتب. حين يصل إلى أمريكا يبحث عن قبر والت وايتمان، بل ويسأل موظف في أحد الفنادق عن مكان القبر، ولم يتلقى إجابة لعدم معرفة الموظف عن حقيقة عقل هذا الإنسان الذي قطع مسافة طويلة ليرى قبر! وهذه الرحلة تفتح له الباب لأن يصبح جامع تحف من نوع نادر، يجمع المخطوطات الأدبية واللوحات التشكيلية التي خطها أدباء، حتى يصل إلى اختبار ما قرأ في الكتب على أرض الواقع. حين يصل إلى روسيا كان يعرف جيداً أي أرض وأي شعب سيقابل، لأن كاتبيه المفضلين – تولستوي ودوستويفسكي- قد كتبا عن هذا الشعب بأبلغ وأجمل صورة من الممكن أن تُكتب. لن يعرف القارئ عشق ستيفان للأدب حتى يقرأ ذلك المقطع من عالم الأمس، حين تجمع الصدفة ستيفان بامرأة عجوز، كانت قد قابلت الشاعر الألماني غوته، وها هو يقف أمام تلك العين التي توجهت لها يوماً ما ما يصفه بنظرة غوته المقدسة!

نتاج رحلات ستيفان وعشقه للأدب مجموعة مميزة من الروايات والقصص وكتب السير. في كتاب ساعات القدر في تاريخ البشرية يستعرض ستيفان أحداث تاريخية من اكتشافات وتغيرات وتطورات، غير أنه لا يقوم بسرد تاريخ حدث معين بشكل كامل. هو يبحث عن تلك الدقيقة الفاصلة بين مرحلتين. مرحلة أولى كان الحدث التاريخي فيه يسير ببطئ، ثم تعمل تلك الدقيقة عملها وتحدث أثراً تدفع بالتاريخ دفعاً بصورة كبيرة جداً. أتذكر الدقيقة التي تناولها عن الموسيقي الشهير هاندل. يستعرض تاريخ حياته التي كلها موسيقى وشغف محموم في هذا المجال، ثم يتعرض لإصابة أفقدته القدرة على العزف والتأليف الموسيقي. كان يعاني من التهاب في المفاصل جعلت الجزء الأيمن من جسده غير قابل للحركة أو التحكم. يستطيع أن يخسر الكثير، لكن لا يستطيع أن يخسر الأداة التي سخر كل حياته وعقله من أجلها: الموسيقى. زج بنفسه في الماء الساخن لفترة لا تتجاوز الشهر، بمعدل يومي يناهز الثمان ساعات. في نهاية الأسبوع الثاني من استشفاءه، خرج من الحمام الساخن وهو غريب عن عالمه، أو كأنه لا يعرف هل حدثت له معجزة أم لا. يخرج مرتدياً ملابسه ويسير في الطرقات. يذهب إلى كنيسة المدينة الكبرى، ووصل إلى الأرغن، ثم عزف عليه عزفاً جعل الناس يعزون شفاءه إلى المعجزة. من تلك الدقيقة الفاصلة بين مرحلتين تغيرت حياة هاندل. وكأنه تم إعادة إحياءه من جديد. هذه القصة حقيقية في حياة هاندل، ولكن كم من كاتب اكتشف سحر تلك الدقيقة الفاصلة بين مرحلتين وما تمثله من ثورة وانقلاب وتغير حقيقي ومؤثر. تلك الدقيقة تحتاج لعين ناقدة تحب الجميل، وستيفان يجيد ذلك بكل مهارة وقدرة. ليس ستيفان وحده من يملك تلك الملاحظة حول تلك الدقائق الذهبية. في كتابه ساعات القدر تناول دقيقتين من أشهر الدقائق في تاريخ الأدب الروسي. الأولى هي لحظة العفو عن الروائي دوستويفسكي لحظة إعدامه. والثانية قرار تولستوي الهرب من المنزل بعد تردد استمر لسنوات. من الملاحظ أن أفضل من كتب عن فن دوستويفسكي وتولستوي بهوى جامح هو ستيفان في كتاب بناة العالم. حتى في سيرته عالم الأمس يعتبر هذين الأديبين خارج النطاق، قاموا ببناء عالم جديد نادر. في الفصل الخاص بدقيقة دوستويفسكي لم نلحظ أي تصاعد قصصي كما في قصة هاندل. وكأنه يخشى أن لا يعطي كاتبه المفضل ما يستحق، فكتب عن تلك الدقيقة بقصيدة شعرية حول ساحة الإعدام التي ستشهد إعدام الكاتب، الاختلاجات والعصبية المفرطة حول الحياة والموت القادم، ثم العفو وسقوط الحياة فوق رأسه دفعة واحدة، لينضم حينها إلى عالم المنفيين والمسجونين، ويكتب حينها روائع أعماله الكبرى التي كان الجزء السفلي والساقط من الحياة البشرية هي محور أعماله. وبالمثل كذلك تناول دقيقة تولستوي، غير أن تناوله هذه المرة كان أكثر جرأة. لتولستوي مسرحية قصيرة غير مكتملة. ولا أظن بأن تولستوي كانت لديه الجرأة لإكمالها لأنها تستعرض الجزء الأخير من حياته بكل شدة، عبر أسماء وهمية. في المسرحية يزور طلاب ثوريين تولستوي ليتناقشوا معه حول الطريقة المثلى لتطوير البلاد الروسية. الطلاب يبجلون تولستوي ويريدون منه أن يقودهم في طريق الثورة المسلحة. غير أن تولستوي يرفض الثورة المسلحة ويرد عليهم بعبارات وردت في كتابه ملكوت الله في داخلكم، عبارات دينية حول اللاعنف والمقاومة السلمية وعدم رفع السلاح في وجه أياً كان، حتى للعدو نفسه. يختم أحد الطلاب النقاش بخطاب ثوري يسفه فيها تولستوي وينعته بالجبان لأنه يتحدث فقط ولا يقوم بالفعل. إن كان بالفعل مؤمناً بأفكاره هذه، فأضعف الإيمان أن يرحل من حياة الثراء هذه وأن ينضم للفقراء في مطالبتهم بحياة كريمة. أما عن القتل فإنه سيحدث، وإن حدث سيكون شاملاً وقد يصل للأطفال. تصيب الرعدة تولستوي جراء هذا الخطاب. تنتهي مسرحية تولستوي إلى هذا الحد. ستيفان أعاد كتابة المسرحية من جديد، قام بتغيير أسماء أبطال المسرحية إلى شخوص المسرحية الحقيقيين: تولستوي وسكرتيره وزوجته وابنته وطالبين. أما الجزء الذي أضافه فهو ما حدث فعلاً في حياة تولستوي. حين يحاول الرجل الكبير في السن أن يتلافى أي مشكلة مع زوجته، ويتعاهد معها على الصدق والإخلاص. وحين يجدها تبحث في أوراقه ويومياته دون إذن منه، تصيبه تلك الدقيقة العصبية، فيقرر الرحيل إلى المجهول. تلك الرحلة التي اكسبته شهرة فوق شهرته كأديب وفنان وداعية سلام. يشير ستيفان في بناة العالم أن تولستوي لم يبدع في أي عمل من أعماله الفنية على هذا المدى الطويل وبمثل هذه الحماسة مثلما أبدع في موته الخاص. هو يريد بحكم كونه فناناً أصيلاً لا يرضى باليسير، أن ينقل إلى البشرية هذا العمل الأخير بالذات، والذي هو أكثر أعماله إنسانية على الإطلاق، نقياً لا شائبة فيه.

يقول في مذكراته حين زار روسيا:

لم أشاهد في روسيا شيئاً أروع وأكثر تحريكاً للمشاعر من قبر تولستوي، فذلك الضريح المهيب يقع بعيداً عن الطريق، وحيداً في الغابة الظليلة. أخبرتني حفيدته أن تلك الأشجار السامقة غرسها هو نفسه. وحين كان صبياً سمع من إحدى عجائز القرى، أن السعادة تعم حيث تزرع الأشجار. ولذلك غرس هذه الأشجار. بعد وقت طويل تذكر الشيخ هذه النبوءة الجميلة، فعبر عن رغبته في أن يدفن تحت الأشجار التي غرسها، وقد دفن وفق رغبته. وتبين أن بساطة قبره قد جعلته أكثر قبور العالم تأثيراً في النفس. ربوة مستطيلة وسط غابة تشكل أشجارها فوقه قبة، بلا صليب، ولا شاخصة، ولا كلام منقوش. يرقد الرجل العظيم مثل أي شريد، مثل جندي مجهول. إن مدفن نابليون تحت أقواس الرخام في Unvalides أو تابوت غوته في Furstengruft لا يثير أي منها عاطفة عميقة كالتي يثيرها هذا الضريح في سكينته المهيبة، وانزوائه المشجي في موضع في الغابة لا يُسمع فيه إلا همسات الريح التي لا تحمل كلمة ولا رسالة.

للكلمة قيمة ورسالة، وقوة. إذا فقدت الكلمات قيمتها وقوتها لن يكون هناك وجود. حين انهار عصر الأمن الذهبي بفعل الاغتيال الذي فجر الحرب العالمية الأولى، وتقاذفت الدول إعلانات الحروب من كل جانب، لن يكون التعبير عن التضامن والأخوة الإنسانية والمشاركة في أحزان الدول المعادية أمراً مقبولاً أو مثالاً يحتذى عند القوى الوطنية والمجموعات العسكرية. كتب ستيفان مقالة في ذروة الحرب العالمية الأولى بعنوان إلى الأصدقاء في الخارج يعلن فيها إدانته للحرب أياً كانت الأطراف وبأنه سيكون وفياً لكل أصدقاءه من فرنسيين وغيرهم من البلدان مهما يكن المنتصر في هذه الحرب. تلقى ستيفان رداً من الطرف المعادي لوطنه، فرنسا، من الأديب الحائز على نوبل رومان رولان يعلن فيه تضامنه معه وبأنه لن يتخلى عن أصدقاءه كذلك. الكلمة وقوتها كانت مؤثرة في الحرب العالمية الأولى. لم تقتلها مؤسسات الدعاية، ولم يكفوا الناس عن احترام الكلمة المكتوبة والاهتمام بها. أم في الحرب العالمية الثانية، لم يكن للكلمة أي مكان، ولا تأثير. حين تفقد الكلمة معانها ولم يعد لها وجود، ماذا سيفعل صاحب الكلمة الذي يبشر بالأخوة والصداقة؟ لم يكن له إلا فعلته الأخيرة، والتي هي نتيجة منطقية لنفي وتشرد. بعد أن كانت المكتبات الألمانية تتسابق على طباعة ونشر مؤلفات ستيفان تسفايج، أصبح وجود أي كتاب له في أي مكتبة ألمانية يقود إلى المصادرة والنفي والاعتقال. وإن كان ستيفان يعلن باعتزاز أن ما من فخر له هو أعظم من إغاضة هتلر الذي كان يكرهه كرهاً شديداً، إلا أن نهاية رحلته كانت شديدة البؤس. من تشرد إلى تشرد، ومن منفى إلى منفى. وحتى وهو في المنفى، يبقى وجوده مشكوكاً فيه، لأنه يتحدث الألمانية في بلاد الإنجليز. حين يبحث عن مرآة لنفسه يجد مؤلفاته أمامه باللغة الإنجليزية والفرنسية ولغات أخرى، ولكن أين مؤلفاته التي كتبها بلغته الأم؟ اختفت. لم يعد لها وجود. يشاهد أعماله كغريب في عالم غريب لا ينتمي له. وحين يعود لوطنه النمسا في زيارة أخيرة ونهائية، لن يستطيع إلا النظر في كل الشوارع المألوفة له، وكل كنيسة وزاوية وحديقة، مردداً في داخله:

هيهات! لن أعود ثانية!

لستيفان عدد من الروايات الناجحة مثل رسالة من امرأة مجهولة، والتي تم تجسيدها في فيلم سينمائي جميل – Letter from an Unknown Woman 1948- ويعكس بعض تقنيات ستيفان الأدبية ومنها الإثارة السيكولوجية هذه الخاصية الأدبية في أدب ستيفان مميزة ومحكمة، لا تحتوي على تفرعات وزخارف كما يقدر على ذلك الرواة في القرن التاسع عشر، بل مختصرة في الأبطال أنفسهم، بوجودهم وقلقهم الوجودي. في رسالة إلى امرأة مجهولة يتلقى أحد العازفين رسالة طويلة من امرأة مجهولة تبث فيها ما تشعر به تجاه أحد الرجال الذين أحبتهم. مع التقدم في الرسالة تمتلئ الفراغات الشاسعة في قصة هذه الفتاة، يصبح عمر القصة سنوات من العشق والرحيل والسقوط، وتصل الرسالة إلى ذروتها حين يكتشف الشاب العازف حقيقة هذه المرأة ووجودها وما تمثل في حياته.

قصة أخرى اعتبرها تاج أدب ستيفان، رغم أنها من أقصر أعماله الروائية ولم تنشر إلا بعد وفاته. كيف لقصة أساسها لعبة شطرنج بين شخصيتين أن تحمل في طياتها الهروب من الجنون إلى العقل، وهروب العقل إلى الجنون ملتحماً معه، وكأن المرض والحياة، والجنون والتعقل اندمجا سوية في رباط يصعب فصله. البطل الأول هو شاب ريفي متزمت لا يحسن الكلام، قضى جزء كبير من طفولته مراقباً القس يلعب الشطرنج. نتيجة هذه السنوات من المشاهدة أنه أصبح أفضل لاعب شطرنج على الاطلاق. البطل الثاني ليس بلاعب شطرنج، ولم يفكر يوماً بأن يخوض غمار هذه اللعبة الملكية. لكن ماذا لو كانت هذه اللعبة هي السبب في نجدته من جنون الثبات والسكون إلى حياة العقل والتفكير؟ حين أقول جنون الثبات والسكون فأنا أشير إلى ما يشبه المعتقل أو الغرفة التي يُسجن فيها المرء، لا وجود لأي أحد غير السجين وأشياءه في هذا السجن. لا يتحدث مع أحد ولا يرى أحد، معلقاً في هذا الزمن المتوقف تماماً. الزمن غير موجود وانتفى وجوده. هذا السجين المعزول الذي يعيش خارج نطاق الزمان يتلقف كتاباً قد يحدث أثراً بتغيير حركة الزمن والعقل، فيجد كتاباً لتعليم لعبة الشطرنج. لن يتخلى عن شيء لا يعرفه، بل سيتسمك بها لأنها دعامة أولى في إعمال العقل بعد توقف دام لفترة طويلة جداً. غير أن القانون يقول أن ما يتعلمه هذا السجين يستلزم وجود شخص آخر. من هنا استطاع السجين أن ينقذ نفسه وأن يعيد حركة الزمن للدوران وأن يعمل العقل في جهد متواصل للثبات والنضال. إن لم يكن يملك شخص آخر للعب معه في هذا السجن، سيخلق شخص آخر من اللاوجود ليلعب معه، وهذا الشخص الآخر لم يكن إلا هو نفسه! يلعب مع نفسه ضد نفسه داخل عقله في ثورة محمومة للنجاة. هذه الثورة تحمل رؤيتين: ستكون طريقاً للعقل، وستكون طريقاً للجنون في ذات الوقت. هذه القصة بالغة القصر لا تتجاوز الثمانين صفحة. لكن ماذا تهب لقارئها؟ تحتوي على أقصى إثارة قد يجدها القارئ في الروايات البوليسية، وتحتوي على عمق يجعلك تتساءل: كيف استطاعت صفحات قليلة أن تحمل هذه الدرجة الرفيعة من العمق؟!

طوال قراءاتي في أدب وكتابات ستيفان تسفايج الشهر الماضي، كان يهبني معلومة وتحليلاً وتشويقاً وإثارة على مختلف مستويات كتاباته، من سيرته في كتاب عالم الأمس إلى السير الخاصة بالأدباء في كتاب بناة العالم إلى كتاب ساعات القدر في تاريخ البشرية وإلى فيلم رسالة مجهولة وقصة الشطرنج، لم تقل لدي الرغبة ولو لثانية حين أقرأ لقلم ستيفان تسفايج. ومن هنا أقول: ستيفان تسفايج أديب عظيم، هبة من القدر إلى العالم ليعطي كلمة وأدباً ترسخ في ذاكرة التاريخ.

رابط ذو صلة بقبر تولستوي
Tolstoy’s Grave

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب ألماني. حفظ الرابط الثابت.

6 Responses to ستيفان تسفايج: شريد عالمه

  1. فريد كتب:

    اشكر الأيادي البيضاء التى قدمت لنا هصارة الأدب وسقتنا
    من ينابيع الفكر الثجاج ومسحت من على قلوبنا غبار هذا الزمن الخاوي..
    شكراً

  2. عبد الخالق كيطان كتب:

    لماذا لا استطيع العثور على كاتب المقال؟

  3. Elbelghiti كتب:

    امتداد رائع…شكرًا لك

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s