هيلين كيلر: قصة حياتي


في مقالة للمؤرخ اليساري هوارد زن عن إيما غولدون، انتقد زن التغييب الذي تمارسه بعض وسائل الإعلام عن بعض الشخصيات المؤثرة في الحراك الاجتماعي. ذكر عدة أسماء ومن بينها هيلين كيلر. قال بما معناه أن الغالبية من الناس يعرفون هيلين كيلر كمعجزة إنسانية ولا يعرفون هيلين كيلر الإشتراكية التي تهاجم الحرب والناقدة للفقر والاضطهاد. اتفق مع ما ذكره زن حول هذا التغييب. أما في حالة هيلين كيلر فلا أجد أي مبرر لتقديمها للجمهور منتسبة لأي تيار لأن قوتها هي في معجزتها البشرية، وهذه المعجزة حين تنتقد وتتحدث عن الفقر في كتاباتها، فإن تأثيرها أكبر ويأخذ زخماً أعمق لأنه ينطلق من حالة استثنائية لا تشاهد الفقر والاضطهاد رؤيا العين. فتاة عاشت في الظلام لعدة سنوات. انطلقت روحها بعد سجن، وها هي تعيش وكأنها أي فرد طبيعي تحس وتعشر بما يشعر به الآخرين. لم يجعلها الحصار تسكن في محيطها الخاص، بل انطلقت. قصة هيلين كيلر معروفة، إما من السلاسل التفزيونية الكرتونية والأفلام السينمائية وفي الكتابات عن الشخصيات العظيمة في القرن العشرين، وبالطبع: كل ذلك وأكثر في كتابها الذي يحكي سيرة حياتها: قصة حياتي.

من الممكن أني أخذت هذا الكتاب مصادفة في أحد رحلاتي للخارج. لا أعرف بالضبط من أين حصلت عليه وكيف اخترت هذه النسخة التي تتميز بوجود قصة حياتها كما روتها ورسائلها الخاصة إلى معلمتها وقادة المنظمات الاجتماعية والتعليمية، ورسائل معلمتها التي أطلقت الروح السجينة: آني سوليفان. قرأت الكتاب في أيام قليلة وقرأت بعض رسائلها ورسائل معلمتها.

حين أصيبت هيلين كيلر بالعمى والصمم بعد حمى شديدة، أصبحت محاصرة بجدار حديدي لا يمكن لها أن تعرف إلى أين تذهب أو من هم بقربها. أن تفقد البصر، قد تجد تعويضاً في السمع الذي يهب وسيلة تواصل مع المحيط القريب، أما أن يضاف الصمم مع العمى، فها هنا يصبح الحصار مضاعفاً والخروج منه صعب المنال. قام والديها بمراسلة عدة معاهد متخصصة بتعليم من هم مثل حالة هيلين ولم يجدوا تجاوب حقيقي. زار أبيها مع هيلين المخترع ألكسندر غراهام بل، وأهدى لهم عدة نصائح حول حالتها والتوجه برسالة لأحد المعاهد التي قد تقدم مساعدة لهيلين. وكانت النتيجة هي حضور آني سوليفان إلى بيت هيلين لتولي مهمة تعليمها.

كانت هيلين قد اعتادت الظلام والصمت. حين وصلت معلمتها بدأت روحها تتحرر وتنطلق من سجنها. كانت المهمة الأولى لمعلمتها هي تعليمها عدة كلمات بواسطة اليد. غير أن تلك الوسيلة التعليمية ناقصة وغير مفيدة لأنها كلمات بلا معنى، بلا أي هدف. ماذا يعني أن تعرف كلمة ماء دون أن تعرف ماذا يعني الماء حقيقة. وماذا يعني أن تعرف كلمة حب دون أن تجد تجسيداً لهذه الكلمة أو معنى. في واحدة من أجمل مشاهد هذه السيرة وصل إلى هيلين معنى الكلمات واتجاهها. هذا المشهد هو أهم حدث في مسيرة تعليمها. ليس فقط لأنها تعرفت على معنى الكلمات، بل لأن طريق طويل من التواصل فُتح على مصراعيه وانطلق يتدفق بسرعة هائلة، وتمكنت من خلالها هيلين أن تتواصل مع عائلتها ومعلمتها والعالم بأكمله. تقول في الفصل الخامس من سيرة حياتها:

سرنا في الطريق إلى البئر. شخص ما كان يسحب الماء، وقامت معلمتي بوضع يدي تحت هذا الماء المتدفق. بينما كان الماء يتساقط على يدي، أخذت معلمتي تتهجى على اليد الأخرى ببطء بداية ثم بسرعة كلمة: ماء. وقفت صامتة هادئة، وكل اهتمامي موجة نحو حركة الأصابع. فجأة، ظهر لي أني تذكرت شيئاً ما كنت قد نسيته! تكشف لي بطريقة ما سر اللغة، إذ علمت أن كلمة ماء تعني ذلك الشيء البارد الذي يتدفق على يدي. تلك الكلمة أيقظت روحي وأطلقتها من سجنها.

وتذكر معلمتها في رسالة لها تأثير ذلك الحدث البسيط في حياة هيلين: وقع هذا الصباح حدث ذا أهمية كبيرة. قفزت هيلين بخطى كبيرة في مسيرة تعليمها، لقد تعلمت أن كل شيء له اسم، وأن هذه الحروف الأبجدية هي مفتاح لكل شيء قد تريد معرفته.

هي صورة بالغة الشعرية، مفرطة في الجمال والعظمة. بعد تخطيها لهذه الخطوة فتح باب الكلمات على مصراعيه، ولن تجد الكلمات أجمل من الكتب التي أصبحت عند هيلين بمثابة المدينة الفاضلة: مرآة لمعرفة كل شيء. فها هي تعرف تقرأ أمهات الكتب الأدبية والتاريخية بلغاتها الأصلية اليونانية والفرنسية والألمانية. المتأمل لمشهد سيرة حياتها قد يلحظ شيئاً غريباً حدث لها. المجتمع البعيد لم يعاملها وكأنها فاقدة لأي شيء. ما يسري على الجميع قد يسري عليها. لا تعرف هيلين من حكى لها في طفولتها قصة قصيرة. وبعد عدة سنوات، حين انطلقت في مجال الكتابة والقراءة – وهي شابة في العشرينات- كتبت هذه القصة بقلمها. ما لم تتيقن منه هيلين أن هذه القصة لكاتب آخر، وأن هذه الكتابة قد فتحت عليها باب كاد أن يدمرها. تم استجوابها والتحقيق معها حول هذا الأمر. انتهت هذه القضية بسلام كما تقول إلا أنها شكلت مفصلاً كاد أن يلقي بها إلى غياهب المجهول. حين نقرأ تفاصيل هذه القضية نجد أن الجميع عاملها كإنسان كامل له حقوق وعليه واجبات ولا يحق له التعدي على حقوق الغير. أصبحت هيلين بعد ذلك حذرة كما تقول في أي كتابة قادمة: لأن بعض الأفكار قد تكون قد تجمعت في لا وعيها من قراءات سابقة. الواقع أنها بعد هذا الحدث انطلقت إلى أفاق أرحب في مسيرتها الجامعية ومعرفة لغات متعددة والمشاركة في النشاط الاجتماعي.

مشهد الماء هو الأساس الذي بنى عليه المسرحي الأمريكي وليام جيبسون عمله المسرحي المكون من ثلاثة مشاهد: The Miracle Worker، والتي تم تجسيدها في فيلم سينمائي جميل ومؤثر كذلك. حين يفكر المسرحي أن يتحدث عن سيرة هيلين كيلر في عمل مسرحي، فإنه سيكون عاجراً عن السيطرة على تلك الضخامة من العبقرية لعدة مستويات. المستوى الأول أن هناك حالة إنسانية مؤثرة لطفلت تعاني من العمى والصمم، ثم انطلقت إلى كبيرة. المستوى الثاني هو في اندفاعتها إلى العالم: تتعلم وتُعلم، تتأثر كأي إنسان طبيعي بما يجري في هذا العالم، وتؤثر كذلك عبر معجزتها وحديثها ورأيها الذي يخرج من إنسان يرى أكثر من المبصرين أنفسهم. في هذه النقطة بالتحديد أعارض هوارد زن. تذكر هيلين في مذكراتها الفوارق التي تشعر بها – بواسطة جسدها بين المدينة وضجيجها المتواصل وبين الريف الذي لا يرى المرء فيه غير المشاهد الجميلة، أما في حالة السكان فهي تنتقد الحالة الاقتصادية والاجتماعية الظاهرة للعيان من خلال وجود مجموعة كبيرة ترفل بالغنى ومستوى معيشي مرتفع، بينما هناك بشر يعيشون في منازل مظلمة يظهر من خلالها شظف العيش والحاجة والفقر والعوز:

The sun and the air are God’s free gifts to all, we say; but are they so? In yonder city’s dingy alleys the sun shines not, and the air is foul. Oh, man, how dost thou forget and obstruct thy brother man, and say, “Give us this day our daily bread,” when he has none! Oh, would that men would leave the city, its splendour and its tumult and its gold, and return to wood and field and simple, honest living! Then would their children grow stately as noble trees, and their thoughts sweet and pure as wayside flowers. It is impossible not to think of all this when I return to the country after a year of work in town.

عدة رؤى وعدة مستويات وحياة ممتدة عريضة من الأدب والفكر وطبيعة المعجزة، لا يمكن تجسيدها في مسرحية قصيرة أو عمل سينمائي ما لم تتضمن خاتمة يمكن من خلالها إغلاق الفكرة التي يتضمنها العمل المسرحي أو السينمائي. هذه الخاتمة غير موجودة في حياة هيلين لأنها ممتدة وعريضة ولا وجود لأي توقف قد يغلق أساس الفكرة وجماليتها. عبقرية مسرحية The Miracle Worker كما ظهر في الفيلم أن فكرة صراع هيلين مع العمى والصمم تم تقديمها كحلبة صراع عنيفة وقاسية بين فتاة عمياء وصماء وبين معلمة تريد أن تفعل وتفتح لها وسيلة تواصل، لكن لا تستطيع لأنها محاط بجدار من عطف وشفقة دمرت ثقة الفتاة بنفسها وجعلتها متمردة. على الطرف الأولى هيلين الصغيرة وهي تفعل ما يحلو لها، متمردة، يصعب التحكم بها وجعلها تتصرف بشكل غير لائق. هذا التمرد ظهر كنتيجة منطقية لفقدها التواصل مع المحيط القريب. وحتى لو كانت هناك وسيلة استطاعت أن تتواصل بها مع الآخرين، فهي وسيلة بسيطة تحمل إشارات بسيطة حول نعم أو لا، أو هذا ما أريد وهذا لا أريد. ثم أن الشفقة التي تسيطر على عائلة الطفلة وضياعها في هذا العالم جعلهم يتركون الفتاة على سجيتها تفعل ما تريد، ما من وسيلة أخرى يمكن من خلالها أن يتواصلوا معها أو يقدموا لها التصرف الصحيح. وعلى الطرف الآخر معلمة كانت تعرف ماذا يعني أن تفقد البصر، لأنها عانت من هذا الفقد لفترة زمنية جعلها تعرف ماذا يجب أن يقدم لهيلين. تشتبك الصورة السينمائية بنزاع حاد حول معلمة تريد أن تجعل من هذه الفتاة تتعلم الاحترام وتحترم من حولها، وحول فتاة روحها سجينة. فكرة غياب التواصل تم تقديمها بصورة واضحة عبر هذا التناطح الرهيب، وكأنها ساحة معركة. الكاميرا تركز على هيلين ومعلمتها وهم يتدافعون في صراع طاحن، أو قد تلقي بأدوات الأكل من ملعقة وغيرها ولا تآبه لآداب السلوك، ليس لأنها غير محترمة، بل لأنها الوسيلة الوحيدة للعيش! يستمر الفيلم على هذه الوتيرة من الصراع والعنف حتى يحين لحظة مشهد الماء، الجميل كل الجمال. حين يهبط عالم الكلمات دفعة واحدة متناثراً على عقل هيلين وتعرفت من خلاله على الإنسان والعالم، والله.

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب أمريكي. حفظ الرابط الثابت.

5 Responses to هيلين كيلر: قصة حياتي

  1. سوسن كتب:

    الكثير يُعجب بعزيمة هيلين كيلر وإرادتها وأنا منهم لكن إعجابي الأشد لمعلمتها آن سوليفان هذه الانسانة الرائعة التي استطاعت أن تخرجها من سجن العقل والروح أو من الجدار الحديدي المحيط بها كما وصفته أنت, واستطاعت أن تتواصل معها, مع الانسان المسجون داخل جسده الذي لا يرى ولا يسمع

  2. samar كتب:

    القصة كتير عجبتنيي ♥

  3. yasmin كتب:

    تسلم الديات

    رائعه هي هذه الفتاه

    جسدت معنى المعاناه الانسانيه بكل المقايس

  4. tame333 كتب:

    وأنا أريد أن أكون مثلها وأن لا أستسلم مهما كانت المشكلة كبيرة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s