أبعاد أفريقيا: في الصورة والكتاب


لا اعتبر نفسي متخصص بنقد الأفلام الوثائقية أو حتى متابع بشكل كبير على هذه النوعية من الأفلام التسجيلية. أغلب ما شاهدت حتى الآن وثائقيات تتعلق بالتاريخ أو عن بعض الشخصيات أو عن حدث أثر في حركة التاريخ. أما الأفلام التي تتحدث عن الطبيعة فلست قريباً منها بأي حال ما عدا تلك التي تتناول الطبيعة ضمن حركة العلوم، ومنها ذلك الوثائقي الذي احتفظ به بذاكرتي لحظة قراءة تشارلز داروين: فيلم داروين وشجرة الحياة. وهو وثائقي عن التنوع الطبيعي من خلال نظريات داروين لمقدم الوثائقيات السير ديفيد أتينبورو. لا استبعد أن تكون فكرتي عن الفيلم الوثائقي وخاصة تلك التي تتحدث عن الطبيعة قد تغيرت بسبب الوثائقي الذي شاهدته هذا الأسبوع. وثائقي ملحمي عن صراع الوجود والبقاء، صورة شعرية خالصة ونقية تجمع المتضادات بطريقة لم أعهدها من قبل في المشاهدات الوثائقية. الفيلم الوثائقي قد يرضي المشاهد المتطلع لمعرفة أفكار جديدة، لم يطلع عليها في صفحات الكتب، قد يعطي كل ما يبحث عنه المشاهد من أفكار، لكن العبقرية، أو ما أجده شيئاً عظيماً أن يتحول هذا الفيلم الوثائقي إلى فيلم سينمائي لا يختلف عن تلك التي نشاهدها لبعض المخرجين السينمائيين الكبار. صورة قوية وطبيعية، شعرية، نافذة تطل على العالم وتنظر إليها بعقلك وروحك وكل عواطفك، لا يوجد تدخل أو تمثيل إذ أن ما هو ظاهر على الصورة الوثائقية ليس بمسيطر عليه من خلال المخرج أو مقدم السلسلة: كل ما يجري طبيعي، كل ما يجري واقعي، والدراما تكتسب الواقعية الحية من مهدها الأصيل في أكبر قارة تضم مخلوقات وعجائب وأسرار.

في رحلة تسجيلية مدتها أربع سنوات في القارة السمراء، قدم السير ديفيد أتينبورو، مقدم الوثائقيات الانجليري الكبير والمتخصص في العلوم الطبيعية والجيولوجيا سلسلة وثائقية مكونة من ست حلقات عن الطبيعة والحياة البرية والطقس والحركة البيئية للقارة السمراء بعنوان: أفريقيا. يكتسب هذا الوثائقي قوة غير طبيعية وجمال يجعلني أشاهد بمنظار من يتأمل روائع الخلق وغرائبه بكاميرا عالية الدقة, وبصوت ديفيد الذي يعطي إثارة درامية وتناسق على تلك الحركة السريعة ضمن حركة الطبيعة، وموسيقى تم تأليفها خصيصاً لهذا العمل. مقومات العمل السينمائي متكاملة ومتواجدة في هذه السلسلة. أما الممثلون، فهم لا يقرأون النصوص ولم يحفظوا أي دور لهم للظهور على الشاشة، ليس لهم إلا أن يؤدوا دورهم الذي خلقوا من أجله: على مسرح الحياة.

اعتمد منتجوا هذه السلسلة في الحديث عن الطبيعة الأفريقية أن يقسموا طبيعة القارة إلى خمسة أجزاء، كل جزء يحتل ركن من القارة ويؤثر في الطبيعة المناخية والطبيعة لدى القارة والعالم. وداخل كل جزء هناك أعظم طبيعة برية متوفرة على سطح الأرض: من غابات وأنهار وجبال ونباتات، تيارين من المحيطات يلتقون في مكان واحد، يشكلون من خلالها تياراً عريضاً يدفع بالطبيعة إلى حياة زاخرة في الأرض والبحر على السواء. وفي أحد هذه الأجزاء غابة مطرية تدفع بالسحب إلى مختلف مناطق العالم، تتلقى أكثر من مليون صاعقة رعدية في السنة، ينهمر المطر عليها بغزارة مشكلاً تياراً عريضاً من الأنهار. أقسى المناطق جفافاً وموتاً تحمل بداخلها حياة كذلك. قد يظهر على مستوى السطح قفار وغبار يعصف بأرجاء المكان. وتحت هذه المكان الممتلئ بالفقر والفناء بحر من المياة ليس له قاع. كل حيوان عليه أن يتكيف، يقدم خياراته للنجاة في حلبة صراع محتدمة ومتغيرة على طول السنة. رغد الحياة التي ينعم بها إحدى الحيوانات تحمل بداخلها النقيض: ضد كائن آخر وتحمل عوامل فناءها، وتنقلب الموازين ضمن التغيرات المستمرة والعنيفة وتتغير الخيارات وتتدبل.


الكاميرا في هذه السلسلة كاميرا سينمائية بإمتياز. الممثل الذي يحتاج لدقائق حتى يتهيأ لتصوير المشهد ليس له وجود، ما هو ظاهر هي الطبيعة: حياة وموت، صراع طاحن حتى الرمق الأخير للظفر بالحياة. وحين يستعر الصراع يجب أن تبحث عن الحيوان الذي يعيش ذروة مشهده في مسرح الحياة. أي أن على الكاميرا أن تبحث عن الكائن الذي يصارع -ضمن هذا الباقة الكاملة من الحياة- للتكيف والسير قدماً في الاتجاه الذي تدفعه به الطبيعة دفعاً. وحين تأتي تلك اللحظة فهو مشهد صامت، الحركة تملك صلاحية التأثير والتواصل. وحتى يكون التأثير يملك طاقات أكبر يجب أن تكون الكاميرا متهيأة للسير معه إما عبر الإبطاء أو السرعة. حين يكون المشهد بطيئاً جداً يحدث أن يترك المشهد لحاله دون تأثير في المونتاج، وحين يكون سريعاً جداً يجب أن تكون الصورة متحركة بصور أكبر وأن تكون عدة كاميرات على استعداد لتولي زمام المسئولية. وحين تكون الحركة تحمل مشهداً يحمل فكرة كبيرة: تمارس عليه تأثيرات السرعة والبطء. مشهد السلحفاة في الحلقات الأخيرة أكبر مثال على ذلك إذ يتتبع المشاهد عدة سلاحف ولدت للتو، تخرج من الرمال في اتجاه المحيط. غالبية من ذهب تعرضوا للصيد من قبل الصقور والغربان إلا واحد سار في مسيرته كمتسابق عظيم يسير ببطء شديد، وحين يلامس الماء ينطلق بسرعة كبيرة سابحاً ضمن فضاء مائي لا نهائي! ديفيد كان محايداً في أغلب هذه السلسلة، في أعنف المشهد وأجملها يترك الدور لتلك الكائنات لتمارس دورها, وينضم إلى المتفجرين بالتعليق على الحدث بكلمة أو كلمتين كل خمسة ثواني. مشهد لا يتخطى دقيقة واحدة يتحول إلى خمس دقائق أو أكثر. هذا المشهد هو مشهد الصراع بين زرافتين: شاب وكهل. كل واحد منهم يريد أن يعلن سيطرته على هذه الأرض الصغيرة التي تواجدوا فيها صدفة. كل واحد منهم يريد أن يفرض سيادته وسلطته على هذه الأرض. تبدأ المواجهة بتلاقي صغير ثم ينطلق الصراع. المخرج لم يترك هذا المشهد ينطلق دفعة واحدة. مثل مشاهد سينمائي: بنظرات البداية والتحدي والانطلاق لفرض السيطرة ويحدث الاشتباك الذي لا مفر منه. وعند حدوث الاشتباك كذلك لا يجعله طبيعي، إذ يعرض المشهد ببطء ليستشعر المشاهد قوة الصراع، كل التفاته وتجاوز وانطلاقه لها مدى محدد. وبين هذه الانتقالات هناك ديفيد الذي يرفع من وتيرة هذا الصراع بتعليقات لا تتجاوز الكلمة الواحدة. صوت الضربات يحتفظ بقوته: كضربة قاضية قد تنهي هذا الصراع الذي يشكل في مضمونه صراع وجود وبقاء. وهناك الخلفية الموسيقية التي ترفع من وتيرة هذا المشهد.

هناك عاطفة, وهناك تضحية. قد تكون أعمق مشاهد هذه السلسلة وأكثرها إثارة للدهشة لدى المشاهد، هي أكثر مشاهد هذه السلسلة التي تلقت انتقادات عنيفة كذلك. في الحلقة الثانية من هذه السلسلة، قطيع من الفيلة يقطعون مسافة طويلة للوصول إلى أرض قد يجدون فيها الماء والغذاء. مسيرة صامتة حزينة تحت لهيب شمس حارقة وصحراء جافة قاحلة. حين يصل هذا القطيع إلى الأرض الموعودة، يكتشفون أن أرض الأحلام لم تكن إلا صحراء جافة، لا تحمل أي مقوم من مقومات الحياة على الاطلاق. تستمر الفيلة في السير إذ أن البقاء في هذا المكان هو بمثابة إعلان للموت. ليس كل القطيع قادر على السير. فيل صغير طفل لم يعد يتحمل، ليس له القدرة على الوقوف والانطلاق. يخر على الأرض منهكاً ومحطماً وكأنه فقد كل ما يملك. تتوقف الأم مع الطفل وهي تنظر إلى القطيع الذي ينطلق ولا يتوقف. هل تسير وتترك طفلها الصغير، أم تستمر مع كامل القطيع ليجتازوا هذه الأرض المقفرة؟ نداء الحياة يدفعها دفعاً للحاق بالركب، لكن غريزة الأمومة تكشر عن أنيابها بأقصى حدتها: تقرر البقاء مع طفلها ورعايته. غير أن تلك الرحلة الطويلة قد انهكت الطفل، وها هو يودع الحياة في المجهول! عظمة هذا المشهد هو في غريزة الحب والتضحية والأمومة. رغم يقينها بأن الطفل يزفر زفراته الأخيرة إلا أنها تبقى معه وتضع خرطومها على كامل جسده في محاولة لاكتشاف أي شيء قد يعيد لها الصبي. حين تتأكد بأن طفلها قد غاب عن الوجود، تبكي، كأي أم- مثل الإنسان: تودع الطفل في الصحراء وتنطلق في محاولة للحاق بالقطيع في رحلة البحث عن الحياة. هذا المشهد أثار انتقادات كثيرة، عدة مشاهدين ونقاد كثر انتقدوا هذه الجدية في رسم هذه الصورة الدرامية المحزنة. كان من ضمن الانتقادت: لماذا لم يساعد طاقم التصوير هذا الطفل؟ لماذا لم يعتنوا به! هذا الانتقاد نفسه حدث قبل سنوات في جنوب السودان، حين التقط المصور الشهير كيفن كارتر صورة طفلة أفريقية جائعة ومعدمة تسير على الأرض زحفاً لطلب الأكل، يجلس بخلفها نسر ينتظر أن تلفظ أنفاسها الأخيرة لينقض عليها والتهام جسدها المنهك. التقط المصور هذا المشهد المؤثر، وفاز بجائزة بولتزر، كأفضل الصور في ذلك العام، غير أن تلك الصورة فتحت عاصفة نارية: لماذا لم ينقذ المصور الطفلة؟ بدل أن يلتقط هذه الصورة، كان الأولى به أن يأخذ هذه الطفلة ويعتني به ويظهرها للعالم مرة أخرى بعد اجتياز محنتها. ما حدث أن المصور لم يعرف ماذا يجيب عن هذه الأسئلة. أثقلته الأسئلة وجعلته محاصراً، وكان من نتيجة هذا الحصار الخانق أن انتحر. كان تعليق ديفيد على هذه الانتقادات أن ما قاموا بتصويره ليس لتحريك عواطف المشاهد أو جذب مشاهدين لهذه السلسلة. كل ما حدث في هذه السلسلة يسير في تلك الطبيعة دون تدخل من أحد. لا يستطعيون مساعدة الطفل في ذلك اللقاء الذي لم يعد له أصلاً. ولو تحركوا لتقديم أي مساعدة، قد تنقض عليهم الأم في محاولة غريزية للدفاع عن طفلها. وبعض الآراء حول هذا المشهد كانت محايدة: حتى الحيوانات لها عواطف ومشاعر.

ديفيد يمتع مشاهده، بصوته الهادئ الحذر الذي يرفع من وتير الحدث أو في تقديم معلومات عن الطبيعة والكائنات. وحين يتجلى ديفيد ينسى نفسه وينضم إلى هذه الطبيعة متأملاً ما يحدث فيها، عاشقاً لها. في المشهد الأخير يقوم ديفيد بإرضاع طفل أعمى لوحيد القرن ويسأل عمّا يُخبأه المستقبل لهـذا الصغير. ينسى نفسه حين يطلق هذا الطفل أصوات وكأنه يتواصل مع من بالقرب منه، هنا يظهر ديفيد العاشق للطبيعة، حين ينضم لهذا الطفل الأعمى محاولاً التواصل معه، وكأنه يعرفه جيداً ويحس بمعاناته. أي مخرج سينمائي كان سيشعر بالرضا لحظة تمثيل ذلك المشاهد. دقائق من الدراما ضمن هذه الطبيعة قد لا تحدث إلا دقائق معدودة، ويجب أن تسجل لتحفظ في ذاكرة الصور الخالدة.

كان لي الحظ بأن قرأت هذا الشهر عملين لهما ارتباط وثيق بأفريقيا. والمصادفة أن ما قرأت هي سير ذاتية كتبها أصحابها عن أفريقيا. مع اختلاف منشأهم وتوجهاتهم إلا أن الدافع الرئيس لكتابة هذه السير هي القارة السمراء.

الكتاب الأول هو القصة العجيبة لحياة أولوداه إكيوانو، لمؤلفها الأفريقي – البريطاني أولوداه إكيوانو أو غوستاف فاصا. صدرت هذه السيرة في العام 1790م. بعض المؤلفات قد لا تحمل بداخلها أي متعة لكن يجب أن تقرأ وتعاش، بل وأن تُقرأ بخشوع ومنها كتاب أولوداه إكيوانو. عندما يتم تناول هذا الكتاب، يجب أن يتم تحييد كل ما له علاقة بالبلاغيات أو الجماليات الأدبية. يجب أن يكون هناك فقط سيرة إكيوانو بطبيعتها الإنسانية الصرفة وتفاعل القارئ مع هذا الشخص الذي يمثل أمم بكاملها. أقول أمم بكاملها لأن هذا الكتاب هو وثيقة تاريخية وشهادة عن أحط تجارة قد قام بها الإنسان في التاريخ: تجارة الرقيق. كانت بريطانيا رائدة في هذه التجارة وتفوقت على بلدان مختلفة في نقل العبيد واستعبادهم. يذكر المؤرخ ويل ديورانت في قصة الحضارة أن السفن تنطلق من ليفربول وبريستول وهي تحمل الخمور والأسلحة النارية والمنسوجات القطنية والأشياء التافهة إلى ساحل العبيد في إفريقيا، وهناك غالباً ما كان الزعماء من أهل إفريقيا يساعدون الزعماء المسيحيين في تسلّم عبيد أو زنوج مقابل ما جلبوه من بضاعة، ويتم نقل هؤلاء العبيد بعد ذلك إلى جزر الهند الغربية والمستعمرات الجنوبية في أمريكا الشمالية. كان هؤلاء الأسرى يوضعون في جوف السفينة، وفي أحيان كثيرة كانوا يُقيّدون بالسلاسل لمنعهم من التمرد أو الانتحار. وكانوا يُزوّدون بالماء والطعام بالقدر الذي يكفي – بالكاد – لإبقائهم على قيد الحياة، وكانت التهوية بائسة، كما كانت وسائل التخلص من الإفرازات والفضلات في حدها الأدنى، وإذا ما هبت عاصفة شديدة وكان لابد من تخفيف حمولة السفينة يتم إلقاء العبيد المرضى في عرض البحر لتخفيف الحمولة، وفي بعض الأحيان كان يتم إلقاء غير المرضى أيضاً. من بين عشرين مليون زنجي كانوا يُنقلون إلى جزر الهند الغربية البريطانية لم يصل منهم على قيد الحياة سوى عشرين بالمائة، وفي رحلة العودة كانت السفن تحمل دِبْس السكّر الذي كان يستقطر في بريطانيا لصنع الرُّم (نوع من الخمور) والذي كان يستخدم بدوره كثمن لشراء العبيد في الرحلة التالية إلى إفريقيا.

لم يكن دافع إكيوانو حين كتب هذه قصة حياته هذه أن يقدم نصاً أدبياً أو يعمل في مجال الكتابة. هناك قضية تستحق بأن تدعم. هذه القضية هي مناقشة قانون منع تجارة الرقيق، يقودها عدة أشخاص على رأسهم النائب الذي فشل مرات كثيرة في استصدار هذا القانون ونجح أخيراً في إقراره، النائب وليام ويلبرفوريس والقس جون نيوتن صاحب النشيد الخالد Amazing grace وتوماس كلاركسون، وكان من ضمن هذه الكوكبة إكيوانو الذي انخرط في دعم هذه الحركة. وما كتابه هذا إلا دعم لها، إذ نجد في مقدمة الكتاب خطاب إلى الإنسانية، وإلى سادة العالم من رجال دين وسياسة وإلى عموم برلمان بريطانيا العظمى قائلا: اسمحوا لي أن أضع عند أقدامكم بأسمى آيات الاحترام، القصة الحقيقية التالية، والمشروع الجوهري الذي من شأنه أن يثير في اجتماعاتكم بشهر أغسطس إحساساً بالعطف .. وإني لمدرك بأنه ينبغي علي أن ألتمس عفوكم لتقديمي لكم عملاً خالياً تماماً من المحاسن الأدبية كإنتاج لرجل أفريقي من غير رجال الأدب. رغم عدم تولي أي دار نشر طباعة هذا الكتاب، إلا أن هذه السيرة حققت نجاح كبير إذ وصلت عدد الطبعات المنشورة بعد ثلاث سنوات من صدوره إلى الطبعة السابعة. سيرة إكيوانو مفرطة في الحزن. قد يضحك القارئ حين يتعرض هذا الطفل لصدمة حين شاهد الثلج للمرة الأولى، يظنه جبل من الملح. أو حين يشاهد لوحة معلقة في أحد الغرف، فيعتقد بأنها عينا سيده، تلاحقه أينما ذهب وأينما حل. كوميدية عند آخرين، لكنها على أرض الواقع مأساة وأية مأساة. بل إن أدب السجون على كمية الرعب الذي يحتويه قد لا يصل إلى جريمة الاقتلاع الكامل من الأرض، اقتلاع يجتث الجذور ويلقي بالفرد إلى مناطق مجهولة، فاقداً حريته ووجوده الذي أضحى تحت إمرة الرجل الأبيض. ولد في عائلة مكونة من عدة أفراد. هم شعب يجدون أنفسهم في الشعر والرقص والزراعة. حين كان في الحادية عشر من عمره، وكان يتطلع من فوق إحدى الأشجار، تعرض للاختطاف هو وشقيقته الصغرى من قبل لصوص يقومون ببيعهم إلى تجار في مدن مجاورة. وهو في هذه السن الصغيرة عمل إكيوانو في مختلف المجالات تحت إمرة سادة أفارقة. بعد سنتين شاهد شيئاً لم يكن يعرف ماذا يمثل: سفينة شحن كبيرة تنقل هؤلاء الأفارقة إلى عالم آخر. أتذكر مشهد من مشاهد هذه السيرة كان حزيناً، ولا أظن المؤلف كتب هذه السطور بقلمه، بل بدمه لأنها تتعلق بشريكته في السعادة والحزن والاغتراب. ما أقصده هي شقيقته الصغرى. قبل أن يبحر إلى عالم آخر وجدها صدفة في أحد الشوارع، بعد عدة أشهر من افتراقهم. مجرد تخيل أطفال صغار تم اختطافهم وتفريقهم عن بعضهم البعض، ثم لقاءهم مصادفة قبل افتراقهم الأخير: أي إنسان حتى لو كان كاتباً صغيراً يستطيع أن يوصل كمية هذا الألم. كانت أمنية إكيوانو أن يعود إلى أرض الآباء والأجداد وأن يموت هناك. غير أن طبيعة الحركة الحقوقية الناشطة في منع تجارة الرقيق قد أخذت منه كل مبلغ. قدم كل ما يملك في سبيل تدمير تلك التجارة التي اقتلعت جذوره، بخطابات وبكتابه هذا. توفي ولم يصدر قانون منع هذه التجارة. بعد سنوات قليلة من وفاته، تحقق حلم إكيوانو.

أصدر المركز القومي للترجمة السنة الماضية ثلاثة أعمال للقاصة والكاتبة الدنماركية البارونة كارين بليكسن: راحلة من أفريقيا، ظلال على الحشائش، مواقف مصيرية. نشرت كارين غالبية أعمالها القصصية تحت أسماء مستعارة ومنها اسم إيزاك داينسن. وهذا الاسم ليس غريباً على المهتمين بالشأن السينمائي، إذ أن الممثلة الشهيرة ميريل ستريب قد جسدت دور كارين بليكسن في عمل سينمائي حصد عدة جوائز للأوسكار, ومقتبس من عمل للكاتبة يمثل تاريخاً خاصاً بها حين كانت في أفريقيا لعشر سنوات: خارج أفريقيا Out Of Africa.

غادرت كارين إلى نيروبي مع زوجها لإستثمار مدخراتهم في إدارة مزرعة قاموا بشراءها، ومن خلالها سيقومون بزراعة البن في منطقة يصعب فيها زراعة مثل هذا النوع. حدث نوع من الانفصال بين كارين وزوجها ووجدت نفسها تدير مزرعة مترامية الأطراف. على حدود هذه المزرعة من أحد الجهات تسكن قبيلة الماساي، وعلى أحد الأطراف قبيلة الكيكوكو الذين يعملون مع كارين في زراعة البن.

هناك نوع من الحياد المفرط من جانب الكاتبة في كتابة تاريخ حياتها في هذه المنطقة من القارة السمراء. حياد قائم على إزاحة تفاصيل حياتها الخاصة من انفصال لزوجها والعلاقة مع ديفيد هادسون. لا نكاد نلمح أي جانب لهذه الأحداث التي قد تغير في طبيعة علاقتها بالمحيط الاجتماعي وفي تعاملها مع السكان ووجودها في هذا المحيط. كل ما قد يجده القارئ هو في الذكريات المفرطة في البساطة، من التفاصيل الدقيقة عن المحيط القريب من الكاتبة: من قبائل وأفراد ومهاجرين، وطرق الحوار معهم والتفاهم الذي قد ينشى في علاقة يبدو أن ظاهرها جميل بين نبيلة أوروبية وبين السكان الأصليين. نجد ذكر لعاداتهم وتقاليدهم من رقص وعلاقات اجتماعية ونظرة الأفريقي تجاه هذا الآخر الذي فرض سيطرته على أرضهم. ومن الميزات الكبرى كذلك، بل هي أهم ميزة في هذه السيرة هي في التبجيل الهائل للطبيعة الأفريقية ومناخها العام وقدرة الفرد على معرفة ماذا يحدث في هذه البقعة المليئة بالجمال والأسرار. حينما يجول الصوت المستعر الأخذ في العلو فوق الرأس- تقول بليكسن في سيرتها: سيكون ذلك هو صوت الرياح تعصف بأشجار الغابة العالية، وليست الأمطار. حينما تسمع ثمة ما يركض على طول الأرض، فإنها الرياح تعصف بالشجيرات متعددة السيقان والعشب الطويل، وليست الأمطار. حينما يأتيك صوت حفيف الأشجار أو صوت خشخة فوق سطح الأرض، فإنه صوت الرياح في حقول الذرة- حيث أن صوتها يشابه صوت الأمطار كثيراً لدرجة أنك يمكن أن تنخدع بها، مرة بعد أخرى، حتى أنك تأخذ منها ثمة إحساس بالرضا، وكأنك، على الأقل، قد شاهدت شيئاً قد اشتقت إليه، وهو يتحرك الآن على المسرح أمامك: ولكنه أيضاً ليس صوت المطر. ولكن حينما ترد الأرض مثل لوحة ذات رنين في ضجيج عميق وخصب، ويغني العالم من حولك في كل أبعاده، من فوقك ومن تحتك- فسيكون ذلك فقط هو صوت المطر. يبدو الأمر وكأنك تعود للبحر، بعد أن ابتعدت عنه لفترة طويلة، كما تعانق معشوقتك.

وصفت الكاتبة أسلوبها في الكتابة بالقديم. ولا أعرف على وجه التحديد ماذا يعني هذا الأمر. وإن كان هناك من وصف لهذا النوع من الكتابة- قائم على طبيعة كتابتها- فهو غير قائم على دفع القارئ لقراءة السيرة بشكل متسارع أو أن هناك تصاعد في أحداث هذه السيرة، فيجد القارئ يترقب ماذا سيحدث. كل ما في هذه السيرة هي تسجيل حي لذكريات تعود من خلالها الكاتبة إلى هذه الأرض المسالمة التي شكلت تاريخها ووجودها الأدبي. إن لم تكن لديها القدرة للعودة إلى أفريقيا، قد تستطيع أن تعود لها عبر الكتابة، ولن تنسى أن تحيط عالمها هذا المليء بالذكريات بشخصيات شكل وجودهم غنى فكري وحضاري وتواصل بين ثقافات مختلفة: مثل فرح عدن، وهو صومالي مسلم هاجر إلى نيروبي للعمل في نيروبي، عمل قائماً على تدبير شئون مزرعتها ومنزلها الخاص. من خلال شخصية فرح، الإنسان النبيل كما تصفه الكاتبة، تعرفت كارين على الإسلام وطرق تفكيرهم. وقد نلحظ مثل هذا التأثير الذي حدث عليها كما تقول في بعض قصصها التي تذكر فيها آيات من القرآن الكريم.

هناك خاصية غير ظاهرة في النص ولم تتحدث عنها كارين، وإن كانت قد قدمت إشارات ولمحات، وهو الوجود الأجنبي في هذه الأرض. لو لم يكن هناك وجود للمستعمر لما تمكنت كارين من أن تجد نفسها في هذه المنطقة من العالم، تستثمر أموالها الخاصة في بناء عمل تجاري. قد تغادر موطنها إلى نيروبي وتفعل ذلك لو كانت إرادة السكان المحليين بأيديهم، حينها يصبح الحوار الحضاري من مشاركة وتفاهم قائم على ثوابت إنسانية وأخلاقية. أما أن يكون هناك وجود لمستعمر، وتجد نفسها منخرطة في مشاركة حضارية مع السكان المحليين: مهما كانت منطلقات كارين الأخلاقية تجاه السكان، فإنها هناك شوائب عالقة تسيء إلى هذه العلاقة. كارين اعترفت بهذا النوع بطريقة غير مباشرة. حين تعرضت للإفلاس وحان وقت مغادرتها للمزرعة، كان على غالبية السكان المحليين الذين يعملون في مزرعتها أن يتعرضوا للتهجير. حين ذهبت للحاكم الإداري تطلب منه قطعة أرض كبيرة لتجعل هؤلاء السكان يعملون عليها ويعيشون فيها دون تشردهم وتفككهم، هذا بمثابة اعتراف ضمني بأن هناك خلل عميق: أن تطلب أرض لأصحاب الأرض الأصليين، من الآخر الذي لا يملك هذه الأرض ولا حق له فيها.

حين يقرأ القارئ عن القبائل الأفريقية والماساي وغيرهم من خلال قلم كارين، فإن وجهة النظر هي نظرة من الآخر: وجهة نظر أوروبية. وإن كان هناك نوع من الحياد القائم على سماع وجهة نظر الطرف الآخر من خلال فرح عدن الذي أحدث نوع من العدالة في شرح طبيعة الكائن المحلي. لا نجد في هذه السيرة- طبقاً لتحركات السكان المحليين- حسب ما تذكر كارين، نوع من السيطرة أو الخضوع لهذه السيدة الغنية. هناك تفاهمات قائمة على مصالح تفيد الطرفين. هذه المصالح تمتد من علاقة تجارية بين العمل وربة العمل إلى المشاركة في الحياة الأفريقية من خلال ثقافتهم ورقصاتهم الشعبية وهوياتهم وتراثهم المشترك. وكأن هناك حوار حضاري لا وجود فيه لفرض السيطرة أو تغليب وجهة نظر طبقاً لوجود نوع من الهيمنة. تذكر كارين في كتابها الثاني ظلال على الحشائش بأن البيض كانوا على خطأ في تفاعلهم مع سكان القارة الأفريقية. تجاهلوا ماضيهم، وربما أغفلوا عن عمد الاعتراف بوجودهم قبل أن يصل البيض إلى هذه القارة:” نحن نعيش في أفريقيا ونصوب الأنوار الساطعة لحضارتنا في عيونهم السمراء، لو استمررنا بهذه الطريقة لن نخلق بداخلهم إلا الحنين للظلام!”

Advertisements
هذا المنشور نشر في وثائقيات, أدب أفريقي. حفظ الرابط الثابت.

One Response to أبعاد أفريقيا: في الصورة والكتاب

  1. أستاذ عدي من إفتتاحيتك في بداية التدوينة أرى أنك لم تشاهد رائع السير دافيد الأخرى و الأشهر على الإطلاق: كوكب الأرض.
    لو أعجبك وثائقي إفريقيا فالآخر سيلهب عقلك من شدة الروعة! أرجوا أن تشاهده بأعلى دقة و في أقرب وقت!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s