الحرب والسلام: الرواية والقصيدة والتاريخ


لكل قارئ تاريخه الخاص بقراءته. تاريخ خاص يفخر به، ويسجل في ذاكرته القرائية أحداث ذلك اليوم حين كان يقرأ هذا الكتاب أو تلك الرواية. هناك عدة تواريخ تجمع ما قبل، وأثناء، وما بعد القراءة. الفترة الخاصة بما قبل القراءة تضم مجمل التصورات التي كنا نحملها عن هذا الكتاب القادم إلينا. من قراءات له أو أحاديث وتوصيات بين عموم القراء الذين يتشاركون في التاريخ الكوني للقراءة. فترة أثناء القراءة هي فترة الفعل إذ أنها قد تكون ذهبية وجميلة – إذا كان الكتاب يستحق تلك السمعة: تحمل هذه الفترة اكتشاف لأشياء جديدة وممارسة القراءة التي هي بمثابة فعل متجدد وعظيم. تبقى فترة ما بعد القراءة، وهي فترة الدهشة والبحث عن توسع لذلك المحيط الذي كان القارئ يسكن فيه وتأثيره وما يمثل، وقد يمتد إلى الكتابة عن ذلك الكتاب. أؤمن بأن على القارئ الذي تقاطع مع عمل أدبي أحدث بداخله تأثيراً أو غير من اتجاهه في القراءة أو وجد شيئًا جديدًا، يجب أن يتحدث عنه بكل ما يؤمن بأنه صحيح دون النظر إلى أي اعتبارات نقدية. حتى لو كان لا يستطيع التعبير عن كل ما يجيش في عقله وقلبه. يجب أن يتحدث عنه ولو بصورة مختصرة: عن تلك اللحظات التي وجد فيها عالم يستحق بأن يوصف بأنه عظيم وخالد، وعن أشد اللحظات التي وجد نفسه لا يستطيع التخلي عن الكتاب ولو لدقيقة واحدة. أو حتى عن تلك اللحظات التي لا يستطيع فيها إكمال القراءة لشدة تأثيره وجماله! حين أعود لفترة ما قبل الأربعة أشهر الماضية، أجد هذه الفترة من أعظم تجارب حياتي القرائية. ممتلئة بالدهشة والمغامرة واكتشاف الجديد. كانت قراءة لكتاب واحد لا غير، تتخللها أيام في البحث عن شخصيات وأحداث ومشاهدة وثائقيات وقراءة كتب تاريخية عن أحداث تلك الفترة. وعند نهاية كل أسبوع كنت أتناقش مع صديقي في قراءة هذا الكتاب الأخ العزيز عدي الحربش، فنحاول تحليل فصول الكتاب ونظرة المؤلف ونتحدث عن تلك الحياة العظيمة في كتابنا المشترك الذي دامت قراءتنا له أربعة أشهر. بدأت هذا المقال بالحديث عن القراءة كفعل وتاريخ لأن الطابع المجيد للقراءة قد يخفى علينا إذ أننا منغمسين فيه بكل قوة، ولا ننظر لطابعه الفريد القائم على الاكتشاف والجديد والغريب والعالمي الذي يوحد مجموعة كاملة من الأعراق والديانات والجنسيات. لم أفكر في طابع القراءة كفعل مجيد إلا بسبب الحرب والسلام للروائي الروسي تولستوي. إن كان هناك أديب في العالم يستحق أن يوصف بالكاتب الأدبي الأكثر فنية وأدبية وعظمة لن أذكر شكسبير، ولن اتجه لدوستويفسكي الذي عشت معه أيام قرائية لا تنسى، ولن أذكر بوشكين أو ديكنز أو غوغول أو غيرهم. حين يتراءى لي هذا السؤال يقف تولستوي لوحده سيداً على الأدبي الروائي: الكاتب الوحيد الذي يستطيع أن يخلق ما بين أوراقه روح ساكنة تنتظر كل من مر على هذه الصفحة أو تلك. في عام 2008م قرأت خالدة تولستوي الثانية آنا كارينينا. وكم كانت تلك القراءة عظيمة بكل تفاصيلها الحية. بعد قراءة آنا كارينينا ازدادت الأسئلة في ذهني حول حقيقة تجارب بطل الرواية مع المؤلف، ولذلك بحثت عن أجوبة لتلك الأسئلة ووجدتها في كتاب تولستوي: اعترافات. أراد أن يعبر عن نفسه في تلك الرواية، لكن حرارة الأسئلة الثائرة أجبرته على أن يعترف بكل شيء. أحببت حينها تولستوي الإنسان. بل لا أبالغ حين أقول بأن كتاب اعترافات تولستوي كان من أكثر الكتب تأثيراً عليّ بتلك الحرارة المنبعثة من عقله ومن هروبه وبحثه عن أجوبة لتلك الأسئلة الأزلية. حين بدأت قراءة الحرب والسلم، حتى قبل أن أقرأ الصفحة الأولى من الرواية، قلت في نفسي: سأجد ما يجعل فعل القراءة عظيماً هنا، في هذا الكتاب بالتحديد دون سواه من الكتب في مكتبتي. لدي من اليقين بأن ما أنا مقبل عليه نص عظيم وخالد ومؤثر، يجب أن أعطيه من الوقت ما يكفي لأن تظهر هذه العظمة الأدبية. هذه الثقة مصدرها ثقتي الكاملة في تولستوي. لم أعطي يوماً أي كاتب أي جزء من ثقتي إذ يجب أن أقرأ العمل كاملاً وأصدر حكماً عليه. ولأني أزعم بأني أعرف تولستوي جيداً، وأعرف سيرة حياته ورحلته الأخيرة، بل وامتلك كل مؤلفاته من رواية وفكر ونقد وسيرة ورسائل ويوميات، فأنا متيقن بحقيقة ما يريد تولستوي أن يعبر عنه في الحرب والسلام، وهذه الثقة كانت في محلها ولم يخذلني قط. بل تركني في دهشة لم أعهدها في تاريخ قراءاتي حتى الآن.

ما هي الحرب والسلام؟
كتب تولستوي مقالة يقول فيها:

إنها ليست رواية، بل إنها أقل تماماً من قصيدة، ومع ذلك فهي أقل من تاريخ يعرض الأحداث وفق تسلسلها الزمني، إن الحرب والسلام هي ما رغب المؤلف في التعبير عنه، وما كان يستطيع التعبير عنه في الشكل الذي جرى به.

حين يقول بأنها ليست رواية فهو يشير إلى خاصية قد تنقل العمل الروائي إلى مسار آخر، وهو ذلك الظهور الواضح للمؤلف في التعبير عن شخصيات تاريخية معينة، أو يعطي رأيه التاريخي حيث أنه في صفحات كثيرة يخرج عن نطاق الرواية بالكامل ليفصل رأيه في التاريخ. وصف الناقد جورج ستاينر الحرب والسلام بأنها تنتسب للشعر الملحمي، ووصف إيفان تورجنييف الفصول الخاصة بفلسفة التاريخ بالمهزلة، ووصف هنري جيمس الحرب والسلام بالوحش المترهل، ووصفها آخرون بأنها رواية تاريخية وطنية تستعرض أعظم حدث في التاريخ الروسي. كيف يمكن تفسير الحرب والسلام؟ وما هي حقيقتها مقابل اتجاهات أدبية ترى الحرب والسلام من أعظم النصوص الروائية؟

كقارئ للحرب والسلم، لن التزم برأي تولستوي عن كتابه هذا. إذا كانت الرواية نوع من الأدب، وإذا استعرضنا التاريخ العام لمجمل الأعمال التي توصف بالروايات، فإن الحرب والسلام ليست رواية فحسب، بل هي الرواية ذاتها: هي مقياس عام أصيل نستطيع من خلالها الكشف عن عظمة الرواية وقوة تأثيرها. لن تجد الرواية – كنوع من أنواع الأدب، ملجأ لها وحاضن وداعم أكثر من الحرب والسلام. إذا لم تكن الحرب والسلام رواية، فما هي الرواية؟

إن تيار الحياة المتدفق الذي قام تولستوي بتفجيره بصورة لا مثيل لها في تاريخ الرواية تجعل من هذا العمل بكل ما فيه ليس مقياساً، بل هو الصورة الأكيدة والحية للرواية: استطاع الفنان أن يفتح لتيار الحياة الجبار والمعقد إلا ما لا نهاية منفذاً إلى أعماله، وتمكن من التوصل إلى الانطباع الحقيقي الكامل للحياة. إضافة إلى أنه أسبغ على المادة الفنية التي يتناولها رشاقة داخلية غير اعتيادية. في نتاج تولستوي هناك دوماً فكرة مركزية يصوغها بنفسه، لكن مطالعتها تعني تحليل كل موسيقاها الشعرية اعتباراً من المشهد الأول وحتى النهاية.

وإضافة على الرواية، لن تجد القصيدة مكاناً للشعر أكبر من الحرب والسلام، إذ أن ذلك الخلق الفني الضخم يحمل بداخله قصائد عظيمة لا تنتمي إلى ذلك النوع من الحنين أو خلق موضوع يحتاج لأن يفسر حتى يظهر جماله. إن جمال هذه القصائد منبعها الروح في أقصى انفعالاتها النفسية والروحية في زمن أضحى وجود المرء فيه مشكوكاً ومهدداً أكثر من أي وقت مضى. وحين أصل إلى التاريخ: فهي التاريخ بعنيه، إما لجهة تناولها فترة محددة بكامل حضورها وإما لإعطاء تفسير فلسفي تاريخي عن أحداث تلك الفترة ومحاولة الكشف عن القوة التي تحرك التاريخ. إنها ملحمة أمة وقارة كاملة. كيف يمكن الجمع بين الرواية والقصيدة والتاريخ في عمل واحد؟ ما يجمع ذلك التناسق المذهل هو الفن. فن تولستوي استطاع أن يزاوج بين هذه الأشكال السردية ليظهر الحياة: الحياة المغيبة، والتي لم تذكر في سجلات التاريخ، ولم ينشدها الشعراء. بالفن وحده، ولا شيء آخر، فعل تولستوي ذلك.

لكي يستمر الكاتب في الكتابة عن أبطاله، من الضروري أن يحيط بتفاصيل يحتفظ بها في ذهنه عن طبيعة ذلك البطل وكيف يتطور في مسار الكتاب إلى النهاية. وإذا ازداد عدد الشخصيات في النص الأدبي تصبح الإحاطة بتلك الشخصيات أمراً صعباً إذ يتحول الأمر حينها من القيام بالتعبير عن بطل محدد إلى بناء كامل يربط تلك الشخصيات مع بعضها البعض، مع الاحتفاظ بتفاصيل دقيقة تميز شخصية عن أخرى. والأمر الصعب: أن تتقاطع حياة تلك الشخصيات مع شخصيات حقيقية لها حضور في التاريخ، والأكثر خطورة من كل هذا: أن هذا الكم من الشخصيات ليست خاصة بطائفة أو فئة معينة بحيث يسهل الكتابة عنها دون النظر لاعتبارات الزمان والمكان والتأثير، بل تأثيرها غيَر في مسيرة وطن وقارة كاملة. أي أن كل قارئ سيتلقف تلك الصفحات ويقرأ عن تلك الشخصيات هو على علم بالأحداث الجارية في النص. فكيف يستطيع الكاتب أن يجذب القارئ للقيام برحلة تاريخية روائية وهو- أي القارئ- على ارتباط وثيق مع هذه الشخصيات التاريخية الحقيقية، بمرافقة شخصيات متخيلة من عقل الكاتب دون أن يغير في مسار التاريخ الحقيقي ولا يزور ما حدث على أرض الواقع؟ عبقرية تولستوي تظهر في تلك الإحاطة الشاملة بكل ما يميز شخصياته وتطورهم في مسيرة التاريخ. كل فرد محتفظ بكيانه الخاص ووجوده الحقيقي وبميزاته التي يتميز بها عن أقرانه. قد يحدث تشابه نظراً لوجود شخصيات عديدة تناهز المائتين، لكن ها هنا لا نلحظ مثل هذا الخلط. الإحاطة الشاملة بالشخصيات رافقها إحاطة شاملة بالأحداث التاريخية والحركات السياسية والحالة الاجتماعية والاقتصادية ومسيرة التاريخ الوطني بأفراحه وأحزانه وانتصاراته وهزائمه. هناك تناسق مذهل قائم في السيطرة على أكثر من عشرات الشخصيات في رقعة جغرافية تمتد من روسيا إلى النمسا وفرنسا وغرب أوروبا دون أن ينحرف الخط عن مساره صعوداً. كيف فعل تولستوي كل هذا؟ الأحداث تجري كالطوفان في الحرب والسلام، يشعر القارئ بقلق: هل يستطيع تولستوي السيطرة في صفحات روايته على هذا الطوفان البشري العاصف المتدفق؟ حين نقرأ أي رواية نعرف أن هناك بداية ونهاية وقصة محكمة وقضية رئيسية تحكم العمل الأدبي. في الحرب والسلام لا توجد بداية إذ أن القارئ مباشرة يدخل في صميم اجتماعات الطبقة الراقية والمقربة من القيصر في صالون آنا شيرر. ولا توجد نهاية كذلك لأن تيار الحياة غير متوقف ومستمر، أي أن مسيرة التاريخ تسير إلى الأمام ولا تتوقف. ولكي يعطي تولستوي تأكيداً على هذا الاستمرار لا يتوقف النص على إنتاج شخصيات جديدة حتى في صفحات الكتاب الأخيرة. إذا أوقف الكاتب تيار تدفق الشخصيات، معنى ذلك أنه أوقف المجرى العام الذي يناقشه في عمله هذا: مسيرة التاريخ.

يقول المفكر إيزايه برلين في الثعلب والقنفذ The Hedgehog and the Fox:

ليس هناك من كاتب على الإطلاق قد أبان مثلما أبان تولستوي عن قوة البصيرة في صنوف الحياة – الاختلافات الموجودة فيها والتناقضات والتصادمات التي تحدث بين الأشخاص بعضهم ببعض، والتي تحدث في المواقف، وكل من هذه الأمور يدرك بكل ما فيه من تفرد مطلق وينقله بدرجة من المباشرة والدقة عبر تخيل ملموس لا يمكن العثور عليه لدى أي كاتب آخر. وما من أحد فاق تولستوي في التعبير عن ذلك المذاق الخاص والنوعية المحددة للشعور – ودرجة تذبذبه ومده وجزره، والحركات البالغة غاية الرهافة، وكذلك النسيج الخارجي والداخلي والملمس الخاص بنظرة ما أو فكرة ما، ولذة شعور ما، أو فترة بكل ما فيها، والمقاطع المستمرة لحياة أفراد وأسر ومجتمعات وأمم برمتها. لا يعالج الإنسان بوصفه مجرد مقولة، شيء معطى، مهما يكن حيوياً، تخطيطاً أو تلخيصاً أو ظل من الظلال أو عرضا انطباعياً لا غير، ولا يفعل تولستوي بالأشياء والأشخاص ما يجعلها تحتاج إلى، وتعتمد على، عملية فكرية تجري في ذهن القارئ، ولكن يقوم على الدوام بعرضها على أنها مواضيع متينة تامة البنيان، متطورة من القرب ومنظورة من البعد، في ضوء النهار الطبيعي الذي لا يغير ملامح المنظورات، ومن كل زوايا النظر المكنة، واضعاً أشخاصه وأشياءه في سياق محكم من حيث الزمان والمكان، خالقاً من ذلك حدثًا حاضرًا كل الحضور لدى الحواس أو الخيال بكل أوجهه مع التعبير تعبيراً واثقاً مؤكدًا على كل ظل من ظلاله.

وجد تولستوي في تاريخ الحرب الوطنية عام 1812م مادة ثرية تستحق بأن تناقش وأن توضع على طاولة البحث برؤية مختلفة عن تلك التي كتبها المؤرخون. الغنى المتوفر في هذه الفترة قاده للبحث في تاريخ الدولة الروسية لعدة مؤرخين. وبشعور الفنان الذي يجد ما يثير سعادته ويبحث عنه، يشير تولستوي إلى أنه عازم على كتابة التاريخ ليغطي فترة طويلة من تاريخ وطنه. والمبدأ الذي سيسير عليه هو توضيح كل حدث تاريخي عن طريق الإنسان مع التخلص من التعابير التاريخية الروتينية. المخطط الأول للرواية كانت عن أحد الثوار الديسمبريين. ولكي يستطيع التعبير عنه وفهم نفسيته وكيف تكون يعود تولستوي إلى ما قبل الثورة الديسمبرية بعدة عقود حتى يصل إلى تلك المرحلة المفصلية في تاريخ الأمة الروسية: فترة الحرب الوطنية وغزو نابليون لروسيا. تحول المخطط إلى عدة مراحل: مرحلة تغطي شباب الثورة الديسمبرية وفترة تكونهم، ومرحلة الانتفاضة وفشلها وشعور النكسة الذي حل بمن كان يحلم بالتغيير. والمرحلة الثالثة تمثل موت القيصر نيكولا الأول وانهيار الجيش الروسي في حرب القرم ورياح التغيير التي هبت غداة إلغاء نظام الأقنان. أن يضع الكاتب مخطط للعمل هو أمر ضروري. لكن ليس كل مخطط قابل للتنفيذ. لم يستطع الكاتب في فترة سنة كاملة الكتابة لأن الأحداث والشخصيات بدت باهتة ولا تنصاع له الشخصيات والأحداث التاريخية . يذكر في يومياته:

خشيت من أن أكتب بلغة لا يكتبها الجميع، خشيت من أن لا تأخذ كتابتي أي شكل محدد، فلا تبدو كقصة أو رواية أو قصيدة ولا بالتاريخ، وخشيت من أن تجبرني ضرورة وصف شخصيات عام 1812م على الانقياد بالوثائق التاريخية وليس بالحقيقة، وكان الوقت يمضي مع كل هذه التوجسات دون أن يتحرك العمل من مكانه وبدأت أشعر بالبرودة نحو الكتابة. الآن، بعد أن تعذبت وقتاً طويلاً قررت إبعاد كل هذه التوجسات وقررت أن أكتب فقط ما أشعر بضرورة كتابته، دون أن اهتم بنتيجة ما ينتج عن عملي هذا، ودون أن أعطي عنواناً أو اسماً.

وهكذا تحولت الرواية إلى تلك الفترة الممتدة حصراً من 1805 إلى 1813م. سبع سنوات غيّرت مسار التاريخ في أوروبا وأحدثت صدمة استمرت لفترة طويلة من الزمن. وهذه الفترة التي سيكتب عنها تولستوي تحمل رؤية تاريخية مختلفة عن كتب التاريخ الخاصة بالدولة الروسية أو من يصفهم تولستوي بالمؤرخين المأجورين أو الحكوميين. أي أنه في نفس الوقت الذي يكتب فيه عن أكثر تاريخ أمته وطنية، كان يهاجم الرؤية التي وصفت بالوطنية والتي يقف خلفها المؤرخين والكتاب الرسميين والحاشية الحكومية، ومن خلفهم كبيرهم القيصر ألكسندر الأول الذي كان – من وجهة نظرهم هو البطل الوطني، الروسي الحق، غير أن تولستوي لا يحمل هذه الرؤية. يريد رد الاعتبار إلى القومية الروسية من خلال الشعب، لا من خلال القيصر، وأن يعيد الاعتبار للمارشال ميخائيل كوتوزوف: القائد العام للقوات والجيش الروسي. ولكي ينطلق في كتابة تلك الفترة التاريخية من مصير أمة، يقول بأنه يجب أن يكون تاريخ هذه الحرب هو تاريخ الجميع دون استثناء، كل الناس الذين شاركوا في الأحداث.

حين يكتب تولستوي عن تاريخ الذين تم تغييبهم عن المسرح الوطني العام تحت تأثير كتاب التاريخ الرسميين، فإن النظرة العامة للعمل ككل لا يجب أن تكون محصورة بهؤلاء فقط، بل تضم التيارات العامة الشعبية والتيارات الرئاسية الكبيرة داخل القطر الواحد. وإذا كانت دائرة القطر الواحد تعرضت للتأثير بفعل خارجي، يجب أن يضم هذا التيار إلى مجموع هذه التيارات والتي تشكل في محصلة أخيرة حركة التاريخ. إن فحص تيار واحد دون سواه لن يكشف عن حركة التاريخ وقواها الخفية:

عندما نفى تولستوي إمكانية معرفة القوانين المحركة للتاريخ بصياغات علمية، فإنه نزح إلى الفكرة القائلة بأن التيارات والاتجاهات وطبيعة الأحداث تحددها عوامل لا تحصى ومن بينها العوامل النفسية. حركة التاريخ كما يعتقد مرتبطة بدوران عدد كبير من الدوائر المرتبطة الواحدة بالأخرى؛ ويتبين أن هذه الدوائر هم الناس بتطلعاتهم وطبائعهم المتباينة جداً. في الوقت الذي يرفض فيه الكشف عن المحرك الأول للأحداث التاريخية، يحاول في لحظة تاريخية محددة العثور على معادل لتلك القوى التي لم يتناولها أي علم- والتي تؤدي إلى تحريك ساعة التاريخ: هذه الروح المعادلة هي الشعب. الفنان لا يستطيع التعبير عن الشامل دون أن يكشف عنه في الخاص، ولذلك يصور تولستوي معرض ضخم لتلك الشخصيات الذين، يكونون بمجموعهم جوقاً رشيقاً ويعطون إمكانية الكشف عن شيء ما شامل يدخل في نفسية ممثلي مختلف الطبقات الاجتماعية في اللحظات الحرجة من تاريخ الوطن.

ويذكر برلين في مقاله الشهير كذلك أن تولستوي كان يتطلع إلى الاهتداء إلى مبدأ تفسيري كلي يساعده على إدراك أوجه الشبه أو الأصل المشترك أو الغاية الوحيدة أو الوحدة الكامنة في التنوع الظاهري في الفئات والمتناثرات التي يتألف منها العالم.

حين قرأت الحرب والسلام أجد هذه الأسئلة تطرأ على الذهن: ما هي الرواية التاريخية؟ هل استحضار شخصيات تاريخية في العمل الأدبي يجعل من هذا العمل يوصف بالعمل التاريخي؟ هل يحق للفن أن يتلاعب بالشخصية التاريخية ويقوم بتكييفها ليقدم عملاً جديداً قد يجد فيه القارئ مرآة فنية رائعة لهذه المرحلة من الفترة التاريخية أو تلك؟ لكل كاتب أسلوبه في المعالجة التاريخية الأدبية. هنالك استحضار ضروري للشخصية التاريخية، لتقاطعها مع أبطال القصة الأساسيين والقصة التي قام الكاتب بخلقها. أي أن وجودهم مكمل للعمل الفني وليس ضرورياً. وهناك معالجة كاملة للشخصية التاريخية نفسها إذ يبث الكاتب أفكاره الخاصة في تلك الشخصية ويسيرها على هواه للتعبير عن فكرة فلسفية أو فنية تصلح لتفسير حدث معين مرتبط بتاريخ هذه الشخصية التاريخية. في الحرب والسلام الشخصية التاريخية هي الأساس. والشخصيات المختلقة هم الأساس. تقاطعهم ليس أمراً ضرورياً إذ أنه طبيعي وحقيقي. ومن يبحث عن شخصيات الحرب والسلام التاريخية في كتب التاريخ سيجد نفس الأقوال والتصرفات والأحداث دون تغيير. بل أن تولستوي استعان بوثائق ورسائل من هذه الشخصيات. هناك من يقدر بأن يفعل مثل هذا الأمر – تبدو مسألة بسيطة من الخارج، ولكن من يستطيع أن يبث في هذا الأقوال والتصرفات والأحداث الحياة من جديد ويجعلها تتقاطع مع تيارات عامة مختلقة؟ هنا تكمن عظمة تولستوي في الحرب والسلام. شخصيات وأحداث تم حفظها في مستودع التاريخ العام، بث فيها الحياة من جديد ومن خلالهم، من خلال الشخصية التاريخية والشخصية المختلقة سيحاول معرفة سر حركة التاريخ والمحرك القوي للتاريخ. وكل ذلك في فن تولستوي الذي وصف بأنه يؤلف الرواية مثلما كان يصطاد الذئاب، أو يقطع شجرة البتولا بفأسه مستخدماً كامل قوته، مما جعل مبتكرات الروائيين الآخرين تبدو بالمقارنة مجرد أطياف.

بعد أن انتهت الفصول الشهرية لرواية الحرب والسلم وقت صدورها، طُرح هذا السؤال: والآن، بعد أن انتهى الكاتب الروسي تولستوي من نشر هذه الملحمة العريضة، أين السلام في هذه الرواية؟ أليست الحرب هي المحرك الأساسي للرواية؟ طبيعة الحرب في الحرب والسلام تختلف عن أي عمل تناول الحرب في أي من الأعمال التي نشرت في ذلك العصر. هي لا تنتمي إلى أدب الفروسية، ذلك الأدب الذي يتناول بطولات فرسان محددين واستثنائيين، بحيث تلعب مقدرتهم الفكرية والعسكرية على توجيه دفة الحرب كما يشتهون. ولا تنتمي إلى ذلك الأدب الرومانتيكي التي تناوله فيكتور هيجو في رواية البؤساء من خلال حرب واترلو. كان فيكتور هيجو يهاجم الحرب والفكر النابليوني في فصل حرب واترلو، بل وقال أن من أوقف هذه الحرب وخلص هذه الأرض التي تصرخ من هذا الكم الهائل من الدماء هو الله الذي مر فوق واترلو، وجعل هيجو من نابليون والدوق الإنجليزي وولينغتون ممثلين للبطولة والذكاء العسكريين. كان هناك جنود يتعاركون – وهم أساس المعركة، لكن لم يُرى في المشهد إلا ضابط المدفعية نابليون والدوق الحديدي. رومانتيكية هيجو جعلت من أحد الجنرالات الذي قال لحظة إعدامه: هراء، هو المنتصر الوحيد في المعركة. وإذا اتجهنا مرة أخرى إلى الأدب الفرنسي، وجدنا الروائي الشهير ألكسندر دوماس يكتب عن حصار لاروشيل: لكن هذه المعركة كانت ضرورية في النص الأدبي لتقاطع قصة أبطال الفرسان الثلاثة مع الكاردينال ريتشيليو. أي أنها لازمة لعملية الصناعة الروائية ولم تطرح كموضوع خاص ومحدد. تولستوي طرح موضوع الحرب بشكل مخيف، في إطار فني خلاب، لا ينكر ولا يزيح الشخصية التاريخية القائمة في مسرح الحدث، من أباطرة وجنرالات، بل يتخطى ذلك إلى المسببات والسلسلة المتصلة التي قادت إلى الحدث نفسه، مع تبيان الأدوار التي قام بها كل من القائد العسكري والمساعدين والجنود العاديين الذين يشكلون العصبة الأساسية لكل جيش من الجيوش. أن تطرح الحرب كحالة فنية، يجب أن تجعل القارئ لا ينظر إليها من فوق بحيث يعرف التحرك طبقاً لحركة هذه الشخصية أو تلك، بل أن تكون في مسرح الحدث ذاته بحيث قد يسير قارئ تولستوي ويجد الجندي من هذه الجهة يتقدم ومن هذه الجهة يولي هارباً وفي تلك التلة تتمركز خطوط المدفعية ومن على هذه الجهة مركز القيادة. وفي بداية الحرب تختلط الأمور ويصبح كل شيء سريعاً: نسير مع المراسلين الذين يتواصلون مع القيادة واتصالهم بالأفواج وطبيعة التحرك وسلسلة الأوامر والعصيان الذي قد يحدث. تولستوي الذي يهاجم التاريخ الرسمي يفحص الأسباب المؤدية في البداية، ثم يستعرض الآراء التاريخية وكأنه مؤيد لها: وقد تظهر لنا كأنها بالفعل هي الحقيقة، غير أنه يهدمهما في النهاية مقدماً تفسيرات أخرى معتمداً على فحص للأرض ونقد كل فكرة بأخرى تدحضها وعلى طبيعة الحالة النفسية للقادة الذين يصدرون الأوامر ثم يصبحوا متفرجين، لا يستطيعون تغيير شيء على الأرض. ثم يعرض أسباب انتصار هذا الفريق وهزيمة هذا الفريق وإلى ماذا قاد هذا الحادث. فكرة المعارك الكبرى في الرواية مخصصة لحدث واحد بحيث أن هناك بداية ونهاية. في الحرب والسلام لا نلحظ مثل هذا إذ تسبق الحرب سلاسل متصلة من الرسائل والتحركات المدنية والاتصالات، يأتي على إثرها تحرك القطاعات العسكرية والتموين وحدوث المناوشات الصغيرة التي تؤثر في تمركز طرف في موقع وهروب طرف إلى اتجاه آخر نظراً لطبيعة الأرض وعوامل أخرى لوجستية. الحرب لا تكون بقرار اتفاقي. يُقادون إليها ويُدفعون إليها دفعاً. يحتاج الأمر إلى أن يعرض طرف ويقبل آخر ويحدث الذي لا مفر منه. يقول ك. لومونوف:

وضع تولستوي مسائل الحرب والسلام في علاقة مترابطة متبادلة بشكل واضح. لا يجوز الموافقة على الرأي القائل بأن السلام في الحرب والسلام أكبر من الحرب، إن الحرب والسلام ليست عن سلام، بل إنها عمل تولستوي السلمي. إن الرواية بكل حماستها ونظراتها إلى الناس وإلى بطولة الإنسان أثناء الحرب، وبالأحلام عن أخوة الناس والشعوب في المستقبل، تؤكد أهمية السلام التي لم يرى النقاد وحدتها التي لا تنفصم، وحدتها الجدلية مع مسألة الحرب. وهذا يخلق مناقشة غير عادلة حول ما الذي يوجد بشكل أكبر عند تولستوي: الحرب أم السلام؟ لم يعرض تولستوي الحرب كحرب، بل في تناقضها مع السلام – بهذا الشكل عرض لنا تولستوي في كتابه العظيم، ملحمة الحرب والسلام. حلم تولستوي الذي أصبح فنان الحياة الحيوية وفنان السلام، بالسلام لا كسكينة أو فاصل بين حربين، بل كحالة عقلانية طبيعية تتجانس مع طبيعة الإنسان وطموحاته الجذرية، مع الغاية والهدف من وجوده على الأرض.

هناك نقطة تشكل حجر أساس في فن تولستوي بشكل عام وفي الحرب والسلام بشكل خاص: الجسد. إذا قسمنا وجود الشخصية في أي نص من النصوص الأدبية إلى جسد، وانفعال أو تعبير، وصوت/ حوار، نجد أن النقطة الثانية الخاصة بالانفعال والتعبير هي خاصية أساسية في الشخصية الأدبية، إذ أن المشاركة في الحوار والتعبير عن الرأي يحدث تأثيراً انفعالياً يتمثل في ردة الفعل كتحرك للقيام بفعل أو التعبير عن الرأي صوتاً، أو التعبير بحالة جسدية تبعاً للفعل المسبب. النقطة الأولى الخاصة بالجسد هي المشكلة إذ أن هناك الكثير من القراء من ينتقد إما إطالة وصف الشخصيات الجسدية والشكلية وإما يعتمد الوصف الجسدي بشكل عام على تعابير لغوية صرفة. دوستويفسكي مثلاً في رواية الأبله وصف شخصية ناستاسيا فيلبوفنا بالجميلة، وعبر عن جمالها بالقول: إن جمالها لقادر على أن يحدث ثورة. أي أن فكرة الكاتب عن هذه الشخصية تمثلت بفكرة مجردة دون أي أوصاف حسية أو تعبيرية. تولستوي ليس فنان في وصف الجسد، بل معجز. معجز لأن ما من أحد – كما أعتقد – قادر على إعطاء وصف للجسد مختصر وموجز وثابت كما يفعل تولستوي. وكذلك لأن في الحرب والسلام شخصيات عديدة وغالبيتها مركزية، جميعهم مشاركون في حركة التاريخ، التفرغ لإعطاء أوصاف جسدية قد يستغرق صفحات كثيرة. لكنه عند تولستوي مركز ومحدد بشكل فذ وغريب! من خصائص الوصف الجسدي أن الجسد لا يقدم كله دفعة واحدة، بل مجزأ على نطاق الرواية بأكملها. من قرأ رائعته الثانية آنا كارينينا سيذكر تلك الاندفاعة التي تصل إلى القارئ حد اليقين عن جمال آنا كارينينا الجسدي، وكل ذلك لم يتم دفعة واحدة. يبدأ باليد التي يصفها بالقوية الصغيرة، ثم لاحقاً في حفلة الرقص بذلك الجسد المستقيم الذي لا نظير له، وفي الثالث عندما تغادر محطة القطار: لها رشاقة تميزها تمييزاً وثقة وخفة في حركتها، وحين ذهبت في زيارة زوجة شقيقها خلعت قبعتها وأخذ شعرها الأسود يتموج فوق كل مكان من رأسها، وفي مناسبة أخرى يشير إلى الشعر: ظلت الموجات القصيرة العصية على السيطرة لشعرها تتطاير على قفا جيدها وعلى صدغيها. لكل شخصية من شخصيات الحرب والسلام سمة جسدية تميزه عن غيره وتعطيه حضوراً كاملاً. شخصية هيلينا الجميلة مثلاً لا يترافق أي حضور لها دون ذكر الكتفين البارزين، ونابليون يترافق مع يديه الصغيرتين. إن أعظم وصف أعتقد بأني وجدته في الحرب والسلام، بل وفي الروايات عموماً مرتبط بشخصية الأميرة ماري بولكونسكي. هذه الأميرة ظهرت لنا في البداية كفتاة ضعيفة لا تستطيع مجرد التزين واختيار ما يلزم من فساتين. ليس لأنها لا تعرف، بل لأنها محصورة في عالم قاتم هو عالم أبيها الأمير العجوز وتحمل فكراً متديناً يقوم على التقشف والعبادات وحب الآخرين. في واحد من مشاهد الرواية – في النهاية تحديداً- تفجرت الحياة بكل ما فيها من عيني الأميرة ماري. من قرأ عنها بتعابير تولستوي لا يصدق أن تلك العينين الهزيلتين تفجرت ببريق جمالي هائل بحيث انعكس حبها للآخرين وتضحياتها على عينيها. السمة التي تميز وجه ماري هي تلك التقاطيع التي تعطي تعبيراً عن مدى الانشغال والتعب والارهاق. كيف تتحول هذه التقاطيع إلى سمة بارزة للجمال؟ تقول وصيفتها: أهو اللون الأسود الذي يناسب وجهها أم تراها اكتسبت جمالاً دون أن ألاحظ؟ من أين لها هذه اللباقة؟ ويصفها تولستوي بالتالي:

لم تكد ماري ترى ذلك الوجه الفتان الذي تحبه حتى تملكتها حياة قوية جديدة، وجعلتها تتصرف وتتحدث تبعاً لقوتها. لقد تحول وجهها فجأة ودبت الحياة في تقاطيعها، مثل زجاج مصباح رسم عليه فنان خطوطا خشنة، قاتمة ومحرومة من أي معنى، لا يكاد يضيء داخله حتى تأخذ تلك الخطوط مظهراً أخاذاً بجماله. كذلك أصبحت تقاطيع الأميرة ماري جديدة في مظهرها، لقد بزغ إلى فجر الحياة لأول مرة ما كان يعتلج في روحها النقية من إحساسات قلبية. أخذت حياتها النفسية كلها، وكل ما يسبب عذابها وآلامها واندفاعاتها نحو الخير والضراعة والحب والتضحية، كل ذلك أخذ يتألق الآن في عينيها المشعتين وفي ابتسامتها وفي كل قسمة من قسمات وجهها الحاني.

تنقسم الرواية تبعاً لأحداث الزمن الروائي إلى قسمين: قسم قد يحمل معنى للسلام، شخصياته إما هائمة في ملذاتها وإما من يبحث عن معنى لحياته. وهو قسم داخلي صرف حيث يتم إظهار العادات والتقاليد الأرستقراطية من حفلات راقصة وتجمعات في النوادي الأجنبية واجتماعات النبلاء وتبيان الحالة السياسية من مبادرات إصلاحية والصراع بين التيارات السياسية. القسم الثاني قسم لا يرى فيه إلا السلاح حيث تتحول الأرض بأكملها إلى معركة. هذين القسمين يغطيان الفترة الممتدة من 1805م إلى 1813م. في السنة الأولى للزمن الروائي يتمثل بصعود نابليون عل المسرح والتحالف الروسي النمساوي في محاربة نابليون، وانتهت بمعركة أوسترليتز. في السنوات الخمس التالية عبارة عن صلح وتعاقدات دبلوماسية بين النظام القيصري والنابليوني. الفترة الثالثة في نهاية 1811م وتمثلت بإلغاء كل المعاهدات واجتياز نابليون للحدود الروسية وصولاً إلى الموقعة الهامة والكبرى: معركة بورودينو، والتي قادت إلى سلسلة من الأحداث الكبرى تمثلت بدخول نابليون لموسكو وحريق موسكو الكبير ثم رفع هراوة الشعب الثورية في وجه نابليون حتى إندحار الغزو. كل الشخصيات في الرواية تأخذ دورها المحدد لها إما في الأرض التي لا يوجد فيها حرب، وإما في الأراضي التي تدور فيها المعارك. استقلال الشخصية في مكان عن آخر لا يعني عدم تأثيره إذ الجميع يساهم في كل الأحداث الدائرة في ذلك العصر. ولكن، هناك تركيز على أربع شخصيات تأخذ دورها في المسرح العام. الشخصية الأولى هي نابليون بونابرت. والشخصية الثانية هي شخصية الجنرال ميخائيل كوتوزوف. وهي شخصيات لها حضور في التاريخ. الشخصية الثالثة هي شخصية الأمير آندريه بولكونسكي، والرابعة هي الكونت بيير بيزوخوف. وهي شخصيات تولستوي الرئيسية التي قام بخلقها واثبت وجودها بقلمه في مسرح الأحداث.

في بداية الرواية، في تجمعات الطبقة الراقية والنبيلة في موسكو وبطرسبورغ، ينطلق الحديث بحوار طويل بالفرنسية. شخصيات روسية تعيش في الوطن الروسي ويتحدثون فيما بينهم بالفرنسية، وكأن اللغة القومية أصبحت غريبة عنهم، لا توجد فيها أي حياة وغير مسايرة للعصر. يشير أمبرتو إيكو في كتاب “أن نقول الشيء نفسه تقريباً” أن تولستوي كان يريد أن يُفهم حتى ذلك القارئ الذي يجهل الفرنسية أن الأرستقراطية في عصر نابليون كانوا بعيدين عن الحياة الوطنية الروسية بحيث كانوا يتكلمون اللغة المعتبرة آنذاك، اللغة العالمية للثقافة والدبلوماسية واللباقة – حتى وإن كانت لغة العدو. ويفعل تولستوي ما في وسعه لتنبيه قرائه إلى أن ما تقوله الشخصيات بالفرنسية مادة صالحة لمحادثة جميلة، مهذبة، لكنها قليلة الأهمية بالنسبة إلى مسار الأحداث. في هذا المجتمع لا يوجد سوى موضوع واحد وشخصية واحدة هي محور الاهتمام إلى درجة أن هذه الشخصية تحولت من كائن بشري قد يثير الاعجاب إما لعمل نبيل أو لإحداثه لأمر ذو تأثير إيجابي كبير إلى روح خالدة تغطي سماء الوطن الروسي بأكمله، وهذه الشخصية – أو بمعنى أصح الروح الخالدة هي نابليون! كيف وصل إلى ما وصل إليه؟ كيف استطاع توجيه دفة الثورة الفرنسية ووحدها ونقلها للخارج؟ ” إنه لأمر خارق وغير طبيعي، بل وملهم”، هكذا تتداول الشخصيات النبيلة والمقربة من القيصر الروسي عن نابليون. لقد أصبح في نظرهم قوة محركة للتاريخ، تدفعه دفعاً إلى وجهة لم تتضح معالمها بعد. ومن بين من يتداول في هذا الأمر الأمير آندريه بولكونسكي والكونت بيير بيزوخوف، بطلي الرواية الرئيسيين.

نابليون بالنسبة لآندريه هو الهدف الذي يطمح إليه. ليس كشخصية غازية، وإنما كمجد وروح خالدة تعطي دفعة هائلة ومؤثرة في تاريخ البشرية. لقد أصبح نابليون المثال الأول والهدف الأول. لكن من يراه الهدف والمثال للمجد هو عدوه القادم في معركة اوسترليتز. كيف تشكل هذا الأمر عند آندريه؟ آندريه واحد من أكثر شخصيات تولستوي تجهماً وكآبة. ملحد عتيد كغالبية شخصيات تولستوي في كبرى أعماله. يترك زوجته الحامل في قصر أبيه العجوز ويذهب إلى الحرب من أجل هدف لم يتضح له بعد. وإن كان يجد شيء أمام عينه لن يكون إلا المجد. كان يتتبع خطوط فوزه وخطى انتصاراته. وضع بمفرده خطة المعركة المقبلة، معركة اوسترليتز. هو وحده الذي سينتزع النصر من براثن الهزيمة والسقوط. ثم ماذا بعد كل هذا؟ لا يستطيع أن يعرف، ما يؤمن به شيء واحد: المجد، والشهرة. الموت والجرح وفقد الأسرة، كل هذه المصائب لا تخيفه، مهما بدأ مخيفاً ومنافياً للطبائع البشرية، فهو على استعداد للتضحية بهم دون تردد في سبيل لحظة مجد وفوز. تولستوي الواقعي لم يمحي أثر النابليونية في روح آندريه دفعة واحدة، إذ من الصعب مسح كل ذلك الأثر التاريخي خصوصاً أن تلك الروح الخالدة – كما يؤمن- قد قضى على جيشين بكامل عتادهم في معركة الأباطرة الثلاث، معركة اوسترليتز. ولكن أعطاه إشارات واتجاهات أخرى قد يجد من خلالها طريقاً له. الإشارة الأولى إلى جمال الحياة بعد مشهد السماء الخالدة. وهو أحد أشهر مشاهد الحرب والسلام، ولا تكاد دراسة نقدية تتناول الحرب والسلام إلا وتناولت هذا المشهد العظيم. في تلك الدقيقة من معركة اوسترليتز، أو ما تسمى بحرب الأباطرة الثلاثة، حين تأكد للجنرال كوتوزف أن هزيمة الجيش الروسي والنمساوي قد وقعت من قبل نابليون وجنوده، تسلم الراية ذلك البطل الذي ليس له وجود في التاريخ، وقام تولستوي بخلقه وأعطى له وجوداً تاريخياً في تلك الرقعة، الأمير آندريه بولكونسكي. تسلم الراية يصرخ بأن لا يمكن أن تحل هزيمة وهو موجود، واندفع رافعاً الراية باتجاه تلك القوات، وانضم له الجنود الذين كانوا قبل دقائق يفرون من أرض المعركة، متأثرين بصرخات ذلك الأمير الذي يقوم بعملية هي أشبه بعملية انتحارية. لماذا كتب تولستوي هذا المشهد؟ هل هناك نزعة رومانتيكية عند تولستوي؟ لا. ليست نزعة رومانتيكية ولا بطولة من بطولات الفرسان. ها هو آندريه الذي يحلم بالمجد اندفع ليعانق ذلك المجد. وسقط سقوطاً عظيماً، أو كما عبر عنها نابليون: إنها ميتة عظيمة. أن يموت وهو ممسكاً الراية.


What is it? Am I falling? Are my legs giving way under me?” he thought, and fell on his back. He opened his eyes, hoping to see how the fight between the French and the artillerists ended, and wishing to know whether or not the red-haired artillerist had been killed, whether the cannon had been taken or saved. But he did not see anything. There was nothing over him now except the sky – the lofty sky, not clear, but still immeasurably lofty, with gray clouds slowly creeping across it. “How quiet, calm, and solemn, not at all like when I was running,” thought Prince Andrei, “not like when we were running, shouting, and fighting; not at all like when the Frenchman and the artillerist, with angry and frightened faces, were pulling at the swab – it’s quite different the way the clouds creep across this lofty, infinite sky. How is it I haven’t seen this lofty sky before? And how happy I am that I’ve finally come to know it. Yes! Everything is empty, everything is a deception, except this infinite sky. There is nothing, nothing except that. But there is not even that, there is nothing except silence, tranquility. And thank God!


ها هنا فن تولستوي القائم على الجدل العنيف في الروح. حين كان آندريه مستلقياً وبيده العلم شاهد تلك السماء الخالدة، تلك السماء التي لم يتطلع إليها أبداً بمثل ذلك البهاء والجمال. ها هو يتطلع إلى أكثر الأشياء تناسقاً وجمالاً وسلاماً، وأين شاهد كل ذلك؟ في معركة الأباطرة الثلاث! كان آندريه معلقاً بين تلك الأرض المستعرة بحرب غير معقولة وغير طبيعية وتمثل قمة الإجرام في الجنس البشري، وبين تلك السماء العظيمة الخالدة. ها هنا تعارض وجدل عنيف في روح آندريه، وكأن تولستوي يريد أن يري آندريه أن في تلك الرقعة من أرض اوسترليتز هناك سلام خالد وسام، تطلع إليه وأنعم به: ها هو هنا فوقك وفوق كل محارب في تلك الأرض التي لا يوجد فيها أي سلام. فكرة السماء الخالدة هي إدانة الفنان لتلك الحرب وكل الحروب التي جرت وستجري. وكم هو أمر عظيم أن تختصر السماء الشعور السام بالسلام والحب والصفاء.

من الغريب أن ينهي تولستوي الجزء الأول من كتابه – في ذروة الحرب بمشهد السماء، وفي نفس الوقت ينهي الجزء الثاني – في زمن السلام – بمشهد السماء كذلك، ولكن هذه المرة بشخصية الكونت بيير بيزوخوف. نفس التأثير، ونفس التطلعات، بإستثناء أن بيير هو من ذلك النوع من أبطال الملاحم الذين لا يترددون في التعبير عن ما يجيش في نفوسهم، لا يخجل من التعبير عن نفسه بالبكاء بعكس آندريه الكئيب.


It was cold and clear. Above the dirty, semi-dark streets, above the black roofs, stood the dark, starry sky. Only looking at the sky did Pierre not feel the insulting baseness of everything earthly compared with the height his soul had risen to. At the entrance to Arbat Square, the huge expanse of the dark, starry night opened out to Pierre’s eyes. Almost in the middle of that sky, over Prechistensky Boulevard, stood the huge, bright comet of the year 1812–surrounded, strewn with stars on all sides, but different from them in its closeness to the earth, its white light and long, raised tail–that same comet which presaged, as they said, all sorts of horrors and the end of the world. But for Pierre this bright star with its long, luminous tail did not arouse any frightening feeling. On the contrary, Pierre, his eyes wet with tears, gazed joyfully at this bright star, which, having flown with inexpressible speed through immeasurable space on its parabolic course, suddenly, like an arrow piercing the earth, seemed to have struck here its one chosen spot in the black sky and stopped, its tail raised energetically, its white light shining and playing among the countless other shimmering stars. It seemed to Pierre that this star answered fully to what was in his softened and encouraged soul, now blossoming into new life


في هذين المثالين- يقول ذلك الناقد جورج ستاينر في كتاب تولستوي أو دوسوتويفسكي:

اتخذ الشكل الفني صورة قوس كبير متحرك. حركة متصاعدة إلى الخارج من مركز واع (عين الشخصية التي يرى المشهد من خلالها)، ثم انتهت الحركة بالرجوع إلى الأرض، وهي حركة لها دلالة رمزية لأنها تعبر عن الأحداث الفعلية المرئية، وإن كان لها مفهوم مجازي أيضاً للتعريف بحركة الروح. فثمة إيماءتان تعكس كل منهما الأخرى: الرؤيا الصاعدة للعين، والتجمع النازل للوعي الإنساني. عودة العين إلى الداخل، لكي تكشف استيعاب الروح للفضاءات الخارجية. لقد نقلت الظاهرة الطبيعة عقل المشاهد في كل مثل من الأمثلة نحو شكل من أشكال الرؤى، أو الكشف عن المجهول. السماء والسحب الرمادية فوق اوسترليتز تعرف الأمير آندريه أن كل شيء زائل، وتصرخ أحاسيسه المتبلدة بصوت يذكره بالأحداث التي تتردد في القداس. لقد أنقذ الليل وجلاله بيير من تفاهات المجتمع الدنيوي وشروره. وفي هذا الكشف لتولستوي هناك آثار اجتماعية وأخلاقية. كشف هدوء السماء بعد انقشاع الغيوم والصفاء المنعش لليل والانبساط الرائع للحقول والغابات عن خسة الدنيويات وابتعادها عن الواقع. كشفت عن قسوة الحرب وغباءها، وعن التفاهة الجوفاء للأعراف الاجتماعية التي أشعلت نار الأسى في فؤاد الكونتيسة ناتاشا. أفصحت هذه الكشوف على نحو دارمي مستحدث عن معنى عريق في الأخلاق: ليس بمقدور أي إنسان أن يكون أسيراً لإنسان آخر، وستستمر الغابات في هفيفها ودمدمتها حتى بعد أن يوارى الغزاة التراب.

من هو بيير؟ ومن هو آندريه؟ وأين موقع تولستوي بين هذه الشخصيات؟ يفضل في النقد الأدبي أن يتم تناول الشخصية الأدبية بمعزل عن الخالق الفني. كقارئ لتولستوي لا يرضيني هذا الأمر، إذ أن التجربة أثبتت لي أن تولستوي يعبر عن أشد أفكاره في أعماله من خلال شخصياته كما في شخصية قسطنيطين ليفين في آنا كارينينا الذي كان تولستوي بتمامه. واجهت صعوبة في الكشف عن موقع تولستوي بين بيير وآندريه، وأجد أن هناك سبباً مقنعاً لهذا الشعور لأن المؤلف وهو يكتب الحرب والسلام كان في الأربعينات من عمره، وكان يعيش سعادة عائلة طاغية. بمعنى: تلك الأفكار التي تفجرت في آنا كارينينا ولا حقاً في الاعترافات كانت في حالة خمود وغير ظاهرة. بالقياس إلى ما ظهر لاحقاً كما في الاعترافات وغيرها من الكتابات، سيجد بعض القراء موقع تولستوي عند شخصية بيير، وبعض القراء سيجدونها بتمامها في شخصية آندريه، وبالنسبة لي: فكر تولستوي تم تقسيمه بين بيير وآندريه مع إعطاء كل واحد منهم اتجاه فكري مستقل. آندريه شخصية تعانق العدم. ليس من ذلك النوع الذي يتنازل. طبيعته الفكرية تحمل في جذورها بعض التقاليد المحافظة الرافضة للتحول دون وجود سبب مادي يقيني يسمح له بالتغيير والانطلاق. وإن أحدث بعض التغيير في نظام حياته العام فهو يضل مخلص لما كان يحمل سابقاً. وهو إلى ذلك شخصية يسير الموت بقربها من بداية ظهوره على مسرح الحدث. بعد معركة اوسترليتز أضحى نظام حياته قائماً على تسخير ما يملك بما يعود بفائدة على الآخرين دون أن ينطلق قدماً في تيار الحياة الذي كان مفتوحاً على مصراعيه. نراه يقوم بأعمال جليلة وثورية دون أن يضعها في مرتبة قائمة على أسس منطقية، كما في خطوته الثورية بتحرير فلاحيه. في واحدة من حواراته النارية مع بيير قام بمعارضة بيير الذي كان يعاني من تكبيت الضمير جراء مبارزته مع أحد الشخصيات. بيير الذي يجد قتل الإنسان أمر مريع، يجد معارضة عند آندريه الذي يجد قتل كلب شرير أمر صالح جداً. حتى وإن قال بيير أن قتل الإنسان أمر غير عادل وغير صالح، يرفض آندريه بإصرار ذلك المنطق زاعماً بأن الانسان لا يمكنه أن يقرر ما هو حق وما هو باطل: الظلم والعدل، هذه النقطة التي أخطأ الإنسان فيها أكثر من غيرها، وسيخطئ في تقديرها أبداً. إن كان هناك يقين يؤمن به فهو الحياة والموت. غير أنه لم يرتبط بحرارة الحياة يوماً، وها هو يسير مع الموت: بجابنه الخاص المرتبط مع المقربين منه، وفي الشأن العام الذي يخيم عليه ظلام دامس لا يعرف متى سينجلي وإلى ماذا سيؤدي. بعد عودته من اوسترليتز مصاباً فاقداً أي ارتباط بالحياة، بينما كل شيء في منزله يبدو على طبيعته ويسير على نسق واحد:” ظل السر الجليل الذي لا يضاهيه شيء في العالم، يتكامل ويتحقق: أقبل الليل، وراح شعور الانتظار والخشوع أمام المجهول الذي لا يمكن إدراكه، يتزايد بإطراد بدلاً من أن تخبو جذوته”: ولادة طفل جديد. ها هو أعظم سر للحياة يتفجر أمامه، غير أن تولستوي – ويالغرابته هنا- جعل بطله يسير قدماً إلى العدم بكل قوة في أحد مشاهده الفنية التي تحمل جدلية مذهلة. بين اتجاه الحياة بكل قوتها والموت بكل اندفاعته. هذا المشهد هو الذي أجبر دوستويفسكي أن يمنع زوجته الحامل آنا غريغورريفنا من قراءته لطابع الفقد المؤلم الذي يحتويه. من يقارن بين هذا المشهد ومشاهد آلام الولادة في آنا كارينينا سيجد ملاحظة مهمة. جعل تولستوي من مشاهد الولادة في آنا كارينينا دلالة على العظمة والجمال، وقذف هذا المشهد في وجه بطل الرواية قسطنطين ليفين بعض اليقين حول الإيمان بالله عبر ظهور كائن جديد إلى الوجود. الوصف في الحرب والسلام يحمل طابع الحياة والموت، إذ أن هناك طفل يظهر للوجود، وهناك امرأة تفقد حياتها. وكل ذلك أمام من شاهد الموت ومن يرافقه، العائد من اوسترليتز ، آندريه:” لو رأيت كائناً هو أعز ما لديك في الوجود، ومرتبط معك بإرتباط عظيم، وتشعر بذنب اقترفته أمامها وتريد أن تعتذر، وفجأة، تعاني هذه الكائنة من الألم وتتعذب وتنتهي حياتها. لماذا يحدث مثل هذا الأمر؟” عندما يسير معها في الحياة، وفجأة تختفي تلك الفتاة، هناك في المجهول، وهو واقف على حافة المجهول، الهاوية، فعن أي حياة يجب أن يبحث عنها آندريه؟ على الطرف الآخر من آندريه، تتميز شخصية بيير بطاقة شعبية فذة. وإذا أردنا تعيين مثال له لن يكون سوى دون كيخوته إذ أن بيير يحمل صفاته المغامرة والمندفعة. بيير يبدي استعداد لأي تغيير متى ما وجد الدليل حتى لو كانت كلمات مجردة. يضع هذا التغيير موضع الاختبار ويكشف عليه على أرض الواقع المادي. بيير يقتحم رياح الحياة العاصفة بكل شجاعة. قد ينهار ويفقد إيمانه لكنه يبحث. واذا وجد ما يبحث عنه، لا يكف عن البحث مرة أخرى إذ أن الأسئلة التي تحيط به لا تقل شدة عن آندريه. وبيير يربط ما يحدث في الشأن الخاص بما يجري في الشأن العام والكون. أي أن الحياة الخاصة في الحرب والسلام مرتبطة بالمنهج التاريخي النفسي العام ويرسم تولستوي إمكانية مثل هذا الترابط الداخلي بين الخاص والعام في الحوار النفسي لبيير بعد مبارزته مع دولوخوف عندما تساءل محدثاً نفسه- ها هنا نجد صدى لاعترافات تولستوي -:

أطلقت النار على دولوخوف، ولويس السادس عشر، ألم يعدموه لأنهم اعتبروه مجرماً؟ وبعد عام أعدموا أولئك الذين حكموا عليه من قبل، ولا شك أنه كانت لديهم أعذارهم أيضاً. ما هو السيء وما هو الحسن؟ ماذا ينبغي أن يحب المرء وماذا ينبغي أن يكره؟ لماذا ينبغي أن يعيش المرء؟ ما هو الأنا؟ ما هي الحياة وما هو الموت؟ وما هي القوة التي تسير كل هذا؟ لم يكن يجد على كل هذه الأسئلة إلا جواب واحد: ولم يكن جواب في حد ذاته: ستموت، وستعرف كل شيء، أو ستكف أن تطرح الأسئلة على نفسك. ولكن أن يموت، كان ذلك شيئاً رهيباً!”. إذا كانت انطلاقة آندريه الفكرية نابعة من الحرب، فإن بيير وانطلاقته الفكرية قائمة على أحوال المجتمع الذي يعيش فيه بكل ما فيه من صعاب: ما هو هدف كل هذا؟ أي مأساة تمثل على مسرح الحياة؟ إننا جميعاً بنشر القانون المسيحي بالصفح عن الإساءات وحب الغير، وتنفيذاً لهذا القانون أقمنا في موسكو ٤٠ كنيسة. ومع ذلك، بالأمس فقط، حكمنا على جندي تعس فار من الخدمة بالجلد حتى الموت، فجاء القس، وزير هذا القانون القاضي بالحب والصفح، وقدم الصليب لهذا الرجل ليقبله قبل الموت!

ومن الفكر الثقيل الذي يحيط بهاتين الشخصيتين يقدم تولستوي شخصيته الثالثة المركزية في الرواية، وهي شخصية الكونتيسة ناتاشا روستوف. من يقرأ عن هذه الشخصية سيعتقد جازماً أن تولستوي كان في أواخر عمره وأفنى جزء كبير من عمره في تسجيل تصرفات الإنسان منذ طفولته حتى الشباب والكبر مسجلاً الملاحظات التي تطرأ على كل تغير طبيعي في حياة هذا الإنسان. غير أن الأمر الغير طبيعي هنا أن تولستوي كتب هذه الرواية وهو في الأربعينات، فكيف استطاع أن يقدم إحساسات صبية متفجرة بالحياة، بتصرفاتها وأحلامها وتأثيرها الفتي الحي على كل ما يحيط بها. ناتاشا تحمل بداخلة انطلاقة هائلة، مقتحمة الحياة بكل قوة، لا كشخص يعرف الصعاب وذاق من الكأس المر الذي حمله آندريه وبيير، بل مقتحمة إياها بكل براءة وكأن كل ما في الوجود جميل وزاهي. هذه الشخصية النسائية تؤثر في شخصيتي الرواية، تحدث بداخلهم تأثيراً حياً يدفعهم للحياة. عندما زار الكئيب المتجهم آندريه منزلهم للقاء أبيها، على جانب الطريق انتصبت سنديانة عجوز، سنديانة ضخمة ذات أغصان محطمة من عهد قديم، ممتلئة بنتوءات وتصدعات. كانت أذرعها المعقدة البشعة الممدودة في غير تناسق، كانت وحدها ترفض الاستسلام لفتنة العام الجديد وتأبى رؤية الربيع والشمس. كأنها تقول: الربيع! الحب! السعادة! ألا تأنفون من هذا السخف الأبدي، ألا ترون أن كل هذا ليس إلا حماقة وسخفاً؟ لا يوجد ربيع ولا شمس ولا سعادة؛ لست أؤمن بآمالكم وأكاذيبكم. كان آندريه يلتفت إليها وكأنه ينتظر وقوع شيء ما. كان في ظلها حقل امتزج فيه العشب بالأزهار بينما ظلت هي، هي الوحش الجبار، تنصب بعناد قامتها الهائلة الكئيبة( لقد انتهت حياتنا، انتهت تماماً، كهذه السنديانة!). عند عودته على ذات الطريق، بحث عن هذه السنديانة. يريد أن يراها بعد أن فتحت الحياة نافذة على روحه. شاهدها، ولكن ليس بتلك الصورة المعتمة التي رآها في أول مرة، اختفى التجهم واليأس وانبعث منها أوراق فتية مزدهرة بماء الحياة، تدعو للتساؤل : كيف استطاعت تلك العجوز الفانية أن تفعل ذلك: إنها الحياة! روح الصبية ناتاشا! كان يشعر حيالها أنه أمام عالم مجهول، مليء بالمسرات الغير منتظرة. شخص بأبصاره إلى تلك الشابة التي تغني وهو يحس بإضطراب غريب وسعادة ممتزجة بالحزن. كان على استعداد لذرف دموع سخية دون أن يكون هناك أي داع للبكاء. وعلى أي شيء يبكي؟ على غرامه الأول؟ على الأميرة المتوفاة، زوجته؟ على إخفاقه وتبدد أوهامه؟ على آماله وأحلامه؟ نعم ولا. ظهر له ذلك التناقض الهائل المروع بين ما كان يحس به من إغراق في العظمة في أعماق نفسه وبين الإنسان المحدود الضيق الجسدي، الذي كان يملأ أهابه والتي هي عليه كذلك؛ هذا ما كان يبعث عذابه وسروره معاً خلال الفترة التي غنت بها ناتاشا. هذه الشخصية النسائية المتفجرة بالحياة أظهر من خلالها تولستوي تقنياته التي يتميز بها. أن تحط السعادة على كائن ما ذلك أمر جد طبيعي. لكن أن تكون السعادة قد ترتبط برعب يظهر كجدلية حية وعميقة، هذا ما يجيده تولستوي بكل مهارة. في طريق الحياة قد تصادفنا عثرات صغيرة يسهل القيام بعدها، وقد نتعرض لهزات كبيرة قد تقعدنا لفترة طويلة تجبرنا على الصمت والسكون والانطوائية، ولكن أبداً: لا بد أن يكون هناك مخرج مهما كان حجم الصعاب. متى ما عادت الثقة إلى النفس وارتفعت شيئاً فشيئاً تصبح الانطلاقة ضرورية. وهذا ما حدث لشخصية ناتاشا المندفعة في هذه الحياة. تصادمها ولقاءها الأول مع آندريه أحدث فيهما ذلك الشعور الطاغي بضرورة وجود الآخر في حياة كل واحد منهم. غير أن الشخصية الأولى محتفظة بذلك الإطار الأصيل من الاستقلالية الشديدة والبحث عن المجد. مهما كان حجم تخليه عن تلك النظريات التي آمن بها، لا بد أن يعود لأصله وتكوينه النفسي والفكري. وتلك التي لا زالت فتية لم تشاهد تلك الصعاب الجسام التي خاضها الطرف الأول. كيف ستكون تلك العلاقة، وما هي امتداداتها في مجموع الحرب والسلام بكل شخصياتها الخاصة والعامة، يجيب تولستوي عن ذلك في الرواية دون تقديم أي خاتمة. الختام يعني تدمير الحياة، والحياة مستمرة ولا يوجد فيها هذا النوع من التوقف حتى لو كان مؤقتاً. يقول تولستوي في مقولة شهيرة: أحب الفكر الشعبي الذي نتج عن حرب 1812م. إذا كنا سنأخذ مثال عن شخصية نجد فيها ملامح للفكر الشعبي ستكون ناتاشا محور رئيسي في هذا الفكر الشعبي والروح الشعبية. ولكن كيف يتم إظهار تلك الروح الشعبية في شخصية فتاة أرستقراطية تعيش في ترف ومجتمع بعيد عن قطاعات الشعب العامة، وتم تربيتها بواسطة مربية فرنسية كذلك. لا يوجد تقاطع بين مركز وجودها والمراكز الآخر – طبقات اجتماعية أخرى. ولكن هل يجب أن يكون هناك تقاطع ناتج عن مشاركات اجتماعية حتى نتبين ملامح هذا الفكر الشعبي؟ كصبية صغيرة فتح آندريه بداخلها فجر جديد وحياة جديدة. أصبحت تحب بكل كيانها وتعشق ذلك الرجل الصارم الذي حمل مشقات واجتاز مصاعب هائلة. ولكن حدث الذي قلب الطاولة رأساً على عقب. هي لا تفكر ولا تلقي بالاً لعقلانية آندريه، هي اندفاعية تعانق الحياة بكل قوتها، إن أرادت شيئاً يجب أن تلتصق به للأبد ومباشرة ودون تأخر. وضع تولستوي بطلته الأثيرة في نفس الموقف الذي وضعه لبطلته الأثيرة الأخرى آنا كارينينا. مع وجود فروقات بالطبع في الموقف بين آنا كارينينا وناتاشا عقلياً وعاطفياً. لكننا نلحظ عند ناتاشا بعد تلك الأزمة التي ألقت بها في غياهب المجهول صعود روحي ونفسي لا يقوم على موقف رومانتيكي بالاندفاع نحو الشعبية والبساطة هكذا دفعة واحدة، بل إن المحيط العام وسير التاريخ يربطها بذلك الفكر الشعبي والروح الشعبية. ارتباطها بالأرض والناس ملتصق بغاية وجودها ووجود أهلها وأقرباءها وتاريخ حياتها الخاص. يصبح الاندفاع لتيارات الشعب العامة أمر جد طبيعي، كشخص مقبل على الحياة. اندفاعة إنسان مقبل على الحياة تكون عفوية يصعب التحكم بها. هذه العفوية قد تفقد المرء التصرف، وها هي ناتاشا تفقد صواب الحياة وتدفع لقاء ذلك خيبة أمل مريرة قادتها إلى التفكير بإنهاء وجودها: الانتحار. تولستوي دفع بناتاشا إلى تلك الحالة الصعبة كضمانة لتجدد الإنسان وحركته القوية الخالدة نحو مثل أعلى. يذكر ف. أدينكوف في كتاب فن الأدب الروائي عند تولستوي أننا نجد من خلال التماسك الذي لمسناه في الحرب والسلام أن انتصار ناتاشا وبعثها روحياً يرمز في الإطار العام إلى انتصار الفكر الشعبي. ويعرض تولستوي المصدر الخفي للضوء الروحي الذي كان يثير الدفء في كل من يلتقي بها، ويكشف لنا عن طبيعتها الشعبية والقومية الروسية الحقيقية، رغم لقب الكونتيسة الذي تحمله ورغم تربيتها الأرستقراطية. بعد الوقت الذي كانت فيه بأقصى حالاتها حزناً، في بيت عمها تطرب لغناء عمها و تستمتع ناتاشا وتغرم بتلك الآلة الشعبية ولم تترد في القيام بتلك الرقصة الشعبية. يشير تولستوي إلى هذه الناحية على لسان عمها: أين وكيف ومتى استنشقت ذلك الهواء الروسي الذي تتنفسه هذه الكونتيسة الصغيرة التي تربت على يد مربية فرنسية؟ ومن أين لها هذه الروح، ومن أين أخذت هذه الصفات التي يجب أن تكون قد تلاشت منذ زمن بعيد؟ لكن هذه الروح وهذه الصفات هي نفسها التي لا يمكن امتلاكها بالدراسة ولا يمكن تقليدها. إن حل الصراع التاريخي مرتبط بانتصار الروح الشعبية، مرتبط بتلك القوة الأخلاقية التي يمتلكها الناس. كان معين الصمود الأخلاقي لا ينضب في ناتاشا، فقد ظهر أن هذه الكونتيسة الرقيقة الصغيرة هي وريثة مارد جبار- الشعب. كان لها في تلك اللحظة الصعبة من القوة ما يكفيها على عدم الانهيار روحياً وعلى عدم الاستسلام. من دلائل هذا الارتباط هي في قدرتها على إجبار والديها على التضحية بثروة كبيرة من مقدراتهم المالية والعينية في سبيل نقل الجرحى المصابين في الحرب الوطنية. كان الأب الكونت روستوف قد فتح باب منزله لاستقبال كل الجرحى – كجزء من مساهمته الشعبية في الحرب الوطنية. وعندما صدر الأمر بإخلاء منزله كان قد ملئ جميع عرباته بمقتنيات تقدر بثمن كبير. غير أن صغيرته لاحظت أن الجرحى لا يمكنهم السير لمسافة طويلة، ففضلت الطلب من أبيها على التضحية بتلك المقتنيات في سبيل نقل الجرحى، الإنسان الذي له أولوية على تلك العينيات. ( من يتخيل أن هذا المشهد الذي كتبه تولستوي في روايته سيتحقق في حياته؟ حدث مثله بالتمام، وكانت الفتاة هي ابنته ماشا).

في الوقت الذي يوجه فيه تولستوي كل طاقاته الأدبية والفكرية للهجوم على الحرب، لا نكاد نجد في أي أدب أي ملمح من ملامح العظمة الفنية في حالة الحرب ما يفوق أدب تولستوي في الحرب والسلام. في الزمن الروائي لا توجد معركة واحدة، بل عدة معارك. وتتخطى المعركة جانبها العسكري البحت في حالات الاشتباك المباشر إلى النزاعات السياسية والغزو واقتحام العاصمة الرئيسية لدولة من الدول، وما يرافق هذا الغزو من انهيار في البنية الأساسية للدولة. الملمح الأول لحالة الحرب كانت في معركة اوسترليتز. تحالفت روسيا مع النمسا للقيام بحملة عسكرية لإيقاف نابليون، وتم تكليف ميخائيل كوتوزوف، أحد القادة الكبار لقيادة الجيش الروسي. كانت نتيجة هذه المعركة قاصمة لكلا الجيشين، الروسي والنمساوي. حين يكتب تولستوي عن الحرب يعود إلى ما قبل الحرب، يبحث في أسبابها وطبيعة الأرض والخطط العامة المعدة من قادة الجيشين وحالة الحرب والتأثيرات النفسية والانطباعات. في الجانب الفرنسي هناك قائد واحد فقط هو نابليون. يرسم الخطة بنفسه ويقدر طبيعة الأرض وإمكانية الفوز والخسارة. على الطرف الآخر كوتوزف، لكنه دون صلاحيات حقيقية إذ أن الإمبراطور الروسي والنمساوي أصرا على الدخول في حرب مفتوحة اعتماداً على تفوق في العدد. لم يسمعا رأي كوتوزف الذي قال للقيصر أن الهزيمة تلوح في الأفق بشكل واضح ولا مجال للفوز بها رغم التفوق العددي. في الوقت الذي كان فيه أحد الجنرالات النمساويين يشرح الخطة العسكرية المعدة للتنفيذ، كان كوتوزوف نائماً نوماً عميقاً. إذا أصدر الملوك قراراً ما يجب أن يتم تنفيذه. وهو ما سيفعله. فعل الذي عليه، أي التحذير من الحرب. ولم يسمعا له. معركة اوسترليتز تبدو كمقدمة – رغم ضخامة هذه المعركة! هناك معركة قادمة أخرى أشد وأقسى وأعنف: معركة بورودينو. في أول خروج على النسق الروائي ظهر تولستوي المفكر ليتحدث في الجزء الثالث عن ما جرى في عام 1812م:

في أواخر 1811م حشدت أوروبا قوات عظيمة. وُجهت هذا القوات من الغرب إلى الشرق نحو الحدود الروسية. وفي ١٢ من حزيران 1812م اجتازت جيوش أوروبا الغربية الحدود وبدأت الحرب، أي أنه وقع حدث مخالف للعقل ولكل طبيعة الإنسان. ارتكبت هذه الملايين من الرجال بعضها في حق بعض عدداً كبيراً من الكبائر والخداعات والخيانات والسرقات والنهب والحرائق تعجز وثائق كل محاكم العالم على تقديم أمثلة مماثلة خلال قرون، كل هذا دون أن يعتبر فاعلوا هذه الرذائل خلال تلك القرون من الزمن أنها جرائم بشعة. لكي تتم مشيئة نابليون وألكسندر، كان لا بد من مساهمات لا تحصى. كان لا بد لهذه الملايين من الرجال الذين كانت بين أيديهم القوة الفاعلة بوصفهم جنود القتال أن يوافقوا جميعاً على إمضاء مشيئة هذين الشخصين الضعيفين المنعزلين وأن يكونوا مسترشدين بعدد لا يحصى من الأفعال المركبة.

ولكن قبل الدخول في هذه المعركة: من هو كوتوزوف ونابليون؟ ولماذا جعل تولستوي من شخصية الجنرال كوتوزوف الشخصية الروسية الحقة التي تستحق كل ثناء؟ وما هي بورودينو؟

معركة بوردوينو في الحرب والسلام هي الصخب والعنف والتلاحم بين الحياة والموت بكل قسوتها وشدتها ورعبها. أتذكر تلك اللحظات التي قرأت فيها تلك الفصول المتعددة عن بوردوينو في الجزء الثالث. لم أصدق أن كاتباً قدم الكثير من المشاهد البديعة والحوارات الرائعة لا زالت لديه الطاقة لتقديم ما هو أعظم من السابق. إذا كانت الحرب والمعارك يجب أن تكتب، فيجب أن تكون مثلما كتبها تولستوي. لكي يكتب تولستوي عن هذه المعركة، زار أرض المعركة ليومين (مثلما فعل فيكتور هيجو بزيارة أرض واترلو ليكتب عنها في البؤساء) وقابل بعض الأحياء الذين شاركوا في هذه الحرب وجمع وثائق ومعلومات تعينه في رسم الركن الأساسي في الحرب والسلام. لا أستطيع وصف مشاهده بالسينمائية لأن السينما لن تستطيع مهما بلغت قوة الصورة أن تقدم تلك الاحاطة الشاملة التي تخطت الشخصيات الرئيسية من قادة عسكريين وسياسيين إلى الجنود بكامل وجودهم وتطلعاتهم من كلا الفريقين وتبيان الحالة السيكولوجية. ها نحن نلحظ آندريه يعود من جديد إلى ساحة المعركة ولكن برؤية مختلفة وإن كانت أكثر قتامة من قبل. ها هو يدين هذه الحرب وكل تلك الحروب بقوله: أي محل للظرافة في الحرب؟ أليست الحرب أكثر ما في الوجود خزياً؟ يجب أن يتذكرها المرء فحسب، لا أن يجعل منها تسلية. لنبعد كل كذبة؛ إنها الحرب، ليست لعبة. أليست المهنة العسكرية تعتبر أنبل ما في المهن؟ ومع ذلك ما هي هذه المهنة وكيف يحصل المرء فيها على النجاح وأية عادات يألفها أولئك الذين يمتهنونها؟ غايتها القتل، ووسائلها التجسس والخيانة والتشجيع عليها، ودمار السكان والسرقات التي تقع لتزويد الجيش، والخداع والكذب المزينين بإسم خدع الحرب، وعاداتها الاسترقاق المعمد بإسم الطاعة، والبطالة والغلظة والفجور والسكر. وها نحن نجد الشخصية الدون كيخوتية الكونت بيير بيزوخوف في ساحة المعركة بزيه المدني، يبحث عن معنى لوجوده وغاية حياته في أحد أشرس الأماكن وأكثرها امتلاء بالموت. بل جعله الكاتب في المنطقة الأكثر سخونة ورعباً بين المتحاربين. حين يطلق تولستوي الطلقة الأولى يتفجر النص بتحرك متناسق قائم على الجسد الذي يعمل ما في وسعه للقيام بالنشاط العام الضروري في الحرب وبين أنفسهم – أي الجنود والقادة – وما يحتويه من جدل حول غاية الحياة وحقيقتها. مع إطلاق الرصاصة الأولى تزداد الحركة شيئاً فشيئاً إلى أن تصل إلى ذروتها الأخيرة، أي المذبحة النهائية. ليست معركة بل مذبحة بالكامل إذ أن نصف الجيش الروسي قد قتل، ومجموع هائل يوازي ما فقده الروس فقده الفرنسيون في هذه المعركة. لم يحصل تراجع تكتيكي بعد الانتهاء مباشرة أو فُقدت أراضي لصالح الروس أو الفرنسين، كلهم ثابتين في أماكنهم يتطلعون إلى تلك البقعة التي أصبح اللون الأحمر فيها هو اللون الوحيد. إذا تناول أي كتاب مثل هذه المشاهد يجب أن تكتب بجدية، أي لا مجال فيها للكوميديا أو الضحك. تولستوي – وكأنه ينقض هذا القانون- جعل من بطله الدون كيخوتي الكونت بيير بيزوخوف في أشرس منطقة في المعركة. لم يلبس الزي العسكري ليحارب أو يقوم بالفعل مباشرة، أي الدفاع عن أرضه، بل قدم ليشاهد ماذا يجري في هذه الأرض بزيه النبيل ويبحث عن حقيقة يتشبث فيها. وكم جعل تولستوي من بطله مرآة ساخرة تسخر من كل شيء. غير أن طابع الكوميديا توسع ليصبح النبيل الروسي بيير بيزوخوف يدخل مرحلة الشعب ويلتحم معه في فترة الغزو عبر التعامل مع الغزاة والأسر وما يرافق هذا الأسر من كشف لطبيعة الروح الشعبية التي يجلها تولستوي ويقدسها. هذا الملمح – روح الشعب – لم يُستخرج من تصور النقد الأدبي للعمل الفني عبر تفسيرات وتحليلات، بل هو واضح بشكل مباشر ويؤكده المؤلف. بل إن الأمر المثير أن الحرب والسلام وآنا كارينينا تحتوي جميعها على تلك الانطلاقة نحو الشعب. في الحرب والسلام عبر شخصية بلاتون كاتارييف. وفي آنا كارينينا في شخصية الفلاح الذي قال: إنه يعمل من أجل روحه ولا ينسى الله.

معركة بوردوينو ليست مجرد صورة لموقعة حربية مدهشة بألوانها الناصعة وإيقاعها ودقتها الذكية، ليست مجرد تصوير انسيابي، بل هي المد الدرامي والذروة النفسية في سيمفونية الرواية. يكشف تولستوي عن الوضع النفسي لذلك الإنسان الذي كان يلهم حملته كلها والذي كان يظن أنه يمتلك قوة سحرية غير اعتيادية:

كان من عادته – أي نابليون- حب رؤية القتلى والجرحى، وهو المشهد الذي يزيد في قوة روحه كما كان يعتقد. لكن ذلك المشهد هزم قوة الروح العتيدة هذه، التي كان يبني عليها عظمته وأهليته. كان ينتظر بصبر محموم نهاية تلك المسألة التي يظن أنه ساهم فيها، والتي ليس لها سلطان على ايقافها. استولى عليه لبضع لحظات شعور إنساني شخصي تغلب على ذلك السراب الذي ضحى من أجله بتضحيات جمه. وعزا إلى نفسه الآلام ورؤية الأموات التي ظهرت له على ساحة المعركة، فذكره رأسه المثقل أنه كالآخرين: يمكن أن يتألم وأن يموت. لم تكن تلك الساعة وحدها من ذلك اليوم مجال اكفهرار ذهن ذلك الرجل المسؤول أكثر من أي سواه عن الأحداث التي وقعت في ذلك العصر وضميره، أنه لم يتوصل حتى نهاية عزه إلى تفهم الخير والجمال والحق فكانت أعماله معارضة تماماً للخير والحق، بعيدة جداً عن كل حس إنساني لدرجة أنه لم يكن ممكناً معها أن يدرك مداها. ما كان يستطيع أن يتنكر لمآثر تحمس لها نصف العالم فكان عليه بالتالي أن يتنكر للحق والخير ولكل شعور إنساني.

يكرر المؤرخون: هذا عظيم! ومنذ ذلك الحين، بدلاً من الخير والشر يقوم ما هو عظيم وما هو غير عظيم. فما هو عظيم جيد، وما هو غير عظيم سيء. ونابليون المتدثر بفرائه الدافئ يعود إلى بيته تاركاً لمصيرهم المحتوم، ليس رفاقه في السلاح وحسب، بل – حسب اعترافه نفسه – أشخاصاً جرهم هو إلى هناك، وهو يشعر أن هذا عظيم وضميره بالتالي مطمئن. لم يخطر على بال أحد أن وضع العظمة خارج قواعد الخير والشر إنما هو اعتراف بعدمها ليس إلا.

على الطرف الآخر من نابليون، تقف شخصية الجنرال ميخائيل كوتوزف ومن وراءه شعب بأكمله. رغم تاريخ كوتوزف العسكري الذي يشفع له لقيادة القوات الروسية وخبرته في حروب متعددة في عهد كاترين الكبيرة إلا أنه ظهر لنا مهمشاً بصورة كبيرة في عهد ألكسندر. حين قام نابليون بغزو روسيا كان هناك قادة متعددين للجيش الروسي. وكانت القيادة في حالة يرثى لها نظراً لطبيعة كل قائد يرمي إلى تحقيق مصالح خاصة – في وقت لا يصح فيه القيام بأي مخاطرة. تحت ضغط من النبلاء وقادة عسكرين متعددين وقطاعات واسعة من الشعب تم تكليف ميخائيل كوتوزف بقيادة الجيش وإعطاءه السلطة الأعلى في كامل الأرض الروسية، يستطيع أن يأمر بما شاء دون أن يقوم أحد حتى القيصر نفسه بالاعتراض عليه. هنالك اقتباس شهير لكوتوزوف يقول فيه: ما من شيء يساوي هذين الجنديين: الصبر والوقت. إنهما اثنان يستطيعان أن يعملا كل شيء. لكن من يفهم؟ هذا الاقتباس يمثل فكر كوتوزف القائم على صبر طويل قد يعرض الوطن بأكمله للخطر، لكن المحصلة تكون فيه الاحتفاظ بشيء واحد يمكن من خلاله أن يحرر وطنه من خلاله.

في الوقت الذي أعلن فيه المؤرخين الحكوميين أن معركة بورودوينو انتهت بفوز ساحق لنابليون، كان كوتوزف مؤمناً بأنه هو من انتصر. وأصدر الأمر بالاستعداد لتوجيه ضربة ثانية في اليوم التالي، لكن مع اتضاح حقيقة الموقف المتمثلة بخسائر في نصف الجيش تغير الموقف. الرغبة لا تكفي إذ يجب أن تتوفر المقومات الأساسية. ولكي يتم توفيرها يجب أن يتراجع، غير أن تراجعه سيكون مؤلماً وطاعناً إذ سيدخل الغازي إلى العاصمة الكبيرة موسكو! ينتقد تولستوي الأفكار التي تطرح مثل: لماذا لم يفعل كوتوزف في تراجعه هذا الأمر، أو لماذا لم يتحصن في قرية قريبة يسمح من خلالها بوقف تقدم نابليون؟ يرد تولستوي بأن لا وجود لبداية عند أي قائد في معركة. إنه يجد نفسه وسط سلسلة متحركة من الظروف لدرجة أنه لا يجد لحظة واحدة في حالة تمكنه من الاحاطة بكل الأحداث الدائرة دفعة واحدة. الحدث يقع ثم يتبلور معناه تدريجياً. وفي كل لحظة من لحظات التطور تجعل الحدث بارزاً للعيان، يكون القائد الأعلى في وسط سلسلة معقدة من الدسائس والمشاغل وحق الاستخدام والأوامر المتسلطة والمشاريع والمجالس والتهديدات والخدع، ويكون مرغماً بصورة دائمة على الاجابة على عدد لا يحصى من الأسئلة المعاكسة. بعد معركة بورودوينو، كان على كوتوزف وحده أن يختار واحد من أكثر الخيارات صعوبة ورعباً: إما أن يدخل في معركة ثانية قد تنتهي بتدمير النصف المتبقي من جيشه، أو يتراجع – وتكون نتيجة هذا التراجع أن يدخل الغازي إلى موسكو! كان مقتنع بأنه منذور لتخليص وطنه، ويدين بلقبه كقائد عام إلى رغبة الشعب ضد رغبة الامبراطور الذي يكره كوتوزف. وكان مقتنع بأنه وحده في تلك الظروف العصيبة قادر على البقاء على رأس الجيش، وأنه الوحيد الذي يستطيع مجابهة نابليون دون أن يرتعد. كان يجب أن يتخذ قراراً سيسجله التاريخ إما له أو عليه، واتخذ قراره الشهير بالإنسحاب والتراجع. يسأل أحد القادة العسكريين كوتوزف: هل ستترك عاصمة روسيا المقدسة دون قتال؟ مثل هذا القرار يطعن في وطنية أي قائد إذ من الشرف أن يقاتل ويضحي بنفسه في سبيل وطنه. يجيب كوتوزف في نص تولستوي:

عاصمة روسيا المقدسة! اسمح لي يا صاحب السعادة أن هذا السؤال ليس له أي معنى بالنسبة إلى روسي. لا جدوى من طرح هذا السؤال لأنه محروم من كل المعاني. إن المسألة التي رجوت هؤلاء السادة أن يجتمعوا من أجلها مسألة عسكرية هي التالي: إن خلاص روسيا في جيشها. فهل من الأفضل المغامرة بإضاعة الجيش بما في ذلك خسارة موسكو بالتحام في معركة أم أن تسلم موسكو دون قتال؟ هذا ما أريده.

السؤال الأكبر الذي يتردد في ذهن كوتوزف ويشغل حواسه: هل الجرح الذي أصيب به الفرنسيون في بورودينو قاتل أم لا؟ الفرنسيين يحتلون موسكو، وهذه واقعة ملموسة، مع ذلك فإن لديه ثقة مبعثها كل جارحة من جوارحه بأن الضربة التي وجهها بمجموع القوات الروسية يجب أن تكون قاتلة. سيذكر التاريخ أن كوتوزف انسحب أمام نابليون وتركه يدخل موسكو دون قتال، وأن نابليون أقام شهراً بأكمله في العاصمة التي أطلق عليه الأم المقدسة. لم نجد أي تحرك لكوتوزف نحو موسكو لتحريرها، بل تركه يتنعم بما هو متوفر لديه حتى تحدث الصاعقة التي لا مفر منها، وكانت قوية إلى درجة الانهيار التام للغزاة. يزيح تولستوي الامبراطور وأتباعه الذين يمطرون كوتوزوف بوابل من السباب والشتائم لعدم قيامه بأي حرب حتى لو كانت صغيرة. الفكر الشعبي الذي ينمو بصورة متسارعة، كان ممثلاً بكوتوزوف الذي رفض بأن يزج قواته بأي حرب غير ضرورية ولا فائدة منها، وكان ينمي تلك الروح التي تصاعدت عبر إلقاءها السيف وتخليها عن فنون القتال الحربية الكلاسيكية، وذلك بأن تحمل هذه الروح الهراوة التي تفقد الغزاة إحساسهم التدريجي بالأمان والرعب والقيام بمطاردة للموكب الطويل الذي أخرجه نابليون لمطاردة كوتوزف، ولم يعلم بأن هناك جنرالات جدد، جنرالات لا أسماء لهم، يمثلون غالبية أبناء الشعب، ومنهم الجنرال الذي يمثل الطبيعة الروسية: الثلج الذي ألقى بهم إلى الحضيض. تحول الغازي إلى هارب. وتحول نصف الجيش الذي كان بحوزة كوتوزوف إلى جيش كامل قوامه شعب بأكمله. وحدث ما كان يؤمن به كوتوزوف – كممثل شرعي للشعب والثقافة والطبيعة الروسية. حين حقق مراده، وعندما عاد كل شيء على ما هو عليه، رفض أن تمتد مطاردة نابليون إلى خارج حدود أرضه. وكأنه يتفق مع أمطار بورودينو التي صرخت في وجه المتحاربين: ماذا تفعلون؟ توقفوا!!


يدعو تولستوي كوتوزف بالإنسان العظيم حقاً من بين كافة الوجوه التاريخية التي يستعرضها في الحرب والسلم. ويبارك تولستوي كوتوزف الذي كان أول من أكد بأن معركة بوردوينو هي النصر ذاته. وها هنا ينتقد تولستوي المؤرخين الرسميين عبر شخصية نابليون وكوتوزف:

إن نابليون، أداة التاريخ التافهة تلك، في نظر المؤرخين الروس موضع إعجاب وحماس وهو رجل عظيم. أما كوتوزف، هذا الرجل الذي لم يناقض نفسه مرة واحدة من البداية حتى النهاية طيلة 1812م، هذا الرجل الذي يبدو في كل تصرفاته وأقواله، والذي يبدو في التاريخ كمثال للتضحية بالذات، فإنه يبدو لهم على العكس، مخلوق متردد يستحق الرثاء. من العسير تصور شخصية تاريخية تبعث هدفاً نهائياً واحداً بكل ذلك الدأب والثبات. من العسير تصور غاية أكثر نبلاً وأكثر انسجاماً مع إرادة شعب بأكمله. وعسير أكثر إيجاد مثال في التاريخ بلغ الهدف المنشود سلفاً من جانب شخصية تاريخية ما بمثل ذلك الكمال الذي بلغه كوتوزف قواه فيه كلها خلال مجرى 1812 لبلوغه. كان وحده الذي قال أن معركة بورودينو نصر. كرر ذلك بإلحاح وبصوت مرتفع وفي تقاريره واتصالاته حتى ساعة موته. إنه هو، كوتوزف المتمهل، الذي كان شعاره الصبر والوقت. هو نفسه الذي أعلن في اوسترليتز أنها ستكون هزيمة، هو وحده ضد الجميع، الذي أكد حتى الموت على وجوب تحاشي القتال الذي أصبح عقيماً. كان مصدر ذلك التفهم الخارق لمعاني الوقائع الجارية، هو ذلك الشعور الشعبي الذي كان يحمله في نفسه على غاية من النقاء وفي كل قوته. لمعرفة الشعب بهذا الاحساس في نفسه، انتخب الشعب بوسائله الغريبة، هذا العجوز المغضوب عليه ضد إرادة القيصر ليجعل منه ممثلاً للحرب الشعبية. هذا الاحساس وحده هو الذي سما به إلى الدرجة القصوى من الرفعة الإنسانية التي كان القائد الأعلى يدير من أعلاها كل قواه، لا ليقتل الرجال ويبديهم بل لينقذهم ويوفر حياتهم. هذه الصورة البسيطة المتواضعة، وبالتالي العظيمة عظمة حقيقية، ما كان يمكن أن تنطبع في قالب البطل الأوروبي الكاذب الذي زعم أنه مسير الشعوب كما تصوره التاريخ.

حين يقرأ القارئ نصاً أدبياً فهو يضع شروط لمقياس نجاح الكتاب وجماله من وجهة نظر القارئ. أهم هذه الشروط هي المشاهد التي كتبها الراوي في عمله الأدبي. هل استطاع الكاتب أن يحدث أثراً في نفس القارئ، كأن يشارك بعض أبطال الرواية تلك المشاعر المسيطرة في حدث ما، أو جمال وصف أو حوارات تحمل معاني عميقة. لم أضع أي شرط من هذه الشروط. لدي إيمان بفن وأدب تولستوي، ولدي المعرفة بقدرة فنه على الإبهار، ولدي ذلك اليقين بأن أي روائي لن يستطيع أن يقف في مشاهد تولستوي الفنية. لكن المشكلة التي وجدت نفسي غارقاً فيها حتى أخمص قدمي، أن المشاهد الخالدة كثيرة جداً ويصعب تعدادها والحديث عنها. ثم أنها تستمر إلى النهاية. لا يضع تولستوي جمالية المشهد كحركة قائمة على وصف الجسد بشكل كامل، بل يهبها عمقها النفسي كإحساسات عميقة في نفس الشخصية الفنية. تولستوي امتلك مقومة رئيسية في المقدرة على إحداث أكبر كم من المشاهد الخالدة إذ أنه يكتب عدة فصول في الجزء الواحد، وهذه الفصول مقسمة تقسيمات متعددة كأن يكتب ثلاثة صفحات ثم يفتح باب جديداً وهكذا. رغم هذا التقسيم إلا النص مستمر ومتماسك وغير منقطع. طيلة هذه الأربعة أشهر كان الصديق العزيز الدكتور عدي الحربش يسبقني بعدة فصول في الحرب والسلم. وكان يخبرني عن الصفحة رقم كذا والصفحة كذا مع إشارة بأن هناك مشهداً جمالياً. كنت أعرف ما سيأتي ومن هم الشخصيات قبل أن أصل، بل أعرف الحدث نفسه ولم أحاول أن أتجنب عدم المعرفة لأن الحديث عن مشاهد تولستوي لا يمكن إعطاءها قيمتها الكاملة ما لم تكن بقلم تولستوي. سأذكر بعض المشاهد لأصل إلى المشهد الذي قلت فيه: ها قد وصلت إلى سماء الأدب الروائي!

من المشاهد الخالدة الفصل المخصص لضابط المدفعية توشين في معركة أوسترليتنز. هذا المشهد يؤخذ كاملاً إذ أن جماله وما يحمله من قيمة فكرية تنبع من الكل لا من جزء محدد في المشهد. يقوم هذا المشهد على شخصية شعبية هي توشين، يقود مجموعة من رجال المدفعية لإطلاق النار على الطرف الآخر. رغم القصف الذي يتعرض له ورغم الخسائر الشديدة التي منيت بها جبهته وخسارة فرق الحماية والدعم إلا أنه يضل يقصف ويقصف، مطلقاً عبارات مغرقة في الشعبية على مدفعياته التي أطلق عليها أسماء شخصيات بشرية يحبها. رغم الأوامر التي تنهال عليه بالانسحاب من خط الجبهة إلا أنه لا يلقي لها بالاً ويستمر في القصف طوال اليوم. رجال المعسكر الآخر كانوا يظنون أن خلف هذه الجبهة المركز الرئيس لعصبة التحالف الروسي النمساوي، ولم يكن على أرض الواقع غير توشين ورجاله الذين يعدون على الأصابع. ما يحمله هذا المشهد هو الطابع الشعبي الذي يضفيه تولستوي على النشاط العسكري. ففي حين أن المعارك تؤخذ كخريطة وسير واتجاه ويتم تحديدها بالقادة، ها هو تولستوي يعطي البطولة فيها لشاب من أبناء الشعب، ويضل يقصف إلى أن يأتي الأمير آندريه بولكونسكي بنفسه ليجبره على الانسحاب.

من هو أفضل من يرسم صورة رائعة مسرحية لحفلات الرقص؟ تولستوي يرسم صورة جمالية لحفلات الرقص معتمداً على نفسية أبطاله خصوصاً المقبلة على الحياة، ناتاشا. وكأن رسم المشهد قائم على التجربة الحية وتسجيل الملاحظات حول حركة اليدين والأقدام والجسد والانسيابية التي يسير عليها المشهد الراقص بما فيه من موسيقى وطموحات وتفجير طاقة الحياة عبر إحساسات أنثى تطير فرحاً ما إن يرمقها شاب يريد مراقصتها. الكاتب لا يقذف بقارئه مباشرة في الساحة المخصصة للرقص، بل يبدأ بالحضور وأماكن تمركزهم مع توضيح طبيعة المكان والمناسبة. حين يقرأ القارئ مثل هذا المشهد لا يقرأه وهو يتطلع إلى الحفلة من موقع أعلى بحيث يرمق الجميع بنظرة واحدة، بل يشاهدهم وكأنهم أمامه. يهب تولستوي قارئه الطابع النفسي في رقاصاتهم إذ نعرف ماذا يحمل الطرف الأول تجاه الآخر وتسجيل تفاعلاتهم النفسية. وفي واحدة من هذه التحليلات جمع تولستوي ما بين سعادة صاغية ورعب في آن واحد صدرت من عيني ناتاشا.

من الشخصيات الغريبة في هذه الرواية هي شخصية الأمير الكبير نيقولاي بولكونسكي. أمير ثري شارك في عدة حروب سابقة واتخذ من ضيعته خارج روسيا مقراً لإقامته الدائمة. تولستوي الذي أوصل للقارئ إحساسات الطفولة ومشاعر الشباب المتفجرة يقدم من خلال هذه الشخصية مشاعر رجل كبير طاعن في السن يتجه بسرعة كبيرة نحو حتفه. لا نكاد نجد من خلال هذه الشخصية أي ملمح للرحمة إذ أن غاية حياته هي في تنكيل ابنته المتدينة بآرائه اللاذعة والقاسية أحياناً. حين وصل إليه خبر وفاة ابنه استمر بعمله على تلك الآلة العجيبة في منزله وكأنه يضرب الحسابات في رأسه حول حقيقة وفاة وابنه. وحين تأتي ابنته لتستعلم منه يصبح كطفل بعد تمنع إذ يسقط على ابنته وهو يردد أن ابنه مات. مهما كان العقل خارجاً على السيطرة في لحظات كثيرة من عمر هذا الرجل، لا أكاد أجد أي غرائبية تحيط بهذه الشخصية إذ أنه أمر طبيعي لعجوز في نهايات عمره. من مشاهده الرائعة – بعيداً عن حواراته القاسية اللاذعة مع المحيط العام – هي في الكلمات الأخيرة التي قالها لابنته ماريا. قساوة داخلية تبددت أمام تلك الفتاة التي ترعى أبيها.

كيف يستطيع المرء أن يكتب عن واحد من أعظم المشاهد التي قرأ عنها في الأدب؟ مهما كانت درجة التعبير وحرارته إلا أنها لن تصل لتلك الدقائق الفذة التي وجدت فيها الكتاب يهتز بين يدي بصورة لم أتوقعها في حياتي. أغلقت تلك الصفحات وأنا غير مصدق. نعم، كنت مؤمناً بأن تولستوي فذ وعظيم في مشاهده، ولكن ليس إلى هذه الدرجة. إن الأسئلة التي كانت تطرح حول ما هي الحياة وما هي الموت والرحلة المضنية لأبطال الرواية الكبار للبحث عن معنى لحياتهم، وجه تولستوي هذه الأسئلة في معركة كبيرة خارج نطاق السلام وخارج نطاق الحرب. يجب أن تكون المعركة الكبرى في الحرب والسلام هي معركة الموت والحياة، يجب أن يتقابلا وجه لوجه بصورة محتدمة. هذه المعركة تستحق بأن يطلق عليها: وصف صراع. إذا أن الحياة والموت تقابلاً وجهاً لوجه في معركة كبرى هي من روائع معارك الحرب والسلام. ما الذي يجعل من ثيمة الموت في أدب تولستوي تحتوي على فنية عظيمة تربك القارئ نظراً للتنوع الذي تحمله هذه الثيمة في غالبية أعماله، وكأنه أحاط به وقام برسم اتجاهاته وحدوده، أي أنه يعرفه جيداً وكأنه يحيى حياته والموت ملاصق له؟ الموت لديه ليس نهاية للحياة بإغلاق زمن الرواية كما لدى العظيم فيكتور هيجو، وليس نتيجة منطقية لكل ما جرى في الحياة كما عند دوستويفسكي. إذا قمنا بفحص لغالبية أعماله الذي شهد فيها الموت مشهداً درامياً يقرأ ولا يكتب عنه، نجد تباين شديد ورؤى من اتجاهات مختلفة. أولى هذه المشاهد هي في آنا كارينينا، وأي موت في الأدب كان أعظم من هذه الرواية؟ حين تُقاد الشخصية دون هدى أو غاية، وحين لا تعرف إلى أي طريق ستسلك، وحين تهجم الذاكرة بذلك التداعي الذي انهمر بلا توقف مشكلاً صور شتى من الماضي والحاضر والمستقبل الذي أغلق وحان وقت إغلاقه. والموت في قصته القصيرة موت إيفان إيليتش إذ أن الموت هو الشكل الأساسي للقصة ذاتها. ماذا سيحدث للجسد وعلاقة الإنسان بالحياة وهو في طريقه بصورة سريعة إلى الموت. ولكن إذا انتبهنا إلى المشهد العظيم في الحرب والسلام، أقصد مشهد الموت، نجد أن هذا المشهد هو الأول عند تولستوي من حيث تقنياته المسرحية وروح الصدام بين مكونات الوجود الكبرى، وفي اللغة التي ترسم شكلاً تخطيطياً يعطي صورة مؤكدة لكل ما حدث إلى درجة أن ما هو مشاهد على سطح هذه اللغة هي الحقيقة ذاتها. الحقيقة التي قد نقول أنه ليست حقيقة، أو أنها غير معروفة. ها هي تضرب بصورة قاطعة مغلقة كل شك حول الموت والحياة. سأقسم هذا المشهد إلى ثلاث أقسام. القسم الأول حدث بعد معركة بورودينو. في الوقت الذي كان فيه آندريه على سطح أحد المواقع ينتظر شارة البدء للدخول في المعركة مع جنوده الذين يقودهم، سقط الجنود أرضاً للاحتماء من قاذفة كبيرة. الجميع احتمى إلا هو. وكأنه لا يخشى شيئاً. وفعلت تلك القاذفة فعلتها إذ تعرض آندريه لإصابة بالغة. حين تأكد أنه مقبل على عالم آخر هجمت عليه الذكريات متدافعة غير متوقفة. يشكل الماضي تاريخاً ملموساً يمكن الاحاطة به واكتشاف تلك اللحظات التي من الممكن أن تكون ذات عزاء في هذه اللحظة المميتة. وأي فترة من الممكن أن تكون سعيدة، وجامعة لغالبية كبيرة من البشرية؟ هي لحظات الطفولة والصبا التي لا يجد المرء فيها إلا سعادة كبرى. لم يجد آندريه إلا تلك الأيام التي وجد فيها سعادته، يحيا في العالم ومع العالم. حين يجد آندريه في المستشفى شخص من بني وطنه كان يتمنى لو يقتله، هل ينفذ ما كان يحلم به أم يتخلى عن ذلك العمل ويجرب الصفح والتسامح. آندريه لا يستطيع أن يفهم كيف تقول شقيقته بأنه يجب أن يسامح ويصفح حتى عن ألد أعداءه. لكنه في تلك اللحظة وهو بالقرب من تلك الشخصية ظهرت إمكانية ذلك الصفح والتسامح بأبلغ صورة، إذ ما هي فائدة القتل. ماذا سيجني لو فعلها وانتقم لنفسه وكبرياءه. هل سيجد السكينة والسلام والحياة التي يبحث عنها أم سيدخل في دوامة لا تنتهي من التكرار. نقاد وروائيين انتقدوا تولستوي بشدة على – ما يسمونه- بالتولستوية في الرواية، حين تكون حقيقة التسامح والصفح أكثر واقعية وأكبر، إذ أنها مثالية أو مواعظ أخلاقية يجب أن لا يظهرها تولستوي. تولستوي لا يلقي بالاً لهذا الأمر، وهو لم يفتح باب الدين لآندريه إذ أنه أبعد ما يكون عند الدين ولكن فتح له باب الحياة بتمامها، بشكلها الراقي الذي يشكل فيه الصفح والتسامح أساساً للحياة. ولكن متى فتحت؟ في اللحظة الأخيرة من الحياة! القسم الثاني في مشهد الموت هو في حالة الاحتضار. وهو شكل خارجي يهتم بحالة آندريه الجسدية والملكة العقلية الممتنعة عن الفهم عند الأصحاء، وحالة المحيطين به، : ابنه نيقولا وشقيقته المتدينة ماري والحياة العاصفة ناتاشا. يجعل تولستوي من قارئه في المكان ذاته يشاهدهم مباشرة عن قرب إذ يرسم المشهد من البداية وكأنها مسرحية بدخولهم لغرفة المريض وتبيان العواطف وردات الفعل ونظرات العيون. في ذلك المكان لم نسمع أي كلمة من تلك الكلمات التي يتفنن الروائيين في الزج بها عندما يودعون شخصيات أعمالهم الروائية ويلقون بهم في مكان آخر منقطع عن عالم الأحياء. كلمات آندريه وصوته ونظراته الباردة تنطق بذلك الانقطاع عن كل ما هو دنيوي. هناك شيء يغمره بالكامل لا يستطيعون فهمه لكنهم يشعرون به. الحياة التي تعرف عليها لحظة سقوط القذيفة انقطعت كذلك، بل لم يعد يفهمها إذ أنه في الطور الأخير من وجوده. قيمة هذا المشهد هو في طابعه الحزين من حيث الفقد وغياب ركن أساسي مؤثر في الحياة العامة لقطاع عريض من الناس وقطاع خاص هم المقربين والعائلة. الغريب في الأمر أن آندريه مات دون أن يقول شيئاً أو دون أن نلحظ ذلك في ثنايا النص. نعرف بموته من التأثير النفسي الذي يغمر ابنه الطفل ذو السبع سنوات. فهو فهم كل شيء وخرج من الحجرة دون أن يبكي، مقترباً من الغريبة ذات الوجه الطفولي ناتاشا ناظراً إليها بوجل بعينيه وقد طافت رعدة خفيفة بشفته، ثم أخفى رأسه في حضن الفتاة. هذا المشهد جميل. ولو أغلق تولستوي وجود شخصيته بهذا المشهد لكفاه، لكن هناك مرحلة أخيرة يجب أن يكمّل الشكل الخارجي، وهو الشكل الداخلي الذي يشكل القوة الرئيسية في أعظم معارك الحرب والسلم: موت الأمير آندريه. في هذا المشهد كما يقول تولستوي نضال رفيع بين الموت والحياة، ذلك النضال الذي تفوق فيه الموت. كان التأكيد بأنه لا يزال يتعلق بالحياة لأنها تمثل له حب ناتاشا، وكان التمرد النهائي من جانب كيانه كله ضد المجهول الماثل. لم يكن يعرف أنه سيموت فحسب، بل كان يشعر كذلك بأنه يموت، أو نصف ميت. شاعراً تماماً بانفكاكه عن الأشياء الدنيوية، مؤمناً بخفة مرحة غريبة. كان ينتظر الذي لا بد منه دون تعجل ولا قلق. ذلك الوجود المنذر الخالد الذي لم يكف طيلة حياته عن الاحساس به، بات قريباً جداً ولم تكن هذه الخفة الغريبة إلا الدليل الملموس الحساس. تولستوي فصل الموت بوقتين مختلفين. وقت داخلي شكل في الصراع الداخلي أقصى درجات نضال الإنسان الأخيرة بين الموت والحياة، وموت خارجي نتيجة مكملة لما حدث في الداخلي. توقيت غير متزامن بلحظة واحدة. قدم تولستوي الخارجي على الداخلي في النص لأنها الطبيعة الحقة والمتعارف عليه. لكن الفن يستطيع أن يبحث في ذلك الداخلي، بشعرية تولستوي: حين جعل للموت باب وللحياة باب، والبطل الإنساني في المنتصف. بين أن يغلق باب ويفتح باب هناك مسافة وإرادتين. إرادته هو، والمجهول الذي سيفتح الباب الآخر المطل على الموت. هل يسمح له بالدخول أم يقف في وجه؟ لن يسمح له، سيوصد أمامه الباب ويحاربه، ويبدأ آندريه النضال، وسيحقق تولستوي أعلى قمة في قمم فنه بإعطاءه وصف لهذا الصراع. من أين لتولستوي كل هذه المقدرة في الحديث عن الموت؟ الموت وتولستوي يشكلان سيرة ذاتية كشف عنها بشكل واضح في اعترافاته بصورة جلية، إذ أن تولستوي لن ينسى الفزع الذي استولى عليه حين مات شقيقه الأكبر نيقولاي. وإن كنت سأفسر الأمر سأذكر الفنان ستيفان تسفايج الذي عبر عن تولستوي والموت بكلام جميل. يقول ستيفان:

كان الدم يتجمد في عروق تولستوي كلما داهمته فكرة الفناء. قبل موته الفعلي بأربعين عاماً، كان الإحساس الأولي التمهيدي للموت قد تغلغل في روحه، يفترس من كبد سروره بالحياة. كان خائفاً خوفاً بربرياً, رعب صارخ وإعصار خوف، فزع صادر عن حس الحياة المهشم. لا يفزع من الموت بروح فيها من بطولة الرجال، بل مثل من أُحرق بحديد متوهج. ويظل طيلة أربعين عام عبداً لهذا الخوف، مرتعداً، يصرخ صراخاً حاداً ولا يتماسك. لا يريد أن يدع هذه الفكرة تمسه، ويرفض ويقذف بأطرافه في كل ناحية كالمخنوق. تخترقه فكرة الموت فتنفذ في الأعماق كالطلقة. لا أحد يقدر على أن يخاف العدم بصورة متكاملة على نحو مطلق وبهذه الحدة, إلا من كان يحس بالحياة إحساساً فيه كل هذه الحيوية، ولأن طاقة حيوية شيطانية حقاً تتصدى هنا للخوف من الموت بالقدر ذاته، لهذا بالضبط ينشأ عند تولستوي مثل هذا الصراع الملحمي العملاق بين الوجود والعدم، والذي قد يكون أكبر صراع في الآداب العالمية.

Advertisements
هذا المنشور نشر في تولستوي. حفظ الرابط الثابت.

One Response to الحرب والسلام: الرواية والقصيدة والتاريخ

  1. أفراح كتب:

    أردت فقط أن أقول بأنني وجدت كنزاً هنا سأعود لسرقته بعد الإختبارات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s