تولستوي و كوروساوا: أن تحيا

– 1 –
التعبير عن أشد الأفكار عمقاً لا يحتاج إلى بناء ضخم، لرسم صورة واضحة يمكن من خلالها تقديم معالجة فنية أو أدبية للفكرة. يعتمد الأمر بدرجة رئيسية على تحديد الفكرة وحدودها, ثم تشريحها تشريحاً صارمًا بحيث يُعرف مصدر الفكرة وطبيعتها وحقل امتدادها وجودياً. أما المعالجة النهائية فهي ليست ثابتة أو متفق عليها. كاتب ما، قد يرى معالجة هذه الفكرة تنبع من مجال مختلف عن الذي يراه المخرج السينمائي مثلاً. وكاتب آخر يعالجها بطريقة تنبع من رؤيته الخاصة للفكرة وقد لا يتفق معها الجميع. إن أصالة المعالجة الأدبية للفكرة وقوتها، مصدرها في التأثير الذي تحدثه, والأسئلة التي تطرح حول حقيقة هذه الفكرة وطريقة معالجتها وهل هي على اتصال وثيق بالإنسان وتحدث له أم هي مجرد فكرة خرافية ليس لها حضور في الحياة. إن كنت سأطرح مثالاً لواحدة من أعقد المعالجات الأدبية وأكثرها تأثيراً وإثارة للنقد في مجال القصة القصيرة هي قصة الروائي الروسي تولستوي: قصة موت إيفان إيليتش.

رغم تخطي تولستوي الستين من عمره, وقد أفرغ كل ما في جعبته في مسائل الحياة والموت في كبرى أعماله الأدبية: آنا كارينينا والحرب والسلم والاعترافات، إلا أنه يقدم في هذه القصة القصيرة معالجة فذة لفكرة كبيرة كان يعاني منها أشد المعاناة, إلى درجة أنه عزم على الانتحار بسببها. أساس القصة هي موت قاضي. ماذا خلف حياة هذا القاضي, وماذا خلف موت هذا القاضي؟ نتعرف في بداية القصة على خبر نشر في الجريدة الرسمية عن وفاة القاضي إيفان إيليتش في الخامسة والأربعين من عمره جراء مرضه الذي قضى عليه بعد إصابته به بأشهر قليلة. يعود السارد في هذه القصة إلى بدايات إيفان الطموحة للصعود في السلم الاجتماعي والوظيفي. لم يرتكب إيفان أي مخالفة للقانون العام ولم يقم باستغلال منصبه للحصول على منفعة مادية أو اجتماعية. كل ما فعله قد يفعله أيّ شخص في هذا الحياة. حتى حدثت القاصمة التي هزت حياة إيفان: الألم الذي يحيط به, الألم الجسدي. ينقض عليه بصورة شرسة ويحيط به ويطوقه, معلناً له بأن لا فكاك منه. سيظل يعيش معه حتى ينتزع روحه من جسده.

ما هو غريب في هذه المعالجة، ولم يحدث في أي عمل من أعمال تولستوي الكبيرة هو: في درجة الرعب. وكأن الروائي كان محموماً في التعبير عن أفكار مخيفة يريد التخلص منها بأي ثمن، ولم يجد إلا هذا القاضي الذي سيلقي عليه كل ذلك الرعب المميت. يستطيع أن يكذب على نفسه بأن صحته جيدة الآن ويستطيع المقاومة لكن لا بد من لحظات يظل وحيداً مع هذا الرعب: معه، وجهاً لوجه، ولا عمل له سوى النظر إليه.


يتحول السرد إلى الماضي مرة أخرى بواسطة إيفان إيليتش. المرة الأولى التي تحول فيها النص إلى مراجعة للتاريخ الشخصي لإيفان كانت عبر الراوي الأول. وهو سرد لتاريخ حياة إيفان من موظف بسيط إلى قاضي في محكمة وتطور حياته الاجتماعية. وها هنا عودة مرة أخرى إلى الماضي وتفحص التاريخ الشخصي ولكن بواسطة إيفان نفسه. وهي ليست مراجعة كاملة وإنما بحث عن مكمن الخطأ في حياته كلها والإجابة عن السؤال: لماذا يعاني هذا الألم؟ وكيف يعيش معه؟ وهل حان وقت فراقه عن هذه الدنيا؟ وهل كانت الحياة التي عاشها تستحق بأن توصف بأنها حياة؟ هل هي حياة بالأصل؟ لحظات الطفولة والبراءة هي الحياة ذاتها التي يحلم بها, ويسعد بأنه عاشها ويجد بعض العزاء فيها. أما تطور حياته ومسارها, هل هي حياة؟ بحث إيفان عن سبيل للتعزية في طريق حياته الممتد من الماضي إلى حاضره ولم يجد إلا كذبة كبيرة. لم يجد جواب عن أسئلته تلك لأن هناك من يحاصره, ولن يجد سبيل إلا التعبير عن غضبه بدعوته ذلك الموت بأن اضرب! اضرب! اضرب بقوة أكبر, لكن لماذا؟ ماذا فعلت لك؟ إن كان سيجد الإجابة ليس عليه بأن يبحث عن العزاء في تاريخ حياته التي كانت كذبة كبيرة, بل أن يسأل: ماذا احتاج. يجيب بأن لا أتألم, أن أحيا! ولكن كيف يحيا وهو في طريقه بسرعة كبيرة إلى حتفه؟ ثم أن السؤال أكبر هذه المرة لأنه يريد أن يحيا في الوقت الذي كانت في حياته كذبة كبيرة. كان يصعد في نظر الرأي العام لكن الحقيقة أنه كان يسقط إلى الأسفل, وكأن الحياة كانت تهرب منه.

الإشارة الأولى، أو المفتاح الأول لتساؤلات إيفان كانت من خلال تعامله مع خادمه البسيط. ذلك الخادم الذي يمثل المجتمع البسيط بإيمانه وتعاملاتهم مع الآخرين. في الوقت الذي كان أصدقاؤه يهربون منه، كان الخادم يقبل عليه وكأنه مؤمن بأن ما يقوم به هو حقيقة واجبة يجب أن يقوم بها بكل حب، لأنه سيقف في موقف القاضي ويريد منهم حينها أن يعاملوه تلك المعاملة. هذه العلامة الأولى لا تمثل معالجة كاملة لرعب إيفان لكنها تمثل شيئاً خاصاً بالمؤلف الذي انتقل كليًا إلى العالم الشعبي في سنين حياته الأخيرة ووجد من خلال أسلوب حياتهم ونظام معيشتهم أسلوب ونظام حياة كفيل بأن يعاش ويقتدى به. في الثلاثة الأيام الأخيرة من حياة إيفان يصح بأن يطلق عليها: الموت الأكثر رعباً في تاريخ الرواية والقصة القصيرة. انقضاض واكتساح تام لا يرى من خلاله إلا الألم. معركة كبرى يخوضها إيفان لوحده. لم يعد يفكر في البحث عن سبيل للعزاء، لأن العقل اقترب من درجة الصفر، مُعطل، لا يبحث مع هذا الألم الذي امتد لثلاثة أيام. أستطيع أن أقول – رغم ذلك الرعب المميت – أن الموت في هذه القصة هو أكثر إنسانية في تاريخ الرواية والقصة القصيرة. هذه العاطفة والإنسانية في الموت ظهرت من خلال المعالجة النهائية والخلاص النهائي لإيفان. ليس في موته، بل في حياته. لقد عاش من جديد. ووجد الجواب عن أشد أسئلته رعباً: كيف يحيا؟ جاء الجواب بصورة عملية من خلال ابنه الذي أمسك بيد والده وقبلها وبكى عليها بصورة فجائية، دون علم إيفان الذي كان يتألم. فكرة تولستوي عن هذه المعالجة هي في العلاقة مع الآخر وطبيعتها. كانت علاقات إيفان علاقات تعاقديه تنتهي متى ما انتهى التعاقد أو المصلحة. النظام الذي عاش من خلاله حول حياته إلى تمثال صنمي، لا يشعر بحرارة الحياة واندفاعها. كل ما عاش من أجله كان قد اختفى في أيامه الأخيرة ولم يبقى شيئاً يسير معه إلى النهاية. عندما أحس بذلك الدفء القادم من ابنه الصغير شعر بشفقة على ابنه الذي يرى ألمه. تلك الشفقة والرحمة أسقطت ذلك الألم رغم وجوده. تفجر شعاع من نور. سيموت بعد دقائق، لكن رعب الموت الذي كان يطوقه قد مات أيضاً. أو كما عبر إيفان عن نفسه بسعادة: انتهى الموت! مات الموت!

– 2 –
رغم تأثير قصة إيفان إيليتش وشعبيتها الكبيرة عند جمهور تولستوي والأدب الروسي، إلا أنها كذلك تلقت نقداً هائلاً. نقد يتعلق بالنزعة الأخلاقية الهائلة ونظرة تولستوي إلى المجتمع وطبيعة الوعي بالحياة. سأعود لاحقاً للحديث عن ذلك النقد. الشيء المثير الذي يجعل هذه القصة حية عبر السنين هي لغة الجسد. براعة التصوير الفني لتولستوي في هذا المشهد قائمة على لغة الجسد. التأثير الذي يحدثه شخص نتحدث معه أو نشاهد حديثه قائم على لغة الجسد. بل وحسب الدراسات الأخيرة التي ترتكز حول وسائل الاتصال, تم إعطاء لغة الجسد أكثر من خمسين بالمائة. إذا كان تولستوي قد أتقن لغة الجسد بحرفية منقطعة النظير في قصصه وفي إيفان إيليتش تحديداً، فإن إنجمار برجمان قد أتقن لغة الجسد في السينما بشكل يوازي ما وصل إليه تولستوي، بل ولا أبالغ أنه فاقه رعباً في مشاهد عذابات بطلة فيلم صرخات وهمسات: آجنس. معالجة برجمان تختلف عن معالجة تولستوي. آجنس لم تبحث عن إجابة لسؤال إيفان الكبير. ولا طاقة لها للبحث إذ أن الجسد يعتصر بقوة مرعبة. برجمان تفوق في زاوية تبيان طبيعة العلاقات بين المريضة وأخواتها اللاتي يشرفن على حالتها وتطبيبها. الناظر إلى حياة هؤلاء الأخوات يشعر بأن هناك شعور عاطفي يجمعهم مع بعضهم، غير أن العلاقة فيما بينهم كانت محطمة، لا يوجد تواصل حقيقي قائم على الحوار والمشاركة والأخذ والعطاء. في الوقت الذي كانت تعتصر فيه من الألم كانوا يحاولون تطيب خاطرها ومشاركتها ما تعانيه، غير أن كاميرا برجمان تظهر ذلك النوع من العلاقات المحطمة داخلياً. لم يكن تولستوي عبر إظهار ذلك النوع من الشعبية في علاقة إيفان والخادم متفرداً لوحده، إذ أن برجمان كذلك يسير على نهجه بأن يعطي هؤلاء العمال والخدم دوراً عظيماً وكأنهم يعرفون طبيعة الحياة ومصاعبها ويعرفون سبل تخطيها. ولذلك، عندما حدث ذلك الرعب القاتل وتحول الجسد إلى قطع مهشمة، حول برجمان آجنس إلى فتاة صغيرة بجسدها الكبير, والخادمة آنا إلى أم، تطوق ابنتها بصدرها وتهبها الدفء المفقود. ذلك الاتصال الجسدي كان حواراً فذاً قائم على الجسد. الجسد كنوع من اللغة ووسيلة من وسائل التخاطب والمشاركة.

– 3 –

الحديث عن المخرج الياباني المميز أكيرا كوروساوا يفتح الباب واسعاً للحديث عن علاقة الأدب بالسينما عبر تلك المعالجات التي نقل فيها كوروساوا مسرحيات شكسبير وبعض أعمال دوستويفسكي وتولستوي وغوركي إلى السينما بمعالجات جذرية تحتفظ بأساسيات الفكرة وإعادة تصميم بناءها الروائي. وكذلك عن علاقة كوروساوا بالكاميرا وطبيعة أعماله وتأثيرها في الغرب بتقنياته الحركية والسرعة والانتقال والزوايا. إن كنت سأتحدث عن كوروساوا سأحصر مجمل الحديث عنه بفكرة واحدة تتحكم في ثلاثة من أشهر أعماله: وهي العلاقة مع الآخر، التواصل والانقطاع. هذه الفكرة ليست ظاهرة بصورة شديدة إلى درجة قد نظن فيها أنها هي أساس العمل الفني. ومع ذلك هذه الفكرة تحكم العمل الفني بصورة لا مرئية. وسأوضح ذلك من أعماله التي شاهدت: اللحية الحمراء، إكيرو،الساموراي السبعة.

لا أبالغ إن قلت أن اللحية الحمراء هو أحب أعمال كوروساوا إليّ. يعطيني الكثير كلما تفكرت فيه. لم يقدم كوروساوا مادة تجبر المشاهد على أن يتفاعل معها بالبكاء. سيحدث ما هو أكثر من ذلك: يتفهم تلك الحالات، يشعر بهم من أعماق قلبه، يشاطرهم آمالهم ويتعرف على ذلك النظام الذي يصلح أن يكون طريقاً للحياة.

كوروساوا قدماً درساً مهماً حول قدرة السينما على خلق أساليب موازية للنص الأدبي في إظهار قصة واحدة تحمل بداخلها عوالم قصصية متعددة ومترابطة تشكل نصاً واحداً، بثبات في السيناريو، والانتقال من قصة إلى أخرى دون وجود خلل قد يفسد هذا الترابط.

قام كوروساوا ببناء عالم تحت أقبية الفقراء ليهاجم الفقر بشجاعة. يهاجم الفقر فعلياً لا تنظيراً من خلال شخصية اللحية الحمراء، الطبيب التقليدي كيوجو نايدي الذي يكرس نفسه لخدمة المجتمع الفقير ورعايتهم وتطبيبهم دون مقابل. تبدو صورة مثالية لا يمكن أن تكون واقعاً. هل هذا صحيح أو يقلل من قيمة العمل؟ لا أؤمن بذلك. اللحية الحمراء هي الشخصية الفاعلة في هذا المجتمع المحطم. دوره مساعد قائم على الفعل, بينما المادة التي يُظهر من خلالها عمق هذا الفعل وأهميته هم من الفقراء أنفسهم، الفقراء المرضى. من خلال وجوده في هذا العالم الحزين ينطلق السرد عبر أفواه مرضى مقبلين على الموت. كل مريض، كل واحد منهم يحمل في داخله ألم أعظم من الألم الجسدي. مصاعب الحياة، والخذلان، ووجودهم الصعب في هذا العالم يجعل ألمهم مضاعفاً. فكرة اللحية الحمراء أن الجسد يخفي ما هو أعمق من ذلك بكثير. المرض يتعبهم، لكن ألمهم النفسي والداخلي أصعب. ولمداواته يجب النظر إلى جوهر الإنسان داخلياً من خلال الاستماع إليه ومشاركته والتعاطف معه. حتى يُظهر الاختلاف والفروق الحادة بين ما يؤمن به اللحية والحمراء وتيارات أخرى ترى الجسد أهم، يزج المخرج بشخصية شابة وجدت نفسها مرغمة على العمل في هذا المكان. الشخصية الشابة هو الدكتور كاسوموتو. لديه طموح – مثل كل شخصية طموحة في هذا العالم- أن يصبح ذو شأن من خلال مركزه ويصعد إلى أرفع المناصب. لكنه وجد نفسه في هذا العالم الذي لا يوجد فيه أي أمل للصعود في هذه الحياة. بين شظف العيش ورائحة الفقراء المرضى: يقاوم، ويرفض العمل في هذا المكان الخالي من الطموح. لم يزج المخرج هذه الشخصية الشابة في حوارات عنيفة تقوده إلى نكران ما يؤمن به, بل جعله يشاهد عياناً حقيقة هذا العالم وجعله يقرر بنفسه أي طريق سيسلك. وسمع مباشرة من اللحية الحمراء ما يؤمن به حقاً، من نقده الشديد للسياسيين الذي يقولون بأنهم يحاربون الفقر, والشاهد يقول عكس ذلك تماماً. ومن غضبه من هذا العالم الذي يزج بأطفال مجبرون على العمل في أماكن غير لائقة لا صحياً أو أخلاقياً. وفي القصة الثالثة من الفيلم تبيان لذلك.

المعاملة القائمة على أن الإنسان وسيلة لتحقيق هدف ما، دون النظر إلى الجانب الآخر من مشاركة وحوار وتعاطف، يقسم البشر إلى نوعين. نوع مالك، هو السيد والأعلى. هدفه الشخصي هو الهدف العام الواجب تحقيقه، ويجعل كل شيء أمامه، حتى البشر مجرد أدوات. شيء عابر سيتحقق الهدف به أو من دونه. لذلك ينقطع الحوار والمشاركة في الوجود. النوع الثاني هي تلك الوسائل. يصبح الإنسان آلة ليس له مشاعر وأحاسيس ووجود في نظر النوع الأول. إذا فقدت القدرة على المشاركة والحوار والتفاعل القائم على الاتفاق الاختياري تحدث الكارثة. يفاجأ اللحية الحمراء تلميذه الطبيب الشاب بزيارة لبيوت الدعارة لإلقاء نظرة على من يعمل هناك. فيجدون هناك طفلة صغيرة في الثالثة عشر من العمر يتيمة وجدت مجبرة على العمل هناك لتعيش.

هل يترك اللحية الحمراء تلك الطفلة تستمر في عملها البائس هناك، أم يقوم بعمل آخر قائم على تحطيم ذلك العالم بما يحمله من استغلال؟ في رواية الجريمة والعقاب للروائي دوستويفسكي هناك مركز للشر من خلال شخصية المرأة المرابية العجوز. تحطيم ذلك الشر أضحى هدفاً سامياً لبطل الرواية راسكولينكوف، يجب عليه أن يحطمه وينهيه. استطاع فعل ذلك، غير أن نتيجة الفعل كانت ضخمة ويصعب حصرها. من له الحق في تقرير بأن هذا المكان هو مركز للشر ويجب تحطيمه، ومن له الحق كذلك في التقرير بأن هذا الإنسان شرير ويجب أن يختفي. أو كما قال ديمتري كارامازوف في جلسة المقاضاة مع أبيه بوجود رجال الدين مخاطباً إياه: لماذا يجب أن يعيش مثل هذا الإنسان؟ ! اللحية الحمراء سار على ذلك المنوال. آمن بأن هذا المكان وكر من أوكار الشر. لكن لا يستطيع إنهاءه دفعة واحدة، ولا يملك من الوسائل ما يمكنه من فعل ذلك. إن كان سيفعل، سيحاول أن ينقذ ما يمكن إنقاذه. ولن يستطيع أي أحد أن يوقفه عن القيام بواجب يعتقد بأن كل الشرائع والقوانين تؤيده. ولذلك عندما واجه مقاومة من ذلك المكان يمنعه من القيام بواجبه: فجر غضبه في ذلك المكان بإستخدام تخصصه في علم الطب في محاربة من يمنعه. غادر اللحية الحمراء مع تلميذه ومعهم الفتاة البائسة وهو مهتاج طارحاً ذلك السؤال: طفلة! أي بؤس ألقى بتلك الفتاة في ذلك المجهول! لماذا كل هذا الشر في هذا العالم!

ها هنا أعظم كشف في فيلم اللحية الحمراء عن طبيعة الحوار: التواصل والانقطاع. الفتاة الصغيرة المحطمة نفسياً فقدت الثقة بوجود الخير في هذا العالم. عندما زُج بها في ذلك العالم المسعور تحولت لشيء، لا لذات. سلعة تباع وتشترى. حدث الانقطاع بينها وبين الآخرين. وإن كان هناك من وسيلة للتخاطب يستلزم ذلك بناءً نفسياً يقوم على الثقة المتبادلة بين الطرفين. أي أن لكل طرف الحق في الحياة وأن تسمع وجهة نظره ورأيه ويدخل في أي حوار قد يشكل أهمية لذاته. مشهد إعادة الثقة كان حزيناً جداً. عندما يعطي الطبيب الشاب الدواء لتلك الفتاة كانت تلقي به بعيداً. تكرر هذا الأمر مرات كثيرة. هي لم تقذف الدواء كناية عن الكراهية. قذفته لأنها لم تعد تؤمن بوجود إنسان قد يتعامل معها بإنسانية، ولأنها تعرضت للإقصاء والنفي من ذوات كانت تعاملها كسلعة. عندما تولى اللحية الحمراء الأمر تصرف معها كأنها طفلة صغيرة تحتاج لتهيئة. يعطيها الدواء مرة وتقذف الدواء في وجهه. لو رفع يده في وجهها لن يستطيع أن يعيد إليها ثقتها بنفسها. تقبل الأمر وقام مرة ثانية بإعطائها الدواء وحدث الأمر ذاته. حتى جاءت تلك اللحظة التي وجدت فيها تلك الفتاة أن من أمامها يعاملها كإنسان له وجود وتاريخ. ينظر إلى داخلها لا إلى جسدها. وحدث ذلك التواصل الضروري الذي لا مفر منه.

في فيلم الساموراي السبعة, ذو النزعة الحركية الفذة، من غير الممكن وصف طبيعة العمل بأن ثيمته الكبرى هي ذلك التواصل والانقطاع بين الأنا والآخر. ومع ذلك، ذلك التواصل بين الأنا والآخر هو من قام بنقل تلك العلاقة بين الفقراء والساموراي السبعة إلى مستوى أرقى وأعظم، من علاقة مادية بحتة إلى علاقة عاطفية تراحمية قائمة على المشاركة والدفاع عن وجودهم المشترك ضد عدو لا يرى في الآخر غير المادة. يقدم كوروساوا في فيلم الساموراي السبعة قصة قرية يابانية تتعرض للهجوم كل موسم حصاد من قبل قطاع الطرق. غالبية سكان تلك القرية من الفقراء المعدمين, لا قدرة لهم في محاربة تلك القطعان المسعورة. يلجئون لتقديم عرض عام لمجموعة من محاربي الساموراي القادرين على حمل السلاح للدفاع عن قريتهم. بعد رفض مجموعة كبيرة من محاربي الساموراي، استطاعوا الحصول على موافقة سبعة فقط. محاربي الساموراي من طبقات نبيلة أعلى من الفقراء. كان الاتفاق بين فقراء القرية والساموراي تعاقدي مادي. الدفاع مقابل الحصول على مقابل. يشن كوروساوا هجوماً على هذه النظرية. من خلال مشاركتهم مع بعض يستطيعون الشعور بوجود أهمية الآخرين في حياتهم. اكتشف هؤلاء الساموراي السبعة وجود لباس لأحد محاربي الساموراي في هذه القرية. يصابون بالغضب لوجود هذا اللباس: هذا معناه أن لهم رفيقاً تم قتله في هذه القرية. فكيف يدافعون عن قرية قتلوا فرداً من طبقتهم؟ لم يأتي الجواب من الفقراء الذين من الممكن أنهم اضطروا للدفاع عن أنفسهم. كان الجواب من أحد هؤلاء الساموراي السبعة – الممثل العظيم مفيون-: هذه الشخصية في هذا العمل عظيمة لطبيعتها الدون كيشوتية, يحب الضحك والسخرية. حتى في طبيعة حياته البائسة يُشعر الآخرين بالجمال والحياة. عندما وجد مفيون رفاقه الساموراي الستة يكسو ملامحهم الغضب تفجر بحديث غاضب حزين عن طبيعة وجود الساموراي مع الفقراء وعلاقتهم مع بعض: مزارعي القرية كاذبون ومخادعون، يقولون بأنهم لا يملكون أي شيء رغم أنهم يملكون كل شيء. يتظاهرون بالقداسة وهم من الداخل يكذبون، ولكن من الذي جعلهم في هذه الصورة؟ يوجه مفيون غضبه تجاه أفراد طبقته الساموراي متهماً إياهم بأنهم هم السبب الوحيد في جعل المزارعين الفقراء في هذه الحالة. أحرقوا قراهم، ودمروا مزارعهم، وسرق أكلهم، وأجبروا على الكدح من أجلهم. فكيف يريدون منهم أن يحملوا عواطف وأحاسيس تتفق مع طبيعة أفعال الساموراي تجاههم؟ لم يكن مفيون قديساً حتى يقر بهذه الحقيقة. أعلن عن رأيه لأنه يتعلق بوجوده: هو من الساموراي، وهو كذلك ابن لمزارع فقير! طبيعة العلاقة بين الساموراي والفقراء أصبحت تتخطى حاجز المادية. الواجب الأخلاقي أصبح هو الدافع بالنسبة لهم بدل من أن تكون المادة هي السبب. الإيمان بأهمية الآخر جعلهم متماثلين، لا أعلى فيما بينهم. متساوين في المصير.

فيلم آكيرو هو أكثر أفلام كوروساوا تعبيراً عن طبيعة ذلك التواصل مع الآخرين والحوار والمشاركة. وحين يعرف السبب يقل الاستغراب لأن الفيلم مقتبس من قصة تولستوي العظيمة: موت إيفان إيليتش. لم يقتبس كوروساوا نص تولستوي حرفياً. استلهم روح القصة الداخلية وأعاد بناءها من جديد عبر شخصية الموظف العمومي كانجي و اتانابي. هذه الشخصية قتلتها البيروقراطية الحكومية. ثلاثين سنة على نظام واحد، يعطل مشاغل الناس تحت سطوة هذا النظام القاتل. وعندما يصاب بذلك المرض الذي تعرض له إيفان، يبدأ بالبحث عن إجابة لذلك التساؤل الذي أرعب إيفان ولم يجده إلا في الساعتين الأخيرة من حياته. الرؤية الجديدة التي استلهمها كوروساوا من تولستوي -ولم يقتبسها حرفياً- هي في طريقة المعالجة: جعل بطله يدخل في خضم الحياة المعاصرة. يتعرف على الناس ويحاول أن يعيش بطريقة تنسيه آلامه. ظن بأن السعادة قائمة على الانغماس في الملذات ولم يجدها. عندما صارحته زميلته الموظفة بأن حياته كانت أشبه بالمومياء أيقن بذلك الفراغ الذي عاش به لسنين طويلة. خاض تجربة أولئك الذين يردهم حين كان في المكتب وعرف تماماً ماذا يعني أن يلقى بك ولا يسمع لك أحد. أصبحت مهمته الأخيرة التي يجد فيها العزاء لنفسه والتخفيف من آلامه هي في ذلك التواصل الذي نشأ مع عامة الناس. تواصل قائم على تحقيق حلم: أن ينشأ حديقة للأطفال. كوروساوا أحد أكثر السينمائيين الذين يخلقون من المأساة دافعاً للحياة والمضي نحو جمالها. أن تحيا، يعني ذلك أن تعيش لذاتك والآخرين. لحظات الطفولة ممتلئة بالتواصل. لم تعكرها مشاغل الحياة وارتباطاتها المادية. ولذلك، كانت الأغنية التي تتردد في ذاكرة بطل فيلم آكيروا هي الأكثر جمالاً وتعبر عن ذلك التواصل الذي نشأ مع الأطفال والناس، في ذلك المكان الذي كان يحلم بأن يشيده لكي يعيش الحياة بكل جمالها. عندما اتجه الموت إليه لم يكن خائفاً. انتهى ذلك الموت أو مات الموت كما عبر عنه تولستوي في قصته، لأن البطل يغني ويلعب في الحديقة، التي تعرّف على الحياة من خلالها وعاش لحظات قصيرة من تلك الحياة: عامرة بالتواصل مع الآخر.

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب روسي, تولستوي, سينمائيات. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s