الـغـراب

معي، لم يكن الشعر غرضاً، بل ألماً. والآلام يجب أن تُعامل بوقار ومهابة بل وتقديس.
إدغار آلان بو.

عند الإطلاع على بعض الكتابات النقدية التي خطها الشاعر والقاص الأمريكي إدغار آلا بو، قد تطرأ في الذهن مباشرة فكرة أن هذا الناقد الذي فتح المجال واسعاً لتنظير فني حول جماليات القصة القصيرة وشروطها وجماليات القصيدة والوزن، معترف به في عصره بأنه من كبار أدباء ذلك العصر ويحتل مكانة مرموقة مثل تلك التي يحتلها الناقد الإنجليزي كولرديج. غير أن الواقع لا يخالف ذلك فقط، بل يتخطاه ليرسم صورة أخرى معاكسة تماماً. لم يكن معترفاً به، بل حتى بعد رحيله، أصبح مرآة سيئة – تحت تأثير المقالات التي نشرها منفذ وصيته الأدبية، والتي استغلها استغلالاً بشعاً استطاع من خلالها قلب الصورة الذهنية عن الشاعر. الشاعر الفرنسي بودلير، والذي ساهم مساهمة لا تنكر، – بل لا تقدر بثمن – في رفع اسم إدغار آلان بو عالياً، ذكر أن مصدر شقاء إدغار أنه كان في بيئة محدودة غير مثقفة لم تستطع أن تفهمه وترقى إلى تقديره. قال عنه:

لقد اجتاز هذا الرجل قمم الفن الوعرة، واكتشف في حياة هي أشبه بعاصفة لا تهدأ طرقاً وأشكالاً مجهولة يدهش بها الخيال ويروي العقول الظامئة للجمال. كان يعاني من دافع داخلي ملح للاستطلاع والتنقيب، كان يحثه على الدوام إلى التماس خبرات جديدة، وإلى ولوج ممالك مجهولة حتى لو كان عليه أن يدفع ثمن ذلك من دمه وأعصابه.

سواءً كان مرغماً على دفع ذلك من دمه أم لا، لم يكن على أرض الواقع من سبيل لإدغار إلا أن يعيش سيرة حياة مطلقة البؤس شكلت في بعض معالمها النفسية رؤية تجاه فنه وأدبه. ولد إدغار لأبوين يعملان في المسرح، مما جعله في حالة ترحال دائم مع والديه. أول طريق للبؤس كان في هجر الأب لزوجته وتركها تعيش مع أطفالها الثلاثة. لم يبلغ الشاعر السن الثالثة حتى توفيت والدته بمرض السل، وانتقل للعيش في كنف جون آلان الذي كفله مع زوجته، و التي أغدقت على الشاعر عطف كان يفتقده لسنوات طوال. غادر معهم إلى إنجلترا طيلة خمس سنوات. وبعد عودته انتظم في جامعة فيرجينيا، ولم يلبث أن غادرها بسبب النفقات التي لم يستطع دفعها والخلافات التي قامت مع جون آلان، فاضطر لأن يوقف عن ابنه بالتبني كل المصروفات. دخل صفوف العسكرية وتم إدخاله في كلية ويست بوينت العسكرية. وكشأن سابقتها، ترك الكلية العسكرية وهو مؤمن بأنه يعرف الطريق الوحيد الذي سيعيش من أجله حتى لو كلفه ذلك العذاب والموت جوعاً. بدأ بالعمل الصحفي متنقلاً بين عدة صحف، محققاً نجاحات بجاذبية مقالاته التي تنوعت ما بين الشعر والقصة القصيرة والنقد الأدبي. صراحته الشديدة أكسبته إعجاب بعض المثقفين، وعداءً وإعراضاً شديداً من كثيرين. لو تطلع بو إلى عصره والأحداث العاصفة في وطنه، هل كان سيلقى قبولاً في هذه الحالة؟ لن يجد القبول. ليس لأنه غير مهتم بعصره وحسب، كل ما كان يثور في عقله هو الجماليات الفنية في العمل الأدبي. هذه الجماليات – ويا للغرابة! – كانت في عقل رجل لم يجد الاستقرار طيلة حياته: عقل يعاني من نوبات اكتئاب وحزن عميق تهوي به إلى الأرض، متجولاً في الشوارع هاذياً، تقوده في فورة من فورات غضبه إلى الشراب لعله يجد فيها مهرباً من آلامه المريعة. تلك الآلام التي شكلها رحيل أعز الكائنات عليه بصورة مرعبة: والدته التي ماتت وهي في الرابعة والعشرين من العمر بمرض السل. ووالدته الثانية توفيت كذلك في حياته، غير أن القاصمة كانت في العذابات التي عاشها مع زوجته الوفية كل الوفاء له، فيرجينيا كليم.


قيل بأنها كانت تغني على قيثارتها ذات مساء.. وهي تعزف لإدغار بصوتها، توقفت لتتحسس عنقها. سعلت سعالاً شديداً لم ينتهي إلا بتلك العلامة التي يعرفها إدغار جيداً: الدم، مرض السل. لم تكن زوجته التي تحتضر، هو الآخر كان يحتضر، ملقياً بنفسه إلى الهاوية، مفرطاً في الشرب، مؤمناً بأنه يجد الخلاص لنفسه أمام ذلك العذاب الذي يضرب في أقدس المخلوقات لديه. في إحدى قصائده: إلى أمي To My Mother 1849 أعظم كلمة قدسية في هذا العالم هي تلك الكلمة: أم. ما يظهر على مسرح القصيدة أنها قصيدة تجاه أم الشاعر، وهي كذلك بالفعل، غير أن أمه تلك لم تكن إلا الأم التي أنجبته. أما والدته الحقيقية، فهي تلك التي أظهرت للوجود فيرجينيا. والتي جعلها الشاعر بمرآة نفسه أعز على نفسه من الحياة نفسها. عند احتضارها كانت إحدى يدي فيرجينيا بين راحتي إدغار، واليد الأخرى يد والدتها. كان آخر ما نطقت به: أرجوكِ يا أمي .. لا تتركِ إدغار وحده أبداً. ما أهمية قولها هذا؟ الكلمة الأخيرة “أبداً” هي إدغار آلا بو، هي موسيقاه التي زرعها في قصيدته العظيمة الغراب!. نتيجة لذلك الرحيل المفجع، سقط إدغار بصورة أكبر من سابقتها، مريضاً، تطوف بعقله خيالات من هواجس وأشباح، مستغرقاً في شرود غريب لا فكاك منه. لم تدم تلك الخيالات فترة طويلة حتى وجد في الحانات في بالتيمور، مغمياً عليه، متورم الوجه، أشعث الشعر. نقل على إثرها إلى المستشفى وهو في أشد أيام حياته حزناً. غادر السرير بعد يوم واحد من نزوله فيه إلى قبره، وهو يردد بألم: أنقذ روحي يا رب من هذا العذاب المرير.

يوجز إدغار آلا نبو تعريفه للقصيدة بوصفها خلق إيقاعي للجمال، معياره الوحيد هو الذوق. له علاقات جانبية فقط مع العقل أو الضمير، ولا يهتم بالواجب ولا بالحقيقة إلا بالصدفة. قد يعطى رأي بأن بو من أصحاب نظرية الفن لأجل الفن. وهو كذلك بالفعل وإن لم يكن بتلك الصورة التي بشر بها أوسكار وايلد في مقدمة صورة دوريان غراي. يضع بو ويستخدم الجمال – محصوراً بجانبه السامي الخالد ساحة للقصيدة. ولا ينفي بأي حال تقديم القصيدة وبإيجابية محرضات العاطفة أو قواعد الواجب لأنها قد تفيد – بالصدفة – وبطرق مختلفة، الأهداف العامة للعمل. لكنها تحتاج لفنان حقيقي يسعى إلى تلطيفها في خضوع مناسب لهذا الجمال الذي هو مناخ القصيدة وجوهرها الحقيقي.

القصيدة عند إدغار آلان بو لا تستحق لفظة القصيدة إلا بقدرتها على استثارة الروح، عبر السمو بها. قيمة الشعر هي في هذا المقدار من الإثارة السامية. هذه الإثارة تنبع من نظرته إلى الجمال بوصفه ذا أثر محوري في القصيدة:

الجمال بتجلياته المختلفة، وخاصة في ذروة اكتماله حيث يؤثر في الروح المرهفة. الغريزة الخالدة العميقة في روح الإنسان هي بوضوح الحس بالجمال: هذا هو ما يمد بهجته. لازلنا عطشى عطشاً لا يرتوي، هذا العطش ينتمي إلى خلود الإنسان. فهو نتيجة وعلامة في ذات الوقت على وجوده الدائم. ليس فقط تقدير للجمال الذي أمامنا، بل هو جهد شرس للوصول إلى الجمال في الأعلى. نحن نصارع عبر تركيبات متعددة الشكل فيما بين أشياء الزمن وأفكاره لبلوغ قسط من الجمال الذي ربما تنتمي عناصره إلى الخلود وحده. لهذا، عندما نجد أنفسنا نذوب دمعاً بسبب الشعر أو الموسيقى، ليس بفرط اللذة، بل بسبب حزن معين: لعجزنا عن الإمساك الآن كلية، هنا على الأرض، بتلك المتع الجذلة والمقدسة التي نبلغها عبر الشعر أو الموسيقى، بومضات مختصرة ومتوسطة. إن الصراع من أجل فهم الجمال السامي – ذلك الصراع الذي تخوضه تلك النفوس المهيأة لذلك بحكم طبيعتها- قد منح العالم كل ما لم يستطع أن يفهمه أو أن يشعر به باعتباره شعرياً على الفور.

لا يعطي إدغار أهمية بسيطة للموسيقى، بل يرفع من شأنها لأعلى مرتبة إذ أنها تشكل الجزء الأكثر حيوية في أنماطها المختلفة من حيث العروض والإيقاع والبحر. ومن خلالها تحقق الروح هدفها العظيم الذي تكافح من أجله: خلق الجمال الأسمى. سأخرج قليلاً عن نظريات بو في الشعر لأفصل هذه النقطة لأني تعرفت على بو الشاعر من خلالها. أتذكر تلك اللحظة بشدة قبل ثلاث سنوات مع الصديق عدي. كنا نتحدث عن إدغار القاص. ثم ألقى صديقي الأبيات الأولى من قصيدة الغراب. لم أعرف ماذا كنت أسمع. أظنها كانت أغنية. الجرس الموسيقي في الأبيات الأولى عالي جداً. كنت أطرب لهذا الجرس. وجدته فاتناً. اللقاءات الأخرى التي تلت ذلك اليوم لا تنتهي دون إلقاء لقصيدة الغراب. الشاعر تفنن في التقفية بصورة تدعو للإعجاب. فهو يوحد لفظ القافية في سطرين أو أكثر ليحدث أكبر أثر من اللذة الموسيقية. ثم قافية بلفظين داخل السطر، أو بلفظين في سطر واحد موزعه بين المنتصف والنهاية. بل حتى الكلمة وما تحويه من حروف تحمل بداخلها موسيقى مثل حرفي O و R, والذين يجدهما إدغار أكبر الحروف تأثيراً في اللغة الإنجليزية. واللذين استوحى منهما الشاعر تعبير Nevermore الشهير في الغراب، وبالطبع: Lenore

قواعد بو الصارمة حول فنية القصيدة أوصلته إلى نظرية تقول – وهي أكثر آراءه غرابة – أن القصيدة الطويلة غير موجودة. عمل مثل الفردوس المفقود لجون ميلتون يعتبر شعرياً إذا نظرناً إليه من زاوية أخرى، بوصفه عدة قصائد ثانوية، لا وحدة واحدة. إذا قرأنا الفردوس المفقود كعمل موحد واحد في جلسة واحدة – كما هو ضروري – ستكون النتيجة ملل وإحباط. أما إذا قرأنا العمل محطمين وحدته، قد نجده مختلفاً بصورة أخرى وقد يصبح التفاعل أكثر. إن كان هناك من إعجاب بالملاحم الشعرية فهو في الجهد المبذول في بناءها، غير أن العبرة بالأثر الفني الذي هو الشرط الأول للعمل.

عن موضوعات الشعر، يُذكر أن بو قال: سألت نفسي:

ما الموضوع الذي يتفق الناس جميعاً على أنه أكثر الموضوعات أسى وغماً؟ كانت الإجابة واضحة: الموت. ثم قلت لنفسي: ومتى يكون هذا الأسى أكثر شاعرية؟ حينما يكون الأسى في أشد حالاته تحالفاً مع الجمال. إن موت امرأة جميلة هو بلا شك أكثر الموضوعات شعرية في العالم. وإن الشفتين المؤهلتين أكثر من غيرهما لهذا الموضوع، هما بلا شك: شفتا محب دمره موت حبيبته.

هناك باعث نفسي مهيمن في أعمال إدغار آلان بو كما يشير الفيلسوف الفرنسي جاستون باشلار. هذا الباعث وفاء لذكرى لا تنسى. الصورة المهيمنة على شعر بو هي صورة الأم المحتضرة، المحبوبات اللواتي يحييهن الموت جميعاً: هيلانة، وفرانس، وفرجينيا، يجددن الصورة الأولى وينعشن الألم الأول: يجددن الألم الذي أثر في اليتيم الشاب. قصائد بو لا تستحق النقاش. ليس لأنها لا تحوي ما هو جميل يستحق النقاش حوله، بل لأن الأثر الذي يكتنف قارئه يجعله يفضل أن يستمتع بتلك الموسيقى التي تغطي العمل الفني، القصيدة. ثم أن هناك عاملاً آخراً أجده شديد المركزية: القصصية في القصيدة. إدغار آلان بو قاص، ومن كبار كتاب القصة القصيرة في العالم. في قصائده ذات الموضوع الواحد أجد قصصية ظاهرة لا يمكن إخفاءها. بل وتنتهي بنهاية وكأن الكاتب لم يكتب قصيدة وإنما كتب قصة. سأتناول بعض من هذه القصص / القصائد في أعماله الأشهر:

في قصيدة لينور Lenore 1831 يرسم إدغار صورة لبعض الرجال أمام جثة امرأة جميلة تدعى لينور. الشخصية المعنية بهذه المرأة هي في شخصية جاي دي فير، والذي يبدو أنه تربطه صلة قربى بالراحلة الميتة. يتداعى الجمع لإقامة صلاة على روح لينور ويذرفوا الدمع حولها. الشخصية المركزية هنا تؤمن بأفكار مختلفة عن الآخرين. لم يبكي جاي دي فير، بل يدعو لإيقاف تلك الصلوات، لأن تلك الراحلة التي يحب، سوف ترحل من مكان يعتقد بأنه جحيم إلى مكان أكثر طهارة ونقاء عند الرب. مكان لا وجود فيه للحقد ولا للكره. كيف يجتمع الحزن والفرح مرة واحدة؟ أو الرعب والفرح مرة واحدة؟ قليل من ينجح في هذا المزج الذي يجب أن يكون قائم على أحداث تدعم هذا المزج. تولستوي في الحرب والسلم نجح في ذلك الضرب من الجمع بين الفرح والرعب مرة واحدة في شخصية الكونتيسة ناتاشا. وإدغار آلان بو ينجح هنا في ذلك الضرب من السعادة والحزن. سعادة تقوده للاحتفال بذلك الصعود لروح لينور، أي تبجيل واحتفاء بالموت. وحزن لفقدها. إن كان سيعزي نفسه سيودعها بأنشودة قديمة تحمل ذكرياته معها. القصصية بدأت من بداية القصيدة ولم يكن هناك أي تمهيد. وضع إدغار القارئ أمام جثة الراحلة مباشرة بالجموع التي تحيط بها وبالشخصية المركزية. الشخصية كانت صامتة. وصمتها ضروري لأن غاية وجودها هو في التعبير عن تلك الفكرة التي ترى موت لينور جديراً بالاحتفاء لا بالحزن والبكاء، والتي يجب أن تكون خاتمة للقصة. قد تتعرض القصصية لبعض الخلل لو عبر جاي دي فير عن نفسه من البداية باجتراره الآهات والحزن. إنه أمر طبيعي أن يكون كذلك. لكن وبدلاً من أن يكون جاي دي فير هو المعبر عن الحزن في بداية القصيدة، كانت الآهات تنطلق من الجموع والأصدقاء الذين دعوا لإقامة الصلوات.

يطرق إدغار باب الموت مرة أخرى من خلال الذكريات بقصيدة قصصية رائعة، هي قصيدة يولالم Ulalume 1847. يصف الشاعر المكان الذي يحيط به قبل دخوله للغابة: سماء هادئة شاحبة، وأوراق الشجر مهشمة يابسة. هل كانت الغابة تحمل ذلك التصوير المخيف من غيلان وسواد كما يتخيل الشاعر؟ لا أظن ذلك. كان الشاعر يسير دون وعي في هذا المكان الذي يعرفه جيداً ويشكل أحد أكثر الأماكن رعباً وفزعاً له. غير أنه لا يعرف أين هو وإلى أين يسير. القصصية تبدأ لحظة الكشف – من خلال الشاعر – عن وجود شخصية أخرى لها وجود حقيقي، هي روح الشاعر نفسها. بينما هم يسيرون على غير هدى بدأ الصباح يبشر بيوم جديد. يظهر في الأفق نجم أبيض: هلال متفرد ولد في غير موعده لغاية أن يقود ذلك الشاعر الذي يسكب العبرات على وجنتيه. تفتح روح الشاعر حواراً مع الشاعر أن لا تثق بهذا البياض الذي قد يلقي بهم إلى طريق مجهول مرعب. وكيف يكون الجمال مرآة للرعب؟ هكذا يؤمن الشاعر، فيسير مع هدي نجمه داخل الغابة، متيقناً بأن هذا الجمال لن يقود إلا إلى شيء عظيم. في لحظة أمله تلك في السير مع النجم، يقف الشاعر أمام قبر لا يعرفه. يسأل نفسه عن الاسم المكتوب على الضريح، فتجيب النفس: يولالوم – يولالوم, قبر حبيبتك الضائعة يولالم. يسقط عليه الوعي دفعة واحدة: ها هو يقف أمام قبر حبيبته في نفس اليوم الذي فقدها فيه، في نفس اليوم الذي دفنها فيه. في ليلة الليالي من أكتوبر الحزين.

وصف الفيلسوف الفرنسي جاستون باشلار في تحليله النفسي للماء، شعرية الماء في شعر إدغار آلا ن بو بأنه ماء ثقيل، أعمق، وأموتُ. كل ماء رقراق في نظر إدغار آلان بو هو ماء يجب أن يُظلِم. ماء سيمتص العذاب الأسود. كل ماء حي هو ماء قدره أن يتباطأ ويتثاقل. كل ماء حي هو ماء على وشك أن يموت. أن نتأمل الماء يعني تماماً أن نسيل، أن نذوب، أن نموت. حكاية الماء هي حكاية بشرية عن ماء يموت، يبدأ حلم اليقظة أحياناً أمام ماء رقراق، يدخل بأكمله في انعكاس فسيح، ضاج بموسيقى شفافة، وينتهي في عمق ماء حزين معتم، في عمق ماء ينقل همسات غريبة وجنائزية. قد اتفق مع باشلار إذا حصر هذا الماء الأسود في قصة إدغار مغامرات غوردن بيم. لكن أجد ماء بو في قصيدة آنابيل لي Annable Lee 1849 ماء مختلف ونادر. جمال الموسيقى في هذه القصيدة محصور بثلاث كلمات: Annable Lee, Me, The sea. لا أجد الجرس عالياً يتراقص كما في بعض إدغار، بل ينساب لحناً حزيناً بالتساوي مع القصصية الشفافة الدائرة في مملكة بجوار البحر. القصصية تدور على صوت رجل يستعيد ذكرياته مع آنابيل لي، حين كانا صغاراً في مملكة جوار البحر. بلغا مبلغاً من الحب والسعادة أثار حفيظة من الذين لا يمكن لهم أن يحسدوا أحداً. صورة المرأة الجميلة هنا ليست مرعبة مثل يولالم, وليس احتفالياً مثل لينور، بل هي مثالية مطلقة, لا يفصل ولا يفرق بينهم الموت. تلك الدرجة العالية من الحب أشد وثاقاً من أي شيء آخر. ولذلك، عند قدوم الليل في كل يوم: يرقد الشاعر بجوار حبيبته، حياته، في ضريحها جوار البحر الثائر، في مقبرتها جوار البحر الصاخب.

القصائد الثلاث : أنابيل لي، يولالم، لينور كانت تحمل قصصية واضحة. في قصيدة الغراب أجد الأمر مختلفاً. حتى لو كانت هناك قصصية في القصيدة، فهي غير ظاهرة بسبب شعريتها العالية وكثافة الموسيقى المتلاطمة. ومع ذلك هناك قصصية تُشكل مع الموسيقى وشعرية الشاعر بناءً ضخماً هي قصيدة الغراب The Raven 1845: أكثر قصائد إدغار آلان بو شهرة. في هذه القصيدة راوي في حجرته الكئيبة غارقاً في قراءة كتب السحر، باحثاً عن سبيل للعزاء بفقده لحبيبته لينور. يسمع على الباب طرقاً. يفتح الباب ولا يجد أحداً. لم يجد إلا الظلام وصورة لينور التي يردد ذكرها ويرد الصدى له بنفس الاسم لينور. ثم يعود إلى مقعده وهو على حالته الهذيانية تلك ليسمع طرقاً فوق باب الحجرة. يفتح الباب ويدخل غراب إلى الغرفة واقفاً على تمثال أبلاس. ينطلق الراوي في حوار معه ولا يجد من رد من الغراب إلى تلك اللازمة التي يتردد صداها في القصيدة Nothing more, Nevermore. قيمة الغراب العظيمة ليست في الموسيقى والصور التي خلقها الشاعر ببراعة في هذا البناء الضخم. أعرف بأنه من الصعوبة بمكان المقارنة بينها وبين أعمال أدبية أخرى كالقصة القصيرة والرواية لكن لابأس، ليكسر الحاجز الآن من أجل الغراب. حالات التعبير الوجدانية والقلق الوجودي له حضور طاغ في الآداب. مارميلادوف في الجريمة والعقاب يخطب خطبة هائلة وهو في حالة سكر شديدة في بداية الرواية، مندداً بنفسه وبالعار الذي ألحقه بعائلته. بطل السرداب والمونولوج الساحر في القسم الأول من ملاحظات في القبو عبر عن قلق وجودي أصيل. لم يكن هناك من طرف آخر يستمع إليهم. لا يجدون إلا النكران واللامبالاة لعبثية ما يقولون. راوي الغراب هو من هذا الصنف الذي وجد نفسه في حالة قلق هائل. حالة الضياع التي يجد نفسه غارقاً فيها حتى أخمص قدميه، والأهم من ذلك: الصورة الأصيلة في شعر إدغار آلان بو، مشاعر الفقد لتلك الجميلة التي يردد إسمها وحسب، متسائلاً عن مكانها الآن وفي أي مكان هي الآن. كان على الراوي أن يوقف الحوار مع ذلك الغراب الذي يردد بتلك الكلمات الغير مفهومة. وهو على تلك الحالة من البحث عن السلوان من الطبيعي أن يسأل الغراب عن حقيقة نفسه وأين يجد المخرج. غير أنه تناسى نفسه ولم يبحث في أعماق نفسه لأنه لن يجد إلا تلك الراحلة: لينور. ولذلك سأله في تلك الأبيات بغضب : أخبر هذه الروح المثقلة بالأسى، لو أنها في الجنة البعيدة المدى، تعانق العذراء المقدسة الخطى، تلك التي أسمتها الملائكة لينور- تعانق العذراء النادرة البهى, تلك التي أسمتها الملائكة لينور؟ لم يسأل عن نفسه،لأن روحه غارقة في أعماق اليأس، وسط الظلام، لن تُرفع أبداً: Nevermore!

هناك نقطة رئيسية من المفترض أن لا ألقي لها بالاً يذكر لكن يجب ذكرها، وهي تتعلق بحقيقة بناء قصيدة الغراب. في مقالة شهيرة لبو يفصل فيها كيف أقام ببناء هذه القصيدة. كان أول ما بدأ به أنه قرر أن يحصر طول القصيدة في مائة سطر، وأن يوجد أثر محدد ينقله إلى القارئ، واختار أن يكون الحزن طابع عام للمنظومة الشعرية، وأساسه موت امرأة جميلة. وعلى قافية قصيرة تحمل جرساً موسيقياً، ثم يوضح أنه تجاوز المائة سطر المحددة سلفاً لتقوية الشعور. المقال مميز بتلك الملكة النقدية العالية التي يفصل فيها، خصوصاً إذا تناول قصائد لشعراء آخرين. ولكن، هل من الطبيعي أن تكون القصيدة، أي قصيدة كانت– الغراب مثالاً – قائمة على أساس هذا البناء العقلي الذي يشبه المعادلات الرياضية؟ لا أقول بأنه من المستحيل، لكن من الغرابة بمكان أن توجد مثل هذه القصائد. ولا أظن بأنها توجد. القصيدة حين تخرج للمرة الأولى تكون محتفظة بحرارتها وإيقاعاتها، حرة طليقة لا يحدها حدود. إذا فرض عليها نظام رياضي مثل هذا النظام الذي قاله بو يجب أن تسير عليه، لن تعمر هذه القصيدة طويلاً، بل ولن توجد. لا أصدق بأن بو كتب هذا المقال قبل كتابته لقصيدة الغراب. بل لا أظنه استطاع كتابة هذا المقال قبل أن ينهي الغراب، بشكل حر بعيداً عن نظامه في بناء القصيدة.

Advertisements
هذا المنشور نشر في قصائد, أدب أمريكي. حفظ الرابط الثابت.

5 Responses to الـغـراب

  1. maha كتب:

    أحب هذه القصيدة السوداء، احدى مفضلاتي في الادب الانجليزي.. خصوصا عندما يقرأها Christopher Lee بصوته الداكن
    أتيحت لي أخيرا قبل عدة أشهر فرصة رؤية طائر الـ raven في منطقة جبلية.. وهو يختلف عن الغراب في حجمه الكبير الأشبه بحجم نسر.. الحقيقة أنه أذهلني، حيث لم أكن أعرف الفرق بينه وبين الـ crow (الغراب العادي) قبل ذاك اليوم.. بحثت عن ترجمة عربية دقيقة لاسمه ويبدو أنه “غداف”.. عندما تراه سيبدو غرابنا المعتاد أليفا بالمقارنة! 🙂

    • Mamdouh كتب:

      شكراً مها على هذه المعلومات. لم أملك تصور في الحقيقة حول شكل الطائر المذكور في القصيدة.
      بالنسبة لإلقاء القصيدة يوجد مقطع نشر عام 2010 لفيلم لم يعرض سينمائياً لكن خاص ويباع من موقع محدد. مع الاسف المقطع الآن غير موجود بسبب الحقوق الفكرية. الإلقاء في ذلك المقطع يفوق أي مقطع آخر سمعته لقصيدة الغراب.

  2. Salama كتب:

    هنا تجد إلقائي للقصيدة، بالإضافة لروابط بعض ترجماتها العربية المتوفرة
    http://aboutsalama.blogspot.com/2013/02/raven.html
    ولي بودكاست (تدوينة صوتية) عن الشاعر وحياته ونهايته العجيبة
    http://salamacast.wordpress.com/2012/05/22/poe

  3. Salama كتب:

    فكرة القافية الداخلية ممتازة فعلا، وكنت أحاول ترجمتها على هذه الطريقة منذ فترة لكن فشلت.. لكن الترجمة ككل لم تختلف كثيرا عن الشهراني.. أظن أن ترجمة سليمان ميهوبي (والتي عرفتها قبل ساعات فقط وأضفتها لقائمة الترجمات على المدونة عندي) هي أفضل الجميع.
    http://www.almolltaqa.com/vb/showthread.php?81318-The-Raven-Edgar-Allan-Poe

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s