فيساريون بيلنسكي: ناقد عصره

في غمرة الحديث عن الآداب الروسية من شعر وقصة ورواية ومسرح، تسطع الرموز التي تحتل مساحة كبيرة عند الجمهور القارئ: بوشكين وقصائده، غوغول وأرواحه الميتة، ليرمنتوف وبطل زمانه، وجودية دوستويفسكي في خوالده، تولستوي بفكره وأعماله الضخمة. يبدو الأمر طبيعياً جداً إذ أن التواصل يتم بين المؤلف والقارئ الذي يقرأ عمله. غير أن هناك أمراً خاصاً لا يلتفت له إلا المهتمين بالنقد الأدبي وتاريخ الأدب الروسي ومساره التاريخي من بطرس الأول حتى منتصف القرن التاسع عشر. ما كان للرواية والقصة الروسية أن تبرز وتثبت وجودها وتستمر في مد الآداب العالمية لو لم تجد لها ناقد شرس يقوم بفحص التاريخ الأدبي ونقده وتصحيح مساره وبيان ميزاته وعيوبه وأهميته في المجتمع. من قام بهذه المهمة شاب في الثالثة والعشرين من العمر. كان رأيه كافياً لأن يرفع من سمعة كاتب وإسقاط آخر. يكفي أن أي سيرة لدوستويفسكي لا تبدأ إلا باقتباس من هذا الناقد الذي بشر العالم بظهور روائي فذ سيكون له وجود حقيقي في المستقبل القريب. حين قرأ هذا الناقد رواية الفقراء لشاب مغمور – وهو العمل الأول لدوستويفسكي – قال:

سيأتي على روسيا روائيون كثيرون وستنسى روسيا معظمهم، أمّا أنت فلن تنساك روسيا أبداً، لأنّك روائي عظيم، المجد والشرف للشاعر الشاب الذي تحب آلهة وحيه سكان السقوف و الأقبية و تقول عنهم لأصحاب القصور المذهبة: هؤلاء بشر أيضاً، هؤلاء إخوانكم.

أتحدث هنا عن فيساريون بيلنسكي. ناقد عصره، وكبير النقاد الأدبيين الروس في القرن التاسع عشر.

قراءة تاريخ الأدب وإعادة تقويمه كانت ضرورية عند بيلنسكي لأن طبيعة المجتمع القائم وما يفرزه من ظواهر اجتماعية وثقافية جديدة تستوجب إعادة النظر في كثير من الأمور ومنها الأدب الذي ذهب بعيداً عن المجتمع والشعب وظل محصوراً في الطبقة الراقية والنبيلة. عصر بيلنسكي هو عصر هجوم نابليون على روسيا الذي وحد مختلف اتجاهات الشعب لفترة مؤقتة لصد الاحتلال، ثم أعقبه تزعزع في النظام العبودي وتصاعد في الوعي الاجتماعي. تصاعد تمثل في تقدير تضحيات هؤلاء العبيد عبر تحريرهم بعد التضحيات الجسام التي قدموها، والأخطر من ذلك: استجابة مباشرة لتلك التغيرات تمثلت في انتفاضة تعرف تاريخياً بانتفاضة الديسمبريين. حركة تحرر جديدة تمثل نتيجة طبيعية لتلك التغيرات الجسام.



ما هو الأدب؟ وما خصوصيته وما أهميته؟ لم يطرح بيلنسكي هذه الأسئلة. بل ذهب مباشرة إلى التاريخ ليفحص كتابات الشعراء والأدباء في القرن الثامن عشر والتاسع عشر في محاولة لرسم طريق جديد يقود للأصالة بعد عقود من المحاكاة. بيلنسكي الذي تأثر بالفلسفة الهيجيلية في أولى مراحل شبابه نشر مقالة بعنوان الأحلام الأدبية. تخطى معاصريه من النقاد الذين قدموا خدمات في هذا المجال، إلا أن مساهماتهم جاءت متواضعة، لا ترقى لأن تعيد كتابة التاريخ الأدبي. الشاب ذو الثالثة والعشرين عاماً اضطلع بهذه المهمة بجدارة ومقدرة كبيرتين. أهمية نقد بيلنسكي أن هناك شيئاً جديداً في المسرح الأدبي لم يكن موجوداً من قبل. أي الرواية والقصة. بعد أن ظهر غوغول على المسرح الأدبي وصف أدبه بالسطحي والفنتازي لحداثة هذا النوع من الأدب. كان الشعر هو المتسيد. وحتى الرواية إن كان لها وجود سابق على أعمال غوغول فهي لا تتخطى مجالها الخاص بالطبقة النبيلة. أي أن هناك أدب رسمي يحظى برعاية النظام الأدبي القديم والنظام العام القيصري، وأدب جديد يمثله غوغول ورفيقه بوشكين يمثل نوعاً جديداً لا سابق له. بيلنسكي، اليساري النزعة لدرجة التطرف، عليه أن يدافع عن القيم التي بشر بها غوغول في أدبه لأنها تشكل أساس قناعاته الأخلاقية في مواجهة هذا الهجوم، خصوصاً تلك المتعلقة بنظام القنانة. ولكن كيف يدافع عنه؟ من أجل أن يبرز الدور الجديد للرواية والقصة في أدب بوشكين وغوغول عليه أن يعود للخلف ليقوّم النتاج السابق تقويماً كاملاً وجدياً، ثم يصل إلى تبيان أدب بوشكين وغوغول وأهميته في العصر الجديد.

تقويم النتاج الأدبي في فترة زمنية محددة عند بيلنسكي يعني ربط الأدب بتلك الفترة الزمنية ومعرفة الحراك الاجتماعي حينها. ماهي قيمة ذلك الأدب لعموم الشعب؟ وهل عبر عن تطلعاتهم وحلل الروح الساكنة في أرواح الناس؟ قبل بوشكين كان هناك شعراء، وشعراء كبار، يملكون من البلاغة وجماليات التصوير ما يكفل لهم الخلد لعقود طويلة، غير أن تأثيرهم كان عند طبقة معينة ولم يتمدد إلى قطاعات الشعب العامة. هناك انفصال حاد بين ما يكتبون وبين الواقع الذي غُيب تماماً. إذا كان الأدب على مختلف اتجاهاته معبراً عن الواقع، وإذا كان هذا الواقع راكداً لا حراك فيه، هل من الممكن أن يكون هناك تطور في الأدب أو تغيير في المسار حتى يصل إلى الناس أولاً ويصبح معبراً عن مرحلة معينة؟ إن النظرة الجمالية للأدب ضرورية لكنها ليست كافية، بل قد تصبح قوة ضاغطة لتدمير الأدب نفسه لأنه لا يحمل فلسفة وجوده. وفي حالة الخمود الاجتماعي تقل أصالة الأدب ويبدأ الشعراء والكتاب في رحلة للبحث عن أدبيات وأساليب جديدة لمواكبة العصر. لا مناص حينها من محاكاة الطرف الأكثر تأثيراً وتقليد أسلوبه. حين بدأ بيلنسكي بنقد أدب ما قبل بوشكين وجد أمامه تيارات أدبية متعددة ونتاجات لم تقوم. وكان هناك رأي شائع بأن لا وجود لشيء اسمه أدب روسي ما قبل الفترة البوشكينية، ولكن كيف يتم الوصول إلى هذه النتيجة؟ لا يحتاج هذا الأمر لنقد أدبي صرف بل يجب النظر إليه من زاوية تاريخية يتم فيه تبيان الحالة الاجتماعية ونقدها ونقد الأدب الذي كان شائعاً في ذلك الزمن. بنقده التاريخي أعلن بيلنسكي رأيه المدعم بتحليلاته: ليس هناك على الإطلاق أدب روسي قبل الشاعر الروسي الكبير ألكساندر بوشكين. علة غياب هذا الأدب يعود إلى طبيعة تكوين المجتمع الروسي الذي لم يتبلور حضارياً وقومياً لكي يستطيع تقديم عطاء فني نابع من ذاته وماهيته. يقول بيلنسكي:

إنها قادمة، وكونوا على ثقة من ذلك! لكن لا بد أولاً من تكوين المجتمع الذي يمكنه التعبير عن طبيعة الشعب الجبار. أكرر ذلك: ليس عندنا أدب! أقول ذلك ببهجة ومتعة لأنني أرى في هذه الحقيقة ضمانة لنجاحاتنا المقبلة. انظروا إلى مسيرة مجتمعنا وسترون أني مصيب في قولي. انظروا إلى خيبة الجيل الجديد في عبقرية نتاجاتنا الأدبية وخلودها.


إذا كان نقد بيلنسكي للأدب وصل إلى نتيجة كانت متداولة مسبقاً، لماذا ارتبط هذا الرأي به تحديداً؟ هذه الفكرة طرحت من قبل نقاد معاصرين لبيلنسكي, غير أنه – وهنا الأساس الذي بنى عليه نقده – قام بربط الأدب بروح الشعب. الفكرة الشائعة عن روح الشعب أو الشعبية أن الأدب يتجه للتبسيط حتى يسهل تداوله بين المكونات البسيطة التي تشكل الغالبية هو أمر غير صحيح عند بيلنسكي ولا تمثل روح الشعب. هي في نظره تمثل سمة من سمات الواقعية ظهرت في أعقاب الاتجاه الرومانتيكي، تمثل نمط الحياة الشعبية بكل تجلياتها. يتطلب من الرواية أو المسرحية أن تعكس عادات الجمهور ومفاهيمه ومشاعره، أما إذا ظلت على حالها مقتصرة على تصوير مجتمع الطبقة العليا فإنها تظل وحيدة. هذه النتيجة التي وصل إليه الناقد هي ما كان يطمح ويسعى إليه، لأن المساحة مفتوحة أمامه لأن يثبت عبقرية الشاعر بوشكين الرومانتيكية وعبقرية نيقولاي غوغول الواقعية، والتي كانت تعتبر شيئاً جديداً جديراً بأن يذهب إلى المجهول. أدب ما قبل بوشكين رغم محاكاته للغرب وانسلاخه عن الروح القومية إلا أنها مرحلة ضرورية. كان على الأدب الروسي أن يمر من خلالها من أجل ولادة كاملة ومؤثرة:

المحاكاة والأصالة ليستا مرحلتين منفصلتين عن بعضهما البعض، وإنما تنظم بخط واحد يبدأ بالمحاكاة وينتهي بالأصالة. الانفتاح على الثقافات يغذي الأدب ويطوره ويشيع فيه الوعي والنزوع نحو التجديد.

أما المرحلة البوشكينية فهي عند بيلنسكي وغيره من النقاد، وهو أمر معروف ولا يحتاج لتدليل: هي أخطر مرحلة في الآداب الروسية ونقطة انعطاف جديدة لأنها أحدثت انقلاباً في المفاهيم الجمالية وفي رؤية الأحداث والوقائع. بوشكين هو بداية الروح الشعبية في الأدب الروسي:

كان معبراً عن حقيقة عصره. إن تحليه بحاسة شعرية عالية وموهبة ومقدرة مذهلة على استيعاب وعكس جميع المشاعر مكنته من تمثل جميع الأحداث المعاصرة العظيمة والظواهر والأفكار التي بدأت روسيا تحس بها، وكفت عن الإيمان بأزلية الأحكام القديمة وحكمة العباقرة العظام المستقاة من الكتب، وتعرفت بإعجاب على أحكام أخرى وعوالم من الأفكار والمفاهيم لا عهد لها بها من قبل، وعن آراء جديدة لازالت مجهولة لديها تتعلق بقضايا وأحداث معروفة عندها.

رغم تلك الانعطافة الحاسمة التي تمثلت ببوشكين إلا أن غوغول كان أكثر أهمية لأنه استطاع زرع تلك الروح الشعبية كما يصفها بيلنسكي في أدبه. عندما نشر غوغول رواية الأرواح الميتة تم وصف العمل بالكوميدي والفانتازي الخيالي وغير واقعي. إنحاز بيلنسكي كلية إلى غوغول وأشهر قلمه لأنه مس شيئاً خطيراً لم يجري الحديث عنه من قبل، ألا وهو نظام القنانة، أو العبيد. عبر تخفيه وراء شخصياته قام غوغول بهتك الحجب عن وجوه ملاك العبيد وسخر منهم سخرية شديدة ولاذعة. تحدث بمباشرة واضحة عن فساد هذا النظام ونشره الموت والخراب في المجتمع. بعيداً عن الروح الشعبية في الأرواح الميتة والطابع الأخلاقي العظيم فيها، انحياز بيلنسكي إلى غوغول والدفاع عن الأرواح الميتة وبيان أهميتها مس شيئاً يمثل حياته الخاصة وقناعاته الفكرية. كانت المقاطعة التي ولد فيها الناقد أحد أكثر المقاطعات في روسيا تنكيلاً وتعذيباً للعبيد. عند مغادرته المقاطعة للدراسة في جامعة موسكو كانت هذه القضية، نظام القنانة، هي عدو بيلنسكي اللدود. بل أن الناقد كتب عملاً مسرحياً في الجامعة ينتقد فيه هذا النظام سبب له من المصاعب والأهوال ما جعله يعيش طيلة حياته غير مستقر في مكان واحد. من الطرد في الجامعة إلى إغلاق بعض الصحف التي عمل فيها أو طرده منها نظراً للتعارض بين آراء الناقد وآراء الصحف التي كانت تميل للجانب الرسمي. ولذلك، عندما نشر غوغول كتابه ” أماكن مختارة من مراسلاتي مع الأصدقاء” في أواخر حياته، والذي كان تحولاً في حياة غوغول وقناعاته باتجاهه نحو الدين والتصالح مع النظام الملكي، أعمل بيلنسكي قلمه بنقد شديد لاذع تعرف حالياً برسالة إلى غوغول. جاء في الرسالة قول الناقد لغوغول:

لقد أدى ظهور كتابك إلى استياء وسخط عميقين من جانب القلوب الطيبة جمعاء، وحتى أنه يعتبر تراجعاً عن مواقف كتاباتك السابقة كلها. إنك تعرف روسيا بعمق ولكن كفنان فقط وليس كمفكر. إن روسيا لا ترى أن إنقاذها يتم عن طريق التصوف والتنسك والزهد، بل في التقدم وفي نجاحات الحضارة والتربية والروح الإنسانية. فهي ليست بحاجة إلى الأدعية فيكفيها ما سمعته، ولا الصلوات فيكفيها ما صلته. إنها بحاجة إلى إيقاظ مشاعر الكرامة الإنسانية في الشعب. إن المسألة الملحة الآن في روسيا هي إلغاء نظام القنانة وإلغاء العقاب الجسدي. إنك تريد تعليم الملاك البربري طريقة نهب الفلاح بقدر ما يستطيع وذلك باسم المسيح والكنيسة. وهل تريد مني أن لا أستاء..؟ إنك لو كنت ممتلئاً فعلاً بحقيقة المسيح وليس بالتعاليم الشيطانية لما كتبت ما كتبت في كتابك الجديد عن أن الفلاح أخو الملاك. وهل يمكن للأخ أن يكون عبداً لأخيه.؟

لم يعمر بيلنسكي طويلاً ليشاهد القطبين الذين احتلا المشهد الأدبي العام في منتصف القرن التاسع عشر: تولستوي ودوستويفسكي. بل أنه توفي ولم يذكر ولا كلمة واحدة تجاه تولستوي. سأتجرأ وأصف رأي بيلنسكي الذي كان سيكون منشوراً لو امتد به العمر سنوات قلائل. كما قلت في المقدمة السابقة، أشاد بيلنسكي برواية الفقراء لدوستويفسكي بل إنها تحمل عبارات التشجيع لمؤلف الفقراء. لو شاهد الناقد ما قام به مؤلف الفقراء سيرفع من شأنه لروعة التحليلات السيكولوجية والقلق الوجودي الذي يحمل، غير أنه سوف يعمل قلمه نقداً لاذعاً، بل إنه سيكتب رسالة إلى مؤلف الفقراء أعنف وأشد قسوة من رسالة إلى غوغول لأن دستويفسكي اتجه للدين والتصالح مع النظام القيصري، أي أنه يمثل الرجعية والتخلف عند الناقد الذي يقود التيارات والحلقات الثورية بما فيه حلقة بتراشيفسكي التي قادت دوستويفسكي لمنصة الإعدام. لم يسامح بيلنسكي غوغول بعدما فعل ذلك، وهم الأصدقاء الذين تشاركا في نشر ثقافة تحرير العبيد والسخرية من الملاك، فكيف يسامح من اتجه بعيداً للدفاع عن الملكية الروسية وأعمل قلمه في السخرية من التيارات الثورية كما جاء في رواية الشياطين. أما تولستوي، من الصعب معرفة كيف سينظر إليه بيلنسكي. كيف سينظر إلى الحياة الكاملة والعريضة التي خلقها الروائي الشيخ في الحرب والسلم وآنا كارينينا. غير أنه سيهلل طرباً لأن تولستوي يمثل قفزة أخرى لأفكار بيلنسكي, إذ أن فكرة الروح الشعبية البيلنسكية وجد لها تولستوي إطاراً فكرياً عاماً أشد عمقاً ونشرها في كتابه الشهير ما هو الفن؟

للقراءة أكثر عن الناقد الثوري فيساريون بيلنسكي ومكانته في النقد وتاريخ الأدب الروسي، أنصح بقراءة كتاب الدكتورة حياة شرارة بعنوان بيلنسكي، من إصدار دار المدى.

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب روسي. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s