دوماس: كتابة التاريخ روائياً


لم يتعرض تراث روائي ضخم للإهمال من قبل دور النشر العربية مثلما يتعرض له تراث الروائي الفرنسي الكبير ألكساندر دوماس والروائي الإنجليزي السير والتر سكوت. وفي حال توفرت ترجمات عربية لهؤلاء الاثنين فهي ترجمات مسحوقة ومختصرة للغاية، لا تعطي ولو شيئاً يسيراً من عبقرية دوماس وسكوت. ألكساندر دوماس ليس من ذلك النوع الذي يهب قارئه عمقاً فكرياً في أعماله الروائية. وبالنسبة لمن يفضل أن يخرج من عمل ما باقتباسات متعددة سيتعرض القارئ لصدمة، بسبب عدم وجود سطر واحد يصلح للاقتباس، لكن دوماس – رغم هذا الفقد الذي يفضله القارئ – يهب أشياء أخرى أهم وأكبر يمكن تلخيصها في التالي:

1 – أي عمل سواءً كان أدبياً أم فكرياً يجب أن يكون ممتعاً. القراءة قبل أن تكون فعل حر هي بحث عن الممتع والجميل. أتذكر مقولة للفرنسي ميشيل فوكو في أحد حواراته، كان يقول بما معناه: يجب أن يكون العمل يحمل المتعة لقارئه. ولكن من هو الكاتب الذي يستطيع أن يمسك بالقارئ ولا يفلت منه، يجعله يفكر في النص وما وراء النص، بصورة أوضح: من هو الكاتب الذي يجبر القارئ على عدم ترك الكتاب حتى ينتهي منه بأقصى سرعة ممكنة؟ أن تزرع المتعة في عمل ما هذه موهبة تملك تأثيراً لا يقدر بثمن، لأن القارئ المبتدئ سيحب القراءة ويجد فيها شيئاً عظيماً. دوماس واحد من هؤلاء الذي لا يعطي أي عمق فكري في نصوصه، لكنه يتعهد للقارئ من بدايات الفصول الأولى في أعماله بأنه سيقدم له ساعات كاملة لا تنسى من المتعة والإثارة والتشويق.

2 – ميدان ألكساندر دوما في الرواية هو التاريخ. كيف تصبح فترات من التاريخ الفرنسي والأوروبي ميدان لبناء روائي كبير يجمع ما بين الحقيقي والخيالي، بين شخصيات تاريخية لها وجود فعلي في التاريخ وشخصيات رئيسية خيالية ليس لها وجود فعلي في التاريخ. لا يؤثر في حقيقة التاريخ ولا يقلل من الوجود المتخيل لتلك الوجوه الجديدة. إن أول ما سيظهر لدى القارئ عند قراءته لرواية تاريخية هو هل ما قرأ في النص أمر حقيقي؟ طرحت هذا السؤال على نفسي لحظة الانتهاء من قراءة رواية الفرسان الثلاثة. وجدت أن دوماس لم يغير في أحداث التاريخ أو الشخصيات التاريخية وحقيقة وجودها. لكنه جعل من الصفحات الصامتة من التاريخ- تلك اللحظات الغير مسجلة والدائرة في القصور والأقبية والميادين الحربية – مساحة حرة له، يعيد تشكيلها على هواه. بل تخطى ذلك ليجعل من الشخصيات التاريخية – لا الشخصيات المتخيلة فحسب – ميدان له، يعيد بناءهم بما يحمل طابع التشويق للقارئ، وينتهون إلى تلك اللحظات المسجلة في التاريخ.

3 – كيف تكتب الرواية؟ سؤال ضخم من الصعب الإجابة عليه في مقال قصير مثل هذا. إن كانت هناك من إجابة قائمة على التطبيق العملي لا على التنظير، فليتجه القارئ إلى أعمال دوماس وليتصفح بعض الأعمال العربية والسعودية الصادرة حديثاً وليسأل: أيهما كان ممتعاً له؟ لماذا هذا النص يجبر القارئ على عدم ترك الكتاب، وذلك النص تنتظر التخلص منه بأسرع وقت ممكن. دوماس مدرسة روائية مميزة تستحق القراءة والتعلم منها. أشدد على كلمة التعلم منها لأنها تحمل رؤية حية لكيفية تشكيل التاريخ بقالب جديد ورؤية مشوقة ممتعة، وللتعلم بصورة خاصة حول كيف تقدم المتعة للقارئ.


تُعرف رواية الفرسان الثلاثة بالسلسلة الأولى من مغامرات الفارس الغاسكوني دارتنيان، وهي سلسلة روائية تمتد على نصوص روائية تشمل روايات: بعد عشرين عاماً, The Vicomte de Bragelonne، Louise de la Valliere، وتنتهي بالرجل ذو القناع الحديدي. اعمل دوماس في هذه السلسلة قلمه ليقص حكايات من التاريخ الأوروبي والفرنسي عن طريق الفارس دارتانيان وزملائه الفرسان الثلاثة: آثوس، وبروثوس، وآراميس. ينطلق الشاب دارتانيان من بلدته غاسكون وهو يحمل بداخله أمل واحد: أن يصبح فارساً يشار إليه بالبنان في باريس. في طريقه لمقابلة قائد الحرس يصطدم بعدة مغامرات بسيطة تقذف به بعيداً يتعرف من خلالها على هؤلاء الفرسان الذين يحمل كل واحد منهم تاريخ خاص به، ماض هربوا منه وتعاهدوا من خلاله أن يتناسوه ويعملوا سيوفهم تحت شعار: الفرد للكل والكل للفرد. ومن خلال هذه العلاقة ما بين الفرسان يدخل دوماس عالم الصراع بين الملك الفرنسي لويس الثالث عشر والكاردينال ريتشيليو، والصراع الدامي بين الكاثوليك والبروتستانت، وبين فرنسا وما تقابله من صراعات مع انجلترا ممثلة في الدوق بكنجهام.

لن أتابع سرد القصة وتبيان تفاصيلها. من الأفضل أن يطلع القارئ على الرواية ويعيش ذلك الجو من الإثارة بين صفحات التاريخ. هناك من أحب عوالم الفرسان الثلاثة وصخبهم العنيف. ذلك الصخب الساكن ما بين طبيعتهم الساخرة وشجاعتهم في الدفاع عن ما يؤمنون به. هناك من أحب أشهر شخصية نسائية في أدب دوماس: الليدي دي ونتر، أو ما تعرف ب “ماي ليدي”: فتاة ذات تاريخ صاخب جعل منها دوماس محرك أساسي لعمله، مشعلة لحروب ونزاعات بين دول. وهناك من أحب شخصية دارتنيان. بالنسبة لي: لا توجد أي شخصية تفوق شخصية الكاردينال ريتشيليو. تحدث دوماس عن ريتشيليو كطرف أساسي مؤثر في الحياة الفرنسية، له نفوذ يفوق نفوذ الملك إن لم يتخطاه بالكامل. يسعى بمعونة حرسه الخاص ومساعديه للإيقاع بين الملك والملكة. واحد من أجمل فصول الرواية هو فصل حصار لاروشيل، وهو الحصار الخانق الذي ضربه ريتشيليو على مدينة لاروشيل الفرنسية، والتي كانت مستقلة ذاتياً، يحكمها ويقودها أبناءها المنتسبين للبروتستانت. وتعتبر بوابة كبرى يمكن من خلالها للإنجليز أن يدخلوا فرنسا. ما هو مقدار الصدق في حديث دوماس عن ريتشيلو في رواية الفرسان الثلاثة؟

بعد وفاة الملك الفرنسي هنري الرابع دخلت المملكة الفرنسية في دوامة عنيفة من الصراع بين النبلاء حول العرش، ودخلت البلاد في حالة انقسام ديني حاد. كانت فرنسا أمام خيار أن تتعرض للتمزق، وهو خيار مؤكد بعد تولي شخصية ضعيفة هي لويس الثالث عشر العرش. فتش الملك في لهفة بين حاشيته عن رجل في دمه من الحديد ما يكفل تحويل هذه الفوضى- فوضى العقائد والقوى المفرقة- إلى أمة موحدة. وهذا ما كان تحت قيادة رئيس الوزراء – والملك الفعلي – الكاردينال ريتشيليو. لم يكن ريتشيليو صاحب قوة فعلية في فرنسا وحسب. كان صاحب كلمة عليا في القارة الأوروبية، يستطيع جمع ضرائب ما لا يستطيع أي ملك أوروبي أن يجمعه. وصفه بعض المؤرخين بأحد أقوى الوزراء المسيحيين في مدة تناهز ألف سنة. استطاع بجبروت لا مثيل له أن يوحد فرنسا تحت قيادة واحدة وأن يتخلص من كل أعداء فرنسا: انجلترا وأسبانيا، وهيأ الدولة الفرنسية لقفزة كبيرة تجلت في عهد لويس الرابع عشر.

من ما قاله المؤرخ الأمريكي ويل ديورانت في قصة الحضارة:

أي رجل كان هذا الكاردينال، الرجل الذي شعر بأنه ليس في وسعه أن يكون إنساناً طيباً؟ لقد أسلمه فليب دشامبان إلى الأجيال التالية في لوحة من أشهر لوحات اللوفر: قوام فارع، يقف كأنه في مرافعة قانونية، يعلن عن نبالته بقسماته الواضحة المحددة ويديه الرقيقتين، ويتحدى أعداءه بعينيه الحادتين، ولكنه شاحب بفعل السنين المضنية. كان عليه أن يكون قوياً ليمنع عيوبه من أن تهزم مراميه. بدأ سيرته في البلاط بتواضع متملق، انتقم له بعد حين بكبرياء لا تعترف بغير سيد واحد دون غيره. فبينما كانت الملكة تزوره ذات مرة ظل جالساً – وهو خروج عن الأدب لا يؤذن به إلا للملك. وما يبدو لنا قسوة شديدة فيه كان في رأيه ضرورة من ضرورات الحكم، فمن القضايا المسلمة بها عنده أن الناس – والدول بالتأكيد – لا يمكن أن يساسوا باللطف، بل لا بد من تخويفهم بالصرامة. إنه أحب فرنسا، ولكن الفرنسيين لم يبعثوا فيه حرارة الحب. ريتشيليو هو الذي روج عبارة مبرر الدولة, أي أن القانون الأخلاقي يجب أن يخضع لمبررات الدولة. ويبدو أنه لم يخامره قط شك في أن سياساته واحتياجات فرنسا هي شيء واحد، ومن ثم اضطهد أعداءه الشخصيين بنفس الحزم الذي عاقب به أعداء الملك. على أنه كان داخل قلعته وجبهته الدبلوماسية إنساناً، يهفو إلى الصداقة. كان رائداً للتسامح الديني، واسع الثقافة، ذواقة للموسيقى، وجامعاً خبيراً للفنون، وعاشقاً للدراما والشعر، وصديقاً معيناً لرجال الأدب، ومؤسساً للأكاديمية الفرنسية. ولكن التاريخ يذكر فيه بحق أولاً وقبل كل شيء الرجل الذي حرر فرنسا من تلك السيطرة الأسبانية التي نجمت عن الحروب الدينية والتي جعلت من فرنسا، بمقتضى الحلف، دولة تتلقى من أسبانيا معاشاً، بل تكاد تكون تابعة لها. حقق ما كان فرنسيس الأول وهنري الرابع يصبوان طويلاً إليه وما أخفقا في تحقيقه، فقد كسر النطاق الخانق الذي طوقت به دولتا الهابسبورج فرنسا. إذا كان أول واجبات رجل الدولة أن يجعل شعبه سعيداً حراً، فإن ريتشيليو كان شديد القصور في تحقيق هذا الهدف. وقد أدانه الكاردينال ريتز- وهو قاض ذكي لأنه أرسى أشنع وأخطر طغيان استرق دولة ربما في التاريخ كله. ولو طرح السؤال على ريتشيليو في هذا لربما أجاب بأن على رجل الدولة أن يأخذ في الاعتبار سعادة وحرية الأجيال القادمة لا جيله فحسب، وأن عليه أن يقوي وطنه ليحميه من الغزو أو السيطرة الأجنبية، وأن له في سبيل هذا الهدف أن يضحي بحق جيلاً حاضراً من أجل أمن الأجيال التالية. لم يكن لويس متفقاً مع وزيره في جميع الحالات، وكان أحياناً يوبخه، وكان دائماً يغار منه، وقد فكر بين الحين والحين في طرده. ولكن أين له أن يرفض رجلاً مطلق السلطة في فرنسا وصاحب الكلمة العليا في أوروبا؟ فعل كل شيء من أجل فرنسا، ولم يفعل إلا القليل من أجل الشعب. كان يرى فرنسا دولة لا مجموعة من الأفراد الأحياء، أنه لم ينظر إلى الرجل العادي نظرة مثالية، ولعله رأى العذوبة واللياقة في أن يموت أمثال هؤلاء الرجال في سبيل وطنهم، فهو راغب في التضحية بهم ليؤمن وطنه المستقل من تطويق الهابسبورج له!

لألكسندر دوماس طرائف عديدة وطريقة غريبة في الكتابة. أذكر منها اثنتين ذكرها الصديق عدي في قراءة سابقة: الأولى: كان دوما مبذرا جداً، إلى درجة أن ينتقل من الغنى إلى الفقر المدقع في يوم واحد. كان يوزع ماله بين أصدقائه بسخاء و تبذير. في إحدى المرات اضطر دوما للسفر طويلا إلى إحدى الضواحي البعيدة في باريس كي يقترض بعض المال من صديق له. اقترض بعض النقود المعدنية و غادر و نسي قفازيه في بيت صديقه. أرسل الصديق خادمته بالقفازين كي تعيدهما إلى دوما، فما كان من العملاق الأسمر إلا أن أعطاها جميع النقود التي اقترضها من سيدها!

القصة الثانية قرأتها في مقدمة رواية (الفرسان الثلاثة) بترجمة ريتشارد بيفير و تركت انطباعا قويا عليّ. يروي ريتشارد هذه القصة بلسان ألكساندر دوما الصغير (ابن دوما الكبير). يقول الابن: دخلت في إحدى المرات على والدي و هو في العليّة فوجدته منهمكاً في القراءة.
سألته: “ما الذي تقرأه؟”
أجاب: “الفرسان الثلاثة.”
“روايتك!”
“لقد وعدتُ نفسي أنني عندما أشيخ و أكبر أن أعطي نفسي فرصة كي أقرأ هذه الرواية التي حققت هذه الضجة.”
“و ما انطباعك عنها؟”
هزّ رأسه: “مبهرة، مبهرة جداً.”

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب فرنسي. حفظ الرابط الثابت.

2 Responses to دوماس: كتابة التاريخ روائياً

  1. هيفاء محمد كتب:

    دوماس لغز روائي بالفعل. كنت أقول هذا في قراءتي الأولى له. طريقته في السرد ليست المفضلة لدي ومع ذلك استطاع أن يرغمني على القراءة بحماسة واستمتاع. وبالفعل ذهلت من استحالة اقتباس عبارة واحدة مبهرة (استعرت كلمته هنا)
    أعجبتني كلاسيكيته، دمج التاريخ بالزوايا المجهولة التي احتضنها وتقديمها بهذه الطريقة يجعلنا نستشعر قرب أبطاله وعوالمه وكيف يمكن لأشد التفاصيل بساطة أن تشكل التاريخ وتدفعه باتجاه ما.

    • Mamdouh كتب:

      تماماً يا هيفاء. حتى في العمق الفكري والتحليل النفسي الذي تميز به أدب تلك الفترة مفقود عند دوماس. لكن بطريقته الخاصة يستطيع أن يقدم أشياء أخرى أهم, أن يمسك بالقارئ ولا يجعله يترك صفحات كتابه
      شكراً لقراءتك هيفاء.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s