الناقوس الزجاجي


شخص ما أصبح ذكر اسمه مرادفاً للقلق، إلى درجة أن أي محاولة للبحث عن فرق بينه وبين القلق لن تجدي. كيف يستطيع أن يعيش وهو في خضم هذا القلق؟ سوف يبحث عن أفضل طريقة للعلاج منه. إن كانت لديه قوة كافية وإرادة واعية سوف يمسك بالقلق بإحدى يديه ويتطلع إليه: يبحث في جذوره، مسبباته، وقد يجد للقلق حضور إيجابي بدل حضوره السلبي المدمر. هناك من فعلها وبكل جدارة. وشخص ما أصبح ارتباطه بالقلق ارتباطاً شخصياً لا فكاك منه، لن يستطيع أن يقبض عليه بإحدى يديه محاولاً تشريحه، بل سيلتحم معه التحاما يصعب الفكاك منه. وعندها.. لا مفر من آلة ما، شيئاً خارجياً يمزق ذلك الجسد الذي وجد القلق بداخله مخبأ أميناً، وتلك هي سيلفيا بلاث. عندما أرسلت سيلفيا بلاث نصها الروائي الوحيد الناقوس الزجاجي لمحرري دار النشر، قام المراجعان بإعادة الرواية تحت ملاحظة أن هذا العمل عمل صبياني طائش. لو كنت مكان هؤلاء المحررين لما ترددت بفعل ما قاموا به. وهي وجهة نظري الحالية تجاه النص كذلك: هذا النص عمل صبياني بحت، تسكنه الكآبة بطريقة مزعجة. إذا كانت وجهة نظري فيها من السلبية الكثير كما يبدو، إذاً لماذا أتحدث عنها هنا؟ أقرأ قراءات متنوعة في مواقع للقراءة حول هذه الرواية. غالبية الآراء تشيد بالعمل، والبعض منهم وصف هذا العمل بأهم الأعمال التي قرأها في حياته, فكيف يمكن تفسير هذا التناقض بين غالبية كبيرة جداً، وبين رأي لا يشكل شيئاً مقابلا هؤلاء؟


في رواية الناقوس الزجاجي نتعرف في الفصول العشرة الأولى على آيستر جرينوود في مدينة نيويورك. هذه الفتاة تتحدث بصورتين: صورة مباشرة عند حواراتها مع الآخرين، تظهر من خلالها أنها طموحة للغاية وتأمل أن تحقق لنفسها مركزاً في الوسط الأدبي والأكاديمي. الصورة الثانية هي الغير مباشرة بواسطة صوت الراوي. وهي صورة قلقة وكئيبة. لا يوجد اتفاق ما بين تلك الصورتين. هناك الطموحة والمثابرة، ومن جهة هناك القلق وروح الكآبة المسيطرة ومحاولة جر ذلك الصوت الطموح والمتفائل إلى منطقة غير معلومة. وصفت سيلفيا بلاث نفسها كما جاء في الناقوس الزجاجي بشجرة كبيرة. أحد أغصانها هو الرجل الذي ستتزوج به، والأوراق أطفالها. غصن آخر يمثل مستقبلها ككاتبة، وكل ورقة هي قصيدة بخط يدها. غصن آخر يمثل المهنة الأكاديمية الواعدة التي تحلم بها. وبينما هي تجلس على المنحدر متأملة هذه الشجرة محاولة الاختيار، تستحيل أوراق الشجر بنية اللون وتتطايراً بعيداً حتى تصبح عارية بالكامل. بعد وفاة والدها الأكاديمي المتخصص في الأحياء وعلوم النحل في الثامنة من عمرها فقدت تلك الطفلة كما تصف نفسها مباهج الحياة. اختفت صورة الرجل الذي تستند عليه. كان من نتيجة ذلك الفقد عدة محاولات فاشلة للانتحار. لا أفضل طرح فقد الأب كمؤثر رئيسي في حياتها الخاصة. ذلك العقد في الولايات المتحدة هو عهد اكتساح الكآبة بإمتياز. بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، وبداية الالتحام البارد ما بين القطبين الرئيسيين وبداية عمل اللجنة المكارثية. كل تلك الأسباب، بصورة مباشرة أو غير مباشرة أثرت في هذه الفتاة الصغيرة التي حققت نجاحات في نشاطات ثقافية متعددة أهلتها لاحقاً للحصول على منحة للدراسة في كمبرديج. وهناك تعرفت على ذلك الرجل الذي وجدت فيه صورة من أبيها، وبسببه قامت بفعلتها الأخيرة بكل جدارة. وبسببه كذلك أضحى موضوع الرواية أكثر أهمية من أي وقت مضى. لو وجدت الأمان الذي كانت تبحث عنه لاختفت تلك الصورة التي تعود لها عند كل أزمة. ولكن ما قام به الزوج، شاعر البلاط تيد هيوز أعاد لها تلك الصور من جديد. والمشكلة الكبرى: أن عودة هذه الصور كانت في عقل لم يشفى تماماً.

اللغة في هذه الفصول العشرة جميلة للغاية، لا أنكر ذلك. ولكن – وهنا السبب الرئيس لنقدي للرواية – ماذا سيخرج القارئ من موضوع هذه الفصول العشرة بعيداً عن اللغة وجماليتها؟ قد يجد القراء الآخرين شيئاً لم انتبه له، لكن ما وجدته هنا هو سرد لسيرة ذاتية كتبت بلغة روائية جميلة فقط. وسيلفيا نفسها قالت في إحدى رسائلها أن موضوع الرواية:” سيرة ذاتية كان علي أن أكتبها لأحرر نفسي من الماضي”. لو كانت لدي سلطة في نشر الكتاب لأضفت عبارة سيرة ذاتية روائية لأنها بالفعل سيرة ذاتية، وليست رواية يصاحبها خلق فني جديد. أنا متأكد بأني سأجد قراء كثيرين يرفضون نظرتي هذه خصوصاً مع صدور الترجمة العربية للعمل من دار كلمة. لكن سأتفق معهم بلا شك حول الفصول الأخيرة. وهي التي تحوي جماليات تصويرية بديعة تستطيع أن تحمل هذا العمل لسنين طويلة. الفصول الأخيرة تدور في منطقة حرة ما بين سطوة القلق والاكتئاب ومحاولات الانتحار والعلاج الطبي، علاج قائم على الصدمات الكهربائية. سيلفيا تقود بطلتها إلى تلك الساعات ما قبل العلاج، وفي لحظة الصدمة الكهربائية، وما بعد الإفاقة. لا تسهب في تفاصيل الحدث. قد تعبر عن تلك الساعة الرهيبة من الألم بمصباح أرضي كان قد خلفه والدها في مكتبته. شيء خارج نطاق المستشفى والمكان، غير أنه هو مصدر الألم، والشخص الوحيد الذي يستطيع أن يرفع من مستوى الأمل لديها. عندما قرأت مشهد الصدمات الكهربائية كما كتبته بلاث تذكرت مشهد الصرع في رواية الأبله لدوستويفسكي. لن أقوم بعمل مقارنة بتاتاً لأنها معدومة، – ومن الطريف أن رسالة تخرج بلاث الجامعية عن ازدواجية الشخصية في روايات دوستويفسكي، وبطلة روايتها الوحيدة تعاني من هذه الازدواجية بإمتياز. عندما أراد دوستويفسكي أن يوصف مشهد الصرع لم يترك فرصة للقارئ لكي يلتقط أنفاسه. أكثر من 40 صفحة كلها تقديم ووصف شعري لتلك الدقيقة قبل اللحظة الفاصلة، لحظة الصرع. لا يترك دوستويفسكي قارئه إلا والدهشة ترتسم حوله. سيلفيا بلاث لا تملك ذلك النفس الطويل من الشرح المسهب للدقائق الأخيرة قبل الحدث. لكنها تجعل القارئ يتعاطف ويحزن معها. يتعاطف معها لهذا الانقياد الذي أوجده عقلها راسماً مخططاً لمكان يجب أن تذهب إليه، ويحزن معها عند تلقيها للعلاج. يتضح ذلك في المشهد الثاني مع الدكتورة نولان. أقامت بطلة الرواية – سيلفيا نفسها – علاقة صداقة وثقة متبادلة مع الدكتورة. كانت تخشى من العلاج بالصدمات الكهربائية مرة ثانية. كان هناك اتفاق بينها وبين الدكتورة على إبلاغ آيستر متى ما كانت هناك ضرورة للقيام بجرعة أخرى من العلاج الكهربائي. وهي تسكن في المستشفى تتفاجئ آيستر بحضور الدكتورة دون علم مسبق لأخذها لتلك الغرفة حيث تُربط يديها ورجليها وتضع على فمها شيئاً يمنعها من إيذاء نفسها. تصرف الدكتورة سليم من الناحية الأخلاقية رغم الوعود التي أعطتها لآيستر. لو أخبرتها قبل ليلة من موعد الصدمات الكهربائية قد تؤذي نفسها ولن تنام جيداً. غير أن آيستر/ بلاث لن تفكر من هذه الناحية. لقد أعطتها ثقتها المطلقة، وها هي تفعل عكس ذلك. خذلان تام ومطلق يقود لعدم الثقة مع الآخرين. لحظة الإقدام على العلاج نفسه يحدث أمراً طبيعياً مؤسفاً، عند سيلفيا بلاث بصورة خاصة: المقربين الذين يدعمون المريض للذهاب إلى المستشفى للعلاج ويحاولون دعمه بشتى السبل، يصبحون تحت سطوة تلك اللحظات من الصدمات الكهربائية مذنبون في جريمة لم يرتكبوها. الأم – والدة بطلة الرواية/ والدة بلاث كذلك – كانت من الذين دعموا ابنتها للعلاج، ماذا كانت النتيجة؟ النتيجة مؤسفة: كره عميق تجاه تلك الأم التي قامت بواجبها الطبيعي. وهذا ما جعل المؤلفة تطلب عدم نشر الرواية في الولايات المتحدة كي لا يسبب العمل ذكرى مؤلمة لوالدتها وآخرين تم ذكر علاقتهم بها دون ذكر الأسماء.

سيلفيا بلاث شاعرة أكثر منها روائية. أتذكر أول مرة قرأت فيه قصائد لها. لم تعجبني إطلاقاً. قصائدها مغرقة في الذاتية، تدور حول موضوع واحد تكتب عنه بكل شغف وبأعصاب باردة. هناك آراء تقول أنه من الأفضل فصل الحياة الخاصة عن العمل الأدبي, إذ من الأفضل أن يحدث العمل أدبي أثراً بمعزل عن الحياة الخاصة للمؤلف. إذا أحدث النص تأثيراً وكان هناك تفاعلاً سيمتد الأمر للحياة الخاصة للبحث في تفاصيل العمل. من الصعب فصل الحياة الخاصة لسيلفيا بلاث عن أعمالها الكاملة، من قصيدة ورواية. بل وأجد أن التعرف على حياة سيلفيا الخاصة هو مفتاح يستطيع من خلالها القارئ أن يتفاعل مع سيلفيا إيجابياً وبصورة أكبر. في إحدى قصائدها ترسم صورة لنمر يسير على إثرها محاولاً افتراسها. وهو يهرول للبحث عنها صارخاً بأن لا حقيقة إلا الدماء ويجب أن تُسفك. في محاولة من الراوي للهرب من هذا النمر ترمي له أجزاء من ذاتها لكي يتوقف، تجرح نفسها وترش الدماء في محاولة أخيرة لإيقاف هذا النمر. غير أنها حين توصد على نفسها الباب وتتيقن بأنها في حالة سلام، تجد النمر على السلم، ورويداً رويداً يصعد الدرجات. هذه القصيدة إحدى القصائد القليلة التي أستطيع التفاعل مع جمالياتها بمعزل عن المؤلف نفسه. قصيدة أخرى أستطيع أن أتفاعل معها بمعزل عن المؤلف، قصيدة أبي Daddy رغم أن هذه القصيدة هي أكثر ارتباطاً بالكاتبة وحياتها، وأشد قصائدها سوداوية وشهرة. هناك فتاة تبحث عن ظلال الرجل الذي بفقده أصبحت الحياة مستحيلة. بدل أن يظهر ذلك الحنين الجارف إلى وجود الأب كرمز للأمان ظهر كصورة متوحشة. كيف يصبح الكره والقتل طريقة للرثاء والفقد؟ سيلفيا فعلتها في هذه القصيدة. حين تصرح بأنه كان عليها بأن تقتله فهي داخلياً تعلن عن حب جامح وقلق هائل استولى عليها. حب لذلك الرجل، الأب. وقلق هائل لحالة الضياع التي أوجدها بعد رحيله بثلاثين سنة. كانت في العاشرة حين رحل الأب، وكانت في العشرين حيت حاولت أن تسير على دربه، أن ترحل. وفي الثلاثين لا مفر من السير والعودة لذلك الطريق ذاته، طريق النمر. إذ أن هناك سبع سنين ممتدة كانت جحيم، سبع سنين ظنت فيها الشاعرة أنها وجدت صورة أخرى حية لأبيها، غير أن هذا الرجل رفع السيف وأحدث تأثيراً، وفتح الطريق لسلفيا إلى أبيها:

كل خلية مني كانت تهرول إليك!

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب أمريكي. حفظ الرابط الثابت.

2 Responses to الناقوس الزجاجي

  1. lwspring كتب:

    يا سلام يا سلام أستاذ ممدوح
    أنت تأخذنا في استطرادات عظيّمة عدّة ..
    لن أتّفق ولا لستُ أخالف فقط أستمتعتُ بهذه القراءة كثيرا
    ..
    الوجــد

    • Mamdouh كتب:

      مرحبا بك الوجد.
      وأهلاً بأي اختلاف في الرأي .. خصوصاً مع بلاث التي قد أتحدث عنها بصورة أكبر في قادم الإيام إن شاء الله.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s