كيركيجارد: الخوف والرعدة


كتب كيركيجارد في يومياته عن الخوف والرعدة:

عندما أموت، سيكون كتاب الخوف والرعدة وحده كافياً لمنحي لقب الكاتب الخالد. سيقرأ الناس الكتاب، وسيترجم إلى لغات أجنبية. سيصاب القراء بالرعدة من العاطفة الرهيبة التي تجتاح الكتاب! [1]

علاقة القارئ بالكتاب تتحدد على ضوء التأثير الذي يحدث وما يتخلل القراءة من إعجاب وبحث وتفكير. كتاب الخوف والرعدة لسورين كيركيجارد أتعبني كثيراً. أرهقني وأزعجني، وأعجبني. ولن أجعل الإعجاب يتخطى مرحلة الشعر والتحليلات السيكولوجية الفذة. ما هو متضمن في هذا الكتاب من فكر يحتاج لتحليل ومراجعة. ولكن من سيبحث في أصل الفكر ومحدداته في كتاب يجتمع فيه الشعر والفلسفة والدين والقصة القصيرة والسيرة الذاتية بضرب فني لا مثيل له! عندما عاد كيركيجارد من برلين أعمل عقله في مؤلفات متتابعة بصورة إعجازية. تُعرف هذه المؤلفات بالمؤلفات المجهولة المؤلف إذ نُشرت تحت أسماء وهمية. وهي طريقة تندرج تحت نظرية التواصل غير المباشر، و التي يهدف من خلالها الكاتب الأصلي – كيركيجارد- أن يطرح أكثر من رأي باستخدام أكثر من شخصية، و يترك للقارئ حرية الاختيار و التفكير، جاعلاً من نفسه سقراطاً حديثاً. وفي بعض الأحيان يصدر كتابين في نفس الوقت، بل وفي نفس اليوم. رغم حالة الوهن الجسدي إلا أن الأفكار تتساقط عليه بصورة غريبة وكثيفة. لم يكن بحاجة للإلهام حتى يكتب. كل ما كان يأمل أن يزوده الله بدرع يقيه من هذا التساقط الحر للأفكار. عندما قرأت الكتاب للمرة الأولى أعجبت به إعجاباً شديداً. إعجاب يعتمد بصورة خاصة على تلك الفنية العالية. تابعت القراءة ووجدت نفسي تائها لا أعرف أي طريق يجب أن أسلك. توقفت وقمت بعملية بحث وراء المؤلف حتى أعرف من هو على حقيقته وماذا يحمل. قرأت الكتاب مرة ثانية وكانت الصورة أوضح من الأولى وإن كان الغموض سيد الموقف. ثم قرأت الكتاب مرة ثالثة بعد مراجعة لمراجع عدة حتى أستطيع فك عقد الكتاب وأساسياته. كان هناك تحدي: إما أن يتغلب الكتاب علي وأسقط تحت تأثير شعرية الكاتب أو أعرف عقل ومفاهيم المؤلف وأستطيع حينها أن أكون وجهة نظر مستقلة بعيداً عن تأثير المؤلف. قد يطرح السؤال: إلى هذه الدرجة هناك صعوبة في قراءة الخوف والرعدة؟ هو كتاب فلسفي، من الطبيعي أن تكون هناك مفاهيم ومصطلحات يجب أن تعرف قبل قراءة الكتاب. ذلك صحيح. ولكن بعيداً عن النزعة الفلسفية في الكتاب، لا يوجد هنا أي فصل بين نزعة عقلية تختص بالفكر المجرد فقط، وبين مشاعر المؤلف وعاطفته. المؤلف يكتب بعقله وعاطفته. يظهر في البداية كقاص يستطيع أن ينازع أرباب القصة القصيرة. ثم يظهر الشاعر، إن أعطي الفرصة للشعر تفجر بقصيدة غنائية. يريد أن يشرك كل قراءه بقصيدة لا تشبه أي قصيدة أخرى. إن كان فخر جون ميلتون بالفردوس المفقود، ودانتي آليغيري بالكوميديا، فهو هنا يفخر بذلك الخطاب الشعري عن الشخصية الاستثنائية. ثم هو فيلسوف، يبحث في فكرة يحاول من خلالها تفسير حياته كلها. الخاص والعام يجتمع في مكان واحد. قد يكون ذلك أمراً إيجابياً لسهولة معرفة الجانب الخاص في مقابل العام. ولكن ماذا يعرف القارئ حينها عن المتوحد في مكتبه، الذي يريد إرسال رسالة خاصة بشخصيات من التراث الديني والأساطير والمآسي الإغريقية دون ذكر أي ملمح يشير إلى نفسه؟ عندما يريد الكاتب أن يكتب سيرة ذاتية عن نفسه سيظهر الكاتب غالباً في النص ويظهر وجوده. رغم الطابع الذي اكتسبه الكتاب ككتاب فلسفي إلا أني سأتجرأ وأصف الكتاب بأنه سيرة ذاتية حقيقة للمؤلف. رغم عملية الاختباء القائمة على اسم المؤلف “جوهان الصامت”, وتفضيل كيركيجارد الابتعاد عن مؤلفه ووصفه بأنه يشكل مرحلة من مراحل الوجود إلا أنه كان ظاهراً بالنسبة لي بشكل واضح. تعززت هذه الصورة في القراءة الثالثة بشكل خاص.


يتساءل قراء كيركيجارد ونقاده: ما هي مركزية الخوف والرعدة؟[2] وهل يتضمن الكتاب سر لا يعرفه إلا الكاتب فقط، أم أن هناك رسالة خفية قد يستطيع القارئ إن أعمل جهده أن يفك رموز النص ليصل إلى الرسالة السرية والمرسل إليه؟ الكتاب ليس رواية بوليسية حتى يتم اكتشاف اللغز، وليس نصاً سرياً. المؤلف كان يكتب بوضوح شديد. لكن الغرابة، كل الغرابة، أن تكون تلك الرسالة السرية موجهة إلى ريجين أولسن، وأن تظهر في النص هنا دون ذكر اسمها أو أي إشارة لها. إنه لأمر طبيعي أن يضمن مؤلف ما ملهمة تقوده في الكتاب، لكن الجنون أن تكون ريجين في مركز هذا الكتاب بالذات، بالفكر الذي يحتويه. إذا انشغل القارئ المفكر بفكرة الكتاب سيفتح المجال واسعاً للحديث عن الجمال والأخلاق والدين والشخصيات التي أعمل عليها كيركيجارد عمله. لكن ها هنا لا يوجد اكتمال بالفكر دون معرفة ريجين التي تحدثت عنها في التدوينة السابقة. والأكثر من ذلك: أن يلخص هذا الكتاب مأساة تراجيدية هي حياته ويخط خطاً لا يحيد عنه في قادم أيامه. لا غرابة إذاً بأن يصف المؤلف كتابه هذا بأكمل مؤلفاته من الناحية الجمالية، رغم صدور مؤلفات كان له تأثير قوي مثل إما/ أو.

يبدأ جوهان الصامت الكتاب باقتباس لهامان يعزز فكرة وجود رسالة خفية في النص:

What Tarquinius superbus spoke in his garden with the poppies was understood by his son, but not by the messenger

قصة هذا الاقتباس تعود إلى روما. عندما استطاع ابن تاركينيوس بمكره أن يكسب ثقة شعب جابي، أرسل الابن رسالة إلى أبيه يسأله عن الخطوة المقبلة التي ينبغي فعلها تعزيزاً لهذه الثقة. الأب تاركينيوس – لخطورة الرد الذي سيرسله للابن – لم يعطي الرسول أي رد. وإنما اكتفى بأن سار مع الرسول إلى الحديقة وأخذ يقطع أشجاراً طويلة. عاد الرسول إلى الابن وأخبره بأن لا رد على الرسالة، وقام يصف ما فعله أبيه من تقطيعه للأشجار الطويلة. فهم الابن الرسالة: عليه أن يجتث رؤوس علية القوم في المدينة، وفعل ذلك!

في المقدمة التمهيدية للكتاب نتعرف على طفل أُعجب في طفولته بقصة النبي إبراهيم عليه السلام. كيف واجه إبراهيم الامتحان الذي قضى الله به، وكيف احتفظ بإيمانه. عندما أصبح هذا الطفل شاباً ازداد إعجابه بهذه القصة. غير أنه عندما كبر في العمر لم يعد يفهم من القصة شيئاً، يشعر بشيء غير مفهوم بهذه القصة. نسي هذه القصة بالتمام وظل محتفظاً بشيء واحد، رغبة واحدة وأمنية لو حدثت له، يستطيع من خلالها أن يفسر لغز حياته كله. هذه الأمنية أن يكون هناك, في تلك اللحظة الحاسمة من حياة إبراهيم، أن يرى النبي الذي باركه الرب وأن يكون شاهداً على ذلك الحدث في الجبل. أن يرى عيني إبراهيم وهي تتطلع للجبل حين صعد مع ابنه ليقوم بما أمر به الله. بنهاية هذه المقدمة الاستهلالية تظهر عبقرية كيركيجارد القصصية.

أربع مخطوطات قصصية تمثل مسيرة النبي إبراهيم مع ابنه إسحاق [3]إلى جبل الّمريا. هذه المخطوطات مستمدة من سفر الإصحاح:

And god tempted Abraham and said unto him, Take Isaac, thine only son, whom thou lovest, and get thee into the land of Moriah, and offer him there for a burnt offering upon the mountain which I will show thee.

وإن كان بدايات المخطوطات تعتمد على هذا النص من السفر إلا أن كيركيجارد يبتعد عنه محاولاً رسم عدة صور تحاول اكتشاف المغزى الإيماني العميق في قصة إبراهيم. كيركيجارد في هذه المخطوطات سبق عصره في ذلك الضرب الفني من الكتابة الحداثية. أربعة مخطوطات عبارة عن قصص قصيرة تستمد مرجعيتها من قصة إبراهيم، وأربع نصوص قصيرة مستقلة استقلالا كاملاً عن قصة إبراهيم. لكنها متحدة برباط واحد غير مرئي. عندما أقرأ قصة ما، يجب أن تتضمن النهاية خاتمة لفكرة القصة ذاتها وإيضاح عن نهاية بطل القصة. ماذا يعني أن أقرأ لقاص ما ثم في نهاية السطور الأخيرة يخرج من نطاق القصة بالكامل ويتحدث في شيء آخر لا علاقة له تماماً بالقصة. هذا عبث! هل فعلها كيركيجارد هنا؟ لا. المخطوطات الأربع تتضمن أربع نهايات، وفي نفس الوقت تتضمن ثمانية نهايات. تنتهي المخطوطات الأربع بعودة إبراهيم وإسحاق. هذه نهاية مستقلة تشكل نصاً لوحدها. كيركيجارد هنا أضاف لها أربعة نصوص أخرى تمثل نصاً آخر يرتبط بالقصة ارتباطاً جمالياً وإنسانياً.

تبدأ النصوص القصصية عن إبراهيم بطلوع الفجر وتوديع زوجته سارة والرحيل مع ابنه إسحاق للتضحية به. هذه السيرة محددة بثلاثة أيام حسب التراث المسيحي. لم يضمن كيركيجارد أي نص حواري بين النبي إبراهيم وابنه بإستثناء المخطوط الأول. حاول أن يرسم صورة تظهر المشاعر الداخلية وروح الحزن والقلق. من جماليات التصوير عند كيركيجارد في هذه النصوص الأربعة هي وصف تلك الحالة الشعورية من نظرة إبراهيم إلى الجبل، حين يرتفع بصره بعد مسيرة أيام تمثل آلاف السنوات وتحمل من الآلام ما لا يطاق. وفي صمت إبراهيم بتسليمه اللانهائي بأمر ربه، بأن يضحي بأعز ما يملك على هذه الأرض. لا حاجة لأي حوار في هذه النصوص. الرحلة ذاتها ورحيل الأب والابن وذلك الجبل وتلك الرمال هي حوار في ذاتها. تنتظر اللحظة التي يخرج فيها إبراهيم السكين ليضحي بابنه إسحاق. النصوص الأربع كما قلت تتضمن أربع معالجات تنتهي بعودة النبي مع الابن للمنزل. بعد نهاية كل قصة كتب كيركيجارد أربعة أسطر منفصلة عن قصة إبراهيم وترتبط عضوياً وإنسانياً معها. تحكي هذه السطور المتضمنة في كل مخطوط وصف لوقت قد لا نلمحه ولا يظهر دائماً، لكنه محمل بعاطفة عميقة وإنسانية للغاية: هي تلك اللحظة التي يتوقف فيها الطفل عن الرضاعة من ثدي أمه[4] . هذا مشهد يمثل ذروة الجمال: طفل صغير تُمسكه والدته بكل حب وعطف، يرضع من ثديها. تلتحم به بكل جسدها وروحها، وهو ملتحم لاجئ إليها وكأن الجنة قد حفت عند صدر الأم. الطفل يكبر، وإنها للحظة حاسمة أن يتوقف هذا الالتحام الذي يسكن الأم والطفل:

عندما يأتي موعدُ فطامِ الطفل، تلطخُ الأمُ ثديَها بالسواد، إذ أنهُ من العارِ أن يبدوَ الثديُ مغرياً عندما لا يستطيعُ الطفلُ الوصولَ إليه. يؤمنُ الطفلُ أن الثديَ تغير، و لكنَ الأمَ هي نفسها، لم تتغير، نظراتها تمتلئُ حباً و عطفاً كالعادة. محظوظٌ هوَ ذاك الذي لا يحتاج إلى وسائل مرعبةٍ كي يفطمَ طفلَه!

يستمر كيركيجارد في رسم صور تمثل هذا الانفصال الحتمي الذي لا مفر منه. نجد الأم في المخطوط الثاني وكأنها عذراء، تواري ثديها. لا يجد الطفل والدته التي كان يلتحم بها. وإنه لمحظوظ ذلك الطفل الذي لا يفقد أمه على نحو آخر. أفضل المخطوطات التي أحببت هي الثالثة، المتضمن حزن المرأة والطفل للحظة الانفصال. في الوقت الذي ينبغي فيه فطام الطفل، يسكن الحزن الأم، عندما تتيقن أنها في تلك الساعة يزداد الانفصال بينها وبين طفلها. الطفل الذي ينام ويجد ملجأه تحت قلبها لن يكون بعد الآن قريب منها ذلك القريب الحميمي. يبكيان معاً فترة الحداد تلك، وإنه لمحظوظ ذلك الإنسان الذي احتفظ بهذا الطفل إلى هذه الدرجة من القرب، ولم يكن بحاجة إلى الحزن أبداً:

When the child must be weaned, the mother too is not without sorrow at the thought that she and the child are separated more and more, that the child which first lay under her heart and later reposed upon her breast will be so near to her no more. So they mourn together for the brief period of mourning. Happy the person who has kept the child as near and needed not to sorrow any more!

والآن لماذا وصفت المؤلف بالسابق لعصره؟ يكثر الحديث عن أعمال كونديرا ووصفها بالحداثية والجديدة وأيضاً الشاعر فرناندو بيسوا كذلك. يبدو أن الأمر ليس كذلك. كيركيجارد سبقهم من هذه الناحية بأربع مخطوطات، ينتهي كل مخطوط بنهايتين. والأمر الغريب، – وهذا أمر لم انتبه له إلا في القراءة الثالثة – أنه بنهاية قراءة كل هذه المخطوطات الأربعة يصبح النص مخطوطاً واحداً بظهور المؤلف جوهان الصامت وهو يفكر بقصة إبراهيم والأم والطفل. الحضور الكثيف لإبراهيم والرحلة مع إسحاق وتلك الحالة الإنسانية من ارتباط إنساني بين الأم والطفل قامت بعزل جوهان الصامت الذي ابتدأ النص بحضوره. اختفى بصورة غريبة. لكنه في كل مرة يعود إلى منزله، بعد أن يتجول في جبل المريا ويشبك يديه قائلاً:

لا يوجد من هو في عظمة إبراهيم! من يستطيع أن يفهمه؟

تحت راية البحث عن هذا السؤال يظهر كيركيجارد الشاعر، في فصل خطاب في تمجيد إبراهيم. من قال بأن القصيدة يجب أن تكون موزونة أو ما توصف بقصيدة النثر؟ كيركيجارد في هذا الفصل يُظهر كل ما يملك من عبقرية شعرية في تمجيد إبراهيم. تشعر بحماسة الشاعر عندما يجد موضوعاً لم يتطرق إليه من قبل، موضوع يمكن من خلاله أن يكتب قصيدة يخلد فيها حياته، يبوح بأسراره وعشقه. الشاعر بحاجة لبطل ليخلده في قصائده. حين يُذكر البطل، يسير معه الشاعر في التاريخ عندما يُروى. لكنا ها هنا، الشاعر لا يمجد بطلاً: يمجد عظيماً لا يجد إلا الدهشة عندما يتطلع في صفحة حياته. عندما أفكر بذلك الحضور الشعري للأنبياء في الأدب، لا تأتي في ذهني إلا رواية موبي ديك للروائي العظيم هيرمان ملفيل. عندما يجمع القس العجوز مابل البحارة قبل القيام برحلتهم ويخطب فيهم خطاباً عن الإيمان يرتكز على قصة النبي يونس وهو في جوف الحوت. كان خطاب ملفيل عظيماً ومبهراً. لكن الآن عندما أفكر بهذه الصورة، لن أجد إلا هذا الخطاب في كتاب كيركيجارد. يبدأ جوهان خطابه بتساؤلات:

If there were no eternal consciousness in a man, if at the bottom of everything there were only a wild ferment, a power that twisting in dark passions produced everything great or inconsequential; if an unfathomable, insatiable emptiness lay hid beneath everything, what would life be but despair? If it were thus, if there were no sacred bond uniting mankind, if one generation rose up after another like the leaves of the forest, if one generation succeeded the other as the songs of birds in the woods, if the human race passed through the world as a ship through the sea or the wind through the desert, a thoughtless and fruitless whim, if an eternal oblivion always lurked hungrily for its prey and there were no power strong enough to wrest it from its clutches- how empty and devoid of comfort would life be

إن لم يكن هناك شعور خالد في النفس البشرية، وإن لم تكن هناك رابطة نابضة بالحياة توحد البشرية، وإذا كانت الأجيال تتلاحق وتختفي كأوراق الشجر عندما تتساقط في الخريف بدورة زمنية ثابتة .. إذا كان الجنس البشري يعبر العالم كسفينة تعبر عباب البحر، كيف ستكون الحياة عندئذ؟ ماذا لو أن نسيان أبدي يبحث عن فريسته، ولم تكن هناك قوة تنتزع هذا النسيان: كم ستكون الحياة خاوية لا راحة فيها! النسيان لا يطوي من كان عظيماً في هذا العالم، غير أن هؤلاء العظماء يختلفون فيما بينهم حسب كيركيجارد. كل واحد منهم عظيم على طريقته الخاصة، بالعظمة التي أحبها. هناك من أحب نفسه وأصبح عظيماً بها، وهناك من أعطى حبه للغير فأصبح عظيماً بتكريسه المنكر للذات، غير أن من أحب الله هو أعظم الجميع. كل عظيم سيرتبط في ذكرى الناس مع توقعاتهم: منهم من توقع الممكن وأصبح عظيماً، ومنهم من توقع الأبدي وكان كذلك، أما من اخترق جدار المستحيل واللامعقول أصبح أعظمهم. وكل عظيم حسب كيركيجارد يرتبط بما حارب من أجله: أحدهم حارب الدنيا وأصبح عظيماً عندما تغلب عليها، والآخر حارب نفسه وأصبح عظيماً عندما انتصر عليها، أما من حارب في سبيل الله، صار أعظم الجميع . ينطلق كيركيجارد في سرد تاريخي لحياة إبراهيم وسارة. لا يحمل أي رؤية قصصية في هذا النص. تارة يتوقف وتارة ينطلق. يأخذ قطعة من حياة النبي ثم ينطلق ممجداً إياه، غير أن تلك الصورة الشعرية تخفت عندما يتلقى إبراهيم الأمر بالتضحية بابنه. يتركز نضال إبراهيم كله هنا، في هذه اللحظة بالذات، إذ من الذي يفكر بأن يتم انتزاع العكاز من الشيخ الجليل؟ ومن هو الذي يطلب من هذا الشيخ الكبير أن يكسر عكازه بنفسه؟ كان إبراهيم هو الشيخ الذي اصطفاه الله، وكان الله هو الذي قضى هذا الامتحان. كان إبراهيم مؤمناً، ولم يكن شاكاً. ولو راود الشك إبراهيم – يقول ذلك كيركيجارد – لفعل شيئاً مجيداً! لا يصنع إبراهيم إلا ما هو كل عظيم مجيد! هناك، فوق ذلك الجبل وقف الشيخ الكبير إبراهيم، ممتلئ بالأمل .. أمل وحيد! لم يغزوه الشك، ولم يتلفت يميناً وشمالاً. كان يعرف أن الله هو الذي طلب ذلك، وكان يعرف أنها أقسى تضحية يمكن أن تطلب منه. وكان ممتلئ بيقين بأن ما من تضحية يمكن أن تكون قاسية إذا طلبها الله. وأظهر السكين! أي قوة ظهرت في ذراع إبراهيم؟ من الذي رفع يده اليمنى؟ اليد التي كانت تبارك ذلك الطفل، أي روح تلك التي لم تترد لحظة في الإقدام على الفعل؟ يختم كيركيجارد ذلك الخطاب بغنائية أخيرة، بلغة شعرية تختفي لاحقاً ليحل محلها المفكر:

أيا إبراهيم! أيها الأب المبجل! في طريقك من الجبل إلى منزلك، لا تحتاج لنشيد يثني عليك. لقد ربحت كل شيء واحتفظت بطفلك. لم يأخذه الله منك، ولكنك جلست معه في خيمتك مكللاً بالفرح، وكأنك تجلس في ذلك العالم اللانهائي، في ظلال الأبدية الدائمة. إبراهيم! أيها الأب المبجل! مرت آلاف السنوات منذ تلك الأيام، لست في حاجة لعاشق متأخر لتنتزع ذكراك من مخالب النسيان. كل لغات الأرض تستعيد ذكراك، ومع ذلك .. ها أنت تكافئ محبك بأمجد مما يكافئه أي إنسان آخر: تجعله مباركاً في حضنك، تسحر عينيه وقلبه بإعجازك. أيا إبراهيم! أيها الأب المبجل! أيها الأب الثاني للجنس البشري! يا من كنت أفضل من حمل تلك العاطفة الهائلة التي استهانت بالصراع المخيف مع ثورة العناصر وقوى الخلق من أجل المجاهدة مع الله، يا من كنت الأول في معرفة تلك العاطفة العليا، ذلك التعبير الخالص عن الإلهي، اغفر لمن يتحدث عنك ممتدحا إياك، فهو لا يفعل ذلك على النحو المناسب. تحدث عنك بإيجاز، لكنه لن ينسى أبداً أنك كنت بحاجة لمائة عام ليكون لك ولد في غير توقع، وأن ترفع السكين قبل الاحتفاظ بإسحاق، ولن ينسى أبداً أنك لم تتقدم إلى أبعد من الإيمان!

في المقدمة الثانية يتحدث جوهان الصامت عن نفسه، عن عقله وفلسفة عصره والمواضيع التي يريد طرحها وكيف ينظر لها. الموضوع الرئيس هو الإيمان بوصفه عاطفة إنسانية كبرى تؤثر في الوجود. وإذا كان الإيمان هو موضع التشريح لن يجد شخصية مناسبة أفضل من إبراهيم. غير أن هناك مشكلة لم يستطع كيركيجارد اقتحامها لصعوبتها حسب وصفه. هذه المشكلة هي إيمان إبراهيم. تتميز قصة إبراهيم في الديانات الثلاث بخاصية رئيسية وهي أنها مجيدة متى كان فهم المرء لها بسيطاً. ولكن, يتساءل كيركيجارد- بعد تلك المخطوطات القصصية وذلك الخطاب عن إبراهيم-: كم من الناس أقضت مضاجعهم قصة إبراهيم؟. توصف القصة عادة بأنها الشيء الرائع والأفضل، لكن من فكر بتلك النفوس القلقة التي وهي في غمرة قلقها قد تذهب وتفعل مثلما فعل إبراهيم؟ هل يستطيع المرء أن يتحدث عن إبراهيم دون أن يتعرض لخطر أن يمضي فرد قلق ليفعل مثل ما فعله إبراهيم؟ يقول: الإنسان إذا جعل الإيمان كل شيء، فعلى المرء وفق طريقتي بالتفكير – أن يتحدث عنه دون خطر في عصرنا هذا الذي لا يكثر في الحديث عن الإيمان. بالإيمان وحده، يبلغ المرء مثل ما بلغه إبراهيم. وصف جوهان الصامت نفسه بالعقل الصارم، لم يصل إلى الإيمان بعد. ويجد صعوبة في الانطلاق. بصورة أوضح: هو في المرحلة الدينية أ، وهي مرحلة تسبق الإيمان بمعناه الكامل حسب مراحل كيركيجارد. كرس جوهان وقت طويل لفهم الفلسفة الهيجيلية ويظن بأنه يفهمها. قد تظهر بعض الفقرات لا يستطيع فهمها رغم المشقة التي أخذ بها نفسه. ولكن لديه من الجرأة بحيث يتهم هيجل نفسه بأنه لم يكن واضحاً. لكن عندما يفكر في إبراهيم، يشعر وكأنه سحق سحقاً! ذلك لأنه كما يقول يبصر في كل لحظة تلك المفارقة الهائلة التي هي جوهر حياة إبراهيم. لا يستطيع فكره أن يتقدم شعرة إلى الأمام، يحاول أن يمسك كل عضلة من عضلاته على أمل أن يطل عليها:” وأنا في هذه اللحظة أشعر بالشلل!”

يقول في المقدمة:

روحي تستشعر ذلك النبيل بكل ما هو عظيم في هذا العالم. اقتنع بتواضع أن البطل يكافح عن قضيتي، وأتأمل نفسي في الروح البطلة. لكنني لا أستطيع تأمل نفسي في إبراهيم. لا أشير في ذلك إلى أن الإيمان شيء صغير، بل هو أسمى الأشياء، وتجافي الفلسفة الأمانة عندما تعطي شيئاً آخر بدلاً منه. على الفلسفة أن تفهم نفسها أولاً وأن تعرف ما يجب أن تعطيه ولا تستبعد شيئاً ولا تخدع الناس في قيمة شيء ما بحسبانه لا شيء. لست على غير ألفة بتعقيدات الحياة وأخطارها. إني أتصدى لها بجسارة. ولست على غير ألفة بالرعب! لقد رأيت الرعب بعين رأسي، لا ألوذ بالفرار منه. وإن كنت أعلم بأن شجاعتي ليست شجاعة الإيمان. لست بقادر على القيام بحركات الإيمان. لكني مقتنع بأن الله هو المحبة. عندما تشرق هذه الفكرة أمامي أشعر بسعادة لا سبيل للتعبير عنها. وعندما تغيب، أشتاق إليها بأعنف مما يشتاق العاشق إلى معشوقته.

يستخلص كيركيجارد من قصة إبراهيم نتائج جدلية متضمنة فيها، تُبرز مفهوم الإيمان بوصفه عاطفة إنسانية كبرى يؤثر في الحياة اليومية. أولى هذه المفاهيم والتي تقوم عليها فلسفته بالأصل هي في العلاقة الخاصة مع الله والتخلي كلياً عن أي شكل من أشكال الوساطة الخارجية. هذه العلاقة المطلقة مع المطلق يجب أن يعقدها الفرد بوصفه فرداً. المفهوم الثاني هو التسليم اللامتناهي. وهي حركة ضرورية لا بد منها. لا تعتمد على حسابات العقل [5]. إن لم يكن هناك تسليم لامتناهي لن يظهر الإيمان على المسرح. هذا التسليم يحمل تصوراً حول التخلص من كل الخيرات المتناهية لغاية أعلى. بالتسليم اللامتناهي يُفرغ كأس الحياة من حزنها العميق. يحس الذي قام بهذا التسليم بالألم الذي ينشأ عن العزوف عن كل شيء. زهد في كل شيء زهداً لامتناهياً، ثم يعود الذي قام بهذا التسليم فيقبض على كل شيء بفضل اللامعقول. ثالث هذه المفاهيم هو في التعليق لما هو أخلاقي. وعند هذه النقطة أتوقف لتفصيلها مع المفهوم الثاني لتكون أوضح. لأنها نقطة ارتكاز رئيسية في الكتاب وبالإمكان من خلالها فك كل أسرار الكتاب والتعرف على الرسالة السرية. يحمل عنوان المشكلة الأولى سؤال: هل هناك تعليق غائي لما هو أخلاقي؟ حسب كيركيجارد وبلغته نفسه، الأخلاقي بوصفه أخلاقي هو كلي. وبوصفه الكلي فهو ينطبق على كل فرد في كل زمان وأي مكان، لأنه مستقر بصورة داخلية كافية. هذا الكلي لا يقع خارج نفسه أي شيء يمكن أن يكون غايته. لأنه بكليته وذاتيته المستقرة، هو غاية كل شيء يقع خارجه. أي أن مهمة الفرد الأخلاقية أن يعبر عن نفسه في هذا الكلي باستمرار. في حالة أكد الفرد نفسه يقع في موقع المواجهة مع الكلي. في هذه اللحظة تُرتكب الخطيئة. لن يكون هناك تصالح بين الفرد الجزئي والكلي إلا بإدراك هذه الحقيقة. إذا كان هذا هو التصور الكيركيجاردي للأخلاق، أي أن الأخلاق كلية ومحاولة تأكيد الفرد نفسه يحدث النزاع مع الكلي، هل هناك تصور عام يسمح بالإيقاف الغائي للأخلاق؟ ما مبررات هذا الإيقاف؟ وأي نتيجة قد تحدث نتيجة إلغاء الكلي؟ إذا كانت علاقة الفرد الجزئي مع الكلي هي تعبير الجزئي عن نفسه باستمرار في الكلي ويجد فيها غايته، سيكون من التناقض أن يكون هناك تعليق غائي للكلي. سيكون في ذلك خسارة هائلة ومرعبة. كيركيجارد في جدله هذا يقول أن هناك حالات لا نخسر ما نضعه موضع التعليق، بل نحفظه تماماً في ذلك الشيء الأعلى الذي هو غايته. عندما يتحدث هيجل عن الكلي والجزئي في هذه العلاقة فكيركيجارد يتقبلها، لكن عندما يوضع الإيمان في هذه العلاقة فهو يرفض هيجل. فهو في نظره مخطأ تماماً. موقع الإيمان هنا هو موضع المفارقة: الجزئي أعلى من الكلي. الفرد بعد أن كان في الكلي يعزل نفسه بوصفه جزئياً لأنه يعد نفسه أعلى من الكلي. ليس تابع، بل متبوع. عندما تكون هناك علاقة مطلقة مع المطلق يجب أن يكون الفرد جزئياً أعلى من الكلي. لو كان يحيى في الكلي، الجزئي سيكون في وضع متوسط. قصة إبراهيم تحتوي على هذا التعليق الغائي لما هو أخلاقي. لو كان إبراهيم يحيى في الكلي كما يتصوره كيركيجارد لن يصبح عظيماً، بل بطل من أبطال الملاحم والتراجيديات الكبرى. يستطيع كيركيجارد أن يفهم تماماً البطل المأساوي، لكنه حسب ما يقول لن يستطيع أن يفهم إبراهيم ولا يملك أمامه إلا الدهشة. لعل في إيضاح الفرق بالأمثلة هنا أفضل لوصف الفرق لما هو يحيى في الكلي ولمن تخطى الكلي.

عندما أعلن الملك مينلاوس الحرب على طروادة، كلف أخيه أجاممنون بقيادة الحملة العسكرية. انتظر الأسطول الإغريقي أياماً عدة للإبحار ولم يتمكنوا من ذلك بسبب الريح المعاكسة. أعلن أحد العرافين ويدعى كالشاش أن أجاممنون قد أهان آرتميس. وأن الآلهة تطلب أن يقدم ابنته أفيجينا تكفيراً عن هذه الإهانة. تبدو قصة مأساوية لعلاقة الأب بابنته. لو كان الأمر خاصاً قد يقوم أجاممنون بعمل تراجيدي كبير، كأن يضحي بنفسه. غير أن الأمر يتعلق بأمور دولة وأمة كاملة في مواجهة أمة أخرى. هل يضحي بفرد واحد – هي ابنته – في سبيل الأمة؟ قصة أخرى تحمل نفس الطابع وإن كان الفعل مغايراً. يروي كيركيجارد قصة عن بروتوس, وهي أن عندما كان قنصلاً لروما، اشترك أبناءه في مؤامرة لإعادة الملك الذي طردته روما. عندما علم بروتوس بالأمر، أصدر أمره بإعدام كل أبناءه المشتركين في هذه المؤامرة. عندما تغلب بروتوس وأجاممنون على آلامهم الخاصة في سبيل ما هو أكبر، من كان يفهمهم حينئذ؟ سيرتفع صيت أجاممنون أمامهم شعبه وسيتغنى في سبيل تلك الآلام الرهيبة في سبيل أكبر من الخاص. هم أبطال بصورة مأساوية. لم يبرحوا النطاق الأخلاقي. بل قاموا بهذه الأعمال في نطاق الأخلاقي الكلي. غير أن الموقف مع إبراهيم مختلف تمام الاختلاف. إبراهيم تخطى الأخلاقي كلية. امتلك غاية تقع خارج الكلي الأخلاقي، ولهذا قام بتعليق ما هو أخلاقي. البطل المأساوي عظيم بفضل فضيلة أخلاقية صرفة. وإبراهيم عظيم بفضل فضيلة شخصية بحتة. غير أن السؤال: لماذا فعل إبراهيم ذلك؟ إذا كان أجاممنون قام بذلك في سبيل أمته، وبروتوس في سبيل العدالة، فلمن فعلها إبراهيم؟ في سبيل الله وسبيل نفسه. في سبيل الله لأن الله طلب ذلك دليلاً على إيمانه، وفي سبيل نفسه حتى يستطيع أن يضع الدليل أمام الله. وتم التعبير عن ذلك بالامتحان والابتلاء. هذا الامتحان والابتلاء يُنظر إليه الآن في ضوء النتيجة، التغزل الجمالي في النتيجة فقط, وكيركيجارد يصرح بأنها لأمر بشع أن يتم الحديث عن العظمة بمثل هذه الطريقة. إن كان هناك من حديث عنها يجب أن يُعرف القلق والأسى والمفارقة في الحدث نفسه. يجب أن يظهر الطابع الإنساني ويكون واضحاً وجلياً. وفي هذا الجانب كذلك يفتح كيركيجارد عبر القلق والأسى سيرة السيدة الجليلة مريم. يغيب الحزن والقلق عند الحديث عنها حسب تصوره، إذ كان حملها قلقاً وحزناً. الملاك الذي بشرها بالمسيح لم يأتي إلا إليها فقط. لم يخبر أي أحد آخر. فكانت المباركة التي أنزلت من الله تحمل شيئاً آخر حزيناً. هذا الشيء لم يُذكر كما أظن في الإنجيل لأنها لو ذكرت لفتح كيركيجارد باب الحديث عنها بشكل أكبر، وكانت مذكورة في النص القرآني بصورة جلية: فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا . فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا.

في كتاب القس جون ماكوري الوجودية، نظرة أخرى لهذا التعليق المخيف للأخلاق. وهو مخيف بكل ما للكلمة من معنى. ينظر جون ماكوري إلى هذا الإلغاء بداية كصراع ضمائر. الضمير الأول هو الذي يعكس الأخلاق الكلية. هذا الضمير أُلغي تحت سلطة الضمير الثاني، والذي هو أمر الله، والذي هو في نفس الوقت أعمق الجوانب الداخلية في الفرد. مشكلة هذا الإلغاء الغائي للأخلاق -بعيداً عن قصة النبي إبراهيم- أن كيركيجارد جعلها أمراً مقبولا وحتمياً ويجب أن ينطلق من أي ضمير أصبح معبراً عن الكلي. الخطر هنا أن لا وجود لضمير فردي يمكن أن يتحدث بنقاء كامل، نقاء يعبر عن الكلي وممثلاً له. التذرع بأن أمراً ذاتياً أعمق يحتاج لتعليق الأخلاقي، أليس هذا الأمر بوابة لأكثر ضروب السلوك البشري بشاعة؟ مشكلة كيركيجارد في هذا الإلغاء أنه يريد صياغة مقولات خاصة به تواجهه في المحنة التي وجد نفسه فيها. هو يظن، بل يعتقد تمام الاعتقاد أن لديه صراع ضميره الخاص، وإذا أراد الانطلاق للإمام يجب أن يحسم الأمر كما حسم إبراهيم صراعه، والمقصود هنا زواجه من ريجين أولسن. كان عليه التزام أخلاقي بالزواج من ريجين وكان مؤمناً بجدية هذا الالتزام. لكنه قرر أن يفسخ الخطبة واضعاً الضمير بمعناه الأول والمبدأ الأخلاقي الكلي في جانب، استجابة لما يعتقد بأنها إرادة الله، والذي انطلق كما يؤمن هو بذلك من داخله الروحي، وفعل ذلك لكي يحقق ذاته. يقول ماكوري:

أكان كيركيجارد على حق في إتباعه النداء الأعلى أم أن ذلك لم يكن سوى ضرب من الأنانية؟ إذا زعم كل فرد أن له الحق في أن يتحلل من الالتزامات الأخلاقية المألوفة من أجل مطالب مطلقة لذاته الحقه الأصيلة، فسرعان ما نجد أنفسنا في فوضى أخلاقية!.

وبما أن ريجين أولسن ذُكرت في المشكلة الأولى هنا، فيجب فتح باب الحديث عن شكل الكتاب وحقيقة تصنيفه والرسالة الخاصة. الكتاب الفكري بصورة أو بأخرى هو شكل من أشكال السيرة. سيرة الكاتب محددة بإطار فكري قائم. وإذا كانت الذات الداخلية مشاركة في هذه السيرة سيظهر صوت أنا الكاتب. عبقرية كيركيجارد أنه استخدم قصة النبي إبراهيم ليعبر عن الإيمان وتلك المفارقة التي تمثل الجوهر حسب وصفه. استعان بملاحم وأساطير وقصائد. غير أن كل هذه الصور ما هي إلا رمز لذاته. ذاته التي قامت بفعل التضحية حسب اعتقاده ويريد أن يبحث عدة طرق ليتصالح مع آلام الوجود ويصل إلى تلك الحالة التي يصل إليها فارس الإيمان: الشخصية التي تسحره. كل رمز استخدم في الخوف والرعدة، كل مثال هو مستمد من تاريخه الخاص. ذكر نفسه في الصور والملاحم، وأظهر ريجين بأبلغ ما يكون التعبير الفني عبر هذا الإخفاء الأدبي المذهل. في التمهيدات للمشاكل ضرب مثلاً برجل أحب أميرة. أراد هذا الرجل أن يجعل من هذا الأمر، أي الحب، يكتسب صورة خالدة وأبدية. وإذا أراد هذا التخليد وهذه الأبدية يجب أن يتخلى عنها، بصورة أوضح يجب أن يقوم بتلك الحركة السابقة على الإيمان، وهي التسليم اللامتناهي. أن يتخلى عنها كلية. وإذا فكر بأن يعود إليها، لن يكون ذلك إلا بفضل اللامعقول. لم تكن تلك الأميرة إلا ريجين نفسها. في كل مشكلة من المشاكل الثلاث يحكي كيركيجارد سيرة حياته مع ريجين وقيامه بحركة التسليم عبر الصور التي ذكرت سابقاً.

في المشكلة الثالثة يفحص كيركيجارد جدلياً الدور الذي يلعبه الإخفاء [6] في علم الجمال والأخلاق ليبين الاختلاف بين الإخفاء الجمالي والمفارقة. وهو هنا يحكي سيرته كذلك. بالعودة لقصة البطل المأساوي أجامننون, في مسرحية أفيجينا في أوليس ليوريبيديز، يجب على أجاممنون أن يضحي بابنته أفيجينا. علم الجمال يطالب أجاممنون بأن يلزم الصمت، لأن في صمته مراعاة للنسوة. ولا يليق بالبطل المكلف بحمل هذا العبء الثقيل أن يطلب الراحة عند الآخرين. يجب أن يتحملها شخصياً وبكل ما فيه من ذاتية. لكي يكون بطلاً عليه أن يواجه امتحانات رهيبة وأن يمر بغوايات من دموع أفيجينا. الأخلاق تطالب بالعكس: لا مكان للإخفاء، والفكرة الجمالية تناقض نفسها عند لحظة التنفيذ. يجب أن يعلن كل شيء. إذا امتلك الشجاعة لذلك وأعلم الفتاة بمصيرها يصبح الابن المحبوب من الأخلاق التي ترضى كل الرضا. بإسقاط شخصية كيركيجارد محل أجاممنون, وأفيجينا محل ريجين، عندما وصل لقناعة بإستحالة الزواج: هل يلتزم الصمت ويحفل بالزواج؟ إن فعل ذلك يكون قد أهان الفتاة لأنه أخفى، وتلك العلاقة تتطلب الصراحة والكشف. لن يكون عليه تحمل بقاءه صامتاً، بل مسئولية بقاءه صامتاً طوال مدة هذا الزواج. هل يلزم الصمت ويعدل عن الزواج؟ في هذا الحالة يجد نفسه في جو من الغموض، وكذلك يتضمن إساءة للفتاة وحقيقة حبهما. هل يفضي بكل ما في نفسه؟ إذا فعل ذلك أصبحت المسألة قصة حب فاشلة: ذلك النوع من الطراز المأساوي الذي انتهى بكارثة. غير أن هناك مفارقة يجدها كيركيجيارد في هذه الحالة. في حين يتحلى علم الجمال بشجاعة وهمية قائمة على الصمت، يظل الأخلاقي يضغط عليه ويعذبه، إذ هو يطلب الكشف. هنا يظهر الديني، لأن الدين هو القوة الوحيدة حسب وصفه التي يمكن أن تخلص الجمالي من صراعه الأخلاقي.

من روائع التحليل الوجودي عند كيركيجارد في الخوف والرعدة هي في رمز أسطورة غرانق الماء وآجنس Agnete and the Merman. كان الغرانق من المغويين. حاول أن يصطاد آجنس ويجذبها إليه. بحلاوة لسانه وسحره استطاع إغراء مشاعرها الدفينة. وجدت آجنس في الغرانق كل ما كانت تبحث عنه وما كانت تتطلع إليه في قاع البحر. كانت تحب بأن تسير خلفه وتتبعه. رفع الغرانق آجنس عالياً وطوقت هي عنقه بيديها: استسلمت بكل ما فيها للأقوى. وقف على شفا هاوية البحر، أوشك أن يهوي بفريسته. في تلك اللحظة، تطلعت إليه آجنس. لم يصيبها الشك، ولا زهت بحظها السعيد، ولم تنتشي بالمتعة الظاهرية .. تطلعت إليه في إيمان عميق وتواضع مطلق كزهرة جميلة – كما كانت تظن نفسها-. ماذا حدث؟ توقف البحر عن الهدير، خفت صوت البحر، الطبيعة التي يستمد منها الغرانق قوته تخلت عنه في تلك اللحظة الحرجة. سقط الغرانق بسبب تلك النظرة: لم يعد يستطع تحمل ذلك السلطان من البراءة. يرتد على عقبيه مفسراً الأمر كله بأنه لم يكن يريد إلا أن يريها البحر عندما تهدأ الأمواج. يستيقظ يأس الغرانق في روحه على نحو شديد: يستطيع بما يمتلك أن يغري آجنس ومئات من مثيلاتها، قادر على فتنة كل فتاة، غير أن آجنس انتصرت وضاعت من يده. يضفي كيركيجارد على الغرانق شعوراً إنسانياً مفترضاً وجود إنساني سابق في النتائج التي اشتبكت فيها حياته. الباب مفتوح أمامه بأن يكون بطلاً، لأن ما فعله هو ضرب من المصالحة. أنقذته آجنس ودُمر ذلك التغرير المسيطر عليه. من هو الغرانق؟ هو كيركيجارد نفسه. ماذا تمثل الطبيعة المرعبة التي يستمد منها الغرانق قوته؟ هي كآبة كيركيجارد وتاريخه. ومن هي آجنس؟ لا يحتاج الأمر لتوضيح: هي ريجين. من أجلها أطلق كيركيجارد تسليمه اللامتناهي، ومن أجلها وبسببها هي: كتب هذا الكتاب.

[1] – لم أطلع على هذا الاقتباس من يوميات كيركيجارد. ذكر هذا الاقتباس من اليوميات في مقدمة كتاب كيركيجارد والخوف والرعدة للدكتور John Lippitt الأستاذ الجامعي في جامعة هيرتفوردشاير وهو متخصص وباحث في الفلسفة. نشرت له عدة دراسات تتناول فلسفة كيركيجارد. للإطلاع على يوميات كيركيجارد هناك كتابين: الكتاب الأول هو The soul of Kierkegaard: selections from his journals, والكتاب الثاني هو Papers and Journals: A Selection

[2] – في الفصل السادس من كتاب كيركيجارد والخوف والرعدة يطرح John Lippitt بعد أن قام بدراسة فصول الكتاب الرئيسية هذا السؤال: ما حقيقة هذا الكتاب وعن ماذا يتحدث؟ ثم يعرض بعض الآراء حول هذا السؤال.

[3] – قال الله تعالى في سورة الصافات: (وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين رب هب لي من الصالحين فبشرناه بغلام حليم فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم وتركنا عليه في الآخرين سلام على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين.. الآية). ذكر ابن كثير في البداية والنهاية( المجلد الأول/ فصل قصة الذبيح): أن طائفة كثيرة من السلف يعتقدون بأن الذبيح هو إسحاق وربما – حسب قوله – مصدر اعتقادهم هذا هو من كعب الأحبار أو من كتب أهل الكتاب. غير أن هناك جمهور كبير يعتقدون بأن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام. منهم علي، وابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي الطفيل، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والحسن، ومجاهد، والشعبي، ومحمد بن كعب، وأبي جعفر محمد بن علي، وأبي صالح أنهم قالوا‏:‏ الذبيح هو إسماعيل عليه السلام‏.‏ ومنهم من يستدل بذلك عبر القران مثل محمد بن كعب القرظي بقوله: كيف تقع البشارة بإسحاق‏؟‏ وأنه سيولد له يعقوب، ثم يؤمر بذبح إسحاق وهو صغير قبل أن يولد له، هذا لا يكون، لأنه يناقض البشارة المتقدمة.

[4] – يشير جواكيم كراف كاتب سيرة كيركيجارد في فصل الخوف والرعدة أن الجزء أ والجزء ب في كل مخطوط بينهم رباط عضوي قائم على الشكل العام والجرس الموسيقي والثيمة كذلك. في مقطوعات الأم والطفل رغم الظروف الطبيعية والجميلة إلا أن كيركيجارد وصف علاقته مع ريجين بهذه الطريقة. ما هي علاقة الجزء ب بجزء أ إذا كان جزء ب يصف تضحية كيركيجارد كما يعتقد؟ يجب قراءة الكتاب، أما من قرأ سوف يعرف كل رمز من هو على حقيقته.

[5] – عند هذه النقطة أتذكر جزئية صغيرة مهمة من اعترافات الروائي الكبير تولستوي، كان تولستوي في رحلة بحثه عن الله يقابل المحدد بالمحدود، وغير المحدود بغير المحدود، ولذلك كانت النتيجة التي لا بد منها كما يحدث في الرياضيات. يعلن تولستوي أن الأجوبة التي يقدمها الإيمان مهما خالفت أحكام العقل وتمردت على شرائعه فهي تمتاز بأنها تقدم لكل سؤال علاقة بين المحدود وغير المحدود. وبدون هذه العلاقة لا يمكن الحصول على جواب. يقول: مهما تعددت أنواع الأجوبة التي يقدمها الإيمان للإنسان، فإن كل واحد منها يجعل لحياة الإنسان المحدودة معنى غير محدود، معنى لا يزول ولا يفنى مهما اجتمعت لمحاربته جيوش الآلام والوحدة والموت. الإيمان الحقيقي الكامل هو معرفة معاني الحياة الإنسانية معرفة تحمل الإنسان على محبة الحياة والمحافظة عليها. الرجل الحي يؤمن بشيء، وبغير الإيمان لا يستطيع بشر أن يعيش في هذا العالم، لأن الذي لا يؤمن بأن في الوجود غاية يعيش لأجلها هو ميت بالحقيقة.

[6] – جدلية الإخفاء والتصريح غير موجود في النص القرآني. حسب النص المسيحي لم يتحدث إبراهيم لابنه عن أمر الله بالتضحية به، فكانت المسيرة كلها حتى موعد الذبح مسيرة صامتة. بينما في النص القرآني أفصح النبي الكريم إبراهيم عليه السلام عن أمر الله الذي أتاه عدة مرات في المنام إلى ابنه، وكان رد الابن حسب ما هو في سورة الصافات” أفعل ما تؤمر، ستجدني إن شاء الله من الصابرين.”

Advertisements
هذا المنشور نشر في فكر و فلسفة. حفظ الرابط الثابت.

One Response to كيركيجارد: الخوف والرعدة

  1. مراجعة رائعه محمود استفدت منها كثيرا. شكرا لك.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s