كيركيجارد: مذنب أو غير مذنب؟


لم يكتب سورين كيركيجارد رواية في حياته. رغم ذلك، قصته مع ريجين أولسن هي من أكبر الروايات في الفكر الفلسفي الوجودي. وصف أحد المفكرين المؤيدين لكيركيجارد ريجين أولسن بأنها أهم من اكتشاف أمريكا! كيف لفتاة شابة أن تملك مثل هذا التأثير على عقل هذا الفيلسوف الغارق حتى أخمص قدميه في المرحلة الجمالية من حياته؟ كانت بياتريس بورتيناري ملهمة لدانتي آليغيري في الكوميديا، قادته إلى الجنة. رغم أنه لم يتحدث معها قط في حياته، إلا أنه استودع كل عبقريته في هذا المرأة التي لم تكن لتُعرف في تاريخ الأدب لو لم يكتب عنها في فيتا نوفا والكوميديا. ريجين أولسن مثل بياتريس تماماً، إلا أن تأثيرها فجر عبقرية الكئيب المتوحد سورين كيركيجارد.

وهو الموقن بحتمية وقوع اللعنة عليه، شاهدها في إحدى الحفلات ووقعت في نفسه. كانت شابة صغيرة في الثامنة عشر من عمرها، مخطوبة لأحد أساتذتها في اللاهوت. تعيش حياة هادئة وديعة مثل بقية السكان الذين يصفهم هانس كريستيان آندرسن في قصصه. بريئة براءة ساذجة، لا تعرف من اللاهوت وعالم الفكر سوى كتابها المقدس الذي تأخذه معها إلى الكنيسة يوم الأحد. فتاة في الثامنة عشر من العمر، وشاب في السادسة والعشرين من العمر. أليس الزمن الذي يعيشان به هو واحد؟ كلا – يقول ذلك كيركيجارد -، زمنها ليس زمنه. هي فتاة تحلم بكل ما يحلم به أفراد جيلها من الحب والزواج من رجل يعمل في الدولة ويكفل لها دخلاً ومكانة في المجتمع وتعيش حياتها تحت ظل الدين. هو من سقط بكل ما فيه في هواها، هو المفكر المتوحد، يحمل ماضياً لا يستطيع التخلي عنه ولن يتبرأ منه، لأنه مسلك اختطه الله له – كما يقول هو ذلك-. زارها مرات عديدة للحديث معها في منزلها وفي الحفلات القائمة في ذلك المجتمع الأرستقراطي. أُعجبت بطلاوة حديثه وشاعريته الفذة. لم ترى فيه غير العاشق المستعد للتضحية بنفسه في سبيلها. ما غاب عنها ولا تستطيع رؤيته هو الداخل الكئيب في نفس عاشقها.


ألقى بحبائله عليها: ينتظرها في الطرقات في طريقها لأستاذ الموسيقى، يرسل لها الكتب ويخط على بعض الكلمات لتقرأها، يرسل لها أوراق تحوي نوتات موسيقية لتعزف عليها. كانت نتيجة كل هذا التحرك العنيف أن قبلت به خطيباً و زوجاً. الزواج يقتضي الصراحة بين الطرفين: أن يحدثها ويبوح لها بكل ما يعتمل في أعماق قلبه وروحه. ليس السؤال هو: هل تستطيع تحمل ما سيقوله لها؟ بل هل يستطيع هذا المفكر المنعزل أن يعرضها لهذا الخطر، أن تشاركه هي البريئة من كل الذنب، البركان الثائر في أعماق روحه؟ عندما رآها للمرة الأولى آمن بها، وآمن بأن يد الله قادته إلى هذا المكان للتقي رائدته الروحية التي ستلقي به إلى المرحلة التي يريد.

الحياة التي عاشها كيركيجارد والزلزال الكبير الذي يحيط به من كل حدب وصوب قلب أساس حياته رأساً على عقب. وجد نفسه كائن مقضي بالشقاء. وإن كان في غمرة المرحلة الجمالية إلا أنه يؤمن بأنه ذو رسالة دينية لم تظهر ملامحها حتى الآن. رسالة تفرض عليه أن يبقى منعزلاً متوحداً لا يرى سوى اتجاه واحد. وفي خمرة الحب التي انتهت بعد إعلان الخطبة، أفاق هذا العقل على حقيقته. على حقيقة روحه وما يحمل تجاه ريجين. علاقة شرعية قد تفضي به إلى طريق آخر مغاير عن الطريق الذي يحلم بالاتجاه إليه. نهاية هذا التحليل الداخلي انتهت برسالة شكلت فضيحة في المجتمع:

في الشرق, إرسال خيط من الحرير يعني قراراً بإعدام المرسل إليه، وهنا إرسال الخاتم معناه قرار بإعدام من يرسله!

أعاد إليها خاتم الزواج، هادماً تلك العلاقة التي كان أحد أطرافها الرئيسيين. كان هناك صوت داخلي هو صوت الرب كما يذكر كيركيجارد في يومياته، يقول: أطلق سراحها. لم تصدق ريجين ما تراه. أو بمعنى أصح لم تعرف أبداً تلك المأساة الباطنة في عقل الشاب الكئيب. أرسلت له الرسائل في محاولة لإعادة تلك العلاقة كما كانت في السابق، زاعمة بأنها ستموت إن لم ينفذ طلبها. شكلت هذه الفضيحة مادة للتندر والأحاديث في المجتمع. حتى بعد سنوات عديدة، كان الانتقاد الذي يوجه إلى كيركيجارد عبر نهاية هذه العلاقة. أحد محرري جريدة القرصان، وهي صحيفة ساخرة، سخرت من الجدل الذي يحيط بنفس كيركيجارد عبر إنهاء خطبته. تحدث كيركيجارد في يومياته عن الأسباب التي أجبرته على ذلك، منها قوله: إذا كان علي أن أكشف نفسي، فإنه سيتوجب علي أن أشركها في أشياء مرعبة: علاقتي بأبي، سوداويته، الحلكة الأبدية المخيمة على نظرتي. بعد سنتين من فسخ الخطبة تزوجت ريجين من العاشق السابق. أما سورين كيركيجارد، من تاريخ إعادة الخاتم تفجرت موهبته العبقرية في الكتابة بشكل لا مثيل له. لم تنتهي تلك السنة حتى أنهى رسالته للدكتوراة: حول مفهوم التهكم بالإشارة إلى سقراط بصفة خاصة. يصدر الكتاب تلو الكتاب بصورة غريبة، غريبة لضخامة الأفكار وكيف قام بترتيبها وطرحها في فترة وجيزة. الأهم من كل هذا، أنه وجد علاج للداء الذي يحيط به، داء الكآبة. لم يكن الحل سوى الكتابة وإفراغ كل ما يفكر به في أوراقه. وأين ريجين من كل ذلك؟ كل نصوصه من يوميات وجدليات وفلسفة لا يُرى فيها إلا صورة ريجين. كتاب مثل الخوف والرعدة، والذي يعتبر من أشهر نصوص كيركيجارد، تحيط ريجين بالنص من بدايته إلى نهايته.

الاختيار، القرار، التعهد والالتزام والتصميم: هذه ظواهر وجودية تستبين فيها معالم الفعل والحرية بكل وضوحها وشدتها. وتحمل بداخلها مأساوية الفعل. القرار كظاهرة وجودية لا يعني تحقيق للذات، بل هو نكران للذات. عند اختيار القرار يتم ترجيح احتمال ورفض احتمال آخر يكون موجوداً في الموقف. هنا يظهر العنصر المأساوي في الوجود البشري. الموجود البشري عند الوجودي لا يحقق نفسه بالتوسيع التدريجي لطاقاته، بل يحقق ذاته بالقرارات التي قد تكون مؤلمة بسبب ما قد تقتطعه من حياته. يقول جون ماكوري في كتاب الوجودية:

كل قرار هو قرار ضد شيء ما بقدر ما هو قرار من أجل شيء ما، وكل قرار يحد من نطاق الممكنات التي يمكن أن تنفتح أمام القرارات المقبلة. القرار يجعل الموجود البشري أمام نفسه بطريقة لا بد أن تثير القلق، لأنه من ناحية يعني الاندفاع قدماً إلى مستوى جديد للوجود البشري والقيام بمخاطرة حرمان المرء من ممكنات أخرى كانت معروضة أمامه. إنه رهان وتعهد بالمستقبل، تعهد محفوف بالمخاطر ومصحوب بالقلق.

حين يفكر كيركيجارد في الزواج، لا يرى في ذلك إلا علاقة دائمة بين شخصين يتعهد كل منهما للآخر. علاقة تتجاوز الحالة المزاجية العابرة وذلك الضرب من الافتتان. عدم قدرته على الزواج يشير إلى خطورة الاختيار الوجودي المتضمن في الزواج، مع الإشارة إلى أن سبب الفسخ أكبر من ذلك بكثير. يرجع إلى أن سورين أخذ بالفعل على نفسه ما اعتبره التزاما شديد الخطورة، اقتضت منه اتخاذ أكثر القرارات خطورة وأعظمها امتلاء بالقلق: أن يكون فرداً منفرداً أمام الله. الآخر المتمثل بشخص ريجين هي عائق في علاقته مع الله. وهذا هو جوهر نقد كارل بوبر لكيركيجارد، إذ يشير إلى أن فكرة الموجود المنعزل ليست إلا وهم. ليس هناك موجود بشري ينظر إليه في ذاته، وإنما هناك الموجود الذي يشكل الوجود مع الآخرين أو الوجود في العالم.

اختم حديثي عن هذه العلاقة والمؤثر الأكبر في حياة سورين كيركيجارد إلى نص من اليوميات، يتحدث فيه سورين عن علاقته مع ريجين بكل وضوح وفسخ خطبته منها. من ترجمة الدكتور عدي الحربش.

علاقتي معها [1]

ريجين أولسن- رأيتُها أولَ مرةٍ عندَ عائلةِ روردام. في الحقيقة، عندما رأيتها آنذاك، لم أكن أعرفُ عائلتَها. (بطريقةٍ ما، أشعرُ بالمسؤوليةِ تجاه بوليت روردام. في وقتٍ سابق، قامت بصنعِ أثرٍ في نفسي، و قمتُ بصنعٍ أثرٍ مماثلٍ في نفسها؛ و لكن بكلِ طهارةٍ، بطريقةٍ عقليةٍ محضة).

حتى قبلَ أن يموتَ والدي، عقدتُ عزمي في شأنِها. توفيَ والدي (أغسطس 9، 1838). أمضيتُ الوقتَ في القراءةِ لامتحاني. طوالَ تلك المدة، سمحتُ لكينونتِها أن تتغلغلَ في كينونتي.

في صيفِ 1840 قمتُ بالتقدمِ لآداءِ امتحاني في العلوم الدينية.

بدونِ احتفالٍ أو ضجة، قمتُ بالاتصالِ ببيتهم بمجرد إنهائي للامتحان. غادرتُ إلى جتلاند[2]، و حتى أثناءَ إقامتي هناك، كنتُ -ربما- أحاولُ الوصولَ إلى قلبِها؛ بإعارتهم كتبي أثناءَ غيابي، و باقتراح مقاطعَ معينة كي يقرأوها.

عُدتُ بحلولِ أغسطس. استخدمتُ الفترةَ الممتدة من التاسع من أغسطس حتى بداية سبتمبر للاقترابِ منها (بالمعنى المباشر للجملة).

في الثامنِ من سبتمبر، تركتُ منزلي و أنا كلي عزمٌ كي أسوي المسألة. قابلنا بعضنا في الشارعِ، خارجَ منزلِهم. أخبرتني أنهُ لا يوجدُ أحدٌ في المنزل. كنتُ أحمقاً كفايةً كي أعتقدَ أن ما قالتهُ دعوةٌ لي، الفرصةُ التي كنتُ أنشدُها بالضبط. دخلتُ المنزلَ معَها. وقفنا لوحدِنا في صالةِ المعيشة. كانت غيرَ مرتاحةٍ قليلاً. طلبتُ منها أن تعزفَ لي شيئاً كما تعودتْ أن تفعل. فعلتْ ذلك؛ و لكن ما قامتْ بهِ لم يجدي معي نفعاً. عندَها، فجأةً، تناولتُ كتابَ الموسيقى و أغلقته، ليسَ من دونِ بعضِ العنف، رميتهُ فوقَ البيانو، و قلتْ: “ما الذي يعنيني بالموسيقى الآن! إنها أنتِ التي تعنيني، إنها أنتِ ما كنتُ أبحثُ عنه لمدةِ سنتين.” كانت ساكتة. لم أقم بأيّ شئٍ آخر كي أصنعَ أثراً في نفسِها؛ بل إني حتى حذرتُها مني، من كآبتي. و لكن عندما قامت بالتحدثِ عن شليجل[3] قلتُ لها: “اجعلي من تلكَ العلاقة جملةً معترضة؛ بعدَ كلِ شيء، أنا الأحرى بك.” (ملاحظة هامة: لم تتحدث عن شليجل إلا بالعاشر من سبتمبر؛ بالثامن، لم تنبس بأي كلمة.)

بقيتْ صامتة طيلة الوقت. في الأخير غادرتُ المنزل. كنتُ قلقاً أن يأتيَ شخصٌ و يجدنا على هذه الحال، كانت مضطربةً بشدة. قصدتُ مباشرةً إتاتسراد أولسن[4] ، كنتُ أعلمُ أنه يجدر بي القلق بسببِ الانطباع الشديد الذي تركتهُ عليها. كنتُ أخشى أيضاً من أن تؤدي زيارتي إلى سوء فهمٍ، أو أن تؤدي إلى إضرارٍ بسمعتِها.

والدُها لم يقل لا “لا” و لا “نعم”، و لكنهُ كان مرحباً كفايةً كما استطعتُ أن أتبين. طلبتُ موعداً للمقابلة: أجابوا طلبي بتعيين مساء العاشرِ من سبتمبر. لم أقل أي كلمةٍ كي أقنعَها. لقد أجابت بِـ : “نعم.”

مباشرةً، كونتُ علاقةً مع جميع أفراد العائلة، استخدمتُ جميعَ مهاراتي مع والدِها الذي لطالما أحببتهُ من قبل.

و لكن، في داخلي، و بمجردِ بداية اليوم التالي، استطعتُ أن أرى فداحة الخطوة الخاطئة التي اتخذتْ. رجلٌ يرزحُ تحتَ الإثم مثلي، كلُ الـ vita ante acta الخاصةِ بي [5]، كآبتي، كلُ ذلكَ يكفي.

تعذبتُ بصمتٍ في تلكَ المدة.

هيَ لم تلاحظْ شيئاً من ذلك. بل على العكس، معنوياتها كانت مرتفعةً جداً بحيثُ قالتْ في إحدى المراتِ أنها قبلتْ بي شفقةً عليّ. باختصار، لم أعرف أبداً شخصاً بمثلِ تلك الروح العالية.

بطريقةٍ ما، هذه هي المصيبة. لو أنني استطعتُ أن أجعلَ المسألة لا تتغلغلُ إلى قلبِها أكثر كما يظهرُ من كلامِها، فكرتُ: “لو أنها اعتقدتْ أنني تقدمتُ إليها لمجردِ مسايرةِ العادة، سوفَ تفسخُ الخطبةَ عندَها مباشرة”؛ لو أنني استطعتُ أن أجعلَها تتوقفُ عن أخذِ العلاقةِ إلى قلبها بهذا الشكل، عندَها سوفَ أنجو. بطريقةٍ أخرى، يجبُ أن أعترفَ بضعفي، أنها للحظةٍ أزعجتني.

بعدَ ذلك سخرتُ جميعَ قواي كي أجعلَ الأمرَ يحدث-هي استسلمت، وفي الحقيقة حدث العكسُ تماماً، منحتْ نفسها بالكاملِ و دونَ تحرزٍ لي، بدأت تعبدني. إلى حدٍ ما، أنا شخصياً من يتحملُ جرمَ ما حصل. بينما كنتُ أتبينُ بكل وضوحٍ صعوبةَ المسألة، و ألاحظُ أن عليّ تسخيرَ جميعِ قواي كي أخرجَ -إن أمكن- من كآبتي، كنتُ في نفسِ الوقت أقولُ لها: “استسلمي لي؛ كرامتكِ سوف تجعلُ كل شئٍ أسهلَ بالنسبةِ لي.” جملةٌ صحيحةٌ تماماً؛ أمينة بالنسبة إليها، كئيبة و مخاتلة بالنسبةِ لي. (إلى حدٍ ما، كانت تشكُ بحالتي، إذ كانت تجيبني مراراً: “أنتَ دائماً غيرُ سعيد؛ و لذلك لا يفرقُ عندَك إن أنا بقيتُ معكَ أم لا.” قالت لي أيضاً في إحدى المرات: أنها لن تسألني أبداً عن أي شئٍ بتاتاً، لو أنها تضمنُ فقط أن تبقى معي.)

و الآن، بالطبع، استيقظتْ كآبتي من النوم مرةً أخرى. ولائُها ألقى مرةً أخرى بالمسؤولية فوقَ عاتقي بالكاملِ و بوزنٍ هائل، في اللحظةِ التي كنتُ أرجو لكرامتِها أن تحررَني من المسؤوليةِ للأبد. رأيي هو، و أفكاري كانت، أن ما حصلَ عقوبةٌ من اللهِ تداركتني.

لا أستطيعُ أن أقررَ بوضوحٍ مقدارَ ما هو عاطفيٌ فقط في الأثر الذي تركتهُ في نفسي. أمرٌ واحدٌ مؤكد: أنها أعطتْ نفسَها لي، كادت أن تعبدَني، سائلةً إيايَ أن أحبَها، مما حركني بقدرٍ كنتُ معهُ على وشكِ أن أضحي بكلِ شئٍ من أجلِها. مقدار حبي لها كان جلياً في حقيقةِ أني كنتُ أخفي عن نفسي إلى أي مدى كانت تحركني بهِ كلماتُها، و الذي، في حقيقة الأمر، ليس له أي علاقةٍ بالعواطف. لو لم أكن رازحاً تحت الإثم، لو لم أملك الـ vita ante acta الخاصة بي، لولا كآبتي، لجعلَني الزواج منها أكثر سعادةً مما قد حلمتُ بهِ طوال عمري. لكن، بما أني أنا -يا للأسف- هو أنا، توجبَ علي أن أعترفَ أني سأُسَرُّ بعدم سعادتي من دونِها أكثرَ من عدمِ سعادتي لو كنتُ معَها؛ لقد حركتني، و لكم كان بودي، أكثرَ من ودي، أن أفعلَ كلَ شئٍ من أجلِها.

و لكن كانت هناكَ معارضةٌ إلهية، هكذا فهمتُ ما جرى. الزواج. كان عليَّ أن أخبئَ مقداراً عظيماً عنها، كان عليَّ أن أحملَ الأمرَ جميعَه على شئٍ غيرِ صحيح.

كتبتُ إليها، و أرجعتُ لها الخاتم. الرسالةُ يمكنُ أن يُعثرَ عليها كلمةً كلمةً في “التجربة السيكولوجية” [6]. استعملتُ كلَ قواي كي أجعلَ من المسألة تاريخاً؛ لم أتحدث مع أيّ أحدٍ عنها، و لا أيّ شخص؛ أنا الذي في صمتي أتجاوزُ صمتَ القبر. و لذا، لو وقعَ الكتابُ بين يديها، أردتُ أن تتذكرَ الرسالة.

ماذا صنَعتْ؟ وسطَ يأسِها الأنثوي قامت بتخطي الحاجز. اتضحَ أنها تعرفُ أنني أنا الكآبة؛ أرادت أن تستخدمَ القلقَ كي توصلَني إلى أقصى حد. العكسُ هوَ ما حصل. لقد أوصلتني بالتأكيدِ إلى النقطة التي جعلتِ القلقَ يوصلَني إلى أقصى حد؛ و لكن بعد ذلك، ركزتُ جميعَ كياني كي أجعلَها تبتعدُ عني. لم يبقَ إلا شيئٌ واحد يمكنني أن أفعلَه، هذا الشئُ هو أن أجعلَها تنفرُ مني بكلِ قواي.

أثناءَ هذين الشهرين من الخداع توخيتُ مقداراً معيناً من الحذرِ في كلِ ما أقولهُ مباشرةً لها من وقتٍ لآخر: استسلمي، دعيني أرحل؛ لن تستطيعي أن تتحملي. الأمر الذي جعلَها تجيبُ بحرارةٍ أنها ستتحملُ أيّ شئٍ على أن تدعني أرحل.

اقترحتُ أيضاً أن نظهرَ للناس أنها هي التي فسخت الخطبة، الأمر الذي من شأنهِ أن يقيَها من أية إهانة محتملة. رفضتْ ذلك بشدة. أجابت: أنها استطاعتْ أن تتحملَ فسخَ الخطبة، فإنها ستتحمل الإهانة. و بطريقةٍ لا تخلو من بعض السقراطية قالت: في وجودِها، لن يجرؤَ أيّ أحدٍ على إظهار الأمر، أما ما يقولهُ الناسُ بغيابِها فليس يعنيها بالمرة.

كانَ وقتاً من العذابِ الرهيب: أن يتوجبَ عليكَ أن تكونَ قاسياً، و في نفسِ الوقت، أن تحبَ مثلما كنتُ أفعل. قاتلتْ كالنمرة. لو لم أؤمنْ أن اللهَ صوتَ بالمسألة لكانت هيَ المنتصرة.

و من ثمَّ، و بعدَ ما يقارب الشهرين، فُسختْ الخطبة. أصابها اليأس. لأول مرةٍ في حياتي أنهرُ أحداً. كان الشئ الوحيد الذي بإمكاني أن أفعلَه.

عندما تركتها، ذهبتُ مباشرةً إلى المسرح لأني أردتُ الإلتقاء بإميل بوسين[7]. (هذا ما دفعَ إلى الشائعة التي انتشرت في كوبنهاجن، أنني نظرتُ إلى ساعتي و قلتُ للعائلة أنهُ لو بقي عندهم أي شئٍ يقولونه فمن الأحرى أن يتعجلوا لأنه يتوجبُ علي أن أذهب إلى المسرح). انتهى الفصل الأخير. بينما كنتُ أهمُ بمغادرةِ الإسطبلات لحقَ بي إتاتسراد أولسن و قالَ لي: “هل بإمكاني أن أتحدثَ إليك؟” ذهبنا سويةً إلى منزلِه. “ما صنعتهُ سيكونُ موتَها، إنها في يأسٍ هائل.” قلتُ له: “سوفَ أهدئُ من روعِها؛ و لكن المسألة منتهية.” هوَ قال: “أنا رجلٌ فخور، و أجدُ أنه من الصعبِ أن أقول ما أنا على وشكِ أن أقولَه، و لكني أرجوك، لا تتركها.” لقد كانَ بكلِ تأكيد رجلاً نبيل القلب؛ حركني ما قالهُ كثيراً. و لكني لم أسمح لنفسي بأن أضعف. بقيتُ مع العائلة حتى العشاء. تحدثتُ معَها و أنا أهمُ بالمغادرة. في الصباح التالي، استقبلتُ رسالةً منها تخبرني أنها لم تنمْ طوالَ الليل، و تسألني أن آتي لأراها. ذهبتُ و حاولتُ أن أقنعَها. سألتني: “ألن تتزوجَ أبداً؟” أجبتُها: “بلى، ربما بعد عشر سنوات، بعد أن أنثر حبوب شوفاني الهائجة، عندَها سأحتاجُ إلى دمٍ يافع كي يرجعَ الشبابَ إليّ.” كانت قسوةً ضرورية. بعدَها قالت: “سامحني على الألم الذي سببتهُ لك.” أجبتها: “أنا الذي يتوجبُ عليه أن يطلبَ منكِ الصفح.” قالت: “عِدني أن تفكرَ بي.”، و عدتُها. “قبلني” هي قالت. قمتُ بتقبيلِها، لكن من دونِ عاطفة. رحماكَ يا رب!

و هكذا افترقنا. أمضيتُ الليلةَ كاملةً و أنا أبكي فوقَ سريري. و لكن في اليوم التالي، تصرفتُ كما في السابق؛ أكثرَ مرحاً، و بمعنوياتٍ لم يسبق أن امتلكتُ أفضلَ منها من قبل. كان ذلكَ ضرورياً. أخبرني أخي أنهُ يريدُ أن يذهبَ إلى العائلة ليظهرَ لهم أنني لستُ خسيساً. “لو قمتَ بذلك، سوفَ أضعُ رصاصةً في رأسك،” و هو أفضلُ برهانٍ على أهمية المسألة بالنسبة لي[8]. غادرتُ إلى برلين. تألمتُ كثيراً. كنتُ أفكرُ فيها كلَ يوم. إلى هذا الوقت و أنا أحافظُ على وعدي، و أدعو لها مرةً على الأقل، و في الغالب مرتين، كل يوم، إضافةً إلى المرات الأخرى التي أمضيها بالتفكيرِ فيها.

عندما انفصلت العرى، كانت أفكاريَ هذه: إما أن ترميَ نفسَكَ وسط أكثر أنواع الحياةِ صخباً و لهواً- أو أن تغدوَ متديناً بالكامل، و لكن ليسَ كتدينِ الرهبان.

لم أبقَ في برلين سوى ستة أشهر. في الواقع كانت نيتي أن أبقى هناك لمدةِ سنةٍ و نصف السنة. لا بدَّ أن حقيقة عودتي بهذه السرعة جذبت انتباهها. و بالفعل حدث ذلك، كانت تنتظرني بعد خطبة ماينستر، في الأحدث الأول، بعد عيد الفصح. و لكني رفضتُ جميع محاولاتها. نيتي كانت أن أنفّرَها. لم أرد لها أن تعتقدَ أنني كنتُ أفكرُ فيها أثناءَ غيابي. و فوق ذلك، علمتُ من سايبرن، أنها هي نفسها قالت أنها لا تستطيعُ أن تحتملَ رؤيتي ثانية. الآن بعد أن اتضحت لي الأمور لم تكن المسألة، و لكن كان من المشروع لي أن أعتقد أنها لم تكن تستطيع أن تتحمل الحديث معي.

للبقية، سوف يبدو كما لو أنها اتخذت أكثر قرارات حياتها أهميةً تحت رعايتي. بعدَ وقتٍ قصيرٍ من خطبتها بشليجل صادف أن وجدتني في كنيسة. لم أتجنب نظرتها. هزت برأسها نحوي مرتين. هززتُ رأسي. هذا يعني: “يجبُ أن تستسلمي بشأني.” أشارت برأسها مرةً أخرى، أشرتُ برأسي بطريقة أردتُ أن تكون وديةً ما أمكن. هذا يعني: “لقد احتفظتَ بحبي.”

بعد ذلك، عندما أصبحتْ مخطوبةً لشليجل (1843)، قابلتني في الشارعِ و حيتني بطريقةٍ هي الأكثر وداً و عفوية. لم أفهمها، إذ أني حينها لم أسمع بخبر خطبتها. قمت فقط بالنظرِ بتسائلٍ نحوَها، و هززتُ رأسي. هي بالطبع كانت تعتقدُ أنني سمعتُ عن خبر الخطوبة و تريدُ أن تطلبَ موافقتي.

عندما أُذيعت أخبار الزواج (1847) كنتُ متواجداً في الكنيسة.

سورين كيركجارد

[1] هذه الصحفات مأخوذة من مجلة سورين كيركجارد الشخصية، و لقد طلبَ قبل وفاته أن تُرسل إلى ريجين أولسن، المرأة الوحيدة التي أحبها، و فسخ خطبتها معها، كما سيتبين من الأحداث الواردة في المجلة.
[2] جتلاند هي المنطقة الشمالية و القروية من الدنمارك، و التي ينحدر منها أبو سورين كيركجارد. بعد نجاح سورين في امتحانه الديني في زمن قياسي، قام بزيارة تلك المنطقة فيما يشبه الحج الروحي، كي يتتبع خطوات أبيه الشاب،
[3] القنصل شليجل، أحد معارف عائلة أولسن، و الذي تزوج ريجين فيما لاحقاً، بعد أن فسخ سورين خطبته بها. يُقال أن ريجين في أواخر حياتها، كانت تبدأ جميع أحاديثها بالتحدث عن زوجها الراحل شليجل و الثناء عليها، و لكنها كانت تنهينها دوماً بالتحدث عن سورين كيركجارد، حبيب شبابها.
[4] ولد ريجين أولسن.
[5] عبارة لاتينية تعني “حياةٌ انقضت من قبل”.
[6] التجربة السيكولوجية هو أحد الكتب غير المعدودة التي استطاع كيركجارد أن يكتبها في فترة حياته القصيرة. في أحد الفصول، يورد كيركجارد رسالة فسخ الخطبة مع ريجين دون أن يشير إلى حقيقة ذلك صراحةً.
[7] في رسالة إلى صديقه إميل بويزون، منعَ كيركجارد صديقه من أن يناقض أو ينفي جميع الشائعات التي انتشرت في كوبنهاجن، و التي تحكي عن فسخ الخطبة، و عن قسوة و خساسة الشاب سورين كيركجارد.

Advertisements
هذا المنشور نشر في فكر و فلسفة. حفظ الرابط الثابت.

2 Responses to كيركيجارد: مذنب أو غير مذنب؟

  1. فـوز كتب:

    مؤلم ..
    قرأت في كتاب اللامنتمي لكولن ولسون أن له رواية اسمها مراجعة .. بحثت عنها ولم أجد شيئا ..

    • Mamdouh كتب:

      مرحبا فوز. يبدو أن المترجم أخطأ في كلمة “رواية” وكلمة “مراجعة” لأن كيركيجارد لم يكتب رواية في حياته. يبدو أن ما يقصده هو كتاب التكرار. وهو أحد كتبه الرئيسية مع الخوف والرعدة. وهو مترجم للعربية حاليا .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s