كيركيجارد: حدث ذات مرة في جتلاند


للأدب والفن القدرة على تقديم فلسفة ما دون الالتزام بخط التفكير الفلسفي الرسمي. يحدث أحياناً، وفي الأغلب كذلك، أن يتضمن النص الأدبي واللوحة التشكيلية شذرات من نص فلسفي قائم. مقدار التفاعل والحوار الذي ينشأ بين النص/ اللوحة والقارئ يفتح المجال للبحث عن أصل هذه الفكرة وجذورها. والنتيجة المنطقية أن الفنان أو الأديب أخذ هذه الفكرة من فلسفة ما لكنه لم يلتزم بها. لم يجعلها حاكمة. أعاد تخطيطها ورسمها في قالبه الخاص، بصورة تصل إلى القراء والمشاهدين الآخرين. يستطيع إدوارد مونك أن يوصل إلينا مقدر القلق والألم في ذلك الشخص الذي صرخ صرخة لا نهائية في لوحة الصرخة. صرخة لا نعرف منشأها أو الأسباب التي دعته لأن يفعلها. هل الإحساس بالرعب والخوف والقلق هو مصدر التأثير الذي تستطيع هذه اللوحة أن تصرح به؟ هذا الذي يصرخ قام بالفعل، أحدث حراكاً داخل وجدانه، مارس حق من حقوقه: أن يتمرد ويخبر من بقربه أنه ليس لا شيء في هذا العالم، أنه موجود. الكثير من الفنون والآداب تحمل شذرات من الفلسفة الوجودية وقد يصل الأمر إلى درجة الريادة في التعبير عن تلك الفلسفة. نص مثل ملاحظات من القبو لفيدور دوستويفسكي يلقى الإعجاب الكبير كنص أدبي. ولكن ماذا إذا ظهر لنا أن هذا النص هو أعظم نص أدبي يعبر عن الفلسفة الوجودية، هل النص حينها يعبر بالكامل عن تلك الفلسفة بكامل أفكارها؟ لا يعبر بلا شك، وليست مهمة للنص الأدبي أن يعبر عن الفكر الفلسفي.

بين الفينة والأخرى أتصفح كتاب مختارات من يوميات سورين كيركيجارد. امتلئ الكتاب بأوراق جانبية صغيرة حتى أعود إليها لاحقاً. تارة يتحدث شعراً وتارة يعلق على ما يقرأ من كتب فلسفية. يتحدث عن شخصه بأسلوب شاعري غريب يذكرك بتلك المرأة التي قالت للقاص العظيم هانس كريستيان أندرسن: ظهر في سماء الأدب نجم مشئوم الطالع، والكتاب شيطاني إلى درجة أن المرء لا يدعه من يده إلا ويود أن يستأنف قراءته في الحال. إن في هذا الكتاب غثياناً لا يمكن أن يكون إلا ثمرة نفس شريرة! كانت هذه السيدة الدنماركية تعبر عن وجهة نظرها تجاه المجلد الأول لكتاب إما / أو لسورين كيركيجارد، والذي يبدأ بذلك التعريف عبر الشخصية الوهمية أ التي تعبر عن وجهة نظر جمالية:

من هو الشاعر؟ إنهُ رجلٌ غير سعيد، يخفي حسرةً عميقة في قلبِه، شفتاهُ مطبقتانِ للغاية، إلى درجةِ أنَّ الأنات و التنهيدات لو عبرت من خلالِهما، سوفَ تُسمعُ و كأنها موسيقى عذبة. قدرهُ كقدرِ أولئكَ الذينَ يُعذبونَ ببطءٍ وسطَ ثورِ فالاريس؛ صيحاتهم لا تستطيعُ أن تصلَ أذني الطاغية لتلحقَ به الألم، بالنسبةِ إليه، هيَ تُسمعُ و كأنها موسيقى. الناسُ يتحلقونُ حولَ الشاعرِ و يقولون: “غنِ مرةً أخرى، لا تتأخر”-و كأنهم يقولون: “عسى أن تلحقَ بروحِكَ آلامٌ جديدة لتعذبَها، و عسى أن تبقى شفتاك مطبقتين كالسابق، إذ أن الصيحةَ لن تلحقَ بنا إلا فزعاً، أما الموسيقى، الموسيقى، فيالها من شئٍ عذب.” النقادُ يتقدمون نحوَه قائلين: “تلكَ هي الطريقة، هكذا يقولُ جهابذةُ علمِ الجمال، عن الطريقةِ التي يجبُ عليكَ اتباعُها كي تغني.” بالطبع، الناقدُ يشابهُ الشاعرَ بالشعرة، ما عدا أنهُ لا يملكُ أسىً في قلبِه، و لا موسيقى فوق شفتيه. لذلك أقولُ لكم، أفضلُ أن أكونَ راعي خنازير في آماجيربرو يُفهمُ بينَ تلكَ الخنازير، على أن أكونَ شاعراً لا يفهمهُ البشر.


سورين كيركيجارد شاعر. شاعر عظيم رغم أنه لم يكتب أي قصيدة. عبقريته المتعددة الجوانب عبرت عن نفسها بتنوعات متألقة في أسلوبه: يستطيع أن يعبر الجمالي عن نفسه بمفردات عفوية ومقنعة بلحن حزين، وينقلب في لحظة أخرى ليصبح أستاذاً في الأخلاق، تصيبه الرعدة يفجر من خلالها هجوماً لاذعاً وعنيفاً ضد الكنيسة الرسمية. قررت ذات يوم تحت تأثير هذه اللمحات قراءة أحد مؤلفاته ( سأتحدث عنه في تدوينة قادمة). تعرفت على أسلوب كيركيجارد – ظننت كذلك-، لكن المفاجأة كانت سريعة. كان الكتاب الذي كنت أقرأ يحكي قصة من التراث الديني. هذه القصة أعرفها جيداً لكن كيركيجارد اختط خطاً غريباً جمع فيه ما بين الخاص والعام، ما بين الرؤية العامة للقصة وحوادث شخصية لا أستطيع معرفتها وما تشكله من موقع في النص. قررت التوقف للحظات حتى أقرأ عن المؤلف لمعرفة كيف أقرأ كتابه. لكن من أين أبدأ؟

بإمكاني أن أتناول كيركيجارد كشاعر وصانع نصوص أدبية. لكن كيركيجارد ليس أديباً عبر عن قلق الوجود كما في أدب دوستويفسكي. هو فيلسوف ورائد من رواد الفلسفة. حول سيرة حياته التي تشبه الروايات العظيمة إلى فلسفة تم الإشارة إليها بالفلسفة الوجودية. والوجودية ليست مرتكزة في شخص كيركيجارد، وإن كان يشار إليه بالرائد الأكبر لهذا التيار الممتد عبر تاريخ الفلسفة واكتسب زخماً عبر كيركيجارد مروراً بمارتن هيدجر وصولاً إلى سارتر في القرن العشرين. يشير القس جون ماكوري في كتابه الوجودية إلى أن هذه الفلسفة هي أسلوب في التفلسف أكثر منها فلسفة. تؤدي بمن يستخدمها إلى مجموعة من الآراء التي تختلف فيما بينها أشد ما يكون الاختلاف حول العالم وحياة الإنسان فيه. هذا الأسلوب يبدأ من الإنسان لا الطبيعة. فلسفة عن الذات أكثر منها فلسفة عن الموضوع. وهذه الذات غير محددة بالذات المفكرة، وإنما تشير للذات المبادرة إلى الفعل، والتي تحتوي بداخلها على مركز للشعور والوجدان. كانت المشاعر والانفعالات والعواطف البشرية موضع ريبة فلسفياً. الفلسفة بوصفها تفكيراً عقلياً محاولة للارتفاع فوق الأهواء والنزوات. والفيلسوف ينأى عن الانفعال ويسعى إلى فهم هادئ للأشياء. إذا سمح بوجود الانفعال والوجدان في صلب الفلسفة، فهدف ذلك كي يخضعها للتمحيص العقلي. لا يعترف بها كمصدر للحقيقة الفلسفية. بعض الفلاسفة كانوا يبدون إعجاباً بالطابع الشامل والمباشر الذي يتسم به ذلك الضرب من الفهم الذي تأتي به المشاعر. مع ظهور الوجودية عادت مشكلة المشاعر وعلاقتها بالفلسفة من جديد. إذ أصبح ينظر إليها على أنها طريق نصل بواسطته إلى الحقيقة الفلسفية. ليست نقيض للعقل والفكر وإنما مصدر للاستبصار، ولها مكانة في النسيج الكلي للوجود البشري، تحمل سجلاً شخصياً لوجود الإنسان في العالم. غير أن الوجودية ليست فلسفة للمشاعر بحيث تظهر في الأخير وكأن اللاعقلانية تضرب في تكوينها. هناك تركيز شديد على مشكلات مرتبطة بالوجود العيني المباشر مثل الحرية والمسئولية واتخاذ القرار، لأن ما يميز الإنسان عن جميع الموجودات هو ممارسته للحرية وقدرته على تشكيل مستقبله.

ظهر كيركيجارد في وقت كانت فيه السيادة الفلسفية لهيجل، والتي تمتعت بدعم واسع في ألمانيا. فلسفة نظرية تتألف من مفهومات وتصورات عقلية يربط بينها بناء محكم هو الديالكتيك. يشار إلى فلسفة كيركيجارد في جزء منها كرفض لفلسفة هيجل. الوجود البشري لديه هو الوجود العيني الفريد لشخصية الموجود البشري الفرد. لا يندرج ضمن مذهب أو نسق يبنيه الفكر العقلي. ها هنا معارضة لمذهب الماهية كما عرفه كيركيجارد في الهيجيلية عن طريق جمع الناس والأشياء في بنية عضوية يتم فيها تجاوز المتناقضات. الصعوبة الملازمة للوجود البشري والتي يواجهها الفرد الموجود هي صعوبة يستحيل التعبير عنها تعبيراً حقيقياً بلغة الفكر المجرد. لأن الفكر المجرد حسب كيركيجارد يتجاهل العيني والزماني والمسار الوجودي. بتعبير أوضح: الإنسان يحوي بداخله على مفارقة بين المتناهي واللامتناهي، بين الزماني والأبدي. الفكر يعجز عن أن يجد في هذا شيئاً ذا معنى أو عن الجمع بين هذين الجانبين. الوجود البشري ليس فكرة أو ماهية يمكن تناولها عقلياً. الإنسان يتحول إلى ما هو أدنى من الوجود البشري إن هو سمح لنفسه وكينونته بأن تستوعب في تخطيط عضوي للوجود، أو في نسق فكري عقلي. إن الإنسان يحقق كينونته على وجه الدقة بأن يوجد وجوداً بشرياً وبأن يظهر على أنه شخص فريد على نحو ما هو عليه وبأن يرفض بإصرار وعناد أن يستوعبه مذهب ما.

يقول المفكر عبدالرحمن بدوي في كتاب دراسات في الفلسفة الوجودية:

ثار كيركيجارد على فلسفة هيجل قائلاً” الفلسفة ليست أقوالاً خيالية لموجودات خيالية، بل الخطاب فيها موجه إلى كائنات موجودة”. الفلسفة ليست بحثاً في المعاني المجردة. يجب رد المسائل إلى الموجودات والنظر إليها بوصفها موضوعات يعانيها الموجود نفسه. الذات الوجودية لا العقل المجرد هي التي يجب أن تكون العامل في إيجاد الفلسفة. الإنسان بوصفه الذات المفردة هو مركز البحث. وأحواله الوجودية من موت وقلق ومخاطرة وخطيئة هي المقومات الجوهرية لوجوده، والحرية والمسئولية والاختيار من المعاني الكبرى في حياته. على هذا الأساس أقام كيركيجارد معالم فلسفته معتنياً بتحليل هذه المعاني الأساسية في الوجود، ممجداً الوجدان والانفعال إلى جانب العقل، بوصف الوجدان أقدر على أن يحيا الحياة من العقل الذي يتأمل الحياة من الخارج ولا يعيش في باطنها. متخذاً التجارب الحية موضوعات للتفسير والتفلسف بدلاً من التصورات العقلية المجردة.

ولد سورين لعائلة من سبعة أفراد بلغ عاهلها السادسة والخمسين سنة، ووالدته بلغت الخامسة وأربعين. كان التأثير الأكبر في حياة سورين هي قصة وحياة والده العجوز. كان مايكل كيركيجارد، والد الفيلسوف، راعياً للماشية في شبابه في سهول الجوتلاند. كان فقيراً ومعدماً يعيش في بيئة يتمنى أفرادها بأنهم لم يولدوا فيها، إذ كان الوعاظ المورافيين والقساوسة يمطرون السكان بالعظات والخطب التي تبشر ببعث ديني قريب. تحت هذه الحالة من الفقر والشعور الكبير بالإثم حدث شيئاً ظل سر كتمان الأب لسنين طويلة. انتقل الأب بعدها إلى كوبنهاجن للعمل مع أحد أقاربه. وهناك شق طريقه بسرعة مذهلة إلى درجة أنه وهو في الأربعين من عمره تمكن من التقاعد وأمضى بقية حياته كرجل غني لديه فراغ شديد. كانت لمايكل نظرة كئيبة سوداوية للحياة. هذه النظرة سادت في المنزل حيث ربى أطفاله بشكل صارم من التدين تؤكد بصفة خاصة على معاناة المسيح. كان يعاني من لحظات شك رهيبة: مشاعر اكتئاب تطفو وتخفت، لحظات يأس وخطيئة إلى درجة قيل فيها أنه بعد انتقاله إلى كوبنهاجن لم يبتسم لمرة واحدة. يقول سورين كيركيجارد في يومياته:

كنت منذ الطفولة وفيما بعد في قبضة كآبة مسيطرة. كان فرحي الوحيد حسب ما أذكر، في ألا يكتشف أحد مدى التعاسة التي كنت أشعر بها. لم أكن رجلاً أبداً، ولا حتى بدرجة أقل طفلاً أو شاباً. إذا جاز لي أن أعبر عن نفسي لقلت إنني تربيت على نحو جنوني، وحتى في طفولتي المبكرة قيدتني انطباعات حطت عليّ من سوداوية الرجل العجوز الذي كان هو نفسه محاصراً بها. لقد كنت طفلاً تربى – بجنون – كرجل عجوز سوداوي!

تحت هذا الثقل من الكآبة عاش سورين كيركيجارد. لم يرث عن أبيه أعمق مكونات شخصيته والاكتئاب وحسب، بل تعلم منه العقلية الجدلية والخيال الانفعالي المفرط. تتحدث السير عن طريقة غريبة للتواصل والحوار بين الأب وابنه. كانوا يذرعون الغرفة ذهاباً وإياباً لساعات ويتوقفون للحديث عن أشخاص وهميين، أو يصفون منازل وأشجار أو أحداث لا تُعرف لماذا يزج بها في هذا المركب السيار. يخفضون أصواتهم وكأن صرير عجلات العربات المارة بهما قد أغرقت الأصوات. بعض نقاد وكتاب سير كيركيجارد وصفوا تلك اللحظات من الحوارات الجدلية بأنها السبب في وهمية بعض شخصيات كيركيجارد مثل جوهان الصامت و يوهانس المغرر به. البعض الآخر يفسر تلك الملكة الشعرية الفذة في نصوص كيركيجارد إلى تلك الحوارات الجدلية حيث نمت موهبة كيركيجارد وأرهفت حسه النفسي وجعلته على شعور واضح بذاته. ما كان لملكة كيركيجارد الشعرية أن ترتفع وتصل إلى هذا المستوى من التأثير دون تلك الجدالات.

عصفت بسورين كيركيجارد الشاب أحداث وهو في الثانية والعشرين من عمره أفقدته كل تركيز. لم يتيقن حتى الآن عن حقيقة ما يحدث والسر المختبئ خلف هذا الموت الذي يتخطف أفراد عائلته. قبلها بسنوات قليلة كان قد أتم دراسته الثانوية بتفوق، ثم بدأ بدراسة اللاهوت والقراءة في الآداب والفلسفة. كان مؤكداً اجتيازه الامتحان النهائي إلا أنه انقطع تماماً عن الدراسة. قرر أن يرتحل إلى مصيف ساحلي في رحلة أشبه ما تكون بالرحلة الروحية باحثاً عن ما يشبه السلام والاطمئنان. ذكر في يومياته:

ما ينقصني فعلاً هو أن أتبينَ ماذا ينبغي عليّ فعلَه، لا ما يتوجبُ عليّ علمَه، ما عدا أنَّ بعضاً من الفهم ينبغي أن يسبقَ كلَ عمل. ما ينقصني هوَ أن أفهمَ نفسي، أن أرى ما يريدُ اللهُ لي أن أفعلَه؛ ما ينقصني هو أن أجدَ حقيقةً حقيقيةً تخصني أنا وحدي، أن أجدَ الفكرةَ التي أستطيعُ أن أحيا و أموتَ من أجلِها. ما الجدوى من اكتشافِ ما يُدعى بالحقيقةِ المطلقة، من الاشتغال بتفحصِ جميع أنظمةِ الفلسفة و القدرةِ على -إن لزمَ الأمر- مراجعتِها كلها لإظهارِ التناقضِ الموجود في كل واحدٍ من أنظمتِها؟ ما النفع الذي سأجنيه إن أنا استطعتُ أن أطوّرَ نظريةً للحكمِ و مازجت جميع التفاصيل في كيانٍ واحدٍ، إن أنا بذلكَ شيدتُ عالماً لا أعيشُ فيه، و لكن أستطيعُ فقط أن أمسكَ به ليراه الآخرون؟ ما النفعُ الذي سأجنيهِ إن أنا استطعتُ أن استخلصَ معنى المسيحية، إن لم تكن تلك المسيحيةُ حاملةً لأهميةٍ أعمق بالنسبة لي و لحياتي؟ ماذا سوف أجنيهِ من الحقيقةَ لو أنها وقفتْ أمامي، مرتجفةً عارية، غير معنيةٍ ما إذا كنتُ قادراً على تبينِها أم لا، باعثةً في كياني رعدةَ خوفٍ بدلاً من إيمانٍ مُطمئِن؟ أنا بكلِ تأكيد لا أنكرُ أني لا زلتُ أعترفُ بضرورية الفهم، و أنه من خلالهِ يستطيعُ الشخصُ أن يتصرفَ مع البشر، و لكن يجبُ أن يتخللَ هذا الفهمُ حياتي، هذا ما اكتشفتُ الآن أنهُ أهمَّ شئٍ بالنسبةِ لي. هذا ما تتطلعُ إليه روحي، كما هي الصحراء الأفريقيةُ تحنُ للماء. هذا ما ينقصني، و لهذا أنا أقفُ وحيداً كرجلٍ استأجرَ منزلاً و جمع كل الأثاث و الحاجيات المنزلية مع بعضها، و لكنه لم يجد الحبيبة التي يمكنهُ معها أن يتشارك جميعَ أفراحِ و آلامِ حياتِه.

وإن كان هذا النص يمثل المانفيستو الأمثل للمدرسة الوجودية إلا أنه كذلك من النصوص التي تصف حياة سورين كيركيجارد بالكامل. وهو إلى ذلك يعبر عن موضوع رئيسي في الفلسفة الوجودية، ألا وهو الفعل. الوجود البشري عند كيركيجارد لا يصل إلى العينية والامتلاء إلا بالفعل. الفعل ليس أداء واجب وحسب، هو شخصي بمعنى عميق. يشمل الإنسان ككل. يتضمن الفكر والانفعال الطاغي. لو لم يكن هناك فكر وانفعال أو قرار داخلي لما كان هناك شيء جدير باسم الفعل. كتب كيركيجارد هذا النص وهو في الثاني والعشرين من عمره. عندها وقع الزلزال الكبير: الهزة الكبيرة في حياة كيركيجارد. لا توجد أي سيرة أو كتاب عن كيركيجارد دون أن يتناول تلك الكلمات التي عبر عنها في يومياته بشكل غامض والمعروفة بالزلزال الكبير:

عندَها وقعَ ذاكَ الزلزالُ العظيم، تلكَ الثورةُ المرعبةُ التي دفعتْ فجأةً نحوي بقانونٍ جديدٍ و أكيدٍ لتفسير كل الحقائق. عندَها علمتُ أنَّ عمرَ أبي الطويل لم يكنْ نعمةً إلهية، إنما كانَ لعنة؛ أنَّ العطايا العقلية العالية لعائلتنا لم تُمنح لنا إلا لننهشَ و نمزقَ بعضَنا إلى قطع: عندَها شعرتُ بصمتِ الموت يتنامى من حولي، عندما رأيتُ أبي، ذاك الرجل الكئيب الذي قُدرَ عليه أن يحيا من بعدِ موتِنا، ذاكَ الصليب الذي يعلو قبر جميع آمالِه. لا بدَّ أن هناك إثمٌ فوقَ كل العائلة، عقوبة اللهِ لا بدَّ أنها فوقَها؛ عائلة قدرُها أن تختفيَ تحتَ ضربةٍ من يدِ الله الجبارة، أن تُقمعَ كمحاولةٍ فاشلة، فقط في بعض الأحيان أجدُ بعض العزاءِ في فكرةِ أنَّ أبي احتمل هذا الشيء الثقيل و واسانا بعزاءِ الدين، بتعميدنا من أجلِ أن ينتظرنا عالمٌ أفضل، حتى لو كانَ مقدراً علينا أن نُفنى بالعقوبة التي كان اليهود دائماً يتمنونها لأعدائهم: أن تُمحى ذكرانا إلى الأبد، أن لا يبقى منا أيّ أثر.

كانت عائلة كيركيجارد مكونة من سبعة أفراد. مع نهاية عام 1834 لم يتبقى من العائلة إلا الأب وسورين الصغير والابن الأكبر بطرس. هذه الوفيات الغريبة تم تفسيرها من قبل كيركيجارد بأن في الأفق تلوح لعنة أبدية يجب أن تقتص من أفراد تلك العائلة. هناك خطيئة كبيرة تسببت بأن لا يعمر إخوته أكثر من أربعة وثلاثين سنة. واقعتان تم حصرهم من قبل الباحثين لتفسير الزلزال الكبير. الواقعة الأولى هو السر الذي كان يحيط بالأب. عندما كان راعياً صبياً في سهول الجوتلاند، في تلك الحالة من عدم وجود أي ضياء للرحمة تحت سياط الوعاظ المورافيين، وفي تلك الحالة من الفقر والعوز وضيق الأفق، صعد إلى جبل من تلك الجبال الواقعة هناك وقام يجدف باتجاه السماء. بعد تلك الحادثة المريرة، وتكفيراً عن ما فعل، اُحيط الأب العجوز بإكتئاب لم يفارقه. ينتظر لعنة ستهبط عليه في أية لحظة. ما حدث لاحقاً بعد مغادرته لكوبنهاجن أنه صار غنياً. وكأن العقوبة واللعنة لن تحل عليه هو الذي قام بالخطيئة، بل على عائلته. تمكنت هذه الفكرة من نفسه ووجد الوسيلة الأفضل للتكفير عن تلك الخطيئة أن يجعل أصغر أبناءه سورين من رجال الدين. هدأت مخاوفه قليلاً وبدأ الأب العجوز وهو في حالة الغنى تلك بقراءة الفلاسفة الألمان، ملتحماً بأسرته، معتنياً بهم حتى بدأت تلك النذر الأولى بوفاة الابن الخامس لتلحقه البنت الكبرى. ها هنا عادت تلك اللحظة للعجوز الأب. لم يتمكن هذا الرجل العجوز أن ينسى هذا حتى عندما أصبح في الثانية والثمانين. كتب ذلك سورين في يومياته. الواقعة الثانية هي زوجة الأب، والدة سورين التي لم يتحدث عنها على الإطلاق رغم ضخامة ما كتب في يومياته الهائلة الصفحات. عندما توفيت الزوجة الأولى لمايكل كيركيجارد، تزوج مايكل زوجته الثانية التي كانت خادمة عنده. أنجبت تلك الخادمة، والدة سورين، ابنها الأول بعد خمسة أشهر فقط من الزواج! الزلزال الكبير – والذي أستطيع وصفه بالتحول الأول في حياة كيركيجارد – لا يركز على ماهية الخطيئة بقدر اعتقاد سورين أن الموت يحيط به من كل جهة، ولن يعمر أكثر من أربعة وثلاثين عاما. وكأن مباهج الحياة كانت تقبل عليه بكل حب ثم تم فضحه. لشاب عاش في بيئة سوداوية، ورث من أبيه الاكتئاب الحاد، عاش سورين سنتين بعد الزلزال الكبير وصفت بأكثر سنوات الاضطراب. سنوات إثارة صاخبة تتخللها كآبة عظيمة، شكلت جزء منها المرحلة الجمالية في مراحل كيركيجارد الثلاث: المرحلة الجمالية، والمرحلة الأخلاقية، والمرحلة الدينية.

في المرحلة الجمالية يعيش الإنسان في اللحظة الحاضرة. يرفض كل تكرار يقيده بواجبات ويفرض عليه قيوداً لأن في التكرار تثبيت للزمان والمكان والأوضاع وتقييد للذة وتبلد للشعور. إنسان هذه المرحلة لا ينشد إلا التغيير. إن اللذة هي الهدف من الحياة. لأجلها يجب أن يقف ضد كل ما هو إلزامي. لا يوجد اتجاه جمالي واحد في هذه المرحلة، إلا أن ما يوحد الجماليين هو اللذة كهدف للحياة. من يحيا على مستوى المرحلة الجمالية – تقول الدكتور فريال خليفة في كتاب نقد فلسفة هيجل: يفقد القدرة على السيطرة على ذاته، يظل سجين البحث عن لحظات السعادة المتاحة، عن أكثر الأشياء لذة، وهي لا تبلغ به حد الإشباع، فيصاب الفرد الموجود بالملل واليأس لعجز إرادته عن اتخاذ قرار أخلاقي. الذات الحقيقية لا تتحقق إلا بالاختيار، والحياة شأنها إما/أو، والطريق الجمالي يفضي إلى الملل والمزاج السوداوي. لهذا يأخذ كيركيجارد على هيجل كونه لم يلتفت إلى المنابع الوجودية لليأس، بل قام بإفناء الذات وأدخلها في حتمية ميتافيزيقية وجعلها مقولة في المخطط النسقي العام وصار اليأس، بل وكل المشكلات الوجودية أمور عقلية لا يشعر الإنسان خلالها بالشقاء. يذكر كيركيجارد في يومياته عن شيء يشبه الانتقال من المرحلة الجمالية إلى المرحلة الثانية، المرحلة الأخلاقية: في

بحر من الملذات ليس له قرار، وفي هاوية المعرفة فتشت عبثاً عن نقطة ألقي فيها بمرساتي. لقد ذقت شجرة المعرفة، وكثيراً ما استمتعت بذلك المذاق، غير أن هذه المتعة لم تكن تبقى إلا لحظة المعرفة فحسب، ثم تمضي دون أن تخلف بصماتها العميقة داخل نفسي.

المرحلة الثانية هي الأخلاقية. التكرار ملغي وغير موجود عند إنسان المرحلة الجمالية. أما في هذه المرحلة فيشكل الصميم لأن الزمن ممتد وله استمرار تاريخي وليس لحظة حاضرة. لا تكون للحياة معنى دون القيام بالواجب الأخلاقي. المرحلة الثالثة هي المرحلة الدينية. إنسان هذه المرحلة يجد علاقته بالله هي أعمق شيء في الحياة. الحياة الإنسانية لا تنال أرضيتها وعمقها ما لم ترتبط بالله والحياة الخالدة. في حين يعيش الجمالي في اللحظة، والأخلاقي في الزمن، يعيش الديني في هذه العلاقة المؤملة مع اللانهاية. هذه المراحل الثلاث ليست متصلة، وليست منفصلة كذلك. توجد منطقة حرة بين كل مرحلة وأخرى، بحيث لا يمكن الانتقال بينهم إلا بوثبة. هذه الوثبة تحمل نظرة جديدة للحياة. رجل المرحلة الجمالية لا يمكن أن يصبح رجل الأخلاق دون قفزة (مرحلة السخرية) تغير نظرته للحياة. رجل الأخلاق لا يمكن أن يصبح رجلاً متديناً دون وثبة كذلك (مرحلة التهكم). كمثال فني على هذه المراحل الثلاث أو الخمس: شاب يعيش في اللحظة الحاضرة ولا يجد من هدف في حياته إلا نشدان اللذة. عاجلاً أو آجلاً يصيبه اليأس والملل، يشعر بفراغ هائل في حياته لا يمكن ملأه، فيتجه للسخرية من كل شيء إذ ما هي فائدة الحياة؟ هذا التساؤل يفتح الباب لتكوين نظرة ضد نزعته الجمالية. حينها يجد هدف ومعنى في هذه الحياة: أن يعيش كرجل واجب مسؤول عن أفعاله وفق معيار الخير والشر، يجد هدف الحياة ومعناها في التطور الأخلاقي وفي الحياة الاجتماعية والأسرية. هل هذا هو الهدف النهائي للحياة؟ لا يرى كيركيجارد أن المرحلة الأخلاقية كافية إذ أن رجل الواجب يمل في النهاية من التنبه الدائم لواجبه، ومن عدم انتهاك القواعد الحياتية التي وضعها لنفسه. وهو ملل يصل إليه معظم البالغين، فيقعون من جديد في المرحلة الجمالية حيث الحياة أشبه بلعبة. بينما يتجاوز آخرون المرحلة الأخلاقية إلى المرحلة الكبيرة إلى أعماق الإيمان، مفضلين الإيمان على متع الحواس وإتمام الواجب الذي يمليه العقل .هذه المراحل ليست ضرورية لكل فرد. قد يضل البعض في المرحلة الجمالية طوال حياتهم، أو قد يضلون في الأخلاقية للأبد.

أصل إلى آخر مرحلة من حياة هذا الفيلسوف. وهي مرحلة شكلت تهديداً للنظام بأكمله من قبل رجل واحد. قد تبدو هذه المعركة بأنها ليست متكافئة لضخامة المواجهة بين الفرد والمجتمع. كيركيجارد الذي يؤمن بذاته أعمل قلمه في هذه المعركة. إذا أردنا وصف للحالة الاجتماعية والدينية عن الدنمارك في تلك الفترة، نجدها بأوضح صورة في قصص القاص العظيم هانس كريستيان آندرسن. يقول في بعض قصصه مثلاً: “كانت أشعة الشمس متوهجة وقد دعت أجراس الكنيسة الناس للتجمع. فارتدوا أبهى حللهم وذهبوا إلى الكنيسة متأبطين كتب الصلاة ليستمعوا للقسيس”. الصورة التي تظهر من هذا التعبير البسيط هي علائم الاطمئنان الروحي والسكينة التي تغلف الأجواء. مدنية هادئة في الشمال الأوروبي تعيش باطمئنان وهدوء تحت دعم سخي من الدولة للكنيسة وحفظها للدين. سورين كيركيجارد وحده كان يشكل تهديداً لهذا السلم بكتاباته التي لا تتوقف وتفجرت بشكل لا مثيل له عند تأبين القس مينسنتر. عند تأبين القس مينسنتر، قام وريث القس الراحل ويدعى مارتنسن بتأبين القس المتوفى ووصفه بالشاهد على الحقيقة. لم يكن كيركيجارد بحاجة إلا إلى هذا الكلام لينفجر ويخوض معركة كبيرة مع الكنيسة الرسمية. معركة مفردة مقابل مجموع عام يحظى بدعم الدولة والمجتمع. كان مما أثار الزوبعة هو هذا الوصف (الشاهد على الحقيقة). كتب كيركيجارد قائلا:

إن الشاهد على الحق رجل امتلأت حياته بالمعارك الباطنة والخوف والقشعريرة، المحن والبلاء والآلام المعنوية. الشاهد على الحق رجل يشهد للحق في الفقر والذل والمهانة. يشهد للحق وعيون الناس تقتحمه، والكل يكرهه: إن الشاهد على الحق شهيد.

كان سورين يعرف الأسقف الراحل تمام المعرفة لأنه كان على صلة بوالده. لم يتقبل سورين وصف الأسقف الراحل بالشاهد على الحق. انطلق سورين حينها مهاجماً الكنيسة الرسمية من خلال مجلة أصدرها بعنوان الآن، والتي صدر منها تسعة أعداد. كل عدد كان قنبلة شديدة التفجير تجاه الكنيسة التي زيفت المسيحية الحقة كما يقول. كانت الكنيسة اللوثرية هي الكنيسة الرسمية في الدنمارك. ضمنت الدولة لرجال الدين مستوى اقتصادي مرتفع ومنحتهم وظائف في الدولة. سورين يرفض هذا النهج من الضمان الحكومي لرجال الدين ومن سيطرة الدولة على الكنيسة. إيجاد ضمان لكنيسة مسيحية كان يعني له خيانة لكل عقيدة في تعاليم المسيح. كانت نظرة كيركيجارد تذهب إلا أن الأسقف الراحل لم يعان من أجل العقيدة، ومن ثم فهو في رأي الفيلسوف قد سقط في العالم ومباهجه. وصف بعض نقاد سورين رؤيته الدينية هذه بالتطرف والقسوة الدينية. إلا أن الحوار مع هذا الرجل هو ضرب من الخيال. وكأنه ينتظر أي رد حتى يهاجم بشكل أعنف من ذي قبل. وصلت شهرته إلى أقصى مدى حين نشر مقالة يرد فيها على الانتقادات بعنوان ماذا أريد؟ بدأت هذه المقالة بتأكيده بأنه لا يريد إلا الصدق والإخلاص ولا يهمه أي شيء آخر. وإذا كان الإخلاص يقوم على التمرد ضد المسيحية، فسيسعده أن يكون من ضمن هذه الزمرة لأنه – كما يقول – يريد الأمانة، وأينما يقوم الإخلاص سيشارك فيه. لم تحمل رؤية سورين النقدية تجاه الدين أي ملامح سياسية أو اجتماعية وإن كان قد أطلق الرصاصة الأولى فهو قد مهد الطريق لتيار من الثوريين الاجتماعيين الذين اعتبروا الكنيسة إحدى القوى التي استخدمتها الطبقات المالكة للإبقاء على الطبقة العاملة وديعة وسهلة الانقياد. لم يكد يصدر العدد التاسع من مجلته الآن حتى سقط في الشارع كنيتشه تماماً. وإن كان محتفظاً تماماً بعقله. مما ذكر من حوار أخير وهو على مشارف الموت هو هذا الحوار، والذي ذكر في عدد من كتب السير:

Do you wish for holy communion ?
Yes, but not from a priest: from a layman.
That will be difficult!
Then I’ll die without it. I hope I may be free from despair at the moment of death

في التدوينة القادمة سأتناول المؤثر الثاني والأكبر في حياة سورين كيركيجارد، والذي شكل معلم رئيس في نصوصه الفلسفة والأدبية.

ـــــ

قائمة بكتب ومراجع:

عندما بدأت بقراءة أحد كتب كيركيجارد لم يرد في الذهن أن أقوم بقراءة كتب أخرى حتى أفهم كيركيجارد. كتاب واحد فتح الباب واسعاً لكتب متعددة. كانت التجربة بلا شك مثيرة بكل ما فيها من تعقيدات وصعاب. قبل سنة قرأت نصوص أدبية لمؤلفين تم وصفهم بالفلاسفة الوجوديين وبكل أمانة، لم أفهم تلك النصوص وموقع الفكر في النص الأدبي. وغالباً ما انتهت تلك القراءات بصورة سلبية لدي مثل قراءة كامو وسارتر وبوفوار. أظن بأن لدي القدرة على التحرك تجاه هؤلاء مرة أخرى بصورة أفضل وفهم أعمق.

1 – الوجودية للقس جون ماكوري. ترجمة د. إمام عبدالفتاح إمام. إصدار سلسلة عالم المعرفة الكويتية. إن كنت بحاجة لفهم مسألة في الفلسفة الوجودية لن أتردد في الذهاب إلى هذا الكتاب مباشرة. المؤلف لا يناقش التاريخ الفلسفي الخاص بالوجوديين وإنما يهتم بالفكر الوجودي بصورة عامة عبر مفاهيمها الرئيسية. ما يعطي هذا العمل ديناميكية وثراء معرفي أكبر هو في رصد مسار الفكر الوجودي تحليلاً من عالم الأساطير إلى العصر اليوناني والديانات وعصر النهضة والعقل. وحالات التشابه والفرق بين مذاهب فلسفية تحمل توافقاً في جزئيات مع الفلسفة الوجودية وبين مذاهب تختلف بشكل كامل مع الوجودية. مع تفصيل وعرض لتصورات وجودية عند الفلاسفة الوجوديين وإظهار الاتفاق والاختلاف فيما بينهم. قراءة الكتاب قراءة عامة سريعة لن تكون مفيدة. -أتحدث عن نفسي على الأقل هنا-. قرأت الكتاب قراءة عادية سريعة وخرجت دون فائدة. ثم قرأته مرة ثانية بكل هدوء مدوناً بعض الأفكار في مسودات صغيرة. كانت النتيجة أني كل يوم أقرأ 20 صفحة بالكثير. صحيح أنها بطيئة، لكنها بلا شك: من أبرز ما قرأت السنة الماضية.

2 – دراسات في الفلسفة الوجودية للدكتور عبدالرحمن بدوي. هذا الكتاب هو أول مصدر للفكر الوجودي فكرت بقراءته. قرأت الكتاب وأعجبت بطرح بدوي الواضح ولكن كانت لدي ملاحظات وشكوك. في المقدمة أظهر بدوي الفلسفة الوجودية كفلسفة لها جاذبية شديدة. وحين ذكر أن الفكر الوجودي قديم جداً ونجد ملامحه عند سقراط لم يذكر علامات على هذه الملامح. الملاحظة الثانية هي في حديثه عن كيركيجارد. بما أن الكتاب دراسة، يجب أن يكون هناك تركيز على عرض المفاهيم والتحليل والنقد. ما وجدته أن بدوي كان مؤيداً لكيركيجارد بصورة فاضحة. حتى أنه في بعض الصفحات ظهر بالفعل وكأنه مشجع ويخاطب من يتحدث عنه: هيا انطلق ولا تكترث. لن أنكر علمية بدوي، عرضه للكتب في هذا الكتاب جميل ومميز. لكن تقديمه للفلاسفة يحمل طابعاً غير محايد، والمقدمة بحد ذاتها تعاني من ثغرات كبيرة.

3 – كيركيجارد لفريتيوف برانت، من سلسلة أعلام الفكر العالمي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر. يستعرض الكتاب مراحل سيرة سورين وعرض لأهم محطات حياته مع تقديم قراءة عن كل مؤلفاته. قيم في محتواه.

4 – كيركيجارد تصوف المعرفة لويليام هبين، إصدار دار أزمنة. يمكن وصفه بأنه من كتب الجيب الصغيرة. يُقرأ في جلسة واحدة. مجرد استعراض عام لفكر سورين ومكانته في الدنمارك والفلسفة الوجودية.

5 – نقد فلسفة هيجل (كيركجورد-فويرباخ-ماركس) لفريال حسن خليفة، إصدار دار التنوير. غالبية الكتب السابقة لم تعطي تصور حول نقد الفلسفة الهيجيلية السائدة في ذلك العصر وألمانيا تحديداً. هذا الكتاب يسد الثغرة عبر ثلاثة فلاسفة قدموا نقد لفلسفة هيجل.

6 – Soren Kierkegaard: A Biography by Joakim Garff. هذا الكتاب من أهم السير المخصصة لسورين كيركيجارد. يستعرض المؤلف حياة سورين وأفكاره ومؤلفاته. المؤلف باحث في اللاهوت في مركز سورين كيركيجارد للدراسات في جامعة كوبنهاجن. استفدت منه كثيراً في قراءة الخوف والرعدة والزلزال الكبير. لم أتم قراءته بشكل كامل للأمانة، إذ تناهز صفحات الكتاب 800 صفحة من القطع الكبير.

7 – Introducing Kierkegaard by Dave Robinson and Oscar Zarate. بعض أجزاء هذه السلسلة تم ترجمتها من قبل د.إمام عبدالفتاح إمام. وإن لم يترجم الجزء الخاص بكيركيجارد. قيمتها ببساطتها والصور التي تقرب لك سورين عن قرب والحوارات الخاصة المذكورة بالفعل على لسانه في بعض كتب السير. مثل هذه النوعية من الكتب تصلح لترتيب الأفكار المتبعثرة وترتيبها زمنياً وحسب مسار الفكر.

* نص النشيد الأول من كتاب إما / أو والزلزال الكبير ومانفيستو كيركيجارد من ترجمة الدكتور عدي الحربش.

Advertisements
هذا المنشور نشر في فكر و فلسفة. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s