الثالث من مايو


اللوحاتُ نصوصٌ معلقة، لا أجدُ فرقاً بينها و بين النصوصِ المكتوبة عدا أننا نستحضرُ جمالها أولاً ثمَّ نبدأُ بقراءةِ تفاصيلها، بعكسِ النصوص المكتوبة التي لا نستحضرُ جمالها حتى ننتهي من قراءةِ ما فيها من تفاصيل.
عدي الحربش / أرنولفيني

أي موقع تحتله لوحة الثالث من مايو في القرن الواحد والعشرين؟

على بعد مسافة قريبة من مجلس النواب الأسباني يقع أشهر مثلث للفن في القارة الأوروبية. ثلاثة متاحف فنية تضم ذخائر من الفن الأسباني والأوروبي. المتحف الأول، وهو محور الموضوع هنا، هو متحف ديل برادو. متحف يصعب التفاعل معه لضخامة الأعمال وتنوعها واختلاف الاتجاهات الفنية. يستطيع الزائر أن يمر مروراً سريعاً على كل اللوحات في ظرف ساعتين. أما الزائر الذي يفضل التمعن في اللوحة ويتعامل معها وكأنها نص يكشف من خلالها سر اللوحة، أو لحظة تاريخية معينة، أو فكرة فلسفية، سيحتاج لما لا يقل عن ثلاثة أيام على أقل تقدير حتى يستطيع اكتشاف كل هذه الذخائر الساكنة في حجرات ديل برادو. في زيارتي للمتحف لم أدرك أني لم أطلع إلا على أربعين بالمائة من محتوياته بعد ثلاث ساعات ونصف فقط. لقد ظننت أني شاهدت كل شيء. والواقع أني لم أطلع إلا على ما هو أقل من النصف. إن كان هناك من وصف واحد اختصر فيه المتحف، فلن أتردد بوصفه معبداً للفن المسيحي. لا يوجد حدث مرتبط بالتراث الديني المسيحي إلا وهو موجود في هذا المتحف بعدة رؤى مختلفة. بالإضافة للبورتريهات الملكية وأعمال أخرى ليس لها أي ارتباط بالتراث الديني.


هناك فنان واحد فقط يزدحم الزوار حول أعماله. أساتذة جامعات يشرحون لطلابهم لوحات هذا الرسام، وسياح من دول مختلفة يحملون كتاب المتحف وجهاز التسجيل لمعرفة تفاصيل حياة ولوحات هذا الفنان. هذا الفنان هو فرانشيسكو دي غويا. واللوحة الأكثر احتفاءً هي لوحة الثالث من مايو. ولكن، ما الذي يجعل من غويا مثيراً للاهتمام إلى هذه الدرجة؟

كانت أسبانيا في بدايات القرن التاسع عشر تشهد صراعاً حامياً بين تيارين: تيار يطمح للمزيد من الحريات وتطوير نظام الحكم الملكي إلى ملكي دستوري. وتيار آخر يفضل الملكية المطلقة، مرتبط مع الكنيسة الرسمية التي تدعم مثل هذا النوع من الملكية. ومن خلال هذا الارتباط عادت محاكم التفتيش للعمل من جديد وبقوة أكبر من ذي قبل. الذئب الذي يترصد القارة العجوز كان مختبئاً في هذا الصراع الحامي ولم يتأخر كثيراً: ها هو نابليون بونابرت يقتحم أسبانيا مبشراً بنظام حكم أكثر حرية وتنويراً. كان هناك ترحيب من التيار الطامح للمزيد من الحريات. حتى غويا الفنان، والذي كان ليبرالياً ويلقب برسام الملك والعائلة المالكة لم تكن له نظرة سلبية تجاه هذا الدخول النابليوني. في الثاني من مايو، 1808م أصدر نابليون قرار النفي لكل العائلة المالكة الأسبانية وكلف أخيه بحكم أسبانيا. لم يجد نابليون حين أصدر هذا القرار تيارين متصارعين. أصبح تيار واحد لديه قضية رئيسية واحدة: الثورة على نابليون. تجمع أفراد بسطاء أمام القصر الملكي اعتراضاً على غزو نابليون لبلادهم. أصدر المراقب العسكري حينها قرار بفرض النظام حول القصر الملكي. امتدت الثورة لتصل إلى ساحة بيرتا ديل سول وهناك حدثت المذبحة. خيالة نابليون المماليك وجنوده أطاحوا بكل هؤلاء البسطاء من باعة وجوالين وأفراد عاديين لم يتقبلوا حكم نابليون. أُصدر حينها القرار الشهير بإعدام كل من حمل السلاح – حتى لو كان السلاح سكيناً -. في هذه الفترة من الثورة التي اكتسبت صبغة وطنية ودينية ضد الغازي الأجنبي، عاش غويا الذي تعافى حينها من مرضه المميت. هذا المرض الذي أصاب غويا بالصمم وغير في اتجاهه الفني بشكل كامل. اتجاه أصبح يعبر عن القلق والفزع والخوف والرعب: جسد بشري في غاية القبح والبشاعة، أجزاء من الجسد متورمة، تنظر إليها القطط والثعالب شزراً، والذئاب والنسور تجوس خلسة، والساحرات يطرن في الهواء، والأرض تبعثرت فيها الجماجم وعظام السيقان وجثث الأطفال، حديثي الولادة حديثي الموت. وكأنما قفز خيال بوش عبر فرنسا متخطياً القرون ليدخل عقل هذا الفنان ويشيع فيه الفوضى. في إحدى اللوحات المعبرة عن هذه الفترة – النزوات – هي لرجل استسلم للنوم على مكتبه، بينما الثعلب على يمينه والبوم والغربان وكل أنواع الطيور المتوحشة تحوم حول رأسه. ضمّن غويا اللوحة تفسير يشير إلى أن الخيال إذا هجره العقل فسينتج الجنون، وإذا اتحد بالعقل كان خالق الفنون ومبدع أعاجيبها.

عندما تحررت أسبانيا من الغزو النابليوني بعد خمس سنوات من الغزو، كان على غويا كرسام للملك أن يخلد لحظة من لحظات الثورة الأسبانية. لوحة تخلد تلك اللحظات من البطولة والتضحية بالنفس في سبيل الوطن. أعمل غويا ريشته في لوحة مساحتها 10×9 أقدام لمدة شهرين فقط. كان يرسم بصورة محمومة وكأن به مس. كانت الضرورة الفنية تقضي بالتوقف عن العمل للحظات حتى تجف أجزاء من اللوحة ثم يستمر لاحقاً. غويا كان يضرب بالريشة وهي لم تجف على الإطلاق. أظهرت الأشعة السينية على اللوحة المنتظرة أن غويا كان بالفعل يضرب الريشة على اللوحة ضرباً وكان غاضب ومرتعد من تلك الإنسانية التي انحطت إلى مستوى أحط من الحيوانية. كانت نتيجة هذا الضرب هي لوحة الثالث من مايو، والتي شكلت صدمة مريعة. كان على غويا أن يخلد لحظات انتصار.. شبيهة بتلك اللوحات التي جسدها جاك لويس ديفيد عن نابليون. بمعنى: أن تكون الشخصية المحورية في اللوحة هي الملك وهو يحارب بين الجموع كثائر لتحرير وطنه. ولكن ها هنا لا وجود لأي نوع من أنواع هذه البطولة. رسم غويا مدنيين أبرياء غير معروفين ينتظرون تنفيذ حكم الإعدام في الثالث من مايو. كان على غويا أن يضع القومية الأسبانية والروح والأسبانية في لوحة تعبر عن تاريخ الأمة. فعل ذلك بطريقته، بأن وضع الضحايا في بؤرة الاهتمام.

محور الاهتمام في لوحة غويا هو الانفعال في شخصية صاحب القميص الأبيض. ممتلئ بالهلع والخوف والحزن والأمل. ينظر إلى الجنود في محاولة أن ينظروا إليه على أمل أن يجد أي ذرة من ذرات الرحمة. غير أن هؤلاء الجنود ليسوا بكائنات بشرية: أصبحوا آلات تمثل مؤسسات الغزو والقتل والدمار، تلقت الأمر بالتنفيذ ولن تحيد عنه. الضحية جالس على ركبتيه، وإن وقف سيكون أطول من القتلة. وكأن ساعة قتله هي ساعة تجليه وانتصار له رغم أنف القتلة. مصادر تاريخية قالت بأن غويا كان شاهداً على لحظة الإعدام تلك. وإن كان بعض النقاد يشكك في الأمر إلا أن غويا جسد كل لحظة من تلك اللحظات على وجه الدقة. المباني الظاهرة على الخلف وكأنها عامرة بالأشباح لا تمثل جزء من مدريد الجميلة، بل تمثل دير دونا ماريا دي أراجوان الذي أضحى في ذلك الزمن الثوري مكاناً لسجن الثوار الأسبان قبل إعدامهم. حتى الطقس لم يغب عن وعي غويا: السجناء يرتدون ملابس خفيفة لأن يوم الثورة كان يوماً حاراً، أما في المساء انخفضت درجة الحرارة بشكل كبير.

في ساعة الاحتفال بالنصر عرض غويا لوحة الثالث من مايو مع الأعمال التخطيطية للحرب. هذه الأعمال التخطيطية أكثر رعباً من الثالث مايو: رسم غويا في هذه الأعمال نساء تهتك أعراضهن، ورجال يشدون إلى أعمدة ويتعرضون للحرق بالنيران، ونساء ميتات مازلن قابضات على أطفالهن الرضع، وأطفال يرقبون في هلع قتل آبائهم، وأكداس من الموتى يُقذف بهم في الحفر، والنسور تستمتع بالتهام الموتى من الآدميين. الملك فرديناند السابع الذي عاد منتصراً -حسب تصوره- لم يجد نفسه في هذه الأعمال التي تحمل الرعب. ولم يتقبل تصور غويا للحظة الانتصار بأعمال تمثل الهلع والخوف وتقديم الضحايا المدنيين على الملك. تم الزج بأعمال غويا في أحد المستودعات لسنين طويلة، وأنتقل غويا إلى مكان منزوي في مدريد مطلقاً خياله لتصورات بربرية وعوالم معقدة من الأمراض النفسية لم يصل له أحد إلا غويا.

الثالث من مايو أصبحت رمزاً لتلك الأمم المجنونة وتلك الإنسانية المجنونة التي سقطت في هاوية من الجنون والانحطاط. وأي رسام يريد تخليد ذكرى تلك اللحظات المجنونة يستلهم تصور غويا في الثالث من غويا. إذا شاهدنا لوحة الجورنيكا لبيكاسو نجد شخصية غويا على اليمين، تفرد ذراعيها للأعلى. وحين فكر بيكاسو بعمل لوحة عن حرب كوريا لن يجد إلا غويا، وإن كان أكثر مباشرة في تصوير الجنود كآلات معدنية. أصبحت الثالث من مايو عالمية أكثر منها أسبانية في تصويرها لحالات قتل المدنيين في وقت الحرب، أو في لحظات الصدام بين الحكومات الاستبدادية والمدنيين المطالبين بمزيد من الحريات. ولذلك، تم إعادة رسم الثالث من مايو في مناطق نزاع مختلفة، في أيرلندا حين حدث الصدام بين البروتستانت والكاثوليك، وفي الصين عندما حدثت المظاهرات الطلابية في ميدان تيانانمن، وفي البوسنة والهرسك ومناطق عديدة. لو قام غويا بتخليد تلك الثورة عبر تجسيد صورة للملك وهو يحارب لتوقفت تاريخية اللوحة. ستصبح إشارة فقط لفترة منتهية. الصورة مستمرة بحضورها لأن ما هو ظاهر في اللوحة هم أناس غير معروفين ولن يعرفوا على الإطلاق. وجدت في أسبانيا ووجدت في الحروب العالمية وفي العراق وأفغانستان وليبيا وسوريا.

إن كان هناك من مكانة للثالث من مايو في القرن الواحد والعشرين ستكون في نقطتين. النقطة الأولى هي التطبيق الفعلي لأشباح غويا. والنقطة الثانية هي التهديد بوقوع الثالث من مايو في أي مكان. عن النقطة الأولى: ربما ظن معاصروا غويا أن الفنان تخطى مرحلة لن يصل إليها الجنس البشري. لوحة مثل Saturn Devouring His Son لا يمكن أن تقع. ما هو حقيقي وواقعي أن هذه اللوحة المفزعة ليست إلا نقطة في بحر الإنسانية المتعطشة للدم. لنبتعد قليلاً عن مآسي التدخلات الخارجية والنزاعات بين الدول رغم ما تجره من ويلات وكوارث على الإنسان والشجر والحجر ولننظر إلى أبناء البلد الواحد. يتشاركون الأرض والعادات و التقاليد، ولكن مصادرة الحقوق أوصلتهم إلى أحط من الثالث من مايو. أصبحت مشاهد الأطفال وهم ميتين أمراً عادياً يمر مرور الكرام. أصبح القتل محاطاً بدعامات وطنية ودينية. لا أريد أن أقول بأن الإنسان وصل إلى الحيوانية. لأن في الحيوانية ما هو أكثر عاطفية ومحبة وأخلاقية من الدرجة المنحطة التي وصل إليها الإنسان. إذا انتهت هذه المرحلة باستقرار النظام الذي يُرجى أن يكون تحت تطلعات الجماهير: من سيتذكر الضحايا المدنيين الأبرياء الغير معروفين؟ سيظهر نظام سياسي آخر ويقدم نفسه بأنه المنتصر، ولكن هل هو ضحى بالفعل حتى يصل إلى هذا النظام؟ الثالث من مايو ترد على ذلك. النقطة الثانية هي التهديد بحدوث الثالث من مايو. هذا التهديد يحمل صور متعددة، يبدأ بمصادرة للحقوق واعتقالات تعسفية. قد يخفت التهديد إذا حدث نوع من الحراك يسير في اتجاه الجمع والاتفاق. وقد يتصاعد التهديد بمزيد من المصادرة. عندها، سيكون الثالث من مايو بما يحمله من رعب وخوف هو الأمر الواقع، والمتوقع حدوثه، والأمر الطبيعي.


غويا في المكتبة العربية: لمن يريد التعرف على غويا – وتحديداً في فترة النزوات -، الأعمال التي حاول فيها تشريح المجتمع الأسباني ونقده في هجائية سوداء، هناك كتاب للدكتور عبدالكريم فرج بعنوان غويا في النزوات. من إصدار دار نينوى.


غويا في الوثائقيات: قدمت القناة الثانية لشبكة البي بي سي السلسلة الوثائقية The Private Life of a Masterpiece، وإحدى حلقات هذه السلسلة هي عن لوحة الثالث من مايو. هنا تورنت مع الترجمة للحلقة.

غويا في السينما: المخرج ميلوش فورمان قدم فيلم عام 2006 بعنوان أشباح غويا. المخرج لم يقدم لنا حياة الفنان، بل حاول أن يقدم العصر الذي أثر في فن غويا. أعمال غويا الفنية ناتجة عن أحداث سياسية واجتماعية ودينية. هذه القضايا هي التي يجب أن تطرح وليست حياة الفن. وللمخرج رأي اتفق معه عن غويا: ما نراه في أعماله الفنية، من احتدام المشاعر والفروقات بين لوحة وأخرى، وتناقضات وتعارضات فيما حققه من أعمال، هي حصيلة غليان عاطفي اعتمل في داخله. ولكن يبدو أن رأسه كان أشبه بالمرجل الكبير، يحتوي على ما هو جميل وعلى ما هو محتدم كالجحيم. طرفان يتناقضان ويتعارضان فيما بينهما.

Advertisements
هذا المنشور نشر في فن تشكيلي, وثائقيات. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s