المنزل الكئيب


عالم الروائي تشارلز ديكنز عالم صغير، محصور بشخصياته فقط. تحدث المصادفات تباعاً كأن يحدث حادث صغير يغير مسار القصة بالكامل، أو قد تلتقي إحدى الشخصيات بشخصية أخرى تقلب المسار لمسار آخر. هذا هو عالم ديكنز الذي له شعبية عند جمهور كبير ويتلقى النقد كذلك نظراً لبعض الشخصيات الغريبة الأطوار وعوامل الصدف التي تضرب في العمل بشكل كبير. يعود جزء من هذه النظرة إلى طبيعة عمل ديكنز الروائي والفرق – كما يشير إلى ذلك والتر آلن في كتاب الرواية الإنجليزية – بين المرفه والروائي. يقول آلن:

عرفت القصة الخيالية مرفهين عظاماً لم يكونوا روائيين عظاماً، ولكنها لم تعرف روائياً عظيماً إلا وكان في المقام الأول مرفها عظيماً. الرواية تستهدف الإمتاع. وما لم تكن للرواية قيمتها الترفيهية الرئيسية الغالبة لما كان للمغزى الإجمالي، مهما كان من أهميته العميقة، أدنى قيمة، بل لما كان له وجود في الحقيقة. إن أول ما تطلبه من الرواية هو الإمتاع سواءً على أبسط مستوياته وأقلها تأملاً أو كتسلية سامية.

الكثير من عدم القدرة على فهم ديكنز وأسلوبه في البناء الروائي وطريقته في الكتابة الروائية تنبعث من هذه الحقيقة. وإن كان والتر آلن يشير برؤية أجدها غريبة إذ يقول أن ديكنز رجل قليل الثقافة يكتب لجمهور دونه ثقافة، جمهور جديد أدرك وعيه على يدي الثورة الصناعية. كانت أعمال ديكنز تصدر على مستوى شهري. لكي يستطيع ديكنز الكاتب أن يحتفظ بأكبر وقت ممكن وتجديد الصلة بجمهوره شهرياً، كان عليه أن يختم كل جزء منشور بإثارة تحمل الشك حول القاتل، أو حول ما سيجري للشخصية في الرواية. إن كان هناك من ينتقد ديكنز – وهم كثر في بناءه الروائي – يعود جزء من ذلك إلى إصدارها في عدة أجزاء تنشر تباعاً بشكل شهري.


مع تقدم ديكنز في العمر وتحقيقه لنجاحات تكفي لتخليده في سماء الأدب، أصبح أكثر تشاؤماً من ذي قبل. جرح الطفولة وعمله في مصنع الأحذية وهو في الثانية عشر من العمر ترك في نفسه أثراً لا يمحي. أصبحت الكوميديا قاسية مليئة بالعنف والاحتقار. يتلمس القارئ في الصفحة الأولى/ المشاهد للسلسلة التلفزيونية، الكآبة التي تحيط بالمدينة: ينتشر الضباب في كل مكان، يجثم فوق النهر الذي يتدفق عبر الحقول والمروج ويغطي صفحة مياه النهر الذي يجري محملاً بنفايات السفن وقمامة مدينة عظيمة قذرة. كما يعربد الضباب فوق مستنقعات إيسيكس وعلى قمم مرتفعات كينتيش ..

عن ماذا يتحدث ديكنز هنا؟ من صور نقد تشارلز ديكنز للقضاء في أدبه هي في رواية المنزل الكئيب. رجل قانوني – السيد تلكنجهورن لا يوفر فرصة قانونية واحدة إلا ويستغلها في حياته الاجتماعية. هذا الاستغلال محمي من القضاء إذ هو حق مكفول له: أن يحصل على أشياء يعتقد رجل القانون أنها يجب أن تنفذ بإسم القانون. هذا الحق مدعوم من المجتمع كذلك إذ هم يؤمنون أن القانون العادل هو ما يدعيه رجل القانون ويفعله في سبيل الحصول عليها. المشكلة الكبرى التي يزج بها ديكنز هي القضاء في مواجهة صامتة مع العدالة الاجتماعية. إذا كانت العدالة الاجتماعية من توزيع فاسد للثروة متفشية في المجتمع، والتعامل مع أفراد هذا المجتمع يتم على أساس الطبقة التي تنتمي إليها، قد يلجأ من تعرض لهذا الظلم الاجتماعي لانتهاك القانون مضطراً، من أجل توفير لقمة العيش، لا من أجل الشبع. أي انتهاك للقانون المتفق عليه هو ضد الأخلاق المقبولة في مجتمع ما. لكن إذا كان هذا القانون لا يدعمني في مواجهة السلطة من أجل توزيع عادل للثروة وعدالة اجتماعية يتساوى فيها من في الطبقة الراقية والطبقات الوسطى، ما هي الفائدة من وجود هذا القانون؟ القانون ليس من واجباته أن يبقى بين جدران المحاكم وغرف المحاماة. وليس فخراً يتم التباهي به بأن هناك قانوناً عادلاً يحكم المؤسسات والأفراد. يجب أن يظهر في التعاملات ويمتد في المؤسسات العامة والخاصة. أن يكون ظاهراً أمام الناس حاكماً للتصرفات.

المال وشهوة المال وما يصاحبه من مركز وسلطة ونفوذ وتأثير على الملاك والفقراء والمجتمع لها مكانة في الأعمال المتأخرة. أسهب ديكنز عن ذلك في الآمال العظيمة وفي هذه الرواية: المنزل الكئيب. في المنزل الكئيب هناك إرث مالي كبير من حق شاب وفتاة. إلا أن القضاء له كلمته في عدم إعطاء الإرث لهؤلاء الورثة لعدم وجود وصية محددة. قتلت هذه الوصية الكثير من الورثة ولم يتبقى إلا هؤلاء الذين يحلمون بأن يحصلوا على هذا المبلغ المالي الكبير ليبنوا عالمهم الخاص. تحت هذا السيل الهادر من الانتظار، هناك أطفال في الشوارع لا يعرفون القراءة ولا الكتابة، ولا يعرفون ماذا تعني كلمة الوصية. هناك امرأة – الليدي ديدلوك – أحدثت شرخاً في علاقتها مع من تحب وتخلت عنه في سبيل حياة أرستقراطية عالية أدخلتها في حياة كئيبة أفقدتها مباهج الحياة، هناك شابة – أيستر بطلة الرواية الرئيسية – لا تعرف لها وجود حقيقي منذ الطفولة، من هو أبيها ووالدتها، يتم الزج بها في هذا العالم الذي يتصارع أفراده فيما بينهم. ديكنز الذي يريد أن يسعد جمهوره الذين ينتظرونه شهرياً، رسم لهم ثلاثة أشكال من الحب، جميعها انتهت بصورة مأساوية. الأول هو بين الورثة في انتظارهم للورث. أصبح المال يجمع فيما بينهم، يبنون كل أحلامهم على هذا الذي سيسقط عليهم فجأة من السماء. تحدث الكارثة عندما يسقط بالفعل من السماء، وإن كان سقوطه مدوياً أحدث الفرقة النهائية بينهم. والحب الذي تجسد في شخصية الليدي ديدلوك. ارتبطت بعلاقة مع ضابط في الجيش انتهت بالسقوط تحت سوط الطبقات. انتهت حياتها بوجودها في منزل الزوج العجوز الغني، عيشة كئيبة أفقدتها ارتباطها بالحياة. تعود لها الحياة عند اكتشافها لحقائق أظهرها ديكنز كشيء متوقع وليس مصادفة في هذا العالم: خط الشخصية Nemo ( لا أحد ) مطرز على ورقة قضائية، وجود فتاة بريئة مصابة بالسل، ترجع أصولها إلى هذه المرأة، دون أن تعلم عن أصولها على الإطلاق. كانت نهاية هذا الحب على الطريقة الشكسبيرية. من فرق بينها وبين أحب الرجال لديها، لم يستطع أن يفرق بينهم في المقبرة التي لا تحمل اسماً. الصورة الثالثة هي في الفتاة أيستر. كان بإمكانها أن تختار حياتها على ضوء ما يشير إليه قلبها، ديكنز المتشاءم أشعل الصراع بين ما تشعر به أيستر وتحبه وبين عقلها الذي كان له اتجاه آخر مختلف: علاقة زوجية قائمة على التضحية بما هو أسمى.

رغم طابع النشر الشهري إلا أن المؤلف يبدو وكأنه يحتفظ بخط سير الرواية بشكل كامل. لم يكتفي ديكنز بنقد القضاء ومهاجمة القانون. مع كل جزء شهري / حلقة تلفزيونية تتخذ القصة طابع بوليسي كان مختفياً في البداية ثم تفجر في منتصف العمل والنهاية. هناك مشهد غريب في هذا العمل. كانت أيستر تتنزه في إحدى الحدائق وهي عازمة على الدخول في مكان خطير: خطورة هذا المكان تنبع من الأشباح التي تسكن فيه. كل من سيدخل سيتعرض للعنة. ديكنز فعل ذلك، لكن لا وجود لأشباح. الذي كان يسكن هناك وينتظر تلك الشابة أن تأتي هي الليدي ديدلوك. هذا المشهد من أكبر الصدف ولا ينظر له كشيء حقيقي وواقعي. ديكنز لا يهتم بذلك! إذا كان ذلك المشهد صدفة فأهلاً وسهلاً بالصدف ولتضرب أركان العمل ككل. لديه جمهور ينتظر على الأرصفة قراءة جزء جديد من أعماله، يريدون أن يعرفوا عن قصة الصغير جو، واللعين الكوميدي سمولويد، تلك الشخصية التي جمعت ما بين حس الفكاهة واللعانة رغم عجزه الجسدي. القارئ الذي كان ينتظر أوراق ديكنز كان على أحر من الجمر لسماع ذلك الحوار بين الليدي ديدلوك وأيستر. وإن كانوا سيتذكروا شيئاً من تلك اللحظات, لن يذكروا إلا ذلك القول:

اجعلهم يضحكون، ويبكون !

ديكنز الذي يحمل ذكريات مؤلمة عن طفولته لا يستخدمها في أعماله بشكل مباشر، يكتب عنها برمزية تذهب بنا إلى سيرة حياته عندما كان صغيراً. ومن أجل أن يحدث دوياً أكثر ويجعل الكل مسؤول على حياة طفل بريء، المجتمع والقانون، يجعل قراءه يتأثرون بنهاية مفزعة. أحد أعظم هذه المشاهد حين يستغل رجل القانون تلكنجهورن سلطته الواسعة للتحكم في أحد هؤلاء الصبية ( جو) عبر ترهيبه، بعد كشفه لحادثة تشكل مصدر إزعاج له. يجيب هذا الطفل الصغير للمحامي: أنا لم أرتكب عملاً سيئاً يا سيدي. ماذا فعلت يا سيدي؟ اغفري لي يا سيدي. المحامي يعرف أن الطفل لم يرتكب أي جريمة إلا ذنب المعرفة بأحد الحوادث. لمن أراد أن يعرف كيف صور ديكنز حالة هذا الطفل وعذابات روحه في عالم لا يلتفت إليه، فليقرأ الفصل السابع والأربعين من الرواية، فصل Jo’s will، أو فليشاهد السلسلة التلفزيوينة الجميلة للبي بي سي التي جسدت الرواية، وفيها قول ديكنز الذي ألقاه أحد الشخصيات عن حالة الطفل جو:

Dead! Dead, your Majesty.
Dead, my lords and gentlemen.
Dead, Right Reverends and Wrong Reverends of every order
. Dead, men and women, born with Heavenly compassion in your hearts.
And dying thus around us every day

هناك إصدارات عديدة لأعمال تشارلز ديكنز في مسلسلات قصيرة. منها دوريت الصغيرة وقصة مدينتين وأليفير تويست والآمال العظيمة وغيرها، ولكن يبقى أجمل عمل – في نظري – هو المنزل الكئيب، نسخة 2005/ من إصدار بي بي سي.

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب إنجليزي. حفظ الرابط الثابت.

2 Responses to المنزل الكئيب

  1. حلم المدينه كتب:

    مشاهدة روائع الادب الانجليزي افضل من قراءة النص الروائي بالنسبة لي ، جربت ذلك مع فرجينا وولف في الساعات،اما ديكنز لم اقرأ له سوى ديفيد كوبر فيلد ساجرب مشاهدة السلسله ،تجيد تقديم من تحب يايوسف 🙂 تحياتي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s