O Captain! My Captain


عندما تفتحت أزهار الليلك على عتبة الباب أخيراً
والنجم الكبير تهادى مبكراً في السماء الغربية ليلاً
حينها بكيت، وسأظل أبكي مع كل عودة ربيع.
أيها الربيع العائد دوماً، يقيناً – وأيم الله – سوف تحضر لي
أزهاراً من الليلك تتفتح سنوياً، ونجماً ساقطاً في هوة الغرب
وذكراه: ذاك الذي أحب!

ما الذي يرمي إليه الشاعر الأمريكي والت ويتمان في افتتاحية قصيدته الطويلة When Lilacs Last in the Dooryard Bloom’d؟ قصيدة طويلة من ستة عشر فصلاً تحمل معاني رمزية، تتناقض بدايتها مع وسط الفصل الأول. إذا كانت أزهار الليلك قد أزهرت فهو أمر جد طبيعي لكائن نباتي يدور في حلقة الطبيعة من نمو و ازدهار. لكن هذا النمو أتى متأخراً، وكأن هناك مصاعب جمة وقفت في وجه أزهار الليلك لكي تنشر شذاها. إشارة أخرى في الشطر الثاني: سقوط نجم كبير. يبدو أنه كائن بشري: إنسان له قيمة كان له تأثير وحراك لكي تعود أزهار الليلك لحركتها الطبيعة وتزهر. هذا الازدهار لقيمة جمالية يقابله فقد لنجم أثر في المحيط الجمالي، وكانت النتيجة أن الشاعر يبكي لفقد ذلك الذي أثر في محيطه العام وامتد من الإنسان إلى الطبيعة بأحد رموزها الجمالية: أزهار الليلك. معرفة أن هناك حالة فقد من الأسطر الثلاث الأولى ليست كافية وتبدو جد عسيرة. قد يكون الشاعر حينها متوحداً غارقاً في الطبيعة. حين يشير إلى ذكرى الرجل الذي يحب، ربما يتذكر الشاعر حينها ذلك اليوم حين كان واقفاً وسار الذي يرثيه في قصيدة الرثاء هذه أمامه وقال فيه حينها: القبح الذي يظهر في وجهه يصبح جميلاً. وإذا تكلم، ينصت الحضور لكلماته الملهمة.


قبطاني! يا قبطاني! انتهت رحلتنا المرهوبة
السفينة أبلت كل لوح، ولقد حزنا جائزتنا المزموعة
الميناء قريب .. الأجراس أسمعها .. والناس كلهم يلوحون
وبينما العيون تتبع العارضة، وبينما المركب يبحر حزيناً جريئاً
ولكن يا لقلبي! يا لقلبي! يا لقلبي!
ويا لقطرات الأحمر النازفة،
حيث يرقد قبطاني فوق ظهر المركب،
بعد أن سقط ميتاً بارداً.

قبطاني! قبطاني! انهض وأسمع الأجراس
انهض، فلأجلك رفرف العلم، لأجلك دوى صوت البوق
لأجلك كل هذه الباقات والأطواق، لأجلك امتلأ الميناء بالزحام
إنهم ينادونك، الجموع المتمايلة، وجوهم المترقبة تلتفت
هنا يا قبطان! يا والدي الحبيب!
هذه الذراع أضعها تحت رأسك!
وإنه لحلم فوق ظهر المركب
حيث سقطت ميتاً بارداً.

لو أخذنا الجانب القصصي في قصيدة والت ويتمان O Captain! My Captain! لكانت على هذا الشكل: سفينة يقودها قبطان عظيم عانت من المصاعب والأهوال حتى وصلت إلى غايتها النهاية. عند وصول هذه السفينة إلى بر الأمان فقدت جزء أساسي من هذه الرحلة وهو قائد السفينة: القبطان الذي قاد دفة السفينة بكل اقتدار وسقط قتيلاً، يتناثر دمه على تلك التي كان مستعد لأجلها لأن يدفع كل قطرة من دمه في سبيلها، أي السفينة. عند الوصول للأرض تقرع الأجراس ابتهاجاً بوصول السفينة: جمهرة من الناس تلوح للقائد الذي انتصر في رحلة الأهوال. لكن القبطان القائد لن يجيب. عاطفة الجمهور وربان السفينة تُختزل في تلك الكلمة من القصيدة: يا والدي الغالي!. تحول القائد من رجل مكلف بوظيفة إلى أب! الرجل الذي يتم تكليفه بالقيادة ثم يصفه الشاعر – الذي يبدو وكأنه يتحدث بإسم الغالبية العظمى منهم – بأنه أب، هذا يعني وجود أشياء أعظم من القيادة حدثت في رحلة السفينة إلى مستقرها الأخير في الميناء. الرمزية هنا جميلة. لا تحتاج لجهد حتى تفسر. السفينة هي الدولة، وقائد السفينة هو رئيس الدولة، والأخطار التي تعرض لها قائد السفينة هي الحرب الأهلية التي كانت ستقسم تلك الدولة إلى دولتين. لم يكن ذلك القبطان الذي وصفه والت ويتمان في قصيدتين بالقائد والأب إلا الرئيس السادس عشر للولايات المتحدة الأمريكية أبراهام لينكولن.

يظهر دانيال دي لويس في هذه الصورة وكأنه طبق الأصل من الرئيس الأمريكي أبراهام لينكولن. هذا الفيلم الذي سيخرجه المخرج ستيفن سبيلبيرغ سيضاف إلى قائمة طويلة من الأفلام التي تناولت فترات مختلفة من الرئيس الذي تحولت سيرة حياته لأسطورة حية، وكما هو واضح لا يوجد عمل سينمائي أو تلفزيوني حتى الآن قدم لينكولن بصورة استمرت في ذاكرة السينما. هناك من يقول بأن دانيال دي لويس قد يفعلها هذه المرة نظراً للشبه الواضح وقد يخطف أوسكاره الثالث. لكن الواقع يقول أن هناك من فعل ذات الشيء ولم يتم تسجيل الفيلم في الذاكرة السينمائية السياسية. الممثل الشهير هنري فوندا جسد شخصية لينكولن عام 1939 بصورة جميلة. هناك تطابق في الشكل كما يحدث الآن مع لويس لكن الفرق أن فيلم هنري فوندا Young Mr. Lincoin لم يتناول الرئيس الأمريكي. تناول الشاب الأمريكي المولود في كوخ لأبوين لم ينالا تعليماً، والذي اضطرته ظروف الحياة الصعبة في السابعة من العمر للعمل مع أبيه في إزالة الأشجار واستصلاح الأراضي لإقامة مزرعة. درس في مدرسة رسمية لسنة واحدة ثم خرج وانكب على نفسه في دراسة قواعد اللغة والحساب مكنه لاحقاً للعمل في القطاع الهندسي. أحد الرسامين قام برسم لوحة لشاب يجلس بقرب المدفأة وهو يقرأ كتاب، بشغف ونهم حقيقي. قد تبدو مثل هذه اللوحة إشارة لعشق القراءة وعلاقة القارئ بالكتاب. الواقع أن هذا الشاب أحب القانون، وبدلاً من الدخول في مدرسة رسمية أو جامعة يستطيع من خلالها الحصول على شهادة في القانون، وجد نفسه في عزلة هائلة جميلة مع كتب القانون إلى أن وصل إلى مرحلة في السابعة والعشرين من عمره حصل من خلالها على رخصة المحاماة. يدور فيلم هنري فوندا في هذا الجانب: لينكولن الشاب الذي لم ينل قسطاً كافياً من التعليم ووجد نفسه محامياً يرافع أمام القضاء في قضية قتل.

فيلم تلفزيوني آخر The day Lincoln was shot استطاع من خلاله الممثل أن يجسد الشكل الخارجي للينكولن مثلما ظهر دانيال دي لويس، مجسداً مرحلة معروفة في تاريخ أبراهام لينكولن الشخصي: حادثة اغتياله، إلا أنه متواضع وكان مليئاً بالتبجيل. وإن كنت مجبراً لتحديد فيلم استطاع أن يقدم أبراهام لينكولن هو فيلم Gettysburg. أبراهام لينكولن غير موجود في الفيلم نهائياً ولم يُذكر اسمه، ومع ذلك ظلال لينكولن تسكن في هذه المساحة الخضراء التي شهدت أعنف معركة في التاريخ الأمريكي. لو لم يكن العقيد الشمالي جوشوا تشامبرلين فوق سفح ذلك المرتفع Little Round Top لكان التاريخ مختلفاً. ربما سيتم إعدام أبراهام لينكولن ويلقي القائد الجنوبي روبرت لي كلمة الانتصار في ساحة المعركة بدلاً منه. أو ربما ينشأ نظام جديد على بقايا الإتحاد الذي أسسه وبناه المعارضين للدستور، والآباء المؤسسين. تلك الأشجار العالية والغابات الرائعة والهواء الذي يسكن الروح ويناجي الفرد فيها إلهه: هناك كان تشامبرلين يقود ما لا يقل عن مائة وخمسين من المتطوعين. في أسفل التل، على مسافة بعيدة كان هناك القائد الملهم الجنرال الفرجيني الجنوبي روبرت لي يوجه أحد قادته العسكريين بصعود تلك التلة واحتلالها. بسقوط هذا المرتفع الصغير تتغير رحى المعركة بشكل كامل وسيكون بإمكان الرمز الفرجيني أن يذهب مباشرة إلى واشنطن غازياً لها، أو فاتحاً ربما. هكذا سيكون التاريخ حين يكتبه المنتصرون. في الأفلام الحربية غالباً ما يكون التحيز هو المحرك الأكبر لتوليد رد فعل لدى المشاهد. فيعمل مخرج الفيلم وكاتب السيناريو لإبراز صورة أحد المعسكرين وإبراز القيم التي يؤمنون بها ويحاربون من أجلها. وإبراز القيم الرجعية التي ينادي بها الطرف الآخر. بروز هذه القيم في عالم الحرب يجبر المشاهد أن يتحرك صوب أحد المعسكرين لتوافقه مع بعض القيم المشتركة. ولكن البراعة في جيتسبرغ أن لا وجود لهذا التضخيم في القيم وإبرازها في معسكر دون آخر. معسكر الإتحاد يؤمنون بالحرية ويحاربون من أجلها وأجل الإتحاد. والمعسكر الكونفدرالي يؤمنون بأن أرضهم التي ولدوا فيها وتربوا في ربوعها لا حق لا أحد بأن يحكمها من ولاية أخرى ويفرض عليهم الضرائب دون موافقتهم والتحكم بأمورهم الاقتصادية والاجتماعية. حتى مجرد تجسيد هذه المعركة فنيا يستحق الانتباه. سجلت صفحات التاريخ بأن المنتصر هو جيش الإتحاد. ولكن لم نرى أي إبراز للقوة التي من خلالها تم الانتصار في المعركة. بمعنى ، لا توجد كائنات خارقة وخطط خارقة وتخطيط يتم وضعه في طرف ، بينما يتم التقليل من قيمة الطرف الآخر وإظهار بأن لا شيء لديهم يستطيعون من خلاله الفوز. وأمر آخر كذلك هو وجود الرئيس الأمريكي أبراهام لينكولن. لم يظهر رغم أنه الطرف الأساس في المعركة. هذا الإلغاء لهذه الشخصية كان موفقاً. بحضور هذه الشخصية في الميدان ولو رمزياً سيكون التحيز ظاهراً على معسكر الشمال. وبإخفائه من الخارطة العسكرية في ميدان جيتسبرغ أصبح بالإمكان التعامل مع الطرفين بإنصاف واستقلالية.

المشكلة الرئيسية في السينما مع لينكولن هي أنه لم يقدموا ماذا فعل لينكولن ليصل إلى درجة لم يصل لها أي شخصية سياسية أمريكية من قبل. ما الذي يجعل من هذه الشخصية الأشهر في التاريخ الرئاسي الأمريكي رغم وجود شخصيات أخرى تنافسه وبقوة كجورج واشنطن والمفكر وكاتب إعلان الدستور الأمريكي توماس جيفرسون؟ المجال السينمائي غير بعيد عن التدوين والكتابة عن لينكولن. حسب آخر إحصائية تجاوزت الكتب المخصصة عن أبراهام لينكولن سياسياً وسيرة حياة أكثر من 16000 كتاب. يأتي في المرتبة الثالثة بعد المسيح ونابليون. وغالبية هذه الكتب تحمل اتجاهات مختلفة كذلك من حيث الرؤية والزج به في تيار ينتمي إليه الكاتب. هناك من جعله من التيار المحافظ، وهناك من جعله من التيار الليبرالي، وهناك من وصف لينكولن بالأب الروحي لتيارات سياسية عديدة، ومؤخراً تحدث أحدهم – وهو ينتمي للشواذ – عن أبراهام لينكولن ووصفه بأنه شاذ.

هناك أسباب متعارف عليها هي السبب في تحول هذه الشخصية إلى أسطورة، منها التدرج في حياته من طفل عاش في بيئة معزولة تماماً إلى رئاسة الدولة، والأهم من ذلك بالطبع: توحيد الولايات المتحدة من جديد وتحرير الرقيق. لا شك بأن فترة أبراهام لينكولن الرئاسية هي أخطر فترة في التاريخ الأمريكي، حيث انقسم الإتحاد الأمريكي إلى قسمين: شمالي إتحادي وجنوبي كونفدرالي. حروب دامية وطاحنة واعتقالات تعسفية امتدت لخمس سنين جعلت من أبراهام لينكولن شخصية مؤسسة ثانية للإتحاد بعد الآباء المؤسسين. لو تعرض لينكولن للفشل فإنه بلا شك سيتم الإشارة إليه بأنه أحد أسوأ الرؤساء الذي اختارهم الجمهور الأمريكي ليصبح رئيساً. يقال بأن الوحدة الحكومية والاتفاق العام بين أعضاءها هو شرط ضروري لقيام الحكومة بأعمالها على أكمل وجه. حكومة لينكولن لا تنتمي لهذا الصنف. غالبية الأعضاء من وزراء لنكولن معارضين رئيسين له. شخصيات مثل المدعي العام إدوارد بيتس ووزير المالية سالمون شايس ووزير الخارجية ويليام سيوارد قبل انضمامهم لحكومة لنكولن كانوا من المعارضين والمنافسين للينكولن. المثير للاهتمام أن هذه الحكومة المتعارضة في الآراء والمتنافسين فيما بينهم يقودون دولة في أحلك فترات وجودها. الاتفاق العام والانسجام بين الوزراء هدف تسعى له كل حكومة لحل قضية رئيسية تهدد وجودها، بينما حكومة لينكولن لا وجود لهذا الانسجام نهائياً. وبالإمكان أن نتخيل كيف سيتفق مجموعة من المتعارضين على رسم سياسة عامة لوحدة الدولة ووجودها. بهذه الخلطة السحرية من المعارضين والمؤيدين يقود لينكولن حكومته في أحلك الفترات. هذه الخلطة تشبه النزاع الاجتماعي بين مكونات مجتمع ما. يتلقف أمراً حديثاً ويحدث النزاع حوله، ينتهي هذا النزاع إما بظهور نوع آخر من النزاع أو الاتفاق على جزئيات والتحفظ على جزئيات قليلة من هذا النزاع. في الاختلاف هناك تعدد للآراء، كل رأي سيدفع للحد الأقصى ويدافع عنه. مع تدافع الآراء قد تظهر نظريات جديدة وأفكار مختلفة يصبح الإجماع عليها لاحقاً بعد طرحها للمجتمع أكثر قبولاً لتنوع الآراء التي صاغت القرار. تشير حنة أرندت لهذه النقطة في فترة كتابة الدستور الأمريكي، حيث يعود الفضل في بعض فصوله الرئيسية إلى المعارضين الذي عارضوا الآباء المؤسسين في بعض نقاط الدستور. كتاب المؤلفة الأمريكية دوريس قودوين: فريق من المتنافسين.. العبقرية السياسية لأبراهام لينكولن يتناول هذه القضية بتوسع. والفيلم الذي ينتظر عرضه قريباً من بطولة دانيال دي لويس مقتبس من هذا الكتاب الذي يناقش مجموعة من الأفكار حول قيادة الدولة، وتعدد الآراء في الحكومة، وعبقرية لينكولن في قيادة هذه الدولة وهذا الآراء في فترة الحرب الأهلية الأمريكية.

من المسائل التي ترتبط بأبراهام لينكولن هي قضية تحرير العبيد. يعتبر بعض الأمريكيين أن أبراهام لينكولن هو الرجل الوحيد الذي اتخذ قرارً حازماً بتحرير العبيد. بينما يشير آخرين إلى لنكولن بأنه أحد أكثر السياسيين انتهازية حين ارتدى هذا الرداء – تحرير العبيد – وجعلها قضية مركزية له رغم وجود أراء له تدحض وتنفي رغبته في تحرير العبيد. ما هي الحقيقة في كل هذا؟

هناك منطلق أخلاقي كان يتزايد باستمرار. شعور عام بوجود شيء ما خطأ يحتاج للتصحيح. قضية تحرير العبيد مرت بخطوات بدأت ضئيلة وتوسعت إلى أن وصلت إلى درجة أصبح التحرير هو الأساس ويجب أن يتم. في ولاية فيرجينيا قدم كاتب إعلان الدستور الأمريكي والرئيس الثالث للولايات المتحدة توماس جيفرسون مشروع قانون تم الموافقة عليه. ينص هذا القانون على وقف استمرار العبيد بشكل نهائي. لم يحوي القانون أي إشارة لتحرير العبيد الموجودين في فيرجينيا. يذكر جيفرسون في مذكراته أن المستقبل القريب كفيل بالقضاء على الرق بشكل نهائي. يقول في مذكراته:

ما أعظم الإنسان وما أشد غموضه، فهو يستطيع أن يحتمل الكدح والمجاعة والجلد والسجن والموت دفاعاً عن حريته، وفي اللحظة التالية يصم أذنيه ويوقع بزملائه من بين الإنسان نوعاً من العبودية. حين يذرفون الدموع وتملأ أناتهم السماء نفسها بالظلام، لا شك أن إله العدل سيستمع لضائقتهم، ويريهم أنهم ليسوا متروكين لرعاية قدر محتوم أعمى، وحينئذ يفيض عليهم عطفه بنشره النور والسماحة بين مضطهديهم أو بإطلاق الرعد المبيد لإهلاكهم في النهاية.

من تصريحات لنكولن الشهيرة قبل إعلان تحرير العبيد بفترة زمنية طويلة قوله: لقد كنت أبغض الرق مثلما كرهه أي مطالب بإلغائه. وفي نفس الوقت تحدث لنكولن عن رفضه المساواة بين البيض والسود إلى درجة أنه أشار لاحقاً لوفد من العبيد بالتفكير في الهجرة إلى هاييتي أو أمريكا الوسطى. كان هناك اجتماع للينكولن مع المفكر والكاتب المنادي بإلغاء الرق فرديرديك دوجلاس. كان دوجلاس عبداً لفترة من فترات حياته. يقول عن اجتماعه مع لينكولن التالي:

لم أشعر قط وأنا في حضرته بأي تذكير لي بأصلي المتواضع ولوني الغير المحبوب. استقبلني كما يستقبل رجل فاضل مهذب رجلاً فاضلاً مهذباً. هو من القلائل الذين يستقبلون الزنوج ويتحدث معهم دون أي إشارة للعرق واللون.

عندما اقتحم لنكولن المجال السياسي بكل قوة حدث نوع من الصدام وكأن هناك تغييراً، – وهو في نظر لنكولن ليس تغييراً إذ هو سياسي يمارس فن الممكن بمهارة، براغماتي عملي منادي بإلغاء الرق. طبيعة هذا التغيير تنبع من ثوابت أخلاقية عبر رفضه التوسع في الرق إلى غرب البلاد. أوضح موقفه في حملة الانتخابات التشريعية الشديدة حين حدد موقفه بقوله:

القضية الحقيقية هي قضية صراع. هناك طبقة تنظر إلى ثقافة الرق على أنها خطأ. ومن الناحية الأخرى هناك طبقة لا تعتبرها خطأ. وهذا هو الصراع الأزلي في العالم كله بين هذين المبدأين. خطأ كان أم صواباً. وهما مبدآن ظلا يتصارعان منذ الأزل وسيظلان في صراع إلى الأبد. الأول هو حق الإنسانية العام، والآخر هو الحق الإلهي للملوك.

هنالك فكرة تتكون حول تحرير العبيد تزداد يوماً بعد يوم في فترة الحرب الأهلية الأمريكية. من قرأ يوماً رواية كوخ العم توم سيذكر إشارة لينكولن إلى المؤلفة بأنها الوقود الذي أشعل الحرب الأهلية الأمريكية. هذا التصريح ينم عن دهاء سياسي وليس عن حقيقة. الهدف الأول للحرب من منظار لينكولن هو الاتحاد وليس تحرير العبيد. إن استطاع أن يعود بالدولة إلى حالتها الاتحادية دون تحرير العبيد سيفعل، وإذا كان الاتحاد لن يتم إلا بالتحرير سوف يصدر قرار التحرير. هناك إشارة يستغلها المعارضيين للينكولن حول تحرير العبيد، وهي بعض الولايات التي تحالفت مع الاتحاد الشمالي ولا زال يمارس فيها الرق. لم يفرض لينكولن رأيه حول هذه المسألة ولم يصدر قرار بتحريرهم. وحتى قبل انتهاء الحرب بفترة زمنية قام أحد الجنرالات بإصدار قرار بتحرير العبيد في إحدى الولايات. رفض لينكولن القرار وقام بإلغائه محتفظاً بحقه الشرعي بإصدار هذا القرار وحده وفي الوقت المناسب. مع الصعود الهائل في قوات الكونفدراليين الجنوبيين وتقهقر قوات الشمال الاتحادي أصبح تحرير العبيد هدف عسكري. جيش الجنوب يضم أعداد هائلة من هؤلاء العبيد. بإصدار لينكولن لقرار تحريرهم سيهز جيش الجنوب ويجتذبهم للشمال. أصدر لينكولن حينها ما يعرف بالإعلان التمهيدي لتحرير الرقيق، والذي ينص على أن كل العبيد الذين يعيشون في أراضي الكونفدرالية هم من لحظة إعلان القرار أحرار. وعلى الحكومة الاتحادية بما فيها من سلطات عسكرية وبحرية أن تعترف بحريتهم وتصونها. بموازاة قرار التحرير تم تضمين الإعلان دعوة لكل السود للإنضمام لقوات الإتحاد والدخول في المعركة. من منطلق سياسي عسكري، يتحدث لينكولن عن هذه الحرب بأنها لا يمكن أن تتوقف دون أن يكون تحرير العبيد هدف وغاية أساسية. يقول:

إذا كان لهم ( الأفارقة الأمريكيين) أن يعرضوا حياتهم للخطر من أجلنا فلا بد لهم من أقوى الدوافع كي تحفزهم. وبما أن الوعد قد حصل فلا بد من الوفاء به. وإلا بماذا يضحون بحياتهم من أجلنا مع العلم تماماً بنيتنا في خداعهم؟ سأكون ملعوناً على مر الزمان وإلى الأبد إذا أنا فعلت ذلك. فليعلم العالم أني سأفي بوعدي للصديق والعدو، وليكن ما يكون.

قال الكاتب دوجلاس بعد عشر سنوات من وفاة لينكولن عن علاقة الرئيس أبراهام لينكولن بتحرير الأرقاء: بالمقارنة مع المطالبين بالرق بدأ لينكولن بارداً، متباطئ ومتأخر. بليد غير مبالي. ولكنه بقياسه بالنسبة للشعور السائد في بلاده وهو شعور كان لابد له كرجل دولة من أخذه في الاعتبار، كان لنكولن سريعاً متطرفاً، وعازماً بتصميم. ما من رجل دولة يستطيع تحقيق أكثر مما أنجز لينكولن.

____

لا أعرف صراحة ما الذي يجري في هذا المقال! لقد أردت أن أتحدث عن فيلم Lincoln 2012 الذي سيصدر بعد فترة قصيرة ووجدت نفسي في غابة متشابكة من قصائد ويتمان ومذكرات جيفرسون وبيوغرافيا عن لينكولن. تحدث بإشارات بسيطة عن الحرب الأهلية ولم يكن بودي التعرض لهذه المسألة قبل مشاهدة الوثائقي المميز لكيفن بيرنز The Civil War 1990، وهو وثائقي لم يسمح الوقت لي حتى الآن بمشاهدته نظراً للمساحة الزمنية الطويلة. أظن بأني سأستغل إجازتي هذا الشهر في مشاهدته. أتمنى ذلك! هذه السلسلة متوفرة تورنت وبترجمة كذلك لمن يريد المشاهدة. هذه قائمة بكتب كنت قد أطلعت على البعض منها بشكل جزئي والبعض بشكل كامل، مفيدة عن التاريخ الأمريكي بشكل عام.Abraham Lincoln: A legacy of freedom
A. Lincoln: A biography by Ronald C. White, JR.
موجز التاريخ الأمريكي
جيفرسون: من كتاباته. تحرير برنارد مايو / مكتبة النهضة المصرية
الأمريكيون الجوامح وأصول الدستور الأمريكي لوودي هولتون. ترجمة أبو يعرب المرزوقي / من إصدارات كلمة
صيف 1787: الرجال الذين اخترعوا الدستور لدافيد أو. ستيورات / كلمة.

Advertisements
هذا المنشور نشر في قصائد, تاريخ, سينمائيات. حفظ الرابط الثابت.

One Response to O Captain! My Captain

  1. قبل حوالي أسبوعين حضرت الفيلم مع قناعتي أنني لن أزيد كثيرًا لجعبتي و لكن دانيال دي لويس مؤد عبقريّ بالفعل و استمتعت بأدائه و بلمسات سبيلبيرغ الواضحة (و تومي لي جونز كان رائعًا). أقول استمتعت و لكن ذاك فقط!
    و لن أدخل بأسباب كثيرة و لكن فقط إشارة لما ذكرته أنت، من أن الانتفائية في ال(سرد) لحقبة من التاريخ و إن أقنعنا أنفسنا بأننا نجحنا في استنباط فارق الوقت و ما يحويه من متغيرات فالواقع – برأيي- أن الصورة شوهاء (و ليس بالضرورة قبيحة!) و لا تمت كثيرًا لما حدص فعلًا، لا من ناحية الظرف الزماني/المكاني للأحداث و لا لإسقاطات الحدث على الوقت الراهن و تداعياته إلى + على المستقبل.

    لم أر The day Lincoln was shot

    أشكرك.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s