مرثية مصارع الثيران


إن مصارعة الثيران من أعظم كنوز أسبانيا الشعرية والإنسانية التي لم تستغل من قبل الكتّاب والفنانين. إنها مسرح نقي يذرف فيه الأسباني دموعه الغالية ويفرغ ما في كبده من مرارة، وهي المكان الوحيد الذي يذهب إليه المرء وهو متأكد من رؤية الموت محاطاً بأكثر درجات الجمال ذهولاً
لوركا.

الحزن الأسود، القيثارة، القمر، الثور ومصارعة الثيران: موضوعات وصور شكلت جزء من نتاج لوركا الأدبي. هناك قصيدة واحدة تجمع هذه الموضوعات، وهي مرثية إجناسيو سانشيز ميجاس Lament for Ignacio Sanchez Mejias، والتي تعتبر واحدة من القمم الشعرية في شعر لوركا. تتكون من أربع مقاطع ينثر فيها لوركا كل ما يملك من طاقات بديعة من رموز وصور لرثاء صديقه الذي توفي في حلبة مصارعة الثيران. كتبت عنها قبل أربع سنوات قراءة مغرقة في التطرف. قد يعود السبب في ذلك إلى الإلقاء البديع للمثل آندي غارسيا وهو يلقي الأبيات الأولى من القصيدة في فيلم اختفاء غارثيا لوركا, وقد يعود للفيلم الآخر الذي وجدته يحمل نفس الروح التي كتب فيها لوركا قصيدته، فيلم متاهة بان. مرة أخرى أعود للكتابة عن هذه القصيدة بعد تغير نظرتي تجاهها. وهي نظرة قارئ وليست لناقد: )

بعد أول قراءة لهذه القصيدة لا أعرف لماذا اهتممت بسيكولوجية الشاعر. كل جزء من الأجزاء الأربعة مختلف في موسيقاه وصوره والطقوس. والآن مع قراءة جديدة لها أجد هذا الأمر يتأكد مرة أخرى. في النشيد الأول “الطعنة والموت” توقف الزمن وأصبح العالم يدور في حلقة مفزعة عند الساعة الخامسة مساءً. بعد أن يختار الشاعر في الشطر الأول وصفاً لمشاهد معركة أو أشياء تبدو وكأنها قابلة لأن تحدث دوياً، يقابلها في الشطر الثاني الساعة الخامسة التي يكررها الشاعر في كامل النشيد الأول. هذا التكرار لواقعة الساعة الخامسة مولد للمتعة واللذة. وهو إلى ذلك يصف النفس البشرية في حالة الصدمة الأولى: لحظة تلقيها خبر صادم لا يملك على إثره أي طريقة للتصرف حياله. تحت تأثير الفقد الفجائي لشخص حبيب أو عزيز – يقول ذلك تشارلز داروين في كتابه البديع التعبير عن العواطف عند الإنسان والحيوانات – فأن أول ما يرد الفكر هو لا بد أن هناك شيئاً ما كان يمكن أن ينقذ الفقيد من الموت. صديق القتيل في النشيد الأول يؤكد هذه الخاصية التعبيرية عبر جمع صور مختلفة ليس لها رابط. إن رد الفعل الذي يبدو مناسباً هو الدخول مباشرة لرثاء القتيل وذكر مآثره، ولكن ها هنا شيء آخر. ما يوحد هذه الصور هو الموت ولا شيء غير الموت. هذا الموت يمر عبر صور متعددة: ريح تدمر الورود وزهر الليمون، أسد يقابل حمامة بيضاء، الصمت يغلف المكان، وجوه الحاضرين في قداس الحزن حزينة صامته، حتى الهواء صامت، والشاعر منزوي في كنيسة القديس ميكائيل ينتظر انطلاق صوت الموسيقى: إنها بداية اللحن الجنائزي المهيب: وتر واحد قادر على إشعال نيران الحزن من جديد. وكل ذلك، كل ذلك الموت الأسود، في الساعة الخامسة بعد الظهر. لم يتحرر الشاعر في النشيد الأول من سطوة هذه الساعة المميتة. لا زال أسيراً في هذا الزمن. روح الثورة لازالت تشتعل ولم يتبقى إلا القليل لتعلن تحررها من سطوة هذا الأسود! فيعود الشاعر لساحة المعركة: صوت إجناسيو في المعركة يدوي في أذن الشاعر، صوت العظام وهي تتكسر ككومة خشب بالية وعتيقة، الثور يدور حول الضحية لأجل اللون الأحمر: الغرغرينا، المرض، صوت الآلام، سكرات الموت، الجراح كانت تحترق كالشموس، والجموع تهب واقفة ثائرة تحطم الشرفات والطرقات لترى الضحية: رمز السلام أمام عاشق الدم الأحمر. وهنا، في نهاية النشيد الأول يعلن الشاعر تحرره ويرثي فيها صديقه وأرضه. كان لوركا واقعاً تحت الصدمة. الشعور بفقد الأحبة وما يتخلله ذلك من عدم القدرة على التعبير المنضبط وعدم ضبط النفس وتكرار الكلمات بسبب عدم وجود الكلمة الوصفية، في نفس الوقت الآني. ولذلك كان تكرار الساعة الخامسة بعد الظهر يظهر بشكل – صادم – رائع، وفي نفس الوقت يعطي نغم موسيقي للقصيدة. لم يبكي لوركا عند كتابة النشيد الأول، من المتعارف عليه بأن الصدمة الأولى تجبر الإنسان على الذهول وعدم التصديق مما يجعل البكاء حينها مستحيلاً.


في النشيد الثاني تفجر كل شيء. كان يبكي بكاءً مريراً. وكأنه أفاق من حالة الصدمة الأولى: يستحضر لوركا هنا كل أدواته المحببة إليه للتعبير عن الفقد الموجع: القمر. وإن كان هذا الاستخدام أقل مما يظهر في قصائده الصغيرة. يظهر القمر في النشيد الثاني كإستجداء يستلهم منه الشاعر الآمان، فهو يخاطبه كصديق يجد لديه الطمأنينة والسكينة. يستطيع أن يخرجه من حالة الضيق التي وجد الشاعر نفسه غارقاً فيها. ثم يرثي نفسه بفقد أعز أصدقاءه. وهو في هذه اللحظة من الانهيار والبكاء العنيف لا يريد أن يرى صديقه وقد عاث الثور في جسد صديقه. هو لم يذكر بشكل مباشر تعذيب الثور الهائج لإجناسيو، بل استحضر صورة الدم المراق المتناثر على الرمال كناية عن جسد صديقه.

قل للقمر أن يأتي

عندما قرأت هذه العبارة من الشطر الثاني تذكرت فيلم اختفاء جارثيا لوركا وتحديداً مشهد النهاية. عندما يتم اقتياد الشاعر إلى حتفه الأخيرة يتطلع إلى السماء وكأنه يبحث عن شيء مفقود. ببراءة، وهو خائف، يسأل الشاعر قاتله: أين قمري؟ في كتاب غرناطة لوركا للمؤرخ الأيرلندي إيان جيبسون, والذي تتبع سيرة لوركا لفترة امتدت لسبعة عشر سنة يذكر جيبسون أن القمر في ليلة مقتل لوركا خاف! لم يظهر القمر في ليلة مقتل شاعر القمر. كان لوركا يكره الموت. يكرهه كرهاً شديداً، وهو الذي طالما تغني بالقمر والحياة.

في هذه القصيدة بأناشيدها الأربعة نغم موسيقي جميل. لا أشير هنا إلى اللغة التي يكتبها بها الشاعر. ما أقصده أن كل نشيد بداخله لحن موسيقي يستسقي مصدر قوته من الوصف وطريقة الكتابة المختلفة عن كل الأناشيد. الهيكل الشعري في النشيد الأول يحمل إيقاعه في التكرار للساعة الخامسة. وفي النشيد الثاني النغم يصل لذروته ويحمل إيقاعات متعددة: من اللازمة التي يتوقف عندها النغم ( لا) وصولاً إلى الصفات التي خلعها الشاعر على القتيل من رقة وغضب وقسوة ونعومة وروعة وضخامة. كيف يمكن تفسير هذا النغم في مرثية مصارع الثيران؟ في كتاب لوركا والغناء الأندلسي العميق يشير الدكتور إدوارد ستانتون إلى القيثارة في أدب لوركا بأنها تشكل وألحانها جزء من خلفية شعر لوركا ومسرحياته التي كتبها في صباه. يفسر بعض نقاد ديوان الأغنية العميقة للوركا بأنه مزاوجة غنائية بين الشعر والموسيقى أعدت للقيثارة. ويجسد الشعر الأرض التي تنشأ منها أغاني التراث الأندلسية بكل ما تعبر عنه من مشاعر إنسانية، وما فيها من أساس موسيقي تشكل فيه القيثارة العنصر الرئيس. قال أحدهم إن الموسيقى والشعر يندمجان أحياناً بشكل كامل بحيث يصعب نقل الإحساس النهائي إلا عن طريق تخيل الضرب الشديد على أوتار القيثارة. في المرثية – يقول ستانتون -: يذهب

لوركا بعيداً إلى ما وراء العالم الصغير الخاص للفلامنكو والقيثارة. لكن القصيدة ربما كتبت على غرار نواح الغجر, فمداها وبناؤها أقرب إلى التأليف الموسيقي أو الكورالي منه إلى موسيقى الآلة المنفردة. وعلى الرغم من أن القيثارة ليست غائبة تماماً إذ تشكل موسيقاها عبء الموت والمأساة, فبعد أن يجرح إجناسيو تكون قد بدأت أصوات الوتر الثخين في الخامسة بعد الظهر. تذكرنا التغيرات في سرعة وحدة القصيدة بالتغيرات الحاصلة على الإيقاع والنغمة والحركة في القيثارة. على سبيل المثال تزداد حركة الأبيات تدريجياً في القسم الثاني من القصيدة إلى أن تقطع فجأة بكلمة (لا) في اللازمة، وهو أمر مشابه لما يجري في القيثارة حينما تقبض يد العازف اليمنى على الأوتار فجأة..

من قراءة أولى يظهر لنا الثور في المرثية وكأنه وسيلة النهاية المأساوية لمصارع الثيران. لكن الثور كرمز عند لوركا يحمل عدة أشكال وصفات. كان الثور قديماً تجسيد لقوة الحياة، وكان الاعتقاد بأن التضحية به وما يرافقها من تدفق في الدم عمل يخصب الأرض ويجعلها مثمرة. وقد تكون عبادته من أقدم العبادات في الأندلس. من الصورة الأولى – كوسيلة للموت – يتطور الثور إلى كائن أسطوري في ثقافات حوض البحر الأبيض المتوسط: رمز يرتبط بصورة غامضة وتتلبسه قوى رهيبة. ثم إلى شكل رمزي آخر نصفها موت ونصفها الآخر حجر، إلا أن الصورة الغريبة – وهذا ما يجعل من هذا الرمز معقداً عند لوركا – في ذروة المرثية، أمام سور أسبانيا الأبيض يقف ثور الحزن والألم الأسودين. هذه الاستعارة تتكرر في ديوان الأغنية العميقة حيث يمثل الثور الحزن أحياناً. يقول ستانتون في كتابه عن رمز الثور في أدب لوركا:

يمكن النظر إلى الفعل في المرثية على أنه قربان طقوسي. وقد كان الشاعر على وعي تام بالجانب الديني في مصارعة الثيران. وقد أشار له في إحدى محاضراته قائلاً: إنه مسرح ديني أصيل، يعبد فيه الإله وتقدم له النذور بطريقة مشابهة لإقامة القداس في الكنائس. تتجمع الأرض في المرثية وتلتقي في ساعة محددة لتشهد العملية الطقوسية في إراقة الدم. ويرتقي أجناسيو درجات الحلبة كما ترتقي الأضحية درجات المعبد، في حين يرقب الحشد العطشان هذا الحدث المهيب.

Advertisements
هذا المنشور نشر في قصائد, أدب إسبانيا. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s