ماكوندو: سيرة مدينة وقصة كتاب


منذ بداية القرن السادس عشر حتى منتصف القرن التاسع عشر كان التأثير الثقافي الأسباني صاحب السطوة الأعلى في ثقافة أمريكا اللاتينية، صعوداً وهبوطاً. في النصف الثاني من القرن التاسع عشر كان التأثير الأقوى من أمريكا اللاتينية حيث شهدت هذه القارة ثورتين في مجال الشعر والقصة. بدأ ذلك برائد من رواد الحداثة في الشعر الأسباني المعاصر: روبن داريسو من نيكاراجوا. وقد كان تأثيره على الشعر الأسباني طاغياً، فكل شعراء أسبانيا الكبار الذين ظهروا في أوائل القرن العشرين مثل خوان رامون خمينيث وأنطونيو ماتشادو تأثروا به تأثراً شديداً لدرجة أن خوان رامون خاطب الشاعر النيكاراجوي قائلاً: أعتقد أنك أعظم شاعر يكتب باللغة الأسبانية حالياً وأنك متقدم على الجميع.

يشير الدكتور حامد أبو أحمد في كتاب أدب أسبانيا وأمريكا اللاتينية أن عقد الأربعينيات من القرن التاسع عشر حسب نقاد أمريكا اللاتينية بمثابة خط فاصل ومرحلة جديدة بين القصة ذات الطابع التقليدي السائدة من قبل في هذه القارة وبين القصة الجديدة ذات التقنيات الثورية والتجريبية. هذا التجديد كان مواكب لحركة التجديد والتغيير في فن القصة عالمياً مع الإشارة إلى أن ثمة فارق بين التجديد بشكله الأوروبي المعتمد على الشكل بينما ظل البعد الاجتماعي نابضاً في هذه القارة اللاتينية. يعزو هذا الوجود الاجتماعي من اقتناع كتاب هذه القارة بأنهم ينتسبون للعالم الثالث الذي يكافح من أجل تغيير الأوضاع الاجتماعية غير العادلة التي يعيش فيها أبناؤه. وإن كانت هذه الإشارة تتعلق بالبعد الاجتماعي والواقع السياسي فإن مما لا شك فيه أن كتاب أمريكا اللاتينية تأثروا تأثراُ شديداً بكتاب القصة الأوروبيين أمثال فلوبير وكافكا ومارسيل بروست ودستويفسكي وجيمس جويس، لكنهم احتفظوا بخصوصية محلية بلغة مختلفة وتقنيات سردية مستحدثة.


الجمهور العريض والأكثر شهرة لتيار الواقعية السحرية في أمريكا اللاتينية أحدث خلط بين أنواع مختلفة من الواقعيات السردية. بينما كان هناك نزاع في طريقة تقسيم الحركة التجديدية إلى جيل رواد وجيل حالي أو جيل واحد تفرع إلى فروع متعددة، حدث نوع من التأييد عند جمهرة من النقاد على تقسم الحركات التجديدية إلى أربعة أقسام: القسم الأول هو الواقعية الاجتماعية، والتي هي امتداد طبيعي للواقعية السابقة مع الاختلافات العميقة التي جاءت بها عمليات التجديد مثل عمق الفكر وثورية اللغة والتغيير في الأسلوب، وأحد ابرز ممثلي هذا النوع من الواقعية هو ماريو بارجاس يوسا الحائز على نوبل عام 2010م. والأقسام الأخرى تضم الواقعية النفسية والواقعية السحرية والواقعية البنائية. كل اتجاه له رواد ووصلوا إلى الجمهور بطريقتهم الخاصة مثل بورخيس الذي اكتسب شهرة لا تقل عن شهرة أعظم كتاب القارة الأوروبية. من أبرز هذه الواقعيات في أدب أمريكا اللاتينية هي الواقعية السحرية التي اشتهرت بقلم الروائي الكولومبي جابرييل غارثيا ماركيز. يقول ماركيز في محادثة نشرت عام 1982: بدأ اهتمامي بفن القصة حين قرأت الإنمساخ لكافكا فقرأت في أولها هذه الجملة( عندما استيقظ جريجور ساما ذات صباح بعد حلم مقلق، وجد نفسه في سريره وقد تحول إلى حشرة هائلة) عندئذ أغلقت الكتاب قائلاً: يا للرعب! هل يمكن أن يحدث مثل هذا! وفي اليوم التالي مباشرة كتبت أول قصة. وذكر في أحاديث أخرى أنه تأثر بالقصص التي تقصها جدته ويجد فيها أشياء شديدة الغرابة دون أن تتأثر أو تهتز وكأنما تحكي عن أمور طبيعية جداً وعادية، وبالطبع .. ذكر أنه تأثر بألف ليلة وليلة، وعندما طرح السؤال: لماذا اختار الواقعية السحرية بالذات، أجاب بأن الواقع في أمريكا اللاتينية يموج بأشياء غريبة لا يصدقها العقل!

كان لي قبل أيام حديث مع الزميل عدي الحربش حول الواقعية السحرية من الروائي غوغول إلى جابرييل غارثيا ماركيز. للروائي الروسي الكبير نيكولاي غوغول قصة قصيرة بعنوان الأنف: يستيقظ بطل القصة من النوم ويجد نفسه بدون أنف. لم يطرح البطل حينها أي سؤال عن كيفية هروب الأنف الذي أصبح شخصية مستقلة وله حضور على أرض الواقع من خلاله تجواله في شوارع بطرسبورغ. أصبح يطارد أنفه ليعيده لمكانه وكأن هذا الأمر طبيعي ومعتاد عليه. هذا النوع من الواقعية السحرية التي نثرها غوغول في قصصه القصيرة ورواية الأرواح الميتة كان لها تأثير هائل إذ انتقل هذا النوع من الواقعية إلى عدة بلدان تحت اتجاهات كثيرة. ما هو ملاحظ من هذا النوع من الواقعيات أن الأدب الروسي لم يرفع من حجم هذه الواقعية السحرية بعد غوغول إلا بضع محاولات لم يكتب لها الحضور. ربما بسبب شعبية غوغول ومهارته، ولذلك غرق هذا الأدب في اتجاه آخر مختلف، وهو اتجاه كان له حضور كذلك بوجود أقطاب الأدب الروسي أمثال بوشكين ودستويفسكي وتولستوي ولاحقاً تشيخوف. كان للواقعية السحرية مفعول ممتاز في بعض الآداب إلى درجة اختفت فيه الواقعية السحرية واختطت خطاً خاصاً بها: من غير المعقول مثلاً وصف أعمال فرانز كافكا بالواقعية السحرية رغم وجود بعض التقنيات الخاصة التي تعود لهذه الواقعية. كافكا لم يسير على هذا النهج إذ صنع نهج خاص ارتبط به وأصبح فيما بعد تياراً خاصاً يسمى بالكافكاوية. ماركيز هو الوحيد الذي استخدم هذا النوع من الواقعية بصورة مختلفة: بنى عالماً كاملاً لا يفصل فيه بين الواقع والسحر، في عالم واقعي لا مجال فيه لا طرح الأسئلة حول بعض الأفعال والأحداث التي تثير الاستغراب. هذا الاستخدام الذي عمل عليه ماركيز حقق نجاحاً ووصل لتيار عريض من القراء العاديين والنقاد. الواقعية السحرية من غوغول إلى ماركيز كانت محصورة في شخصية واحدة أو زاوية واحدة لا تتفاعل مع النظام السياسي أو الاجتماعي: تبقى كحالة غرائبية تنتهي بوجود المسبب لها. ماركيز بنى عالماً غريباً من الطفولة والبراءة والشباب والتغيرات السياسية والانحطاط والخطيئة والتدمير.

في رواية مائة عام من العزلة لماركيز، النظام السياسي والنشاط الاجتماعي والاقتصادي في مدينة ماكوندو محكوم بحالات التغيير التي تطرأ على سكان هذه المدينة من اختلاط مع جماعات المهاجرين، وفي التغيير الذي يطرأ على الحكومة المركزية التي تتوسع وتتقدم لمد بساط حكمها على الدولة. سكان المدينة كانوا مجموعة قليلة يحكمون أنفسهم بأنفسهم دون شروط وقوانين موثقة. عندما تتقدم الحكومة المركزية في ضم أكبر مجموعة من الأراضي تحت سلطتها يتفاجأ السكان بوجود حاكم معين من الدولة التي يسمعون اسمها فقط دون أي وجود حقيقي لها على الأرض، أي مدينتهم. لا وجود لأي صدام في المرحلة الأولى إذ بإمكان الحاكم أن يكون حاكم العالم وهو في هذه المدينة شريطة أن لا يفرض رأيه عليهم. حدث التمرد الأول غير المسلح، وهو تمرد داخلي شعبي عبر عنه الأب المؤسس حين رفض صبغ البيوت بلون محدد. وإن كانت هذه الحادثة رمزية وبسيطة إلا أنها تؤسس لخطاب عام بين الحاكم والمحكوم. بين الحاكم المعين الذي حضر ليفرض رأيه بقوة السلاح وبين الحاكم المنتخب الذي ينفذ أجندة انتخابية يسعى إليها سكان المدينة. يتم الانتقال للمرحلة الثانية، وهي المرحلة الانتخابية التي لها ذكرى سيئة جداً وكارثية في قارة المؤلف. التصويت يمر بسلام وبمراقبة من الجميع دون اتفاق، فالكل يثق بالآخر، غير أن هناك في الطرف الآخر البعيد من يريد لتيار سياسي أن ينتصر، فيحدث الذي لا مفر منه لانتصار مجموعة سياسية محددة، أي التزوير، الذي غير الإرادة الشعبية الحرة وجعلها تحت سلطة مجموعة لا مرئية شبيهة بالشركات الرأسمالية التي تقوم بتهجير السكان العاملين في المزارع واستخدام الآلة لتوفير النفقات وإحداث إنتاجية أكبر كما في رواية الروائي الأمريكي جون شتاينبك: عناقيد الغضب. جزء كبير من هذه الرواية يدور في حلقة مفزعة من الموت والدماء بسبب التزوير، فتصبح الحرب جزء أساسي من طبيعة السكان. لا يفكرون بطريقة سلمية تكفل لهم وقف إراقة الدماء والبحث عن حل أساسي. الحرب هي الحياة. الحزبين المتصارعين لا تعرف لهم أي أساس فكري يستندون عليه غير الوصول للسلطة والحرب. أي أن جميعهم في سلة واحدة، باستثناء أن هناك اتجاه شعبي لمعرفة حروب العقيد الذي يعتبر مركز الأساس في الرواية: العقيد أوريليانو بوينديا. من حرب إلى حرب أخرى حتى أصبح أسطورة نظراً لكثرة الأنباء التي تتحدث عن مقتله ثم يظهر في مدينة أخرى معلناً حرباً جديدة ضد الحكومة المركزية. تأتي المرحلة الثالثة، إذ يقرر المتحاربون وقف الحرب ووضع الأسس لاتفاق سلام. فيعم الهدوء والسلام في الأرض، غير أن التغيير الذي سيأتي الآن هو تغيير اقتصادي اجتماعي قائم على الاقتحام الحكومي والأجنبي للاستثمار في صناعة رئيسية في هذه المدينة، فينصدم السكان بوسائل حضارية لم يعرفوا لها مثيل من قبل، غير أن الرعب ومكمن البؤس هو في السيطرة على حياة السكان عبر فرض نظام غير مكتوب كذلك من خلال نظام العمل والعمال الذي لا يرحم. فيصبح العمل محدد بأوقات لا يسمح بتجاوزها، ودون توفر أي وسيلة من الوسائل الضرورية للقيام بهذا العمل بأكمل وجه، فيحدث الصدام بين العمال والرأسماليين: مطالبات بالحقوق تنتهي بمذبحة هائلة تقضي على أي أمل بعودة أي نظام من النظم السياسية إلى هذه المدينة: ماكوندو.

ولكن، أي نظام سياسي جدير بأن يستقر بهذه المدينة؟ لا وجود ولن يوجد لأن هذه المدينة شيء آخر مختلف. لا توجد نزاعات فكرية حول الأصلح والأفضل والطريقة الأنسب إذ أنها غارقة حتى أخمص قدميها في تصرفات غير واقعية أظهرها المؤلف للقارئ كأشياء طبيعية وواقعية. أن تمطر السماء أزهاراً، وأن يظهر الميت ويتحدث مع الأحياء كمسلمة من المسلمات، وأن تصعد سيدة جميلة إلى السماء جسداً وروحاً دون أن تخلف أي علامة استفهام، وأن يغرق الفرد في غرفة لسنوات طويلة جداً محاولاً فك شفرة سرية، هذه الأشياء لن تكون ولن تظهر إلا في هذه المدينة المحكومة بفترة زمنية محددة، تبدأ بتأسيسها ثم السقوط المدوي واختفاءها بعد صخب عنيف. النظم السياسية التي حكمت المدينة أستطيع وصفها بهجائية كبيرة ضد مختلف الأنظمة التي أقيمت في كولومبيا والقارة اللاتينية. وضد أحزاب اختطفت إرادة شعوب وألقتها في أتون حرب أهلية جعلت السكان يفكرون بالهرب والهجرة لبلدان أخرى. وهجائية ضد الشركات الرأسمالية الغير واضحة المعالم – من حيث الملكية – التي تأتي لبلد وتستهلك مقدراتهم الطبيعية دون أن تقدم الحقوق الطبيعية للسكان.

بعض الجماليات الروائية مصدرها الفكرة: أن يعالج الروائي فكرة محددة بقالب روائي يعيد صياغتها من جديد بأسلوبه الخاص وكيفما يشاء. ردود الفعل من القارئ مصدرها التفاعل مع هذه المعالجة وكيف وجدها في النص وكيف هي الفكرة على أرض الواقع. عبقرية ماركيز في هذه الرواية أن لا وجود لفكرة يخضع النص لها. الرواية قائمة على مستوى السطح الأرضي وتنطلق تصاعدياً عبر أجيال عائلة خوسيه أركاديو بوينديا. هذه التصاعد الزمني المحكوم بفترة تبدو للوهلة الأولى بأنها لا نهائية، ينتهي بمرور فترة تبدو ظاهرياً أنها غير صحيحة ولا تصح على أرض الواقع طبقاً للواقع، غير أن القارئ الذي يحاول العثور على أجزاء من الواقعية يغرق في واقعية ماركيز السحرية، حين يظهر السر المختبئ خلف أخر أجيال آل بوينديا. هذا السرد الذي يوحد أجيال العائلة والمدينة هو في شخصية الغجري ميليكادس. طبقاً للقانون الذي أسس عليه ماركيز مدينته، ماكوندو، تظهر هذه الشخصية في كل جيل عند وصولهم لنقطة يجدون أنفسهم في عزلة هائلة. يبحثون حينها عن ما يقضون فيه أوقاتهم. السر الذي يحيط بالعائلة مكشوف وواضح، ولن يلحظ هذا السر إلا القارئ الذي يقرأ كامل النص. هذه عبقرية، أن تضع أمام قارئك سر المدينة والعائلة، ثم تظهر لك بعد اكتمالها في براعة مميزة.

الموت في هذه الرواية عالم آخر. لقد أحسست بهذا الشيء كقارئ وأتمنى أن تكون هذه النظرة عند الآخرين كذلك: الشخصية الأدبية في رواية مائة عام من العزلة حين تموت فهي لا تتحرر، تبقى ممسكة ببقايا أجيال العائلة. يدفن الجسد وتبقى الروح معلقة في سماء المدينة: تظهر أحياناً عند أقرب المقربين لهذه الشخصية أو في لحظة مناجاة بين كائن حي وبين ميت، مثلما حدث بين الأم أورسولا وزوجها الأب المؤسس حين تزوره تحت الشجرة حتى بعد وفاته .. تعامله كفرد حي، إنسان له وجود حقيقي. هذا الوجود يظهر كرابطة مصير بين جميع أفراد السلالة. واحدة من جماليات نثر ماركيز عن الموت هو في اللقاء الغير واقعي، والسحري الأول الذي يستغرب القارئ وجوده في نص، هو لقاء الأب المؤسس بغريمه القتيل برودينثيو أغيلار، حين يكدر صفو عيش الأب فيظهر في الليل أمام منزله كل ليلة. كان بإمكان الأب أن يسدد له رمية أخرى بالرمح مثل المرة الأولى، ولكن نظرة القتيل الميت المثقلة بالأسى الهائل من خلال المطر، والحنين العميق إلى الأحياء فعلت العكس من ذلك. غالبية الشخصيات الروائية ماتت بطريقة غريبة. الاستثناء هو في شخصية العقيد أوريليانو بوينديا: الشخصية التي أخر المؤلف موتها والقضاء عليها. لقد نجى من أنواع مختلفة من الاغتيالات، ومن الإعدام, ومن الانتحار، ومن السم الذي كان مقدراً له أن يطيح بحصان، غير أن علاقة ماركيز بالعقيد كانت قوية، فتأجل موته إلى أن حانت الساعة: عندما توجه لشجرة الكستناء مفكراً في السيرك! يورد لنا ماركيز في إحدى حواراته أنه عندما قتل العقيد في النص، ذهب إلى النوم، ولم تسمع زوجته مارسيدس إلا بكاء الروائي لمدة ساعتين حزناً على وفاة العقيد أوريليانو الذي قتله بقلمه!

للكتاب حياة وسيرة. ما إن ينطلق حتى يسبح في فضاء هائل: يحدث تأثيراً ويلقى رواجاً وهجوماً وتنتج عنه تأويلات. إذا كان الكتاب يحمل مقومات وجوده لفترة طويلة واستمر في إثراء الساحة القرائية بين مختلف الشرائح الاجتماعية، يصبح للكتاب سيرة تشمل مختلف الطقوس الكتابية وكيف ظهر في مخيلة الكاتب إلى الوجود. هذه السيرة قد تبقى طي الكتمان ويفضل الكاتب أن تبقى خاصة به. لكن الكتّاب وجمهور الكتاب سيبحثون حينها عن أي شيء يتعلق بالكتاب إذا أُعجبوا به. غالبية الكتب التي تناولت غابرييل ماركيز و رواية مائة عام من العزلة تحدثت عن سيرة هذا الكتاب بكثير من التفصيلات: لحظة التفكير به والكتابة والنهاية واستقبال العالم الأدبي للنص. أجزاء من هذه السير يعرفها بعض المؤلفون لأنه تمس شيئاً خاصاً: أن تمتلك فكرة تدور في ذهنك ثم تنتظر إلى أن تختمر. قد يصاحبها تسجيل رؤوس أقلام ومراجع. وعند لحظة البدء في الكتابة تأتي اللحظة الأكثر إزعاجاً: الجملة الأولى والصفحة الأولى. كيف ستُكتب؟ في غرفة منزوية (كهف المافيا) في الشقة التي يقيم فيها مع ولديه وزوجته، وبعد أن تخلى عن كل ارتباط وظيفي قد يبعده عن عوالم مدينة ماكوندو، وعندما استطاع أن يخط العبارة الأولى: “بعد سنوات طويلة وأمام كتيبة الإعدام كان على العقيد أوريليانو بوينديا أن يتذكر ذلك المساء البعيد عندما اصطحبه والده لكي يعرف الجليد على الطبيعة” تساءل خائفاً ما الذي سيأتي بعد ذلك؟ وحتى العثور على السفينة في قلب الغابة لم يصدق حقيقة أن هذا الكتاب بوسعه الوصول إلى أي مكان. اعتباراً من هذه اللحظة تبدأ نشوة الكاتب، بإنسيابية لم يتخيلها حتى يصل إلى ميليكادس الغجري وهو يجر مغناطيسه صائحاً: “إن الجمادات لها حياتها الخاصة والأمر فقط يتعلق بإيقاظها.”. من هذه اللحظة وحتى الكلمة الأخيرة من الكتاب قد يشارك الكاتب الآخرين بعض الجزئيات من النص. قد يعجبون بها ويهتفون بأنه رائع. لكن هذه الروعة ناقصة إذ لا يشعر بها إلا الكاتب الذي يؤمن في تلك اللحظات بأنه الإنسان الوحيد الأكثر إنسانية واجتماعية في العالم، بل الأكثر سعادة لأنه يعيش في عالم خاص معتقداً بأنه يخترع نوع من الأدب إما أن يرفعه عالياً أو يلقي به على الأرض بفشل ذريع. على العكس من البداية التي لا يعرف بأي طريقة ستكون، تكون النهاية موجودة وحاضرة في ذهن الكاتب. ويستطيع أن يكتبها بأقصى سرعة ممكنه. لكنه لا يريد. ماذا سيفعل بعد أن يتخلى عن عالم كامل صنعه بقلمه وخلقه من العدم!. يقول داسو سداليبار مؤلف كتاب رحلة إلى الجذور: سيرة حياة غابرييل ماركيز:

لحظة الحيرة الكبيرة التي عانى منها ماركيز كانت عندما أوشكت القصة على النهاية. بعد شهور من التعايش مع القصة ليلاً ونهاراً ومع شخصياتها الخيالية، أحس الكاتب في منتصف 1966 أن قصة ماكوندو وبوينديا قاربت النهاية بصورة طبيعية، وأن ذلك سيكون يوم العمل الأخير. لكن الأمور تسارعت فجأة في تمام الحادية عشر صباحاً. وبما أن زوجة ماركيز مرسيدس لم تكن بالمنزل ولم يجد أحداً من أصدقائه وشركائه على الهاتف لكي يحكي له شيئاً، فقد كان يحاول اختراع شيء لكي يستطيع البقاء حتى الساعة الثالثة مساءً, واعترف بعد عام لاحق بأنه عندما كتابة الرواية أحس بالفراغ وكأن أصدقاءه وافتهم المنية.

في الدقيقة التي يُعلن فيها على اكتمال وجاهزيته للنشر يصبح الكاتب سعيداً وحذراً كذلك. كان يعيش مع الكتاب لوحده، أصبح الآن حراً طليقاً في طريقه للمطبعة. تلك الثانية التي تصدر فيها النسخة، لن يشعر الكاتب إلا بالفراغ.

بعد أن كان يكتب عادة فقرة واحدة في اليوم، – يقول جيرالد مارتن في سيرة حياة- أصبحنا نشاهده وهو يكتب عدة صفحات يومياً. الرجل الذي كان يقلب كتبه داخلاً خارجاً رأساً على عقب يبحث عن النسق أولاً ثم البنية، وإذا به يكتب الفصول واحداً تلوا الآخر. أدرك ماركيز أن عليه أن يؤلف كتاباً حول ذكرياته عن طفولته، وليس كتاباً عن طفولته. وبدلاً من أن يكتب كتاباً عن الواقع، عليه أن يكتب كتاباً عن تمظهر الواقع. كانت الكتابة علاجاً جذرياً نفسياً: بدلاً من بذل محاولة مهووسة وعصابية لإعادة سرد الأحداث التي مر بها في حياته تماماً كما يتذكرها، فإنه يعيد ترتيب كل ما سبق أن قيل له أو مر هو بها شخصياً على النحو الذي يريده، حتى اتخذ الكتاب شكل مؤلفه.

والآن يا غابو، كل ما نحتاج إليه هو أن يفشل الكتاب
قالت ذلك زوجة الكاتب.

هذه قائمة مراجعة صغيرة مفيدة لمن يقرأ في آداب أمريكا اللاتينية
1- قراءات في أدب أسبانيا وأمريكا اللاتينية للدكتور حامد أبو أحمد / الهيئة المصرية للكتاب
2- رحلة إلى الجذور: سيرة جياة جابرييل جارثيا ماركيز لداسو سالديبار / المشروع القومي للترجمة
3- جابرييل جارثيا ماركيز: سيرة حياة لجيرالد مارتن / الدار العربية للعلوم.

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب أمريكا اللاتينية. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s