الوجدان التاريخي والوجدان المعادي للتاريخ

من الصعب كتابة مراجعة عن كتاب المسيري رحلتي الفكرية، لأن الكتاب بحد ذاته هو مراجعة: المؤلف يخاطب قارئه مباشرة دون استخدام أي نوع من الخطابات الأدبية التي تستلزم التحليل. فهو في بداية كتابه أشار صراحة أنه لا يعرف كيف يتم تصنيف الكتاب وإلى أي نوع ينتمي، وهو يفضل ترك هذه المهمة لمن يريد. ولا أظن النص بحاجة لتحليل لأن الفكر الذي يحتويه هو المسيطر على الكتاب من بدايته إلى نهايته. يتحدث بمباشرة، عن حياته في الريف في دمنهور إلى الولايات المتحدة والأدب الإنجليزي وحلم الموسوعة التي أضحت عشيقة ونديمة له: يجلس مع أصدقاءه في جلسات أدبية أو يكتب في مجال آخر منفصل عن تخصصه، وعقله هناك: في تلك الصفحات البيضاء التي تنتظر أن يخط عليها حلم الموسوعة.

بنظرة بسيطة على صفحات الويب سنجد أن المقالات التي تحدثت عن المسيري بعد رحيله تحدثت عنه بوصفه مفكراً عربياً وإسلامياً وأحد الرموز الفكرية الرافضين للمادية، الخبير والمتبحر في اليهودية والصهيونية والموسوعة. ولكن القليل من تحدث عن المسيري الناقد الأدبي، والذي وضع مخطوطات لتأليف كتاب عن تاريخ الأدب الإنجليزي من وجهة نظر نقدية، وعدة أعمال أخرى تدور في فلك الأدب وتنطلق إلى آفاق أرحب عبر ربط الأدب بتاريخ الفكر، وتاريخ الفكر بالتطور الاقتصادي، محاولاً حل معضلة البناء التحتي الاقتصادي بالبناء الفوقي الأيديولوجي، باحثاً عن إجابة لسؤال: كيف تعبر الأفكار في خصوصيتها وتركيبها وذاتيتها عن البناء التحتي في عموميته المادية ووجوده الموضوعي، وكيف يمكن أن نقفز من الواحد إلى الآخر؟ ‏الحركة النقدية الأدبية خسرت ناقداً لو نفذ مشروعات فكرية مثل رسالة الدكتوراة، لأوجد خطاباً أدبياً جديداً متحركاً قائم على رفض الصورة التقليدية من النظرة إلى الشكل والبحث في التأثيرات، مفضلاً البحث في الأعماق عبر نماذج تحليلية قائمة على أسس التاريخ والحراك الاجتماعي والسياسي ووجود الإنسان. الناقد الأدبي في شخصية المسيري هو نفسه الناقد المفكر الذي يبحث في مجالات التاريخ ونهاية التاريخ والعلمانية والصهيونية. ولا يمكن وصف هذا الانتقال بالتغيير في الاتجاه الفكري، لأن الأدب أفسح المجال لكي يبحث عن طريقة تصلح لتحليل الخطاب. ولأن الأدب يكاد التخصص الوحيد الذي لا يزال يتعامل مع الإنسان بوصفه إنساناً، مركب لا يمكن رده إلى عنصرين في الواقع. دراسة الأدب الإنجليزي طورت لدى المسيري العقلية النقدية والحساسية تجاه اللغة وتجاه التعرجات المختلفة لأي خطاب. ولقد استعملها فيما بعد في دراسة الخطاب الصهيوني وتحليل الحضارة الغربية، وأشار في مقابلة معه أن تحليل الحضارة الغربية دون دراسة الأدب الإنجليزي كانت ستصبح صعبة للغاية.


كتبت مقالاً قبل فترة بسيطة عن سلسلة التاريخ البريطاني لسيمون شاما. هذا المقال كان قائماً على أساس التحول الذي أصاب الشاعر وردزورث من الثورة الفرنسية ثم العزلة ومهاجمة الثورة ورفضها. رغم أن مقدم السلسلة لم يتناول السلسلة عبر فلسفة هيجل التاريخية إلا أني فضلت في المقال تناول هذه السلسلة عبر هيجل. المسيري في رحلتي الفكرية يرفض الهيجيلية التاريخية بحسبانها رؤية واحدية مغلقة، سيتحد على إثرها العقل الكلي في نهاية الأمر بالطبيعة. يشير إلى أن النظم الفلسفية التي تحلم بتشييد الفردوس في الأرض، في لحظة ينتهي فيها التاريخ ويعلن انتهاء الجدل والمعاناة والتدافع ثم انتهاء الإنسان نفسه، أي أن نهاية التاريخ هي انتصار المادة وسد المسافة بين الطبيعة والإنسان وتصفيته ككيان مستقل متجاوز للنظام الطبيعي. الأمر المثير لي كقارئ، أن رسالة الدكتوراة للمسيري، والتي هي أول عمل نظري متكامل مستخدماً فيه كل أدواته النقدية، تحدث عن التاريخ ونهاية التاريخ عند شاعرين هما الإنجليزي ويليام وردزورث الذي تحدثت عنه بصورة شعرية في التاريخ البريطاني، ووالت ويتمان: شاعر الديمقراطية الأمريكية. هذه الرسالة بالنسبة لي هي أهم عمل للمسيري لم ينشر، وكم أتمنى لو يتكرم ورثة المسيري بترجمة هذه الرسالة للعربية ونشرها للقراء بحسبانها أول عمل نظري للمؤلف.

ماذا يفعل الإنسان في عالم تهيمن عليه النماذج المادية؟

ليحمنا الله من الرؤية البسيطة ومن نوم نيوتن.

عبارة قالها الشاعر والرسام الإنجليزي ويليام بليك. في الصورة أعلاه لبليك نجد نيوتن عارياً مستغرقاً في فرجاره وصحيفته محاولاً اكتشاف قوانين رياضية. هناك بعد آخر في الصورة غير نيوتن: هي تلك الطبيعة والتلال والليل والسماء والأشجار. لا يلقي نيوتن بالاً إليها، كأنها غير موجودة في هذا العالم. نيوتن قدم الكثير للبشرية، ولكن هذه الصورة تعبر عن فكرة رئيسية في الشعر الرومانتيكي: الثورة ضد المادية الآلية التي سادت القرن الثامن عشر.

التساؤلات الفلسفية التي يبحث المسيري عن إجابة له وجد لها صدى في دراسة الحركة الرومانتيكية، والتي تحمل في جوهرها ثورة على الفكر العقلاني المادي الآلي الذي ساد في أوروبا بعد ظهور البرجوازية والتبادل والتجارة الحرة. شعراء مثل كولرديج ووردزورث وبليك وحتى الشاب جون كيتس أدركوا وحشية هذه الرؤية واختزاليتها. إلغاء الكائن الحضاري صاحب العقل والقلب والحواس والوجدان.. إحساس بالآخر وبذاته. ها هنا محاولة في صورتها الشعرية لرد الاعتبار لتركيبة الإنسان أمام اختزالية المادية. في إحدى قصائد وردزورث يقف الشاعر كما يقول المسيري أمام الطبيعة ويبين أن غالبية الناس غارقون حتى أخمص أقدامهم في البيع والشراء، غير قادرين على الاستجابة الخلاقة للطبيعة ( ها هنا تفضيل المسيري لوردزورث كنموذج من الرومانتيكية في رفضه للمادية، فالشاعر هنا لا يشير للطبيعة بوصفها مادة، وإنما هي مكان يحقق فيه الإنسان التكامل ولا تهاجمه التفاصيل)، ثم يسترجع الشاعر في المخيلة أيام الوثنية البدائية، مفضلاً أن يكون وثنياً حواسه متيقظة بدلاً من أن يقف بليداً بلا إحساس أو عاطفة. يقول المسيري:

إن البحر بالنسبة للوثني لم يكن مجرد مسطح شاسع من المياه، وإنما مكان يزخر بالآلهة وأنصاف الآلهة مثل بروتيوس، رجل البحر العجوز في الأساطير الإغريقية، الذي اعتاد أن يرعى قطعانه بالقرب من الشاطئ, ومثل تراتيون, إله البحر الذي كان يُصور حاملاً صدفة يستخدمها كبوق يطلق منه أصوات جميلة مخيفة تثير البحر أحياناً وتجعله هادئاً أحياناً.

وفي قصيدة أخرى Tintern Abbey يعود الشاعر إلى ذاته بعودته إلى الطبيعة دون التوحد بها، يغمره ذلك الإحساس الذي يسري في صميم الكون. يستعرض تفاصيل حياته: الطفولة عندما كان جزء من الطبيعة، والشباب عندما يستجيب لها بحواسه دون تأمل، والرجولة حين يسمع موسيقي إنسانية هادئة حزينة قادرة على تطهير النفس وتهذيبها . ما تناوله وردزورث في قصائده يحمل السمات الأساسية في الفكر النقدي للمسيري. من أهمها أن الإنسان جزء من الطبيعة ومستقل عنها، قد يقترب منها ويشاركها بعض السمات، يوجد فيها ويعيش عليها ويتصل بها وينفصل عنها، ولا يمكن أن يرد لها. إنه الإنسان الإنسان، عكس الإنسان الطبيعي/ المادي. يقول:

زمن الإنسان هو زمن العقل والإبداع والتغيير والمأساة والسقوط، هو المجال الذي يرتكب فيه الإنسان الخطيئة والذنوب، وهو المجال الذي يمكنه من التوبة والعودة، يعبر فيه عن نبله وانحطاطه وطهره وبهيميته. الزمان الإنساني ليس مثل الزمان الطبيعي/ المادي الخاضع لدورات الطبيعة الرتيبة، زمان التكرار والدوائر التي لا تنتهي.

الأعمال النقدية لوليام وردزورث و وولت ويتمان: دراسة في الوجدان التاريخي والوجدان المعادي للتاريخ. هذه هي عنوان رسالة المسيري التي يجب أن تنشر إن كان لها وجود لدى ورثة المسيري. هذه الرسالة تم تقسيمها بطريقة غير تقليدية إذ تم تقسيمها عبر الجدل الهيجلي. الأطروحة Thesis والأطروحة المضادة Antithesis والأطروحة المركبة Synthesis، وبدلاً من الالتزام بهذا الجدل الفلسفي الشهير أضاف عليه فصل أطلق عليه اسم الممارسة Praxix وجزء خامس عبارة عن ملحق أيديولوجي (بعنوان الرأسمالية وفكرة العودة للطبيعة). بدأ المسيري بذكر بعض نقاط التأثير لوردزورث على ويتمان. رغم أنهما شاعران رومانتيكيان, وهناك نقاط تأثير تظهر بعض علائمها في قصائد ويتمان إلا أن هذا التأثير حسب المسيري في ختام الفصل الأول ليس بذي شيء يستحق الذكر إذ بالإمكان عقد دراسات نقدية عديدة همها الأول كشف الـتأثير من الطرف الأول للطرف الثاني. المهم هنا يجب أن تكون الرؤية اعتماداً على الجذور الثقافية والتاريخية والدينية والاقتصادية ورؤية الكون. أول استخدام لمقولة التاريخ في أعمال المسيري في الجزء الثاني، وهي نظرة أشبه بالوجدانية لمثقف مصري عاش لفترة في أرض يشار إليها بالتقدم وليس لها تراث تاريخي. الإيقاع التاريخي محصور في الآن وهنا، والمباشر والمحسوس، والتي يرى أنها أحاسيس معادية للتاريخ، تعبر عن نفسها من خلال أنماط تتبدى من خلال رقعة زمنية عريضة وتفاصيل كثيرة. إدراك هذه الأنماط يتطلب حساً تاريخياً لا يعرف في الآن وهنا. النموذج التحليلي هنا قائم على مقولة التاريخ وموقف الإنسان منه قوامه التعارض بين الإنسان المركب صاحب الوجدان التاريخي الذي يستطيع تجاوز الطبيعة، والإنسان الطبيعي المعادي للتاريخ والذي يرد إلى ما هو دونه إلى عالم الطبيعة.

عاش وردزورث في مجتمع مر بمراحل تاريخية ما قبل رأسمالية، تتداخل فيه الحداثة بالتقاليد، والعناصر المادية بالروحية. وهو يغازل الحلولية مشيراً إلى العودة دون السقوط فيها. هذه العودة مجازية أو لحظات تجلي صوفية. شاعر الطبيعة كما كان يطلق عليه لا يفقد ذاته في الطبيعة، فهو يستند على تراث تاريخي وإيمان عميق بالإنسان، وبالإله الذي يتجلى في الصوت الداخلي، ومن خلال الطقوس:

وبالتالي فهو في واقع الأمر شاعر الإنسان في لحظات حزنه وفرحه .. في إحدى قصائده يتعرض الشاعر لشيء أشبه بالسحر يريد قذفه إلى الطبيعة، لكنه يتماسك ويتذكر التاريخ والحدود الإنسانية فيرفض التوحد بالمنظر الذي أمامه ويحمل أنغام الطبيعة ويرحل. لم يتخلى عن حدود الإنسانية كإنسان.

إن وردزورث يدرك أن نمو الإنسان و تطوره وموته هو جوهر إنسانيته. النضج الإنساني يعني قبول هذه الحدود.

أما الشاعر الأمريكي والت ويتمان، فعاش في مجتمع استيطاني لا يعرف إلا الشكل الرأسمالي في التنظيم الاقتصادي وفي الرؤية للكون. الإنسان عند ويتمان كما يرى المسيري هو جزء لا يتجزأ من الكون، ووعيه لا يتجاوز الطبيعة، بل عليه أن يتكيف ويذعن لها. إيمانه المطلق بالطبيعة يُترجم إلى عداء للتاريخ يتضح في محاولته الوصول إلى نهاية التاريخ. أمريكا هي الفردوس الأرضي التي تعلن نهاية التاريخ. وهو إلى ذلك يظهر التاريخ كجثة هامدة آن وقت التخلص منه حتى ينطلق من جديد، والجديد هنا هي أمريكا التي رفضت التاريخ الأوروبي لتبدأ من جديد دون أعباء أخلاقية ولا تراث تاريخي. وهو إلى ذلك يرد التاريخ إلى الطبيعة، مفعم بالرغبة في العودة. يقول المسيري:

العداء للتاريخ هو في واقع الأمر عداء للإنسان. ونهاية التاريخ مرتبطة بغياب الحس الخلقي، وإلغاء التاريخ في أمريكا يعني في واقع الأمر شرعية إبادة العنصر السكاني الأصلي ( التاريخي) حتى يبدأ المستوطنون تاريخهم من نقطة الصفر.

خلاصة المقارنة: أن وولت ويتمان الذي يسمى بشاعر الديمقراطية الأمريكية هو في واقع الأمر شاعر الشمولية والفاشية وموت التاريخ والإنسان.

لقد فضلت في هذه المراجعة أن اختار موضوعاً واحداً من خلاله يمكن النظر إلى مجمل أفكار المسيري. الرؤية للتاريخ ونهاية التاريخ والتحيز والعلمانية الجزئية والشاملة والحداثة والصهيونية عند المسيري يمكن استخلاصها بكل يسر من خلال هذه الرسالة التي يجب أن تنشر, كأولى المؤلفات التي فتحت الباب لعمل نقدي استمر طويلاً أحدث من خلالها أفكار معرفية يستحق الإطلاع عليها والتعرف عليها، وكمقدمة لمثقف مصري عربي لم يفكر ويكتب فقط، بل وضع مجمل تصوراته الفكرية والأخلاقية موضع التطبيق العملي الحي، والتاريخ قريب شاهد على ذلك.

Advertisements
هذا المنشور نشر في فكر و فلسفة. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s