خوزيه وبيلار: هكذا عاش ساراماغو


لدي حلم .. أن أصبح كاتباً.

قالها الروائي البرتغالي الكبير جوزيه ساراماغو في التاسعة عشر من عمره. أصدر كتابه الأول في العشرين من عمره. وعندما انتهى من عمله الثاني لم يجد دار نشر تتبنى عمله. آثر الصمت لعشرين سنة. أصدر بعدها كتاب عبارة عن قصائد، ثم أتبعها بعشر سنين من الصمت كذلك. كل هذه السنوات من الصمت هي تهيئة لهذا الحلم. كان يسعى وتوقف. مشاغل الحياة الصعبة لم تترك له تنفيذ ما يحلم به. وسعى مرة أخرى وفشل. إلا أنه احتفظ بحلم حياته.

لم ينضج حلمي إلا بعدما صرت في الخمسينات

أن يكون لديك حلم تسعى لتحقيقه، يجب أن تكتشف نفسك أولاً قبل أن تقدم للآخرين ما تعتقد بأنه رؤيتك الشخصية. هذا الاكتشاف يقوم بالتهيئة الحقيقية لتحقيق الشخص ما يسعى إليه. المهمة الأولى التي سعى من خلال الكتابة إلى كشفها هي في كشف القلق. نزع صفة الطمأنينة الكاذبة بتفجير أسئلة قد تكون معروفة في وعي الآخرين, لكن .. من الممكن أن يشكل أحد هذه الأسئلة فرقاً في أحد الأيام. إذا كنا نرفض فكرة ما، يجب أن لا تكون الـ لا صامتة. يجب أن تقال بصوت عال، هجومية وصاخبة. حقوق الإنسان التي يقال بأنها راسخة ومحترمة ومدافعاً عنها، هي في نظره غير ذلك. إذا كانت حقوق الإنسان محاطة بقوانين وأنظمة تحمي هذه الحقوق فهي قائمة عبر أنظمة لا تتوافق مع هذه الحقوق، مما ينتج عن ذلك ديكتاتورية مختلفة ليست واضحة ولا بينة. لا يمكن رصدها مما يتيح إمكانية الكفاح: هي مختبئة كسرطان لن نستطيع رصد هول خرابه إلا بعد فوات الأوان.


هو متشائم، وتشاؤم جوزيه ساراماغو حسب وجهة نظره يختلف عن أي تشاؤم:

يقولون أني متشائم, أقول لهم لا، بل العالم هو المشئوم. التشاؤم هو فرصة خلاصنا الوحيدة. التفاؤل هو شكل من أشكال الغباء. أن يتفاءل المرء في أوقات كهذه ينم إما عن انعدام إي إحساس أو بلاهة فظيعة.. المتفائل لا يملك عموماً حوافز للتدخل فيما المتشائم يملك الدوافع لكي يغير العالم.. ليس كل تشاؤم يحث على الجمود واليأس. ثمة تشاؤم من نوع آخر، وهو تشاؤمي أنا. تشاؤم قائم على الفكرة. لأن الواقع بهذا السوء سأحاول ضمن إطار قدراتي تغييره. وإذا لم أكن قادراً على تغييره أشير بإصبعي وأقول: أنظروا، هذا سيء. مثلما أفعل الآن مع الديمقراطية مثلاً.

بإمكان جوزيه ساراماغو أن يتحدث ويصرخ ويعلن تشاؤمه للعالم. المحك الرئيس ليس في الكتابات ولا يمكن أن يكون في نص روائي. أن تؤمن بشيء وتبشر به يجب أن تدافع عنه. هو لم يدافع عن نفسه، بل أعلن بما يؤمن به. قال يوماً: غالباً ما أقول أن الفجور لا يكمن في الأفلام الإباحية، بل في أن ثمة أناساً يموتون في قرننا هذا بسبب الجوع وبسبب الحروب العبثية. كلامه هنا جميل وقد يتفق غالبية القراء معه. لكن حديثه هنا أصبح أكثر صدقية عندما زار رام الله مع برلمان الكتّاب العالمي ولم يتردد بمقارنة رام الله بمعسكر أوشفيتز النازي. ها هنا نوع من الذين يخشون التصريح, والذين لا يخشون ويعبرون عن رؤاهم بصورة واضحة لا جدال فيها: النوع الأول هم جماعة الكتّاب العالميين الذين تبرؤا من تصريحات ساراماغو. بينما هو كرر مقولته وأقل ما يفعل هو أن يستقيل من هذه الجهة التي لا تتحمل المسئولية.

شاهدت بالأمس الفيلم البرتغالي الوثائقي جوزيه وبيلار José and Pilar. وهو فيلم لا يلقي الضوء على حياة ساراماغو ورفيقة دربه من منظار الآخرين تجاه حياة المؤلف الحائز على نوبل للآداب، بل من خلال الموؤلف ورفيقة دربه بيلار من 2006 إلى 2008. ويسير الفيلم في حياة المؤلف الأدبية من خلال بداية كتابته لرواية رحلة الفيل حتى الانتهاء منها في نهاية الفيلم. يتخلل الفيلم رحلات العمل والحياة بكل ما فيها من حب وتعارض واختلاف.

ساراماغو العجوز عندما فاز بنوبل أصبح مختلف عن ما قبله. لا أتحدث عن آراءه التي لم تتغير: ولكن عبر التأويل الذي قد يحدث نتيجة حدة تصريحات المؤلف أمام العامة وفي الصحافة والإعلام. من حسن حظ ساراماغو أنه لم يعاني من ذلك لكنه عانى من واجبات فرضها القانون غير المكتوب. رحلات إلى دول عديدة في فترة زمنية قصيرة للمشاركة في مناسبات ثقافية ومعارض كتب، والتوقيع لمجموعة كبيرة من القراء. بعضهم لا يريد توقيع، يريد إهداء مكتوب. وقد يتطرف آخر ليطلب من المؤلف أن يرسم له على الصفحة الأولى من الكتاب!

عندما كان يحلم بأن يكون كاتباً، خرج خارج وطنه منفياً بإرادته بعد ضغط الحكومة البرتغالية على إحدى المؤسسات لعدم منحه جائزة أدبية بعد نشر مؤلفه الإنجيل حسب يسوع المسيح. وعندما نضج حلمه وحقق لوطنه مكاناً في خارطة الأدب العالمي: اعترفت الحكومة البرتغالية بفضله عبر تقديم روائعه الأدبية باللغة البرتغالية. لم يعد هناك شاعر كبير هو فرناندو بيسوا يتم الإشارة إليه عند الحديث عن البرتغال أدبياً رغم مكانة الشاعر الكبيرة. لكن هناك ساراماغو الآن. روح نبيلة قد نتفق معه وقد نختلف معها.

أعتقد بأن كل من شاهد هذا الفيلم الوثائقي سيقول بأنه شاهد رسالة حب عظيمة من ساراماغو إلى زوجته ومديرة أعماله بيلار. كأنه يريد أن يترك لها ذكرى حيه، مصورة، بعيداً عن الإهداءات في نصوصه. كان سيموت أبكر لو لم يلتقي بها. بعد الانتهاء من كتابة أي كتاب يبقى لديه حلم أخير متكرر، ما إن يتحقق حتى يحضر الحلم كاملاً: أن يكتب كتاباً مرة أخرى. كتاباً جديداً. لكن الحلم لن يمتد إليه: الوقت! هذا كل ما كان يطمح إليه، وكم من كاتب تمنى أن يكون لديه بعض الوقت حتى يكتب كل ما يدور بذهنه من أفكار و رؤى.

هناك مقطع لم يدم سوى ثانيتين وأتوقع أن يحدث تأثيراً حميمياً لدى بعض القراء. يجتمع ساراماغو في مقدمة صفوف الروائيين الحائزين على نوبل للآداب في افتتاح معرض المكسيك للكتاب. كان يصفق مستمتعاً بهذه الجلسة وبقربه نخبة من كتّاب العالم. من كان يجلس بقربه هو ماركيز! تغيب هذه الصورة لدقائق ثم يظهر ساراماغو وماركيز وقد أصابهم الملل لطول فترة الجلوس. لقد رحل بطل هذا الفيلم، ممتناً لكل هذه الحياة التي عاشها عاملاً في صناعة الأقفال، وحداداً ومصححاً. أحب إلى أن سقط صريعاً. ولو أعطي فرصة إعادة هذه التجربة سيفعلها عن طيب خاطر حسب قوله، لأنها صنعته. لم يرتقي في الحياة: رد على أحدهم وهو جازماً بذلك: ” الحياة التي ارتقت فيّ”. أما من يجلس بقربه، فالكل قد سمع التصريح الحزين لشقيق ماركيز عن حالة المؤلف المرضية.

غالبية إهداءات ساراماغو الأدبية تحمل اسم بيلار،
وعندما شاهد النسخة الأولى من الفيلم قال:

بيلار، هذا إهداء حب عظيم لك.

* مصدر المعلومات عن تصريحات ساراماغو في هذا المقال من حوار صحفي لجمانة حداد مع ساراماغو. نشر في جريدة النهار اللبنانية، وصدر الحوار في كتاب لجمانة حداد مع روائيين وشعراء في كتاب صحبة لصوص النار – إصدار دار النهار.

Advertisements
هذا المنشور نشر في وثائقيات. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s