مذكرات من تحت الأرض


أقرأ اقتباسات عديدة لدوستويفسكي في تويتر ومنتديات مختلفة. الأمر الغريب أن النسبة العظمى من هذه الاقتباسات من نص واحد فقط. هذا النص يمثل قمة القلق الوجودي في أدب دوستويفسكي. وهو نص مذكرات من تحت الأرضNotes from underground أو ما يعرف بترجمة سامي الدروبي: في قبوي. يزعم بعض النقاد أن هذا النص هو أحد أكمل نصوص دوستويفسكي شكلياً وفنياً. هذا الرأي سيجد له دعم من الغرابة في النص، وهي غرابة سوف يستشعرها القارئ لأن النص بلا شك خطر جداً. يبدأ دوستويفسكي من عمق الأسفل ويرتفع إلى الأعالي، ثم يسقط سقوطاً مريعاً متقلباً ما بين الأسفل والأعلى. من سيقتبس نص يُظهر أخلاقية البطل، يستطيع قارئ آخر أن يقتبس ما يدين أخلاقية البطل من نفس الصفحة ونفس السطر، من أجل ذلك يقال أن النص غريب جداً ومحير. كقارئ لدوستويفسكي هذا النص هو المفتاح الرئيس لشخوص أبطال دوستويفسكي الكبار أمثال راسكولينكوف والأمير ميشكين وإيفان كارامازوف وغيرهم. هؤلاء هم الصدى والمثال الأوضح لشخصية رجل القبو. النص عميق ومبهر بلا شك. أما أن يكون أكمل مؤلفات دوستويفسكي، فأنا اختلف مع من يقول هذا الرأي. هناك نصوص في خوالد المؤلف الكبيرة ما يجعل نص في قبوي ملحق من ملاحق تلك الأعمال.

أُفضل تقسيم فترات حياة دوستويفسكي إلى مرحلتين: مرحلة رومانسية هي من بداية كتابته للفقراء, ومرحلة فكرية دينية بدأت مع مذكرات من منزل الأموات ثم انطلقت عالياً مع هذا النص إلى أن تصل إلى العمل الأخير: الأخوة كارامازوف. هذا النص يقع بين منطقتين. والمؤلف لم يتجرأ أن يرتفع إلى المرحلة الدينية إلا بإعلانه الهجائية العنيفة ضد المرحلة الرومانسية: تلك المرحلة التي وجدت لها أصداء في حركة بتراشيفسكي وفي التيار النقدي الخاص ببيلنسكي وضد العزلة التي أحاط بها المؤلف نفسه فترة من الزمن، فقطع التواصل مع العالم. لقد ظن بأنه سينجو وستصبح الأفكار التي آمن بها في الحلقات الثورية بما فيها من قيم علمية ورياضية واقعية يسهل تطبيقها على أفراد مجتمع ما. ولم يجد من يعبر عن جزء من هذه الهجائية إلا بطل السرداب.


ينقسم العمل إلى قسمين: القسم الأول أشبه بالبحث الفلسفي والسيكولوجي, وهو بحث غريب في الفكر الذي يحتويه. ها هنا شخص في الأربعين من عمره غارقاً في عزلة سلبية كريهة، مريض بمرض الكبد، مصاب بحالة يعتبرها حالة مرضية هي شدة إدراك الوعي، و يُطلق من المخبأ الذي يختبئ به هجوماً هجائياً على الماضي بما فيه من قيم جمالية وثقافية. رجل القبو لا يكتب للآخرين لكي يعرفوا حقيقته، هو يكتب عن نفسه من أجل نفسه. وهو في حالته المرضية هذه يضرب بكل القوانين الرياضية عرض الحائط. إن الفرد الذي ينظر إليه كشكل يجب أن يُضم إلى مجموعة كبيرة في المرحلة الرومانسية، يصرخ في هذا النص محتجاً، داعياً إلى حرية مدمرة، مقدساً حرية الإرادة. الفرد الذي كان يُنظر إليه في إطار المجموع هو آلة من الآلات، تعمل لفترة زمنية وستنقضي: أما الإنسان، إذا أراد أن يكون إنساناً، فيجب أن يهرب ويصطدم مع هذا المجموع إلى إطار فردي: محيياً إرادة الاستقلال عند الإنسان. يستطيع البطل السردابي أن يبشر بالجمال ويبكي أمام كل جميل ورائع، وسوف يشار إليه كأحد الأعمدة الممثلة للتيار الجمالي. لكن البطل السردابي وهو في لحظة التعبير عن الحالة الشعورية الجمالية تلك، سيظهر في عقله إمكانية القيام بعمل يخالف تلك الجماليات وما تدعو إليه. البسطاء والفاعلون في المجتمع تافهون فكرياً! هو يؤمن بهذه النظرية، يجعلون من الأسباب الثانوية أسباباً رئيسية للقيام بالفعل. بينما هو رجل السرداب المنزوي في سواده، سيعمل حين يجد طمأنينة الفكر. يجب أن تكون هناك مبادئ عقلية تدعوه مباشرة للقيام بالعمل ولا يوجد أي شك. ولكن أنى له أن يصل إلى طمأنينة الفكر هذه والعقل يقصف يمنة ويسرى. أين سيجد بطل السرداب المبادئ التي يبني عليها .. أين ينشدها ومن أين تأتي؟ وصف كثيراً من النقاد اعترافات البطل السردابي بأنها اعترافات للمؤلف. حين يقول الروائي والناقد الفرنسي هنري ترويا أن هذه النص هو الكتاب الأساس وصورة من دوستويفسكي نفسه، وحين يقول ليونيد جروسمان أن هذا النص يتضمن أراء المؤلف تجاه نفسه وتجاه الآخرين، فما حقيقة كل هذا؟ حين يصرح رجل القبو بأن هذه الأنات والاختلاجات الرهيبة هي أنات عقل مثقف مسته الحضارة الأوروبية، انفصل عن قومه، وغريب عن أهل زمانه، فها هنا دوستويفسكي بلا شك، في هذه النقطة بالتحديد. لا أفضل ولا أعتقد أن هذه الاعترافات هي اعترافات المؤلف. لكنها بلا شك تنبأ عن مرحلة فكرية عاصرها وشارك بها، ألقت به إلى المجهول لفترة حتى أصبح هذا المواطن في بلده غريباً منفياً عن قومه. أجد إشارة رينيه جيرار في كتاب الكذبة الرومنسية والحقيقة الروائية هي الأكثر قرباً للحقيقة حين يقول:

لا ينبغي الخلط بين الروائي وشخصيته وإن استوحى الروائي الشخصية من نفسه. إن دوستويفسكي السرداب ليس دوستويفسكي العبقري، بل دوستويفسكي الرومانسي صاحب الأعمال السابقة. ولا يتحدث دوستويفسكي السرداب أبداً عن السرداب، بل يُحدثنا عن الجميل والجليل وعن بؤس مأساوي أو جليل على طريقة فيكتور هيجو. كما أن دوستويفسكي الذي يصف لنا القبو يتأهب للخروج منه ليتابع ارتقاءه الصعب من عمل أدبي رائع لآخر نحو سلام وسكينة رواية الأخوة كارامازوف.

عندما تصل أنات البطل السردابي إلى ذروتها يبدأ بمهاجمة النزعة العقلانية الحديثة والنزعة العلمية بلا هوادة. يضع لهذا الهجوم نقطة انطلاق من المصلحة الفردية. النزعة العلمية كما يقول بطل السرداب حين تبشر بأن الإنسان عندما يرتكب عملاً شريراً فهو لا يعرف مصلحة نفسه، وإذا أثرنا عقله بمصالحه الحقيقية عن طريق العلم سوف يسارع إلى كف الأذى والتوقف فوراً عن اقتراف الشر. ويقول ساخراً: “قولوا لي .. من ذلك الذي نادى أول بذلك؟ ألا انه لطفل، طفل لا أكثر، طفل غر ساذج ..”. هذا الهجوم يتخذ من الوقائع التاريخية أكبر شاهد. إذا كانت المدنية تهذب نفسية الفرد وتجعل من أفعاله أكثر حضارة ورقياً، بماذا يمكن تفسير هذه الأنهار من الدماء؟ هذا السفك أصبح نوعاً من اللذة. إذا لم تكن المدنية قد جعلت الإنسان أشد تعطشاً للدم، فمما لا شك فيه أنها جعلت تعطشه إلى الدم أحقر وأجبن. في القدم كما يؤمن بذلك رجل السرداب، كان الإنسان يسفك دم من يشاء مرتاح البال والضمير. أما اليوم فالدماء تسفك أكثر مما كان في القدم. ومع ذلك نعتبر سفك الدم عملاً سيئاً! مرد ذلك كله يلقيه البطل نحو إرادة الإنسان: تلك الإرادة التي قد تصبح ضد العقل والمصلحة. قد يحدث هناك اتفاق بين العقل والإرادة حين تصبح الخسائر قليلة والنتائج الإيجابية ظاهرة ولو كانت قليلة كذلك، ولكن .. في كثير من الأحيان ترفض الإرادة أن تكون على وفاق مع العقل. يشير البطل إلى التاريخ بشكل عام: هل ما جرى في هذه القطعة الجغرافية أو تلك مطابق للعقل؟ العقل حسب تصوره لا يرضي في الإنسان إلا ملكة التفكير العقلي، بينما الرغبة تعبر عن مجموع الحياة الإنسانية بأسرها، بما فيها العقل ووساوسه. البطل السردابي إذا أراد أن يعيش، فهو يفضل أن يرضي ملكة الوجود في جملتها، لا ملكة التفكير العقلي التي لا تشكل النصف. الطبيعة الإنسانية تفعل بكل ثقلها، مستخدمة كل ما تضمه وتشمل عليه، بشعور وغير شعور. قد ترتكب أكاذيب، لكنها تحيا!

هناك مقالات ليست بالقليلة استغرقت في وصف المكان الذي يعيش فيه بطل القبو، حتى أن أحدهم حدد المكان بذاته، أي غرفة في الطابق الأرضي من عمارة سكنية. الأمر الواقع أن بطل السرداب قد يكون ساكناً في منزل كبير أو في شقة في أحد الأدوار. أو ربما يسير في الشوارع متشرداً لا منزل له. القبو بما يشير إليه من ظلام واختباء ليس مكان ثابتاً. هو متحرك. قد يكون في مجلس قصر كبير وقد يكون في الشارع. إذا أردنا تحديد القبو في حالة البطل السردابي فهي في عقله. يحمل قبوه في نفسه، في عقله. هذا الظلام الذي يحيط بالعقل هو القبو. استغرب لما لا يلتفت بعض النقاد لقول البطل السردابي في الفصل الثاني حين قال: كانت نفسي تحمل في ذاتها قبوها!.

الفصل الثاني هو الروائي بجدارة. يقص فيه بطل السرداب ما جرى له قبل عشرين سنة، والتي سببت ما تحدث عنه البطل السردابي في الفصل الأول. عندما وجد البطل السردابي نفسه في مكان هو أكثر ظلمة وقسوة من القبو، يجد فتاة شابة سقطت في الوحل بسبب الفقر. كراهيته للبشر والحقارة والكره الغير طبيعي تفجر على شكل موعظة أخلاقية عظيمة من البطل السردابي لتلك الفتاة التي وجدت نفسها في حمأة العار. كيف يصبح ذلك الخطاب الذي يرفع من قيمة الطهر والعفاف وتحمل الآلام الرفيعة في سبيل الشرف، شراً محض؟ إذا كان العقل يؤمن بهذه التصورات الأخلاقية ويبشر بها، فها هنا انسجام بين مبادئ التفكير العقلي والفعل الإنساني. أما أن تكون ملكة التفكير هي عكس ذلك تماماً، ثم تعمل أعمالاً تنافي ملكة التفكير، فأي شقي وجد نفسه في ذلك الاضطراب! لقد صدّقت الفتاة تلك الموعظة، ها هنا طوق نجاة يمتد إليها.. ثم حين تذهب إليه من أجل الانتقال لحالة أخرى تماماً، لا توجد فيها سعادة زائفة، بل آلام رفيعة, تجد الشقي يكشر عن أنيابه، مظهراً حقارته وخسته. بسطر واحد فقط، قد يحتاج لصفحات كثيرة عند مؤلفين آخرين، لكنه عند دوستويفسكي حالة واضحة لا تحتاج لشرح: بطل السرداب إنسان شقي، تعيس، بائس. لقد رأت هذه الحالة لأنها تحب، بينما الحب في حالة البطل يتخذ صورة صراع: يبدأ بكره، وينتهي بعبودية.

من يقرأ هذا النص سيجده غريباً بلا شك. أولى هذه الأسباب بعيداً عن طريقة الكتابة السردية هي في عدم وجود حلول لحالة البطل النفسية. من يعرف كتابات المؤلف سيقول بعد الانتهاء من النص أن هناك جزء مفقود، لا يمكن أن يتجرأ المؤلف على كتابة نص دون أن يجد حلاً لبطله. عندما قرأت بعض القراءات النقدية وجدت توقعي في محله: حذفت الرقابة الرسمية صفحتين تشكلان الخاتمة الحقيقية للقصة. وحسن ما فعلت الرقابة في ذلك! المعضلات الأخلاقية والاجتماعية والتحليل السيكولوجي الذي يتميز به المؤلف سينطلق إلى أفاق أرحب، مقسماً البطل السردابي إلى أبطال كثيرين سيجد لهم حلول. سيوقع أبطاله في أزمات أخلاقية ودينية وجمالية وسيجد لهم حلول لأزماتهم. أما البطل السردابي سيكون الرمز للأبطال الكبار، وسيحمل على عاتقه مانفيستو الوجودية عند دوستويفسكي. المدارس الأدبية والفكرية والنفسية التي تدعي انتسابها لدوستويفسكي تجد لها داعم رئيسي في الفصل الثاني، الذي وصف بأنه لو تجرأ روسو على كتابة اعترافاته مرة ثانية لن يستطيع أن يظهر إلى أي مستوى قد يصل له الاعتراف.

هذا هو النص الذي يمثل قمة القلق في أدب دوستويفسكي. إن كان هناك من نقاد قاموا بدراسة الفكر الوجودي في أدب دوستويفسكي، لم يكن إلا بمثل هذا النص الذي يعتبر المانفيستو الأمثل للمدرسة الوجودية:

لم أزد في حياتي على أن مضيت إلى الحد الأقصى بما لم تجرؤا أنتم على أن تمضوا به ولو إلى منتصف الطريق، مطلقين على الجبن اسم الحكمة، معزين أنفسكم على هذا النحو بأكاذيب. نحن جميعاً فقدنا عادة الحياة لأننا جميعاً نشعر تجاه الحياة الواقعية، تجاه الحياة الحية، بما يشبه أن يكون اشمئزازاً، وذلكم هو السبب في أننا لا نحب أن يذكرنا بها أحد، وقد وصلنا في هذا الطريق إلى حيث صرنا نُعد الحياة الواقعية، الحياة الحية، محنة أليمة أو جهداً شاقاً. ألا أنعموا النظر! نحن اليوم لا نعرف حتى أين هي الحياة وما هي وما صفتها. فيكفي أن نُترك وشأننا، يكفي أن تسحب الكتب من بين أيدينا حتى نرتبك فوراً، وحتى تختلط علينا جميع الأمور، فإذا نحن لا ندري أين نسير وكيف نتجه وماذا يجب أن نحب وأن نكره، وماذا يجب أن نحترم أو نحتقر. حتى أنه ليشق علينا أن نكون بشراً، بشراً يملكون أجساداً هي لهم حقاً، أجساداً تجري فيها دماء!

* الصورة أعلاه للرسام التشيكي إميل فيلا، وتسمى قارئ دوستويفسكي Reader of Dostoevsky. قامت بعض دور النشر الأجنبية باتخاذ هذه اللوحة غلافاً لنص في قبوي.

Advertisements
هذا المنشور نشر في فيدور دوستويفسكي, أدب روسي. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s