النحت في الزمن

حين كان دوستويفسكي يكتب رواية الشياطين في خارج وطنه روسيا، توقف عن الكتابة. لم تعد لديه القدرة على التأليف. كان منفياً خارج وطنه بإرادته. الموهبة التي يحمل نضبت. تحتاج لتجديد. لروح جديدة. قال حينها: لن أستطيع .. وليست لدي القدرة على الكتابة إلا في وطني. سأعود. فيكتور هيجو كان منفياً رغماً عنه: قضى سنوات طويلة خارج وطنه، يكتب عن البائسين في وطنه، وينشر مقالات عن حقوق الإنسان ويكتب رسائل لقادة الدول الأوروبية يدعوهم فيها لإلغاء حكم الإعدام. هناك جوانب خفية في هذا النفي لا تظهر إلا عبر البحث. عبر الكلمة، بالإمكان التعبير عن حالة القلق الداخلي والمظاهر الخارجية وطرق التعبير. يستطيع الكاتب إيصال الأحلام في الذهن عبر مستويات مختلفة من أنواع السرد. سرد قائم على المناجاة الذاتية أو عبر تيار الوعي أو بالشكل الكلاسيكي .. ولكن ماذا عن الصورة؟ صورة ثابتة في لوحة تشكيلية أو صورة متحركة في فيلم سينمائي, هل بمقدورها إيصال الفكرة مثل الكلمة؟ مهما بلغت صورة القلق والألم في النص الشعري، لا نستطيع إلا أن نعبر عن سعادتنا بهذا النص الذي نقل لنا حالة قد مررنا بها أو لازلنا نعيشها ولم نستطع التعبير عنها بمثل ما استطاع الكاتب/ الشاعر. ما يشغل تفكيري هو معيار التلقي والتفاعل الذي قد يحدث عبر صورة أزعم أنها شعرية. بعض الأفلام السينمائية عبارة عن قصائد شعرية. تختلف درجة التلقي والتفاعل معها. هناك كم هائل من الصور الشعرية التي لن تقول عنها إلا أنها صورة شِعرية مذهلة للغاية وجميلة ونستمتع بمشاهدتها مرة تلو الأخرى. السؤال الرئيس هنا: هل هناك صور شعرية سينمائية يصبح معيار التلقي فيها أعنف، أقسى، إلى درجة يتمنى المتلقي أن لا يشاهدها مرة أخرى؟ ليس بسبب غرابتها أو عبثيتها: بل لصدقها. حالة تصديق كاملة تجبرك على طرح الأسئلة حول نوعية التفاعل مع الشعر عبر النص، ومع الشعر عبر الصورة.

أندرية تاركوفسكي هو المخرج الشاعر الذي أزعم أن الصور الشعرية التي يخلق مزعجة للغاية. إذا قلت أنها مزعجة لا أقصد بذلك التقليل منها. الصور الشعرية في أفلامه كشكل جمالي وفني هي قصائد غنائية. هذه القصائد التي قد نعجب بها في حالة النص تمارس تأثيراً يشبه القلق: تاركوفسكي يشحن الصورة بلا كلمات. يستنطق الصورة. يعبر عن حالة القلق الداخلي. لا يعتمد على التصاعد في الحوار من المستوى الأدنى إلى الأعلى في محاولة إيصال الفكرة. المشكلة ذاتية داخلية. المشاهد هو من يستطيع أن يخلق الحوار اعتماداً على الحالة السيكولوجية للممثل في المشهد. وفي هذه الحالة الداخلية قد يقفز من زمن إلى زمن آخر في ثواني. أزمنة مختلفة قد تشتت المشاهد: لكنها عند تاركوفسكي هو زمن واحد. الماضي هو زمن مررت به، والحاضر هو ما أعايشه الآن، والمستقبل في الأمام. زمن مرتبط بفرد واحد. في حالة الانتقال من زمن إلى زمن، لا تصبح هناك أزمنة. هناك زمن واحد ممتد من البداية حتى النهاية: الموت. قال المخرج الكبير إنجمار برجمان في مذكراته أن آندرية تاركوفسكي هو أحد أعظم المخرجين على الإطلاق، ولم يستطع أي مخرج أن يتعامل مع الأحلام كما تعامل معها تاركوفسكي. ها هنا حالة أستطيع من خلالها وصف الفكر السينمائي عند تاركوفسكي من خلال برجمان. برجمان مثل تاركوفسكي: تحتل المشاكل الروحية والنفسية للإنسان في أعمالهم الدرجة الأولى. برجمان مخرج وكاتب سيناريو. يختبئ خلف أبطاله. لا يظهر نفسه. يعبر عن أفكاره من خلال الحوار والصورة / الوجه البشري ( كلوز آب). تاركوفسكي مخرج لا يوجد خلاف على جمالية الطابع الصوري في أفلامه. ومع ذلك هو غير مختفي: هو ظاهر للعيان. لا يمكن فصل فكرة العمل السينمائي عن الطابع الداخلي لتاركوفسكي، وفي المرآة والناستولجيا التفصيل.

صورة الحنين والذكريات تختلف من مخرج إلى آخر. من شاهد تحفة تورناتوري سينما باراديسيو سيتذكر ذلك المشهد الذي أعاد الذكريات دفعة واحدة إلى البطل في واحدة من أجمل الصور السينمائية. الحنين والذكريات عند تاركوفسكي مختلفة: موجعة وقاسية. الشاعر الروسي جورشاكوف في فيلم النوستالجيا يغادر إلى إيطاليا في رحلة للكتابة عن موسيقار روسي كان عبداً مملوكاً لأحد الإقطاعيين. أرسله سيده بعد أن شاهد براعته إلى إيطاليا للتعلم وصقل موهبته. إلا أنه لم يجد ذاته هناك. فقد شيئاً قطع صلته مع ذاته، فوجد نفسه غير قادر على الاستمرار في الحياة. عاد إلى وطنه، روسيا، مشحوناً بذلك الفقد, وقضى على نفسه. الشاعر جورشاكوف يجد نفسه واقعاً في نفس الحالة الشعرية للموسيقار المراد البحث عن تاريخه. حالة موجعة من الفقد: ذكريات تهجم عليه، ومشاهد شكلت جزءاً أصيلاً من حياته، أصوات أناس غائبين لا يستطيع التواصل معهم. هذه الحالة الشعورية تفقد المرء القدرة على التواصل مع الآخرين. يظن الآخر أننا نسمع، بينما – في عمق هذا الحالة – لا توجد تواصل. يصبح الفرد من فئة اللامنتمي: تلك الفئة التي وجدت لها صدى في دراسة جميلة للكاتب كولن ولسن في كتاب اللامنتمي. لم يكن هناك تفصيل في الحوار لمعرفة تلك الحالة الشعورية الكامنة في ذاتية الشاعر تصاعدياً. هناك صور نخلق من خلالها حوار. كلما استمرت تلك الصورة البالغة الجمال، المزعجة في ذاتها، كلما استطعنا تفهم، قبل خلق الحوار بحد ذاته، الطبيعة النفسية للبطل. الجسد في إنطوائيته وغرابة الحركة والتجاوب مع الآخرين يرسم صورة كاملة للواقع الداخلي للفرد. الجسد في تعبيره لا يحتاج للكلام كي يفصح عن نفسه. واحدة من أكثر مشاهد النوستالجيا درامية هي في حالة اللامنتمي الآخر دومينيكو. هذه الشخصية تعيد إليّ شخصية لاكي في مسرحية صموئيل بيكيت في انتظار غودو. لاكي في مسرحية غودو يتحدث بلغة غير مفهومة. يصف كلماته بصورة عبثية. يسير كالكلب مع سيده وينتظر الأوامر لتنفيذها. ولكن ما إن يتلقى أمر بالكلام من قبل سيده حتى يتفجر عقله بكلام أجده ( على الأقل أنا رغم أن الكثير يعارض ذلك ) ممتلئ بعاطفة ومحبة. يهاجم الطبقة المتوحشة والرأسماليين ودعاة الحروب. مشكلة لاكي والذي قد يسبب معارضة لرأيي هنا هو عدم وضوح النص. لا توجد جملة مفيدة واحدة. دومينيكو في النوستالجيا هو الصورة الواضحة للاكي: مدفوعاً بعاطفة طفولية يصعد فوق قمة أحد التماثيل في أحد الساحات العامة في روما ويهاجم من خلالها دعاة الفرقة والعنف والرأسمالية في العالم. يدعو الشعوب إلى التوحد صفاً واحداً ضد الجشع والعنف والكره والحقد. قد لا يوجد تسلسل تعبيري يُفهم من خلاله الفكرة دفعة واحدة، لكن النص هنا واضح والجمل سليمة. ورأيه قائم على حجة أصيلة. ومن أجل إثبات سلامة رأيه، كان عليه أن يفعل شيئاً يثبت ما يدعو إليه: وكان كذلك. هذه الشخصية قد يتم وصفها بالعبثية والمجنونة. ولكن: أليس ما قاله هذا المنبوذ اللامنتمي هو ما يتشدق به السياسيون في العالم ويعقدون من أجله المؤتمرات. هناك فرق جلي وواضح: اللامنتمي دومينيكو صادق في رأيه، واثبت ذلك من خلال التضحية بجسده. أما الطرف الآخر الذين يجتمعون لقول ذلك فهم يكذبون. في هذا المشهد الطويل عدة جماليات: مشهد البشر الذين ينصتون له ثابتين في مواقعهم لا يتحركون كأنهم يخشون التحرك خطوة واحدة تجاه فكرة دومينيكو، السقوط المدوي ومشهد الحرق الذي يصور لك بشاعة هذا العالم الذي يشاهد الذين يُقتلون دون أن يتحرك ويقوم بشيء ما لإنقاذ الإنسان. لم يقم بأحد بإنقاذ دومينيكو، لأن لا أحد في هذا العالم على استعداد لاتخاذ المبادرة لمساعدة الضعفاء والمساكين. الشاعر الروسي جورشاكوف وجد في هذا اللامنتمي الثوري صورة حية أعادت له التواصل المفقود. لم تستطع الطبيعة الرائعة ولا الفنون التشكيلية العظيمة المعمارية في ايطاليا أن تعيد له حرارة التواصل مع الأرض. دومينيكو بفكرة التضحية العالمية وصوت خرير الماء والشمعة التي يسعى الشاعر إلى إيصالها للطرف الآخر من ذلك المكان: اعتملت في الذهن، نشطت في عمل أخير تحت هذه الحالة الشعورية من النوستالجيا. كتب تاركوفسكي في كتابه عن النوستالجيا:

لقد أردت أن أحقق فيلما عن النوستالجيا الروسية، عن الحنين الروسي إلى الوطن، عن تلك الحالة الذهنية الخاصة بأمتنا والتي تؤثر في الروس البعيدين عن وطنهم. كان ذلك بالنسبة لي واجباً وطنيا. أردت للفيلم أن يكون عن الارتباط القدري للروس بجذورهم الوطنية، بماضيهم وثقافتهم، بأماكنهم الأصلية وعائلاتهم وأصدقائهم..الارتباط الذي يحملونه معهم طوال حياتهم، أينما حلوا، وأينما زج بهم القدر.

فيلم النوستالجيا يعتبر سهلا رغم عدم الوضوح الذي قد يشعر به المشاهد. ولكن ماذا سيقول المشاهد حين يشاهد المرآة مثلاً؟ حالة الإعجاب التي تصيب المشاهد بعد الانتهاء من مشاهدة فيلم ما، تجبره على القول: فيلم سينمائي فلسفي رائع. هل هناك سينما فلسفية؟ هناك مدارس في السينما. كل مخرج له طريقة يُعرف بها ويحبها. لا توجد نظرية واحدة للفن السينمائي. هناك عدة مدارس. الإثراء السينمائي قائم على الاختلاف. اعتياد المشاهد على نمط سينمائي واحد يعرضه لصدمة غير معتاد عليها. من يشاهد فيلم له بداية ونهاية وقصة سيفاجئ حين يشاهد فيلم كالمرآة لأندريه تاركوفسكي. أزمنة في دقائق قليلة ومشاهد رائعة لقصة مبعثرة التفاصيل. عدم الفهم الذي لا يسعى إليه المخرج ولا يفكر به لحظة المونتاج هو المسبب لأزمة تصنيف الفيلم. مهندس لم يفهم الفيلم، وعجوز قروية أحبته. لماذا؟ إنها حالة التواصل والتفاعل بين المشاهد والصورة. قد تحدث أثراً لأني عشتها مثلاً وأعرف كيف يكون هذا الحدث بينما غيري لم يعرفها ولم يتفاعل معها. نشر تاركوفسكي في مقدمة كتابه الرائع النحت في الزمن عدة رسائل لمشاهدين يعبرون فيها عن سخطهم البالغ لهذا العمل السينمائي الغير مفهوم “المرآة”. أحدهم يعتبر هذا الفيلم ضار بالصحة رغم جمال الصور السينمائية. مهندسين وأصحاب مهن مختلفة يدينون هذا العمل. إن لم يفهم أحد العمل الذي قمت به، ما هي فائدة العمل؟ ولفائدة من يتم إخراج الفيلم وتقديمه؟ العمل الفني الذي يجبرني على البحث عن كتب وأراء لفهم العمل بحد ذاته يفقد العمل الفني أهميته. يجعله مركوناً في زاوية، لا يتم التفاعل معه باستمرار لأنه بحاجة لطريقة أخرى للوصول إليه. العمل الأصيل هو الذي يصل إليك بصورة قد تكون مختلفة عن الآخرين. البحث عن كتب وأراء تتحدث عن العمل الفني حينها تفتح لك فضاءات أخرى. من الرسائل التي وصلت لتاركوفسكي رسالة من امرأة تقول فيها:

. . كم هي عدد الكلمات التي يعرفها الفرد؟ كم كلمة يستخدمها في معجمه اليومي؟ مئة، مائتان، ثلاثمائة؟ إننا نغلف مشاعرنا بالكلمات، نحاول أن نعبر بالكلمات عن الحزن والفرح وتلك العواطف التي لا يمكن التعبير عنها. روميو كان يخاطب جولييت بكلمات جميلة، زاهية، معبرة، لكنها بالتأكيد لم تعبر حتى عن نصف ما كان يجعل قلبه يبدو كما لو سيثب خارج صدره، وما كان يحبس أنفاسه، وما كان يجعل جولييت تنسى كل شيء ما عدا حبها. هناك نوع أخر من اللغة، شكل أخر من الاتصال: بواسطة المشاعر والصور. ذلك هو الاتصال الذي يمنع الناس من الانفصال عن بعضهم البعض، الذي يحطم التخوم. الإرادة، الشعور، العاطفة. . هي التي تزيل الحواجز بين الأفراد الذين بدون هذا يقفون في اتجاهات معاكسة من المرآة، اتجاهات معاكسة من الباب. كادرات الشاشة تتحرك، والعالم الذي اعتاد أن يكون منقسما يأتي إلينا ويصبح شيئا حقيقيا. . وهذا لا يحدث من خلال أندريه الصغير، انه تاركو فسكي نفسه يخاطب الجمهور مباشرة فيما يجلسون في الجانب الأخر من الشاشة. ليس هناك موت، بل خلود. الزمن واحد وغير منقسم، وكما تقول إحدى القصائد.. حول المائدة يجلس الأسلاف والأحفاد. . بالفعل يا أمي، لقد أدركت الفيلم بأسره من زاوية عاطفية، لكنني واثقة من أن هناك طرقا مختلفة للنظر إليه. ..

هناك ثنائية تحكم علاقة المخرج آندريه تاركوفسكي بالسينما: الثقل والخفة. في وسط العمل السينمائي، حين يعبر تاركوفسكي عن روحه الداخلية في العمل، يظهر الثقل في العمل عبر الاستنطاق الصريح للصورة. هذا الاستنطاق يجده المشاهد كثقل يضغط على الصورة. في نهاية العمل هناك من يشعر بالخفة. قد يشعر بها المشاهد في حالة التواصل والتفاعل مع العمل، وقد لا يشعر بها إطلاقاً: ولكن هناك من يشعر بالخفة، بالتحرر لأول مرة من ضغوط كانت ساكنة في الذهن وتسير مع الروح: تاركوفسكي هو أول من يشعر بالخفة. لا أقصد هنا حالة السعادة التي يشعر بها المبدع لحظة الانتهاء من عمل استنزف من وقته الكثير. ما أشير إليه هنا هي الحالة الداخلية للمبدع، الذكريات التي تطارده تريد أن تخرج وتتحرر. هناك صور مكبوتة تحتاج للخروج حتى يشعر المبدع بالتحرر والاطمئنان. تاركوفسكي على هذا المنوال. ذكريات الحرب والطفولة ومغادرة الأب عبارة عن صور في الذاكرة تقتل المرء حنيناً وخوفاً: يحتاج للبوح. تاركوفسكي ليس بكاتب، ولو كان كذلك قد نقرأ له نصاً. هو مخرج, وهذا الإعلان للذاكرة لن يكون إلا عبر الصور!

المرآة يُشاهد كـ قصيدة غنائية، كرباعية لفرناندو بيسوا، كأحلام في ذهن عجوز عن الطفولة، لأن الفيلم حسب البنيان الهندسي له هو قصيدة غنائية بلا أي جدال. عدة صور تُستخرج منها ذكرى جميلة وذكرى مخيفة. فقد موجع وحالات سقوط موجودة على أرض الواقع: دعوة صريحة لمشاركة صاحب الشأن ذكرياته التي أضحت وطنية وعالمية. المرأة الجالسة في مقدمة المنزل تنظر للمجهول، للغريب الذي كان يُعتقد أنه الأب الغائب عن المنزل لفترة طويلة، ولم يكن إلا غريب في طريقه إلى مكان آخر. الطبيعة تشارك الفرد ذكرياته: أصوات الرياح والمطر وقطرات الندى. قلت سابقاً أن إيميلي برونتي هي أفضل من كتب عن الرياح، في عملها الرائع مرتفعات وذرينغ. لا أظن أحداً تعامل مع الريح في السينما بمثل ما تعامل بها تاركوفسكي. عندما ينزل الغريب على المنحدر الأخضر، في طريقه إلى المجهول، يلتفت إلى الخلف للنظر إلى تلك المرأة الجالسة لوحدها مع طفلين، مع هذه النظرة الرائعة تهب ريح عاصفة ترسم صورة جميلة على الأرض الخضراء. أحد أجمل الصور الشعرية في المرآة هي صورة الأم وهي تركض للمطبعة لتصحيح كلمة أخطأت في تصحيحها. اللون الواحد الذي يكسو الصورة وصوت المطر والركض الطويل لتصحيح كلمة قد تفقد الأم حياتها .. يظهر نص مختبئ لدوستويفسكي من الشياطين لا يظهر للمشاهد إلا عند التدقيق، وعاملة المطبعة التي تمشي في المطبعة وهي تردد نص كأنه نص حواري أو حالة هذيان من كتابة المؤلف، ولم يكن النص إلا الأبيات الثلاث الأول لجحيم كوميديا دانتي آليغيري. المرآة ليس عمل سينمائي عن الحرب، عن حالة الهجوم والانتصار: لكنه أهم عمل يناقش حالة الانهيار والفقد جراء الحرب. استخدم تاركو فسكي في المرآة عدة مقاطع من الأرشيف السوفييتي لجنود سوفييت في حالة انهيار كامل وسقوط للإنسان وهم يسيرون في الوحل والماء لنقل معدات حربية إلى الجبهة. في طريقهم إلى الاختفاء، العدم. يرفض تاركوفسكي الاتجاه الذي يقول أن مجموعة من أفلامه ومنها هذا الفيلم يحوي معاني رمزية. له الحق في التصريح والدفاع عن رأيه لكن العمل أُطلق وأصبح حراً. يجوب الفضاء لوحده وسيتلقى ردود متفقة معه ومعارضة. كمشاهد تفاعلت جيداً مع هذه القصيدة، مسألة عدم وجود الرمزية أمر لا يمكن إنكاره. هناك عدة مشاهدة رمزية وبشدة. وحتى رمزية بعض المشاهد, يوجد لها تأثير جمالي شفاف تصل إلى المشاهد بسهولة ويحس بها. وهناك مشاهد أخرى مغرقة في الرمزية ولا أظن بأن هناك أي اتفاق عام في النقد السينمائي حول المعاني التي تحتوي.

يروي تاركوفسكي في كتاب النحت في الزمن عن المرآة :

…. عندما أنهيت تصوير فيلمي المرآة، تلاشت فجأة ذكريات الطفولة التي ظلت لسنوات تقلقني وتسلب مني الطمأنينة. لقد ذابت هذه الذكريات ولم أعد أحلم بالبيت الذي عشت فيه قبل سنوات طويلة. فيلم المرآة هو أيضا قصة البيت القديم الذي أمضى فيه الراوي طفولته. وتلك المزرعة التي شهدت ولادته، و فيها عاش أبوه وأمه. الفيلم كان يهدف إلى إعادة بناء حياة الأفراد الذين أحببتهم كثيرا و عرفتهم جيدا. أردت أن أروي قصة الألم الذي عاناه رجل لأنه يشعر بأنه لا يستطيع أن يعوض عائلته مقابل كل ما منحوه و بذلوه له، يشعر بأنه لم يحبهم بدرجة كافية.. وهذه الفكرة تعذبه وتعصر قلبه. ما إن تبدأ في التحدث عن أشياء أثيرة إلى نفسك، فإنك على الفور تشعر بالقلق حيال كيفية تفاعل الآخرين تجاه ما تقوله، و أنت ترغب في حماية هذه الأشياء، أن تدافع عنها ضد حالة اللافهم أو عدم الإدراك. فيلم المرآة لم يكن محاولة للتحدث عن نفسي على الإطلاق. إنه عن مشاعري تجاه الأفراد الذين أحببتهم، عن علاقتي بهم، إشفاقي الدائم عليهم، وكذلك عن إحساسي بالواجب الذي لم استطع تأديته. الأجزاء التي فيها يتذكر الراوي، في لحظة بالغة من الأزمة، تسبب له وجعا حتى اللحظة الأخيرة. . تملؤه بالحزن و القلق.

Advertisements
هذا المنشور نشر في سينمائيات. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s