A History of Britain


لكن يجب عدم خلط التاريخ مع الحنين إلى الماضي. فقد تم كتابته ليس من أجل تكريم الموتى، ولكن من أجل إلهام الأحياء. فهو الدورة الدموية لثقافتنا وسر ما نحن عليه الآن، حيث يخبرنا أن نتخلى عن الماضي بالرغم من احترامنا له. وأن نحزن على ما يتوجب الحزن عليه. وأن نمجد ما ينبغي تمجيده. وإذا ما حصل في النهاية أن تحول التاريخ ليظهر إلينا بصورته الوطنية، فإنني أعتقد أن كلاً من تشرشل و أورويل لم يمانعا ذلك بشدة.
سايمون شاما – التاريخ البريطاني.

عند ظهور حركة اجتماعية جديدة في مجتمع ما لها تأثير على مستوى الحياة العامة، سيطرح السؤال: كيف ظهرت هذه الحركة الجديدة وما مسبباتها، وكيف لها أن تظهر في هذا الوقت ولم تظهر قبل سنوات. ينطبق هذا الأمر بشكل واضح على التغيير الذي قد يحدث في دولة ما. كحدوث ثورة أو إصلاح ديني وسياسي له تأثير عام. ما سبب هذه الثورة وما نتائجها وإلى أي مرحلة قد يصل لها الإصلاح الديني أو السياسي. قد نلجأ إلى تفسير سريع يعطي إجابات لأسئلة كثيرة تطفو على السطح. وبعد سنوات قليلة من حدوث التغيير، أو من لحظة حدوثه، يدخل التغيير أو الحدث إلى التاريخ: سيتم النظر إليه من البداية. قد نستطلع حينها القوة الدافعة لمحركات التاريخ والضرورة الهائلة لسطوع فلسفة جديدة وفكرة جديدة وتيار جديد يمتد ويتوسع ولن يتوقف، وغاية ذلك كله متوقف على الإنسان: يصرخ مطالباً بالحرية، ولكن أي حرية تلك التي يريدها؟ أهي حرية ضيقة تفرض واجبات أكثر من حقوق أم حرية مقننة بميثاق عام بين أطياف الشعب، مؤمنين به، اختاروه لأنه الأنسب لهم والأجدى.


سلسلة التاريخ البريطاني بمثابة القصر. تبدأ قواعده من فترة غير معروفة قبل الميلاد في جزيرة أوركني بشمال اسكتلندا، وينتهي – في السلسلة على الأقل- بصورته الكاملة بوفاة ونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا. ولكن كيف تم بناء هذا القصر؟ القواعد الأساسية للقصر في حال كانت ضعيفة سيسقط القصر بساكنيه: يلقي بساكنيه إلى المجهول لفترة زمنية ريثما يتم ترميم القصر من جديد. ولكن على أية قواعد؟ هل ستستخدم من جديد المواد والأدوات التي أدت لسقوطه من جديد، أم سيتم استخدام مواد جديدة وطرق حديثة؟ الأدوات الجديدة للبناء هي حركات التغيير في المجتمع، وسطوع نجم فلسفة / فكرة جديدة تبشر بالمستقبل. الأدوات المسببة للسقوط قد لا يتم التخلص منها، قد تستخدم في بناء فكرة جديدة مستمدة من الثقافة الشعبية والدينية. غاية كل ذلك- هذا ما شاهدته في هذه السلسلة على الأقل- لا وجود لشيء اسمه سكون و جمود. كلما ازداد وعي الناس بحقوقهم كلما ارتفع سقف مطالبهم. إخماد الحراك العام قد يُسقط بعض الحقوق لفترة زمنية لكن الفكرة لا تموت. قد يموت صاحب الفكرة وقادتها والمبشرين بها, ولكن الفكرة ما إن تخرج وتحوز على القبول العام، لا مفر إلا التعامل معها بإيجابية قبل أي شيء آخر. التعامل بإيجابية يلقي بالجميع إلى الأمام دفعة واحدة، وبوثبة واحدة. التعامل السلبي سيفرز أفكار قد تسلك أي طريق حتى لو كان غير مقبول لتطبيق الفكرة. وكلما تأجل تنفيذ الفكرة تحت ذريعة الدراسة واستطلاع الأمر لفترة أطول وتقديم أشكال لا تحمل هم الفكرة بقدر ما تحمل من شكليات، سيفقد أفراد المجتمع الثقة بها، أي السلطة, وسيحدث ما يخشاه الجميع.

هذه السلسلة بقدر ما تقدم بعض الأجوبة بقدر ما تقدم أسئلة كذلك. أسئلة حول رؤيتنا للتاريخ: والقواعد التي تمت إقامتها لتشييد بنية القصر الخاص بنا. إذا كانت قواعدنا سليمة، لماذا لا زلنا متأخرين علمياً حتى الآن؟ من السهولة بمكان أن نضع أنفسنا مكان من استطاع الوصول إلى أنظمة حكم تشجع الإبداع وتنشر وتنتج الأفكار ووصلت إلى درجة متطورة من العلم، وذلك بالاستناد لبعض اللمحات المشرقة في تاريخنا الماضي. هل هذا يكفي؟ إلا أن هناك سؤال أهم، بل هو أهم سؤال يجب أن يطرح على طاولة البحث. لمن شاهد هذه السلسلة وتعرف على سلسلة الأحداث وهذا التداعي والارتفاع, أسأله سؤال صغير: ماذا شاهدت بالضبط؟ سألت نفسي في منتصف كتابة هذا المقال: ماذا شاهدت؟ لا أعتقد بأني شاهدت مرويات تاريخية قام بها بروفسور في التاريخ الفني رغم أن عرض السلسلة اعتمد بشكل كامل على ذكر أحداث تاريخية في فترة زمنية محددة، ولم أشاهد عمل تاريخي يعتمد على الفكرة القائلة بأنه يجب معرفة الوقائع التاريخية وتفسيرها من أجل أخذ العبرة والاستفادة منها في حياتنا الحضارة. مقدم السلسلة كان يروي سرداً تاريخياً بطريقة جذابة معتمداً على بحثه الشخصي، وهو سرد مميز بلا شك. لا أملك إجابة كاملة، فلا زلت في طور البحث عن إجابة. ومع ذلك سأختار شخصيتين أحاول من خلالها الاقتراب من الإجابة عن سؤال (ماذا شاهدت). الشخصية الأولى كان لها حضور طاغي في الحلقة التاسعة من السلسلة، والشخصية الثانية لم يُذكر نهائياً في السلسلة، لكن له حضور يفوق الشخصية الأولى، وبصورة أوضح: يساعدنا للوصول إلى معرفة السؤال الأهم عن التاريخ: ما التاريخ.

قبل ثلاثة قرون، عندما سقط الباستيل في الجانب الآخر من بريطانيا، ظهر التمجيد والترحيب من قبل الشعراء الكبار وبعض الصحفيين والتيارات السياسية. رغم تطور نظام الحكم في بريطانيا إلا أن هناك من يشعر بأن هذا النظام قد يعود إلى سابق عهده من الاستبداد والحكم المطلق. فجرت الثورة الفرنسية شعاع من الأمل بعودة الحقوق الطبيعية المفقودة. كان الشاعر الرومانسي الكبير ويليام وردزورث أحد أكبر المؤيدين للثورة الفرنسية. في التاسعة عشر من عمره كان في باريس يحتفل بالسنة الأولى لسقوط الباستيل. ما شاهده هناك قام بوصفه كطبيعة بشرية مولودة من جديد:

Unhoused beneath the evening star,
we saw dances of liberty.
And in late hours of darkness,
dances in the open air.
We rose at signal given
and formed a ring
and hand in hand,
danced round and round the board.
All hearts were open. Every tongue
was loud with amity and glee.
We bore a name honoured in France
the name of Englishmen
and, hospitably, they did give us hail
as their forerunners in a glorious cause.


تلك الحركة المدوية في التاريخ أنتجت أفكار جديدة لم تكن موجودة مسبقاً. مجرد أن يطرح فرد ما فكرة لم تكن موجودة مسبقاً حتى يتم وصف الفكرة بالثورية وروح العصر. مثال ذلك: ماري ولستون كرافت. بدأت الحركة النسوية تخطو خطواتها الأولى. تكفي شرارة واحدة أن تشعل الحراك العام . أصدرت النسخة الأولى الخاصة بها: الدفاع عن حقوق المرأة. وأصدر توم بين خطابات وكتاب يرد فيه على بعض أعضاء البرلمان المهاجمين للثورة الفرنسية. ثم، حين بدأت الثورة تأكل أبناءها، وعندما بدأت الحرائق تشتعل في كل دقيقة والمقصلة تعمل بشكل منتظم لجز الرؤوس، حدث التحول. كتبت ماري ولستون كرافت تحت وقع هذه الأصداء وهي في باريس مهددة بالذبح:

I have seen eyes glare through a glass door opposite me. And bloody hands shook at me. I wish I had even kept the cat with me, as I want to see something alive. Death in so many frightful shapes has taken hold of my fancy. I’m going to bed, and for the first time in my life, I cannot put out the candle.

كانت في باريس، مصدر الإشعاع الجديد كما كانت تظن. وبدل أن يتم معاملة من تدعو إلى المساواة كضيف شرف، تم الاشتباه بها وبجموع من المهاجرين المتحمسين للثورة كطابور خامس. لم ينقذها من المقصلة إلا تسجيلها كزوج أمريكية لرجل أعمال أمريكي ورعايتها لطفلتها بالقرب من إحدى الحدائق. أنقذتها الأمومة من مقصلة الثورة. أما وردزورث، والذي يعرف جيداً ماهية الحرب الأهلية، سقط هو ورفيق دربه الشاعر صموئيل كولردج في بحر التشاؤم عندما شاهد التهديد الذي شكله نابليون في المشهد الأوروبي. لم تعد حرية الشعوب أمر يشغل بالهم بعد الآن. عادوا إلى الطبيعة بصورة أخرى. بينما كانت الطبيعة هي المصدر للإلهام وشعاع أمل في تفجير حركة تحرير، أصبحت الآن ضريح للوطنية. لم تعد الطبيعة تربطهم بالعالم. عندما تحدثوا عن الحرية لم يقصدوا التضامن بعد الآن: كانوا يقصدون العزلة.

في جزء آخر من القارة الأوروبية كان هناك أستاذ جامعي يكتب الصفحات الأخيرة من كتابه الذي شكل المعلم الرئيس لفلسفته. كانت الأجواء عاصفة مدمرة: نظام جديد يخرج من براثن الموت، ونظام قديم على وشك السقوط. شاهد هذا الأستاذ الجامعي رجلاً ممتطياً صهوة جواد. لم يكن الأستاذ الجامعي رساماً، ولو كان كذلك لشككت بأنه جاك لويس ديفيد عندما رسم الرجل الممتطي جواداً بصورة أخاذة. لم يكن الأستاذ الجامعي إلا الفيلسوف الألماني هيجل. والرجل الممتطي صهوة الجواد لم يكن إلا نابليون.

لقد رأيت روح العالم راكباً على حصان!

فلسفة هيجل التاريخية لا تعني بحال سرد الأحداث المروية كما في المؤلفات التاريخية لمنطقة محددة. صورة التاريخ تقوم على نظرية فلسفية تحاول أن تصف إشكالية التطور على أساس أن كل ظاهرة إنسانية هي ظاهرة تاريخية. في كتاب فينومولوجيا الروح يعود هيجل إلى الماضي لا للنظر في الأحداث بقدر فحص جذوره من حال الإدراك التجريبي إلى مستوى المعرفة المطلقة. بما أن التاريخ يصعد إلى الأعلى دائماً ذلك يعني وجود اتجاهات فكرية وسياسية وفلسفية وفنية ساهمت في هذا التطور نحو الأعلى. كل اتجاه من هذه الاتجاهات الحضارية غير ساكن وجامد. بل هو متحرك باستمرار ولا يتوقف. يحمل جذور الحرية والعنف والموت والحياة. إذا أصابه السكون يصبح غير فاعلاً ويخرج خارج نطاق التاريخ. الديناميكية العالية التي يتميز بها فينومولوجيا الروح هو في هذه القدرة العالية على تشريح الوعي من نقطة الصفر لدى الإنسان، حين تكون الرغبة هي المتسيدة. كل إنسان له رغبات وشهوات يسعى لتحقيقها. يرتفع هذا الوعي لمرحلة ثانية تقود إلى مبدأ النفي أو مبدأ الموت. رغبة إنسانية كبرى لدى الطبيعة البشرية في إعلان السيطرة والتحكم بكل شيء. هذه السيطرة تبدأ بالسيطرة على الجسد ثم تصل إلى السيطرة على النفس. ثم تبدأ مرحلة أخرى هي السيد والعبد. هذا الجزء هو أكثر الأجزاء شهرة في الكتاب. يكتشف الطرف المسيطر في فترته السابقة أن مرآة وجوده هو في وجود آخرين أقل منه يفرض سيطرته عليهم ويكيفهم حسب قانونه ومزاجه الخاص. فيصل إلى هذه المرحلة حيث يصبح الآخر المسيطر عليه إثباتاً لوجوده وتقدمه. هذه الفكرة في فلسفة هيجل مناقضة تماماً لفكرة ديكارت. بينما يقوم الكوجيتو الديكارتي على: أنا أفكر إذا أنا موجود, يقوم الوجود الهيجلي على وجود آخر أثبت من خلاله وجودي. الوعي بوجودي يستلزم وجود نفس أخرى. الطرف الآخر المسيطر عليه، العبد، يكتشف بمرور الزمان أنه يماثل الطرف الآخر وعياً وحرية وإرادة. يبدأ باكتشاف ذاته، وهنا يبدأ الجدل الهيجلي الذي يمر بثلاث مراحل يسير عليها نسق هيجل بأكمله. المرحلة الأولى هي الأطروحة. حين تصبح الفكرة متسيدة لها وجود حقيقي ومؤثر. المرحلة الثانية هي مرحلة النفي، وهي نقيض الأطروحة. والتركيبة التي تجمع بينهما وتتجاوزهما هي مرحلة ثالثة، تشكل أطروحة جديدة تُنقض بدورها لاحقا، ويستمر نسق هيجل عبر هذا الجدل.

التاريخ بالنسبة إلى هيجل هو تاريخ التقدم. هذا التقدم لا يسير في خط مستقيم. قد يتعرض للاهتزاز، لكنه يستمر بصعود متدرج للقدرات الإنسانية والرفاه الإقتصادي وأشكال الحياة المتحضرة. هذه النظرة للتاريخ قد تجد لها صدى وجذور في فكر مؤرخي التنوير، بخلاف أن نظرة هيجل هو تاريخ مراحل جزئية لكائن عضوي. يصعد عالياً تارة، وقد يتعرض للتوقف والجمود، أو حتى التراجع.

هناك ذات حقيقة فاعلة للتاريخ في فلسفة هيجل للتاريخ. هذه الذات هي الروح. يذكر عبدالرحمن بدوي في موسوعة الفلسفة عن الروح في فلسفة هيجل التاريخية بتصرف:

كل حدث من أحداث التاريخ إنما جرى وفقاً لمقتضيات العقل. التاريخ ينمو ويتطور لمنطق باطن لم تكن الشخصيات التاريخية غير أدوات لتحقيقه دون شعورها بذلك. إنهم يخضعون لأهوائهم ويرمون إلى تحقيق مصالحهم، ولكن الذي يحدث في نفس الوقت هو أن غاية ما بعيدة المدى قد تحققت لم يكونوا على شعور بها ولم تكن قصداً من مقاصدهم. هذا ما يسميه هيجل مكر العقل. غايات الروح لا تتحقق إلا به. من مكره أنه يستعين بهذه الشخصيات في تحقيق أهدافه وخططه ومقاصده دون أن يكون هؤلاء على علم بذلك. الذي يجعل هؤلاء أقوياء هو أن أهدافهم الجزئية الخاصة تحتوي على المحتوى الجوهري الذي هو إرادة الروح الكلية. هذا المحتوى قائم في الغريزة الكلية غير المشعور بها لدى الناس, وهم مدفعون لذلك بقوة باطنة. وفي بعض الأحيان نجد أن روح الشعب (= لفظ قريب من الحضارة يشمل المكونات الأساسية لشعب من لغة ودين وثقافة وفلسفة وعلوم وفنون، تشكل كائن حي عضوي. لا يمكن أن نفهم طبيعة الإنسان البشري دون معرفة المؤثرات التي يعيش بها ويؤثر فيها ) يتحطم لأنه عفي عليه وخلي من جوهره، ولكن التاريخ رغم ذلك يستمر في سيره قدماً لا يتأثر بانهيار حضارة أو انحلال دولة، ولكن في المراحل الكبرى تحدث الاصطدامات العظمى بين الأنظمة القائمة وبين الإمكانيات المضادة لهذه الأنظمة مما يؤدي إلى زعزعة الأنظمة القائمة. هذه الاصطدامات نفسها تتضمن أمراً بعيداً وضرورياً، وحينئذ تصبح الإمكانيات ذاتها ضرورية وتتضمن أساساً مختلفاً عن ذلك الأساس الذي كان حتى الآن أساسً للتنظيم الشعبي، وهذا الكلي يستولي عليه عظماء التاريخ ويجعلون منه قصداً من مقاصدهم، وهم حين يحققون أهدافهم يحققون في نفس الوقت الغاية التي تتفق مع التصور الأعلى للروح. على هذا يتبدى منطق التاريخ. ظروف التقدم التي حققتها الإنسانية عن طريق المتناقضات والاصطدامات والحروب والثورات تؤدي إلى وضع للأمور أصدق وأفضل.

التاريخ الكلي هو تقدم الشعور بالحرية. يقول هيجل:

كل صفات الروح لا تقوم إلا بفضل الحرية, وأنها كلها ليست إلا أدوات للحرية وأنها جميعاً تحاول إنتاجها.. لكن الروح لن يكون حراً إلا حينما يكون واعياً بطبيعته الذاتية, والتاريخ لا يكون مفهوماً إلا من حيث هو سلسلة مجاهدات الروح للوصول إلى هذه النقطة. تاريخ العالم يقتصر على بيان كيف يصل الروح رويداً رويداً إلى الوعي إلى إرادة الحقيقة.

سأخرج عن النطاق الفلسفي إلى الحدث التاريخي في محاولة لإسقاط تلك الفكرة على بعض الأحداث. كتب السفير البريطاني في السعودية مقالاً في صحيفة الرياض بتاريخ 5 ابريل 2012 تحت عنوان هل ستستقل اسكتلندا؟ لو طرحت هذه القضية قبل ثلاثة قرون لكانت النتيجة أن كل طرف قد أعد العدة لمرحلة طويلة من الحرب. ولكن الآن تطرح كما لو كانت مسألة عادية رغم أهميتها الضخمة للمملكة المتحدة. يمكننا حين نسمع مثل هذه القضية تذكر الثائر الاسكتلندي ويليام والاس وصرخة الحرية التي أطلقها ميل غيبسون في فيلم القلب الشجاع. تلك الأيام الأولى حيث كانت كل منطقة تتمتع بمستوى رفيع من الحكم الذاتي تحت سلطة أبناء أسر عريقة ونبلاء. في الحلقة الرابعة من هذه السلسلة قدم البروفسور شاما الفكرة الأصيلة حول الاستقلال والحرية. في الوقت الذي أعد فيه الملك الإنجليزي إدوارد الأول العدة لغزو اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية، يظهر على شاشة العرض أصوات ثلاثة أشخاص يمثلون هذه المناطق الثلاث. كل واحد منهم يطرح رأيه الممتلئ بالثورية. نسمع الأيرلندي بلهجته الساخرة متوعداً الملك الإنجليزي، ونسمع الاسكتلندي بلكنة تجبر أبناء منطقته على الثورة والاستعداد للتضحية بالنفس والمال في سبيل الموت من أجل الأرض. قد لا يستطيع المؤرخون السيطرة على العاطفة التي تبجل الثائر الشعبي أكثر من المحارب النبيل. ويليام والاس ليس بشاعر، ولا أظنه فكر يوماً بأن الزمن سيلقي به في اتجاه يجبره – بعاطفة متدفقة وغزيرة – أن يكتب أجمل قصيدة غنائية في ذلك القرن. قصيدة كُتبت بالدم وجسد تم تقطيعه وصلبه في عدة أجزاء تحذيراً وتهديداً لكل من يفكر في مقاومة ادوارد الأول. العامة من الناس يحبون مثل هذا النوع من البشر. يجدونه يمثل أقصى طموحهم وغاية آمالهم. في الوقت الذي قدم فيه غالبية النبلاء الاسكتلنديين الطاعة لإدوارد، كان هو الوحيد الذي لم يقدم أي شيء يثبت ولاءه لإدوارد.

We are not here to make peace ,but to do battle and to liberate our kingdom.

لم يظهر النبيل روبرت بروس في القلب الشجاع كما كان في التاريخ وذكره المقدم هنا: واجه إدوارد بصمود لا مثيل له، حتى أصبح الملك المتوج لاسكتلندا. بعد قتل والاس بست سنوات عاد بروس بصورة مختلفة لم يكن يحملها في السابق. قبل أن يحارب الغزاة الإنجليز قام بضرب الاسكتلنديين المترددين على حد سواء. وجه كل الغضب باتجاههم حتى تصبح القاعدة التي يستند عليها قاعدة واحدة غير متفككة. بعد أن تخلص من كل الطامعين في الحكم الاسكتلندي وأيقن أن وراءه فرداً واحداً لا أفراد منقسمين، وجه طاقة الغضب باتجاه الإنجليزي. قبل أن يفكر بهزيمة الغريب، تخلص من الأقربين الذين أعاقوا مشروع التحرير لست سنوات بعد وفاة والاس. وحدث ما تنبأ به. قبل ثلاثة قرون تمت الوحدة بين انجلترا واسكتلندا. وصلت الأمور إلى مرحلة لم يعد فيها التفكير بالحرية دون اقترانها بالأمن: عن أي حرية يفضلون العيش فيها؟ هل هي الحرية التي كانت نتيجتها قرن كامل من الحروب الأهلية وتغير الولاءات بلمح البصر، أم هي الحرية القائمة على قطع رقبة ملك انجلترا وظهور جمهورية بريطانية تحت قيادة كرومويل؟ أم هي الحرية المؤسسة على نظام اجتماعي صلب قائمة على التمثيل البرلماني والحد من صلاحيات الملك بأقصى درجة ممكنة؟ هذا التطور في نظام الحكم كان قائماً على نبالة الأصل، وحتى الممثلون لأطياف الشعب هم من طبقة محددة. تم تدمير هذا النظام لفترة طويلة وتاه في بحر من الولاءات إلى أن استقر لفترة في حكم إليزابيث الأولى بعد تخلصها من ماري ستيوارت ملكة اسكتلندا. تمت الوحدة بعد ذلك بثلاثة قرون لتصبح ما هي عليه الآن. في ظرف سنوات قليلة ماضية تطور نظام الحكم. لم يكن هناك برلمان خاص بالإقليم الاسكتلندي. تطور ليعنى بالشئون الداخلية دون التدخل بالشئون الخارجية. إلا أن الحزب القومي الاسكتلندي كانت له كلمة في حال الفوز بالانتخابات البرلمانية. إلى أين ستسير الأمور؟ السنتين المقبلتين كفيلة بالإجابة.

مثال أوضح مقرون بفلسفة هيجل ومن هيجل نفسه. شاعر مثل وردزورث تصرف تصرفاً طبيعياً عندما شاهد قوات نابليون تطرق الأبواب في وطنه. كتب القصائد تمجيداً لقوات بلده. في الطرف الآخر في بروسيا، يشاهد هيجل نابليون ممتطياً صهوة جواده غازياً وطنه الأم. عبر عن ذلك بصورة شعرية: لقد رأيت روح العالم ممتطياً صهوة جواده. روح العالم كما يصفه يغزو وطنه. هذا الغزو يحمل راية الثورة الفرنسية على نظام إقطاعي عتيق يوشك على السقوط. ينتظر دفعة واحدة ليهتز أسس النظام. روح الدمار والموت قادم لتقويض نظام قديم وتأسيس نظام آخر. هذه الروح التاريخية هي الشرط الذي لا بد منه لولادة جيدة. هذه الجدلية تبرر وجود الشر في هذا العالم. وجود لدفع التقدم إلى الأمام نحو المطلق. قد لا يسير بشكل مستقيم. سيتعرض لاهتزازات أو توقف، لكنه سيستمر إلى الأعلى.

الطابع الخلقي للتاريخ خير لأنه تقدمي. يحقق بمرور الزمان غاية يمكن للأفراد أن يعرفوا طابعها العقلي في ذاتها. والتاريخ ليس مسرح للسعادة لأن التاريخ يتحقق بالصراعات. يقول هيجل في محاضرات تاريخ الفلسفة: تاريخ العالم ليس أرضية للسعادة، بل إن فترات السعادة هي أوراق التاريخ الخالية. هي فترات التوافق: الفترات الخالية من التناقضات. التاريخ حركة باتجاه الحرية، يستخدم الخير والشر إن لزم. يستخدم شهوة الفرد وطمعه كوسيلة لتحقيق أغراض التاريخ النبيلة.

أصل الآن للنقطة الأخيرة: هل فلسفة هيجل التاريخية هي الطريقة المثلى لمعرفة محركات التاريخ كما شاهدتها في التاريخ البريطاني؟ إن القراءة الأكثر إثارة وجمالاً هي: عندما تخطط لكتابة مقال، ثم تكشف عن عجزك المعرفي، فتصل لفكرة غريبة تجبرك أن تبحث عنها في الموسوعات. يحدث ذلك معي الآن. عندما حاولت أن اكتب مقال عن سلسلة التاريخ البريطاني وجدت نفسي أقوم بسرد أحداث شاهدتها على الشاشة: هل هذا هو التاريخ فعلاً؟ ما وجدته في السلسلة فكرة تقوم على أساس التطور الحضاري. والحرية التي يسعى إليها الإنسان. لم يكن هناك مقياس للحرية، كانت عملية تطور مذهلة. لم أخطط لقراءة أي كتاب لحظة كتابة هذا المقال. ولكن الشغف بالاكتشاف هو الذي قادني للإطلاع على موسوعة الفلسفة لعبدالرحمن بدوي, والمثالية الألمانية لهنس زندكولر – تحرير أبو يعرب المرزوقي, وقراءات متفرقة في محاضرات متفرقة في تاريخ الفلسفة لهيجل. هذا البحث الذي يأتي بصورة غريبة يجعلك تكشف آفاق أوسع ومجالات جديدة. لم أفكر يوماً بشراء فينومولوجيا الروح لهيجل، لصعوبته بالدرجة الأولى. والآن أجد لدي رغبة قوية بالحصول عليه. هناك ما يستحق الاكتشاف. أحب هذا التداعي الحر الغير مخطط له: مجالات معرفية تفتح لك مجالات معرفية أخرى. هذا التداعي يشبه قراءة كتاب يجبرك على فتح اتجاهات جديدة. تقرأ رواية مثلاً، وتجد نفسك تبحث في كتاب فلسفة أو تاريخ أو كتاب علمي، ولكن هناك شرط: لن يفتح لك كتاب مجال جديد وآفاق أوسع ما لم يكن كمطرقة كافكا التي تكسر البحر المتجمد بداخلنا. يسقطك أرضاً وتبحث عن أساسيات جديدة للوقوف! تناقشت في مساء هذا اليوم مع الزميل عدي الحربش حول فلسفة التاريخ لهيجل. كانت هناك أراء مختلفة. بينما هيجل له رأي أثر في الفلسفات اللاحقة، هناك رأي آخر يستحق، بل يجب الإطلاع عليه لمعرفة محركات التاريخ. هذا الرأي موجود في رواية هي من أروع ما أنتجه الفكر الإنساني. هي رواية الحرب والسلم للروسي الكبير تولستوي. لم ينشر رأيه في التاريخ في كتاب منفصل كما في كتابه ما هو الفن. قدم عملاً أدبياً تاريخياً كاملاً، وعلى أساسه نشر فكرته عن التاريخ. هذه الفكرة هي مجال القراءة القادم.

عن مقدم السلسلة بقلم مترجم السلسلة للعربية فيصل الظفيري

هو البروفيسور البريطاني سايمون شاما. المؤرخ والمتخصص بمجال التاريخ الفني. ولد البروفيسور شاما عام 1945 في لندن في كنف أبوين يهوديين مهاجرين من أصول ليتوانية وتركية. حاز على منحة دراسية بكلية المسيح بجامعة كامبريدج وتخرج بامتياز نجمي عام 1966. ثم قام بالتدريس بنفس الجامعة. ثم حصل على الزمالة الجامعية من جامعة أكسفورد متخصصا بالثورة الفرنسية عام 1976. ثم انتقل شاما بعد ذلك للعمل في أميركا حيث قبل مقعدا للتدريس بجامعة هارفارد بعام 1980.وهو يعمل الآن بجامعة كولومبيا منذ العام 1994، ومتخصص بالتاريخ الفني وتحديدا تاريخ التراث الهولندي منه. صدرت له العديد من المؤلفات كان من أبرزها كتاب مواطنون .. حكايات الثورة الفرنسية عام 1989Citizens: A Chronicle of the French Revolution ( تم ترجمته للعربية من قبل دار كلمة – هيئة أبو ظبي للتراث والثقافة), و”حقائق ميتة” Dead Certainties عام 1991. تم تكليفه بالعام 2000، بمناسبة حلول الألفية، من قبل هيئة الإذاعة البريطانية البي بي سي بعمل برنامج وثائقي متكامل عن تاريخ بريطانيا. وقد نشب خلاف حول أسلوب عرض هذه السلسلة بين المنتجين وبين شاما. فهم أرادوا عرض التاريخ البريطاني الشامل بحيث يكون اسم السلسلة The History Of Britain، بينما أصر هو على تقديم رؤيته الشخصية لهذا التاريخ بحيث يكون A History Of Britain. وبعد شد وجذب كانت الغلبة لرأي مقدم السلسلة لأنه هو من سيقوم بصياغة المادة العلمية للسلسلة فضلا عن كتابة نصها وتقديمها عبر جميع الحلقات. وقد تم الاتفاق بين الجميع استحالة عرض كل ملوك وأحداث تاريخ بريطانيا، بل تم عرض أبرز أحداث وتغيرات هذا التاريخ على بريطانيا والشخصية البريطانية. والأسلوب الذي عرضت به هذه السلسلة يتميز بشكل غير تقليدي بعرض التاريخ، حيث العمق والقراءة المعاصرة للتاريخ التي يصنعها الإنسان البسيط والفرد العادي الذي قام بأداء إنجازات يذكرها التاريخ وقد تؤثر وتغير من مجراه بدرجة أو بأخرى.

مصادر مراجع
موسوعة الفلسفة / عبدالرحمن بدوي.
المثالية الألمانية / هنس زندكولر – تحرير أبو يعرب المرزوقي
محاضرات في تاريخ الفلسفة / هيجل

Advertisements
هذا المنشور نشر في وثائقيات, تاريخ. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s