البعث: معركة ضمير


حين صدرت رواية البعث للروائي الروسي الكبير تولستوي، توقع أقرباء تولستوي أن يتم الزج بالمؤلف العجوز في أحد السجون السيبيرية، أو يطرد خارج روسيا منفياً. واقترح بعض الوجهاء أن يعلنوا للشعب أن تولستوي فقد عقله ويجب إخفاءه في أحد الأديرة البعيدة. وكتب ناشر صحيفة العصر الحديث في العهد القيصري: لدينا قيصران: نيكولا الثاني وتولستوي، فمن الأقوى منهما؟ إن نيكولا الثاني لا يستطيع أن يفعل شيئاً تجاه تولستوي، أما تولستوي، فبدون أدنى شك فهو قادر على هز عرش نيكولا الثاني وسلالته الملكية. إنهم يلعنونه ويقوم المجلس الكنائسي بأفعال ضده، ويجيب تولستوي وينتشر جوابه في المخطوطات والصحف الأجنبية، وإن حاول أحد أن يمس تولستوي سيصرخ العالم كله من أجله، وستطوي إداراتنا ذيلها.

القارئ الذي قرأ تولستوي في روايته العظيمة آنا كارينينا والحرب والسلم سوف يعرف بالتأكيد كيف يكتب تولستوي وكيف يحيط بالنفس البشرية ويقوم بتشريحها، ولكن ماذا سيقول حين يقرأ البعث؟ كاتب رواية البعث ليس تولستوي الفنان بكل تأكيد. كاتب رواية البعث هو تولستوي المصلح الديني، الرجل العجوز الذي وجد في إيمان الشعب غاية حياته ومستقرها، فقرر القذف بكل العالم القديم خلف ظهره وشرّع الأبواب مفتوحة للعالم الجديد: العالم الشعبي.


كان يحلو لتولستوي في أعماله الكبرى أن يتوارى خلف شخصياته، فيبثون بعض أفكاره ويشاطر الآخرين نظرياته، لكن هنا، أي في رواية البعث، يظهر بصورة واضحة للعيان، حيث أن البطل الرئيسي يعبر عن جزء ضخم وأصيل من تولستوي الأخلاقي والديني بعد مرحلة الاعترافات، والقاص الداخلي في الرواية يندفع بجموح ليهاجم المعتقدات التي يرى أنها كذبة كبيرة، فيهاجمها ويحيلها إلى رماد. وهذا القاص الداخلي أو الصوت الروائي لم يكن إلا تولستوي الديني. اختفى الفنان الذي كان يحب الوقوف في منتصف الأزمات مبتعداً عن التدخلات، وها هو الآن يتدخل بصورة ليست واضحة للغاية فحسب، بل هي النفس الأصيل لاعترافات المؤلف كما جاءت في كتابه الشهير : اعترافات. دون تولستوي ملاحظة في مذكراته بتاريخ 7 تموز 1889 :

يجب استنساخ وجمع كل ما يذهل في اتجاهين: 1 – وثيقة إدانة. 2 – زحف مملكة الله. وكتب في مذكراته بتاريخ 25 كانون الثاني 1891: كم سأكون سعيداً لو كتبت غداً أنني بدأت عملاً فنياً كبيراً، نعم .. بكتابة رواية تحمل مثل هذه الفكرة الآن. كانت رواياتي السابقة، الأولى، نتاجات غير واعية. ابتداء من آنا كارينينا. منذ ما يزيد على العشر سنوات كما أعتقد وأنا أجزئ وأقسم وأحلل. أنا أعرف أن باستطاعتي الآن أن أخلط كل هذا ثانية وأن أعمل يديّ في هذا الخليط.

وعلى هذا المسار كتب تولستوي رواية البعث. يحكي تولستوي في هذه الرواية قصة الأمير ديمتري إيفان نيكليندوف، شاب روسي في متوسط العمر، ثري من طبقة النبلاء، لم تستيقظ أو يسطع الشر في داخله مبكراً، كان ينفق جل وقته إما في مساعدة الآخرين أو في تحصيل العلم. كان مستعد للتضحية بنفسه في سبيل القيام بعمل جميل، ولكن ما إن انضم إلى الحياة العسكرية التي يعتبرها تولستوي في ذلك العهد القيصري مدعاة للشر، حتى استيقظ بداخله أنا مختلفة. كان فيما مضى يرى ذاته كائناً معنوياً، أما الآن فأصبح ذلك الأنا حيوان جميل صحيح الجسم قوي البنية. كان من نتائج ذلك التغيير الجذري إقلاعه عن إيمانه بذاته ليؤمن بالآخرين، لأن إيمانه بنفسه لم يكن عسيراً عليه، فعندما يؤمن بنفسه لا بد له من البحث عن حلول لمشكلات كثيرة لغير صالح الأنا الحيوانية، وعندما يؤمن بالغير فلا مشاكل ولا حلول، إذ كل شيء لمصلحة الأنا المادي ضد الأنا المعنوي، وكانت الضحية لهذه الأنا هي كاترين ماسلوفا. كانت كاترين تقيم مع خالتيه في إحدى الضواحي، كان يلعب معها وينفق جل وقته معها كأخوين متحابين من الصغر. ولكنه حين عاد إليها بعد استيقاظ ذلك الكائن الحيوان، أطل الإنسان المادي من مكمنه طالباً بحقه، وهنا بدأت الجريمة التي يباركها ذلك المجتمع النبيل، حين أخذ منها ما أرادته أناه المادية، وترك لها ظرف به مبلغ صغير من المال. لم يفهم هذا الأمير الشاب أنه كان لكاترين هو المثال الأسمى للشاب الورع الذي يسعى لمساعدة الآخرين حتى لو كان ذلك على حساب نفسه. ماذا بمقدورها أن تفعل الآن أو بماذا تؤمن حين تجد ذلك الشاب النادر الوجود في هذا العالم لا يسعى إلا ما يطلبه من أنفقوا جل أوقاتهم في تلبية شهواتهم الحسية؟ كان من نتيجة ذلك الغرق في عالم لا يرحم، وقادها ذلك العالم إلى السجن متهمة بجريمة قتل. بعدها بسنوات طويلة، حين تخلى الأمير عن الحياة العسكرية وانضم للمحلفين في إحدى المحاكم، يتم إدخال فتاتين ورجل متهمين بجريمة قتل. كان الأمير ينظر إلى هذه المرأة باستغراب، ليس لجمالها الذي أثار انتباه كل من تطلع إليها، رغم ثيابها الرثة، بل لأنها هي كاترين التي تقاسم وإياها ذكريات الطفولة، واختتمها بفعلته الأنانية، والتي قادتها إلى بحر من الظلمات انتهت في قاعة المحكمة!

المتهم بالجريمة هو الذي يحاكم. ولكن من كان صاحب الشرارة الأولى في إيقاظ هذه الجريمة؟ قد يكون هذا الشخص هو أحد المحلفين في قاعة المحكمة أو يكون القاضي أو المجتمع الذي لم ينتشل الفقير من مأزقه كي لا يسرق. هل القانون مستعد لأن يحاكم الشخص الأول في الجريمة، أي المتسبب بها ولو معنويا إما بفكرة أو بحدث أدى في نهاية المطاف إلى الجريمة ذاتها؟ قد لا تنتهي هذه السلسلة السببية، ولكن في نهاية المطاف القانون لا يرى إلا المتسبب في هذه الجريمة ويتناسى المؤثر الفكري الأول أو المجتمع الذي ساهمت سياساته في قذف أولئك إلى التسبب في جريمة نكراء. حين تطلع الأمير نيكليندوف إلى تلك الفتاة التي جرّها في غمار الرذيلة رغماً عنها استيقظ الأنا المعنوي الحر، الحقيقي الوحيد، الأبدي، القوي الذي لا يتغير، والذي يجب عليه أن يثق به في مستقبل أيامه. كان البون شاسعاً بين ما هو عليه وبين ما ينبغي أن يكون، لكن هذا الإنسان المعنوي الذي استيقظ كان يرى كل شيء ممكناً.

تولستوي في هذه الرواية يرسم صورة لإنسان يُبعث من جديد، لإنسان تغلبت عليها الأنا الحيوانية فترة من الزمن فأضحى أسيراً لملذاته ثم بعد فترة من الزمن – وهو يعيش في هذا البحر الذي كله بعثرة للأموال والسهر والبحث عن الملذات، تدور في نفسه معركة ضمير عظيمة. حين يشاهد بأم عينيه إحدى جرائمه تعبث في إنسان آخر، فيحاكم هذا الإنسان ويترك صاحب الجريمة الأصلية والمسبب لها. قد يقول قائل من أنصار التيار الواقعي: ما يقصه تولستوي هنا مجرد تخاريف دينية كما صرح بذلك أحد النقاد السوفييت، أو كما قال أحد الروائيين الكبار، ومن معاصري تولستوي وأحد رفاقه كذلك، حين قرأ الرواية قال هذه الرواية لا توجد لها نهاية، إنها مجرد تهاليل إنجيلية. ولكن الأمر الحقيقي أنهم تناسوا قول تولستوي بداية الفصل التاسع والخمسين حين قال أن الناس يشبهون الأنهر: يجري الماء فيها جميعاً، غير أن أحدهم قد يكون مستقيماً في مكان ما، ومتعرجاً في مكان ما، واسعاً وضيقاً، صافي وعكر، فاتر وبار، وهكذا شأن البشر، فهم في داخلهم يحملون بذور الفضائل والرذائل، فطوراً تتغلب هذه، وطوراً تتفوق تلك.

لقد كان لينين يمجد تولستوي ويعتبره رائداً للثورة الروسية. يشير إلى ذلك في البعد الواقعي لتولستوي حين تخلى عن أملاكه لصالح الفلاحين والفقراء وعامة الشعب، وها هو تولستوي يضع النصاب الأدبي لفترة من فترات حياته إثارة للجدل: ألا وهي التخلي عن أملاكه لصالح الغير في هذه الرواية. قبل أن يرحل إلى الله كان ثمة عمل يجب أن ينتهي منه، ثمة عمل يجب أن يفعله حتى يرحل وهو مطمئن البال: التخلص من كل أملاكه والتنازل عن كتاباته الأدبية لعموم الشعب. ما عاد في وسع العدو العلني لكل ملكية أن يظل مكتوف الأيدي. في عامه الثمانين يضطر إلى خوض الصراع الحاسم على أعين الناس. وهكذا تصبح ياسنايا بوليانا محجة روسيا، مسرحاً لصراع وراء الأبواب الموصدة بين تولستوي وذويه، يزداد ازدحاماً ورعباً. يقول لابنته المحبوبة ساشا:

إنك تماماً كأمك العزيزة يا ساشا، تسمّين تنازلي عن أرضي لمن يزرعونها، تنازلاً عن حقوقي! ليست لي على الأرض حقوق يا ساشا! لا على الأرض! ولا على الفلاحين الذين يزرعونها! وليس هذا اعتناقاً لآراء من يسمونهم سراً البلشفيك! كلا. فهؤلاء يؤمنون بالعنف، وأنا أكره العنف! إنهم يشكّكون في وجود الله! وأنا أومن به إيماناً لا يتزعزع..!

في الرواية نجد الأمير الشاب حين يذهب إلى ممتلكاته التي ورثها من والدته يجد مساحات شاسعة ورهيبة مسجلة بإسمه، ويجد الفلاحين يكدون ويعملون بكل طاقتهم ويقتصدون في مستوى معيشتهم حتى يتمكنوا من تسديد ما يترتب عليهم. ولكن الأمير يجد أعنف من امتلاك الأرض، حين تخلى عن حياة الطبقة الرفيعة وتجول في المنابع الرئيسية للحقد والكره والجريمة. لم تكن الجريمة والحقد والكره مزروعة ومغروسة في مجتمعات الفقراء والمعدمين، لكنها كانت وسيلة وحيدة ورئيسية حتى يُطعموا أنفسهم قبل أبناءهم . وإن تجرأ أحدهم على رفع صوته مطالباً بحقه في هذه الأراضي التي تستولي عليها الحكومة والمقربين من الطبقة النبيلة، يتم زجهم في السجون لسنوات طويلة بتهمة إثارة الرأي العام والدعوة للثورة. وكأن تولستوي يحكي ما يحدث الآن في بعض الدول، حين تستولي طبقة واحدة على مقدرات أمة بأكملها، من أراض وممتلكات وتجارة، وحين يحدث ذلك لا بد أن يخرج صوت هنا وصوت هناك حتى يأتي اليوم الذي تخرج فيها هذه الأصوات صوتاً واحداً يطالب بالقصاص والدم من سارقيه الذي سرقوا حياته وحياة أبناءه أمام عينيه . الأمر الأكثر إثارة أن الثورة الروسية حدثت بعد صدور الرواية بسنوات قليلة، وهناك قول متعارف عليه بأن رواية الأم لمكسيم غوركي هي دعامة رئيسية للثورة العمالية، ولكن في هذه الرواية لتولستوي، لا يدعم تولستوي ولا يؤيد الثورة، بل مهد لها تمهيداُ عنيفاً وقدم لها من الأسباب ما يجعلها أمراً واقعاً ولا محالة، وهذا ما حدث. ولكن لو كان تولستوي حاضراً في تلك الأيام لأدانها، لأن ما كان يهاجمه في ذلك العهد القيصري هو نفسه ما سيهاجمه في هذا العهد الثوري.

كان الشعب في ذلك العهد القيصري مسجوناً بأكمله. اختصر تولستوي سجن الشعب في سجن الثوريين في الرواية وفي سجن كاترين: المسيرة التي قوامها شهرين إلى سيبيريا هي مسيرة شعب يقاد إلى منصة الإعدام تحت مباركة رجال الدين وطبقة النبلاء. الطبقة الرفيعة التي ترتكب من الجرائم ما ترتكبه الطبقة الفقيرة يتم التغاضي عنهم ومسح أخطائهم وكأن ما قاموا به هو الصواب. يطلق تولستوي في روايته هذه لعنة على هذا العالم المجنون, معترفاً بأن حياة أناس الطبقة الحاكمة غير طبيعية. في إدارة سجن المقاطعة لم يكن الشيء المقدس والمهم أن كل الناس قد امتلكوا الإحساس بالحنان وفرحة الربيع، بل المقدس والمهم هو وجود ورقة بختم ورقم وعنوان قبل الاستلام. كل العالم الشعبي الذي وجد تولستوي الإيمان فيه زج بهم داخل السجن، لم يصور الأطراف اللامتناهية للمساحة الروسية، بل صور زوايا السجن ومراحله وجلسات المحاكم. لم يصور عذاب الحصاد حين يفنى آخر عبد في الحراثة، بل صور السجين المحكوم عليه بالنفي مع الأشغال الشاقة. لم يكن هناك حب في الرواية، نهائياً، بل شر وتعسف.

أصل هنا إلى النقطة حول تولستوي الديني. هيكل الرواية بأكمله مغطى بنفس ديني عميق على طريقة تولستوي. فهو يمجد تعاليم المسيح التي تتفق مع مختلف الأديان السماوية، تلك المبادئ التي تدعو للصفح والمغفرة، وفي نفس الوقت – وهنا تولستوي يظهر بوضوح – حين يهاجم الطقوس التي يقوم بها رجال الدين ومن خلالها يقومون بإذلال البشر بإسم المسيح. فالصلاة للإله كما يقول ليست في معابد أقيمت لحماية طبقة معينة، بل الصلاة تكون في أعمق أعماق الروح. أحد أبطال دوستويفسكي المثيرين للجدل في رواية الجريمة والعقاب – مارميلادوف – طرح سؤالاً يتعلق بالجوانب التراجيدية في الحياة الإنسانية، يقول : هل تفهم، هل تفهم أيها السيد المبجل ماذا يعني غلق كل الأبواب في الوجه؟ يجب أن يكون لكل إنسان طريق واحد ليمكنه السير. ولكن الطريق الذي وجد الأمير نيكليندوف نفسه فيه مقطوع، لا سبيل للمضي فيه إلى الأمام، فها هي كاترين لا تثق به رغم بعثه من جديد. تستهزأ به حين تقول: لقد تمتعت بي في هذه الدنيا وتريد أن تنقذ نفسك من خلالي في العالم الآخر؟. حتى الفلاحين لا يثقون بهذا الأمير الذي أعطاهم أراضيه ليعيلوا أنفسهم وينفقوا على أنفسهم من خلالها دون تسلط. كل هذا الشر الذي ظهر للأمير، في السجون والمعتقلات، انتصر وساد، ولا تبدو هناك أي إمكانية للتغلب عليه. تولستوي المصلح الديني يوصل بطله إلى الطريق الوحيد الذي أشار إليه مارميلادوف: الوسيلة الوحيدة والأكيدة للخلاص من الشر الفظيع الذي يعاني منه الناس تكمن في وجوب اعتراف الناس أمام الله بأنهم مذنبون، وتتوالى الوصايا الإنسانية التي يتفق عليها كل البشر، وهنا يحدث الانقطاع الذي أحدثه تولستوي الديني، فلا نهاية فنية كما في روائعه الأدبية الكبرى والقصيرة. في مقابل هذا العالم الذي يضج بالشر، لا إمكانية لإيقافه إلا بالاعتراف أمام الله. بلا شك، لم يزل في تولستوي الديني نفس الفنان المبدع، فهو بعد هذه النهاية وعد قراءه بكتابة قصة الانبعاث قائلاً: بأي شيء تنتهي تلك الفترة من حياته، هذا ما سنراه في المستقبل. وبالفعل، هناك مخطوطات في يوميات تولستوي تشهد على نية الكاتب أن يتابع رواية البعث، لكن تولستوي لم يتمم هذه الفكرة الرائعة مثل كثير من أفكاره.

17/12/2011

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب روسي, تولستوي. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s