الجريمة والعقاب: الجريمة كـ قانون أخلاقي


أرسل دوستويفسكي رسالة إلى ناشر جريدة الرسول الروسي يقول فيها :

هل آمل في نشر رواية في مجلتك الرسول الروسي ؟
إنها دراسة نفسية لجريمة تقع في أيامنا هذه، بل في هذا العام بالتحديد. شاب من أسرة بورجوازية صغيرة مطرود من الجامعة ويعيش في بؤس قاتل، بدون وعي، بمبادئ مضطربة، متأثراً بأفكار غريبة غير ناضجة، مجالها الخيال، يقرر الإفلات إلى الأبد من وضعه التعس. يصمم على قتل امرأة عجوز، أرملة مستشار مستبد، تقرض المال بالربا، لإسعاد أمه التي تعيش في جنبات العاصمة، وإنقاذ أخته المستخدمة لدى مالك عقار يهدد مستقبلها، ولإنهاء دراسته والسفر إلى الخارج وليحيا سعيداً مستقيماً ملبياً واجب الطيبة مع الآخرين من هذا الجنس البشري. إن استطعنا أن نسمي جرماً هذا الفعل ضد شخص عجوز صماء، خبيثة و عليلة، ربما ماتت بعد شهر حتف أنفها. علماً أن هذه الجرائم صعبة التحقيق بشكل رهيب، لأن الدوافع والأمارات جلية واضحة، وأن كثيراً من الأمور متروكة للصدفة، الأمر الذي يفضح المجرم دائماً، كل هذا يجعل المجرم يعزف عن مشروعه. وينقضي شهر بين الجريمة وبين الكارثة النهائية. القاتل غير متهم أبداً، ولا يمكن أن يكون. وهنا يتضح تطور الجريمة النفساني: قضايا عصية و غير متوقعة توجع قلبه. العدالة الإلهية وشرعة الناس تأخذ حقها ويكره أخيراً على الذهاب إلى حيث يشيء بنفسه. لم يمت في المنفى، بل عاد ليعيش بين الناس. إن ما يعذبه هو يقظة الحس الإنساني في ضلوعه بعد أن أنجز جريمته. إن قانون العدالة والطبيعة البشرية أخذا حقهما. فالمجرم نفسه يقرر قبول العذاب ليكفر عن خطيئته.

……

إن القارئ لسيرة دوستويفسكي سيأخذه كل العجب من هذا الرجل وكتاباته الأدبية، لدرجة أن سيرته هي رواية بحد ذاتها، هذا إن لم تنافس رواياته الخالدة. من الفقر إلى البؤس و المنفى وإعادة التأهيل الداخلي والتجديد الإيماني في نفس فيدور.. في المنفى بين المنبوذين و المجرمين يسيطر على فيدور فهم جديد للشخصية والنفس الإنسانية. لقد أدهشه استقامة وصمود بعض القتلة الذين كانوا معه وجلدهم غير المحدود وازدرائهم لكل العذابات و العقوبات، وعدم خشيتهم من أي شيء في هذه الدنيا. ولكن … في هذا العمل الأدبي: شاب نبيل، ينفق كل ما يملك في سبيل سعادة الآخرين. يمد يد العون للعجوز الضرير، وينقذ أطفال لا حول لهم ولا قوة. يستدين لقضاء حاجة سيدة بلغ منها الفقر أنها لا تستطيع أن تطعم صغارها.. شاب يقوم بمثل هذه الأعمال الكريمة .. كيف استطاعت يداه أن تقترف فعل يناهض تلك الأفعال النبيلة؟ لقد قتل .. وقتل دم بارد. تم سفك دماء! كيف .. ولماذا؟ ما الذي جرى في عقل هذا الشاب ليجبره على التحول من الوداعة إلى وحش كاسر ينقض على ضحيته الأولى ثم يتبعها بالثانية؟


من هذه الرواية الخالدة يظهر لنا دوستويفسكي بمجده الأدبي العظيم لا ليحاول الإجابة، بل محاولة .. محاولة للاقتراب من أسس الشر التي وصل إليها بطله وأشهر بطل من أبطال خوالده الخمس: روديون راسكولينكوف.

لا أحد يفكر مجرد التفكير بأن القتل وسفك الدماء هو عمل خير. و لكن ماذا لو كان للقتل فائدة عظيمة على مجموعة بشرية محددة، أو مجموعة لا نهائية من البشر في مدينة أو قرية؟ إذا قمت بقتل (س) ولنفترض مثلاً بأنه يصادر جزء من ممتلكات الغير تحت مباركة القانون، أليس بقتلي إياه فائدة عظمى؟ في الطرف الثاني، من الذي يقرر بأن (س) من الناس يستحق القتل و (ص) من الناس يستحق الحياة؟ هل وصل الكائن البشري إلى مرحلة يستطيع من خلالها أن يتخذ قرارات مصيرية كحق الحياة والموت؟ دوستويفسكي يزج قارئه في أزمة نفسية وأخلاقية شديدة التعقيد.

المعضلة الأولى هي هذه الفائدة التي قد تنتج من تحرير مجموعة من البشر عبر قتل مرابي يأخذ أموال طائلة من المحتاجين بفوائد كبيرة وغير إنسانية. المحتاج والفقير حين لا يجد ما يسد رمق أبناءه قد يعمل أي شيء في سبيل أن ينعم هو وأفراد عائلته بطعام قليل من خلال الدين – والذي قد يكون مرتفعاً ويستغل بعض المرابين عوز الناس لرفع سعر الفائدة – أو السرقة والقتل كـ حل أخير ولا نهائي.

دوستويفسكي لا يحاول، بل يضع بطله في عالم يدعوه إلى القتل. كل ما في المدينة من شوارع ومحلات وأفراد وقانون ونظام فكري واجتماعي وسياسي يدعوه إلى القتل: القتل لتحرير الناس! لا تشير الحرية بمعناها الأسمى في الجريمة والعقاب إلى تلك الحرية التي ينعم فيها الفرد بحرية رأيه وتصرفه في ممتلكاته حسب القانون الإنساني وما اتفق وبشر به الأنبياء وعدم التعدي على حدود الغير. إذا أراد الفرد أن ينال الحرية يجب عليه أن يقتل: لا لسفك الدماء بحد ذاته، بل لإزاحة حشرات ضارة تفتك بالمجتمع تحت مباركة النظام والقانون، وإذا كان النظام والقانون يبارك هؤلاء الحشرات فيجب على الفرد امتلاك خياره ويقتل من أجل الحرية.

المعضلة الثانية هي معضلة عالمية وليست خاصة بمجموعة محددة من البشر. هذه المعضلة هي كثرة التقلبات الاقتصادية. قد ينعم فرد ما بمستوى معيشي متوسط يكفل له الحياة الكريمة ولأفراد عائلته. ولكن، هل توجد ضمانة مؤمن عليها بأن الاقتصاد سيكون ثابتاً ولن يحدث تغيير عاصف يقتلع الأشجار والمنازل والأفراد. عند حدوث تقلب اقتصادي قد يعصف بأمم، سيجد الفرد الذي كان ينعم بمستوى متوسط يكفل له أبسط أساسيات الحياة، أنه قد فقد كل ما يملك، حينها قد يسقط في هوة لا يعرف مداها إلا الله. هذه الهوة تسقط معها الأخلاقيات: ف تنتشر مشاكل الانحراف والفقر والبؤس والبطالة والسكر وفقدان الأمل. ماذا يعني أن تعيش دون أمل؟ لخليق بمن سقط أن لا يسقط لوحده، سيسقط معه آخرين، وهؤلاء الآخرين سيأخذون معهم أناس آخرين فتحدث الكارثة، ويصبح القتل لا من أجل الدم، بل من أجل الكرامة.

المعضلة الثالثة هي البحث في حقيقة القتل ونوع الكائن البشري والبواعث الأخلاقية المؤيدة للقتل. بطل دوستويفسكي, الشاب راسكولينكوف، كتب مقالة عن فكرة الجريمة حين كان ممتلكاً لوعيه. هذه المقالة قسمت البشر إلى نوعين: الناس العاديون، وهم الذين يعيشون تحت طائلة القانون، ولا يحق لهم أن يجتازوا الحدود المرسومة لهم في دولة معينة. بمعنى آخر هم الشعب. النوع الثاني هم الإستثنائيون. هذه الطبقة يحق لها تحت ذريعة الحفاظ على الجنس البشري أن تفعل أي شيء في سبيل تلك الغاية السامية. يحق لهم أن يقتلوا مئات، بل ألوف وملايين. إذا كان استمرار الكائن البشري في الحياة يمر عبر القتل، يجب أن تقوم بهذا الفعل هذه الطبقة بصفة خاصة لأنهم مشرعون، وإستثنائيون، لديهم مقدرة خاصة على تحمل مختلف أنوع الآلام في سبيل تلك الغاية. هذا التقسيم النوعي للجريمة مرعب. من جهة أولى هو يعطي غِطاء أخلاقي لتلك الطبقة الرفيعة في ارتكاب الجريمة ولا يحق لمجموعة من الأمم مثلاً أن تسعى إلى إيقاف شخص مثل نابليون حين وصل إلى واترلو غازياً أوروبا من جديد. الإنسانية كلها كان يجب عليها أن تهتف لهذا الغازي تحت ذريعة الحفاظ على الجنس البشري. و من جهة أخرى هو يعطي دافعاً معنوياً للطبقة الأولى حتى تتخطى الحواجز وتصل إلى الحد الأقصى من العبقرية عبر القتل. سيقفز فرد واحد وثاني وثالث إلى أن نجد أنفسنا أمام قانون يقول: إذا كان لديك الجرأة لتصل إلى الحد الأقصى: اقفز وتخطئ الحاجز وستصبح استثنائي وعبقري.

قبل أربع سنوات كتبت عن الجريمة والعقاب. وها أنا أعيد الكتابة عن الرواية بعد قراءتي الحالية للرواية. حدث تحول في الرأي لدي واعترف به. قلت حينها أن الرواية فلسفية اجتماعية نفسية. وها أنا أضع تحت كلمة فلسفية ألف خط وأتراجع عن وصف هذه الرواية بالفلسفية. أولى الأسباب أن دوستويفسكي مفكر وعالم نفس أدبي وليس بفيلسوف. يمجد الفكرة تمجيداً حاراً ويبحث عن ما وراءها وأمامها ويربط ما بينهما بتحليل نفسي في وسط اجتماعي غير طبيعي وغير معقول. في هذه الرواية يبحث ويفصل دوستويفسكي عن الجريمة. يقدم أسباب غير طبيعية كلها تدعو إلى الجريمة. ثم يصل إلى الجريمة، ويرتفع إلى توابع الجريمة من هروب وألم وتكفير وبعث وخلافه من هذه الأمور. السبب الثاني أن دوستويفسكي لم يأتي بجديد في الفلسفة. جميع الأفكار المتناثرة هنا وهناك والتي توصف بالفلسفية هي نقاشات كانت رائجة في ذلك العصر في روسيا. من الجماعات الثورية والعدمية إلى الليبرالية وغيرها. ولكن دوستويفسكي عبر عن رأيه في بعض الجماعات في روايته هذه وخصوصاً هجومه ضد الجماعة التي كان ينتسب لها سابقاً وكانت السبب بدخوله السجن. ثالث سبب، وهو السبب الرئيسي، أن دوستويفسكي فنان. حين يوصف بالفيلسوف معنى ذلك أن لا فنان بداخله، أو أن الفيلسوف أكبر من الفنان بداخله. بينما الأمر الواقع أن دوستويفسكي ارتفع إلى مرتبة رفيعة في الفنان لا يضاهيها إلا منافسه اللدود الشيخ الجليل تولستوي، ولا أعرف صراحة كيف تحمل القرن التاسع عشر وجود مثل هذين الرجلين في قرن واحد وزمن واحد وإبداع واحد!

حين فكر دوستويفسكي بكتابة نظرية عن الجريمة، لم يوفر فكرة ولو كانت صغيرة إلا وزج بها في عمله هذا. من الخمر والدعارة إلى التقلبات الاقتصادية والتفكك الأسري وانهيار الطبقة المتوسطة وتصاعد الأفكار العدمية. بعض هذه الأفكار ليست بمسبب داعم للجريمة، لكنها دعوة للسقوط، لأن هذه الرواية هي سقوط لكل طبقات المجتمع دون استثناء لأحد. كل ما كان يراه في المدينة يدفعه دفعاً للتخلص من مركز الشر الذي يهدد الحياة, وحرق مدينة الرأسمالية التي تعصر بمخالبها سونيا، وكل عائلة مارميلادوف، وراسكولينكوف ذاته.

في بداية الرواية حين يلتقي راسكولينكوف بالسكير مارميلادوف، تكشف لديه نوع من السقوط الاجتماعي الرهيب. ها هو مارميلادوف يصرخ بكل ما فيه أنه يشرب هذا الخمر بثمن جوربي زوجته! أي أنه لا يملك أي شيء لإطعام زوجته أو أبناءه. ثم يقف وهو في ذروة سكره ليلقي خطبة طويلة يشرح إلى أي درجة وصل ولماذا وصل إلى ما وصل إليه. مارميلادوف سكير، حتى طريقة إلقاءه لخطبته الطويلة هي طريقة سكير فقد كل ما يملك فآثر قبل أن يرحل أن يلقي بيانه الأخير عن الحياة. الأمر الطبيعي والواقعي أن يكون كلام هذا السكير غير مترابط وغير واقعي. لكن دوستويفسكي يجعل بطله السكير هذا يتفجر حكمة كأنه مالك لزمام عقله ولم يسكر. حين قال: أيها السيد العزيز، ليس الفقر رذيلة، ولا الإدمان على السكر فضيلة .. ولكن البؤس رذيلة، البؤس رذيلة! … تفجر عقله عن حقيقة البؤس الذي ساق أفراد عائلته. ها هو يتخلى عن مركزه الوظيفي بسبب إدمانه عن الخمر، وها هي زوجته كاترين إيمانوفنا تسقط صريعة لداء السل، ثم هو لا يلبي لا نداء الإنسان وحسب، بل ولا نداء الحيوان. وها هي فتاته الصغيرة الشابة، استغل نقاء قلبها وصغر عمرها في استغلالها في أعمال غير أخلاقية من أجله وأفراد عائلته. لقد سقط بكل ما فيه، لكن الأمر المثير للدهشة أن مارميلادوف كان يملك الحل في عقله. فهو يقول أن كل إنسان، كل إنسان يجب أن يكون له مكان يستطيع الذهاب إليه. حين تغلق جميع الأبواب في وجه الإنسان، أي مكان حينها يستطيع الذهاب إليه واللجوء إليه؟ هذا الباب هو الذي استطاع من خلاله لينكيندوف بطل رواية البعث لتولستوي أن يذهب إليه، وهو الباب الذي استطاع جان فالجان بطل البؤساء لفيكتور هيجو أن يذهب إليه، وهو الباب الذي استطاع من خلاله راسكولينكوف الدخول إليه لاحقاً. هذا الباب هو باب الله! لكن مارميلادوف لم يجرأ قط أن يقفز إلى تلك المرحلة والدخول إلى هذا الباب. استلهم المؤلف تراجيديا عائلة السكير مارميلادوف من مقالة نشرت قبل ثلاث سنوات من صدور الرواية. في هذا المقال يصف خمارات السبت لعمال باريس في ملاهي الضاحية وحياة أسر العمال الذين يموت أطفالهم إما جوعاً أو بداء الصدر في المساكن الغير مدفأة، على أسرة بدون فرش ولا أغطية. وكيف ترتبط فكرة السكر بالقضايا الأخلاقية والاجتماعية التي تنجم عن إدمان رب العائلة، وعن مصير الأولاد والعائلة، وهكذا رسم دوستويفسكي بشكل وحشي و مرعب الصورة الخالدة لآل مارميلادوف .

رواية الجريمة والعقاب ليست رواية أحداث على الإطلاق. لا يوجد سوى حدث واحد وهو الجريمة. كيف يمكن ملء الفراغات إذا كانت الرواية رواية جريمة وحسب؟ اعتدنا عند حدوث جريمة في رواية ما أن يكون النص بوليسياً، أن تكون هناك رحلة هروب ومطاردة وتحقيقات إلى أن يقع القاتل في الشرك المنصوب له. و لكن ها هنا لا توجد أي مطاردة ولا أحدث بوليسية. كيف يكون لرواية هذا التأثير والقوي إن لم تتوفر فيها مثل هذه التقنيات؟ لهذه الأسباب بالتحديد يتم وصف هذه الرواية بالعظيمة. قوتها الفنية هي في مقدرة دوستويفسكي على رسم خطوط الفكرة من خلال شحنها بتحليل نفسي فني. لا يطغى التحليل النفسي على الفني فيدمر الفن الذي هو أساس أي رواية، ولا يطغى الفن على التحليل النفسي فنجد أنفسنا في رواية بوليسية. يسير التحليل النفسي والفن في خطيين متوازيين باستقامة واحدة. يضمهم شكل واحد هو الشكل الكلاسيكي من رواية فيها قصة مركزية وأحداث نفسية في وسط اجتماعي متفكك غير واقعي ونهاية محكمة قاسية عبر أنواع مختلفة من السرد.

أقول: وسط اجتماعي مفكك وغير واقعي لأن كل ما يظهر لنا غير واقعي بلا شك. بدل أن نجد مجموعة متعلمة مثقفة تناقش المشكلات الاجتماعية نجد القاتل والسكير والمختل عقلياً والعاهرة ومحقق الشرطة يتناقشون ويبحثون في الجريمة والأخلاقيات والفلسفة ووجود الله. يتناقشون بحدة وكأن رأيهم المستقبلي في الحياة سيطبق تبعا للنقاش الدائر. أي أنهم في الأمر الواقع مفكرين ومطبقين للأفكار. حينما تكون الأفكار عند طبقة معينة هي طريقة من طرق الحوار، تصبح الأفكار عند أبطال دوستويفسكي هي مشاريع حياة سيتقرر ضوء حياتهم من خلالها. ولذلك نجد الحدة في الرأي، وإعلان الحرب على الطرف الآخر، وقد تحدث مبارزة من نوع آخر، ثم يحل التطبيق محل المناقشة وتستمر الحياة.

وأقول: عبر أنواع مختلفة من السرد لأن المؤلف استخدم عدة أنواع من السرد. من أهمها وأكثرها تأثيراً هي صيغة المتكلم، الشخص الأول واعتراف البطل بالذات، مع التذكير بأن الكاتب لم يتناسى الأسلوب الكلاسيكي: أي قصة يسوقها الكاتب للقارئ. في الرواية يضع المؤلف تصميماً جديداً يحقق فيه الكاتب عرض القصة، لكنه يركز على البطل، وتصميم آخر قصة يقودها الكاتب، غير مرئي وغير موجود، لكنه يلازم راسكولينكوف كظله. هذا التصميم يظهر بقوة في كل الفصول التي يكون فيها البطل حاضراً، لكنها غائبة في بعض الفصول الأخرى ومنها قصة سفدرجايلوف. لكن المبدأ الرئيسي في كل السرد لا يبتعد فيدور عن بطله الرئيسي في حدود الممكن، مما حول طريقة السرد و العرض إلى مناجاة داخلية يقوم بها البطل ليعطي جريمته الوحدة، والتوتر وعرض الانفعالات النفسية.

نلحظ التطور النفسي لحالة البطل في الإرهاصات الداخلية في عمق أغوار البطل والأجواء المحيطة به. فهو يعيش في غرفة قاتمة مظلمة تشبه الفكرة التي استولت على عقله. ثم هو ينتفض ويتصبب عرقاً، وينام لثلاثة أيام متتالية لا يذوق من خلالها لا النوم ولا اليقظة. أي أنه في حالة يقظة دائمة ونوم دائم. هي حالة مرضية مزعجة: أن تصبح الفكرة في عقلك تستحوذ عليك ولا تستطيع التصرف حيالها لأنك لا تملك زمام الأمور. تستمر الفكرة في النمو إلى أن تنهش الباقي من العقل حتى يصل الفرد إلى درجة يفقد فيها كل شيء. حين سار راسكولينكوف في الشارع وهو يحمل ثقل هذه الفكرة في عقله لشهور عديدة، لم يعد يتحمل هذا الثقل، فسقط صريعاً في غيبوبة في إحدى المروج حالماً هذه المرة بمشهد فني لا علاقة له بالفكرة. حلم فني بديع كشكل من أشكال الفن لكنه مريع بسقوطه الأخلاقي والإنساني. هذا الحلم هو حلم راسكولينكوف حول الحصان القتيل. آه .. كيف استطاع دوستويفسكي أن يرسم هذا المشهد؟ كيف تجرأ أن يرسم للقارئ تلك البشاعة في النفس الإنسانية؟ تورد لنا زوجة المؤلف آنا جريجورريفنا في مذكراتها أن دوستويفسكي دعي ذات يوم لجامعة موسكو ليلقي إحدى الندوات الأدبية. وكان يتسنى له أن يلقي مقاطع أدبية من رواياته أو يلقي قصيدة من قصائد بوشكين خصوصاً قصيدة النبي. بدأ دوستويفسكي يلقي تلك القطعة الفنية من رواية الجريمة والعقاب، مقطع حلم راسكولينكوف عن الحصان القتيل. بدأ صوته متهدجاً منخفضاً كعادته. ثم استمر في الإلقاء وكأن لا أحد يسمعه. بعد الانتهاء، حين تطلع دوستويفسكي إلى الحضور وجد بعضهم يبكي من الرعب الذي ألقاه هذا النحيل أمامهم، أما زوجة المؤلف التي كتبت النص، كانت تبكي لحرارة هذا النص. هل بإمكان نص أدبي أن يزرع الرعب في نفوس القراء؟ لم أبكي حين قرأت هذا النص لأول مرة، لكني أذكر بأني أغلقت الكتاب وتنفست بعمق وتساءلت: كيف لكائن بشري أن يمتلك تلك القدرة الفنية المرعبة؟

هذا التحليل النفسي لشخصية البطل مثل كرة الثلج المتدحرجة من قمة جبل جليدي، تسحق ما أمامها دون رحمة. راسكولينكوف كان يمتلك في ذهنه فكرة متدحرجة تحطم كل شيء. القانون والأخلاق والدين. استمرت في التدحرج، وآن للكرة – الفكرة أن تتوقف! نُفذت الجريمة، وتم سحق الحشرة التي تأكل الناس، ونال المعذبون الحرية – تلك الحرية القائمة على سفك الدماء.. ثم ماذا بعد؟ إذا كان العقل سجيناً لفكرة ساحقة، فأين هو الضمير بعد أن يتحقق كل شيء؟ كان راسكولينكوف مفكراً من الطراز الرفيع، فكر في الدوافع الأخلاقية لفكرته، وفكر في التنفيذ وتركيبته حتى لا يتم اعتقاله، فكر في كل شيء، لكنه تناسى ضميره الإنساني الحار، وتناسى القانون. لا أقصد بالقانون هنا القانون الجنائي الذي يوجب العقاب على فرد لارتكابه جريمة قتل، لكنه قانون إنساني عام تتفق عليه مختلف الأمم. إذا كان قانوني الأخلاقي العام لا يتفق مع القانون الأخلاقي العالمي فإن العمل الذي قمت به غير صحيح. لا أقبل أن يأتي أحد ويقتلني حتى يحرر مجموعة من البشر تحت الادعاء بأني حشرة ضارة يجب التخلص منها. إذا قبلت هذا القانون على نفسي فهو ينطبق على الجميع ويصبح قانوناً عالمياً، أما إذا كان غير مقبولاً، فيجب سحقها وقتلها في مهدها.

كان ضمير راسكولينكوف حياً بداخله قبل تنفيذ الجريمة، لكنه أصبح حاراً، مهاجماً له بعد الجريمة. ظهر الضمير بصورته الكاملة في شخصية سونيا الحزينة. سونيا هي ابنة السكير مارميلادوف: شابة مطلقة البراءة، في الثامنة عشر من عمرها. تم الزج بها في حمأة العار لإطعام إخوتها الصغار وإعالة أبيها السكير وزوجة والدها المصابة بداء السل. تعيش في عالم مسعور لا يعرف الرأفة ولا الرحمة. دوستويفسكي يظهرها لنا كقديسة، كحمامة سلام، آثرت التضحية بجسدها في غاية أسمى هي الدفاع عن القليل المتبقي من كرامة إخوتها. تذكرني صورة سونيا ببطلة فيكتور هيجو الأثيرة في البؤساء: فانتين. لكن هيجو محيط بأكمله، فهو يعلنها صراحة دون أي تمهيد بأن هذه الفتاة، أي فانتين، قديسة، وصلت إلى القداسة من خلال الألم العظيم، الألم الذي منبعه العار الذي وجدت نفسها فيه لإطعام ابنتها اليتيمة في بيت غريب بعيد عنها. “إن آلام الناس مجانية!!” .. وها هو دوستويفسكي يسير على خطى الشاعر الفرنسي: سونيا قديسة، لأنها تحملت الألم العظيم، وحري بمن تحمل تلك الآلام أن يصبح قديساً. سونيا هي من كانت المحرض لراسكولينكوف أن يعترف بخطيئته، أن يذهب إلى جهات العالم الأربع، ويقبل الأرض، ويصرخ بملء فيه: أنا قاتل. كل ما في الحياة من حجر وشجر وبشر وسماء تصرخ في ضمير القاتل أن اعترف. كان هذا هو التأثير الثاني في قبول البطل للعقاب، تأثير أخلاقي وديني. لكنه ليس الأساس. التأثير الأعمق في انهيار البطل هو في التحليل النفسي وتحديداً السيكولوجيا ذات الحدين.

غالبية القراءة يعرفون الخاصية الفنية الرفعية التي يتميز بها دوستويفسكي في ميدان التحليل النفسي، إلى درجة أن هناك دراسات تثبت أن تأثيره العميق في هذا الميدان سبق تأثير آدلر وفرويد، وهناك قول شهير لفرويد بأنه تعلم بعض الدروس النفسية من روايات دوستويفسكي وتحديداً الأخوة كارامازوف. كثرة الحديث عن هذه الخاصية الفنية دون تحديد خصائصها الأساسية تجعل قارئ متسرع مثلي يقول تحليل نفسي مذهل، ولكن ما هو التحليل النفسي المذهل؟ حين قرأت البؤساء بترجمتها الكاملة قلت أن هيجو سبق دوستويفسكي في تحليله النفسي لشخصية جان فالجان عندما يظهر لنا المونولوج الداخلي لحظة القبض على شخص بريء بتهمة أنه جان فالجان. وحين قرأت آنا كارينينا لتولستوي قلت أن اللحظات الأخيرة من حياة بطلة تولستوي الأثيرة هي أروع قطعة تحليلية نفسية في الأدب. لكن الأمر الحقيقي أن دوستويفسكي يتفوق عليهم في هذا الميدان، رغم إبداعهم العظيم وسأحاول تفصيل ذلك بشكل مختصر.

إذا أخذنا بطل الرواية راسكولينكوف نجد المؤلف يزج بطله في عالم غير مرئي هو العالم الداخلي للبطل. هذا العالم عبارة عن مونولوج وأمراض جسدية كالتعرق الشديد في جو شديد البرودة والسهر لأيام طويلة والنوم لأيام طويلة كذلك. والمشي في الشوارع دون تحديد الوجهه المراد الذهاب إليها، ومناجاة البطل لنفسه. تارة يمجد نفسه: لا يرى في المرآة إلا صورة لنابليون مثله الأعلى. وتارة أخرى – وقد لا تتجاوز دقائق معدودة يهاجم نفسه وروحه ويصف نفسه بالحشرة. بدل أن تكون هناك شخصية واحدة في روح البطل نجد أمامنا بطل يعاني نوع من انفصام الشخصية. وهناك أطباء في تخصص العلوم العصبية كتبوا عن هذه الشخصية كحالة مرضية ووصفوا الداء الذي يعصف به عبر القول بأنه يعاني من مرض عصبي بلغ درجة عالية من الخطورة. هذا النوع من التحليل النفسي يبدع فيه غالبية الأدباء، لكن كل واحد منهم يملك خاصية تميزه. امتلكها فيكتور هيجو واستخدمها في وصف عذابات بطله، أي في حالة الضعف والهوان والانهيار. واستخدمها تولستوي بشكل أقل في آنا كارينينا – لكن تولستوي يستخدم هذه الخاصية في بناء سردي مميز محكم هو تيار الوعي: حين تتدفق الذاكرة تتدفقاً حاراً لا ضابط له ..لكن دوستويفسكي يستخدم هذه الخاصية بشكلها الكامل في حالة الضعف، وبشكلها الكامل في حالة القوة، وهذه ميزة دوستويفسكي في ميدان التحليل النفسي، وفي هذه الرواية بالتحديد.

هناك تحليل نفسي في حالة الضعف عبر شخصية راسكولينكوف. وهناك تحليل نفسي في حالة القوة عبر شخصية المحقق بورفير، أحد أعظم الشخصيات التي قام المؤلف بخلقها في هذه الرواية. المحقق بورفير محقق جنائي، يؤمن بالوقائع المادية والاستدلالات الرياضية للوصول إلى مرتكب الجريمة. دوستويفسكي في هذه الرواية لا يترك أي أثر مادي يقود إلى القاتل راسكولينكوف. أي أنه خارج نطاق الشبهة. لكن كل ما يدور في ذهن ونفس القاتل يفتح المجال واسعاً لدلالات تسمح بتأويلها. هذه الدلالات تحتاج لأثر مادي تافه أو بسيط حتى يكون بإمكان المحقق بورفير أن يؤول تلك الدلالات. لم تتوفر أدلة ولو شيئاً تافهاً وهنا بالتحديد استخدم بورفير سلاحه الأشهر: السيكولوجيا ذات الحدين. هذه السيكولوجيا قائمة على قرع روح القاتل عبر تحطيم آرائه الأخلاقية حول الجريمة، وعبر الكشف عن مغارة الضمير العميقة التي سقط القاتل بداخلها ولا يجد أي أثر للضوء من جديد. هذا التقريع المشحون برؤية تحليلية نفسية في حالة القوة انتج دلالات معينة، هذه الدلالات هي حالة الرجفة واصطكاك الأرجل التي تصيب البطل عند الحديث عن الجريمة، حالة الهذيان التي وجد نفسه غارقاً فيها، لا يكاد يغفو لدقائق حتى يذكر أشياء متعلقة بمنزل الضحية. مجد دوستويفسكي التحليلي النفسي هي في فصول الحرب النفسية بين البطل وما يمثله من انفصام في الشخصية، وما يمثله المحقق في الجريمة عند استخدامه السيكولوجيا ذات الحدين. عدم توفر وقائع مادية لمحقق في مسرح جريمة يقود إلى تسجيل الجريمة ضد مجهول، لكن المحقق بورفير الذي يقدس المنطق الرياضي في الاستدلال يجد فقد الأدلة فرصة عظيمة لا تقدر بثمن: إن لم تتوفر سيقوم هو بخلق دلائل من العدم، هذه الدلائل تحتاج لمشتبه به. قد لا يظهر في القريب العاجل، وقد يختفي لسنوات طويلة، لكن هناك شيء يطارده كظله، شيء سيفتح الباب لإنتاج دلالة، هذا الشيء هو الضمير!

Advertisements
هذا المنشور نشر في فيدور دوستويفسكي, أدب روسي. حفظ الرابط الثابت.

One Response to الجريمة والعقاب: الجريمة كـ قانون أخلاقي

  1. قراءة رائعة ومستفيضة …

    أشعر بالإحباط حيت يتم تناول الجريمة والعقاب ورسكلينكوف دون التعرض لسفيدريكايلوف الشخصية الضد لرسكلينكوف، هذه التي حرص دستويفسكي على جعل لأحداثها خصائص متماثلة مع رسكلينكوف، بهذا دستويفسكي كعالم نفس يرسم لنا بعدا آخرا في محاولة فهم شخصية رسكولينكوف النفسية المعقدة وبواعث ما أقدم عليه.. سفيرديكايلوف قتل، وارتكب أعمالا قبيحة عنده لها تبريرا نقرأه بالرجوع للرواية، أحب دونيا -التي يتهمها رسكولينكوف أنها بزواجها إنما تبيع نفسها لأجل سعادة الآخرين كما سونيا- ويراها خلاصه ثم وبعد أن ترفضه كلية يأتي أحد أجمل الفصول درامية في الرواية حينما ينتحر لكن قبل ذلك يعرج على “سونيا” يقول لها: ” أمام “روديون رومانوفيتش” طريقين لا ثالث لهما: إما أن ينتحر ، وإما أن يمضي إلى سيبيريا”. وموته هذا يزلزل كيان رسكولينكوف فيعود ليختار المضي إلى سيبيريا بعدما اختار سفيرديكايلوف أوله..!!

    يوسف، عرفتك بفيلم كارامازوف..!! هذه مدونة بحق تستحق أن نحبها غصبا والقراءة لك ممتعة بقدر ماهي منهكة جدا..!! 🙂

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s