قصة مدينتين


إذا زرت يوماً منزل تشارلز ديكنز في لندن, والذي أضحى الآن متحفاً يضم طاولة الكتابة ومكتبة ديكنز ومقتنيات خاصة بالمؤلف من القرن التاسع عشر، وتحديداً في إحدى الغرف في الدور الأرضي من المنزل، ستجد في السقف عبارة كُتب لها الخلد في الأدب، وهي بلا شك من أجمل المقدمات الروائية الأدبية :

It was the best of times, it was the worst of times, it was the age of wisdom, it was the age of foolishness, it was the epoch of belief, it was the epoch of incredulity, it was the season of Light, it was the season of Darkness, it was the spring of hope, it was the winter of despair, we had everything before us, we had nothing before us, we were all going direct to heaven, we were all going direct the other way – in short, the period was so far like the present period, that some of its noisiest authorities insisted on its being received, for good or for evil, in the superlative degree of comparison only.

وعندما تتجول في هذه الغرفة للإطلاع على محتوياتها ستجد رأس كائن بشري هو روبيسبير معلق على قطعة خشبية مخترقة الرأس من المنتصف كناية عن الرعب والموت. وعندما تلتفت يساراً في منتصف الغرفة ستجد الأنثى المجيدة، وهي ليست أنثى على أية حال، لكنها أنثى فريدة وخرافية، بحيث أن – كما وصفها ديكنز – جميع الوحوش المفترسة التي عرفها الخيال الإنساني على مر التاريخ قد أُذيبت وأُفرغت في هذا الصنيع المفرد: المقصلة الحديدية. آلة حادة تنتظر الإذن بالنزول لتقتص من سلم رقبته مرغماً إليها. وفي خلف هذه الأنثى الفريدة، هناك لوحة تشكيلية تمثل شاب بهي الطلعة، يصعد الدرجات إلى المقصلة، والجمع أمامه في الساحة يهتفون بالنصر والحرية والإخاء التي سيتحقق حتى لو أدى الأمر لسحق كائنات بشرية لم تقم بأي عمل يخالف القانون. وفي أعلى الصورة الماثلة في هذه الغرفة، هناك الكلمات الأخيرة التي ختم بها ديكنز أشهر رواياته قصة مدينتين:

It is a far, far better thing that I do, than I have ever done; it is a far, far better rest that I go to, than I have ever known


لقد زرت متحف ديكنز عام 2009م، ولا توجد مساحة مكانية أكثر إثارة للاهتمام في متحف ديكنز من هذه الغرفة. كل ما هو ماثل في الغرفة هو من صميم رواية قصة مدينتين. هكذا انطبعت الصورة في ذهني حتى قبل قراءة الرواية. وبعد سنتين من زيارة متحف ديكنز ها أنا أطوي الصفحة الأخيرة من رواية تشارلز ديكنز قصة مدينتين، ويا لها من رواية. إن بعض أحداث هذه الرواية قد جرى على أرض الواقع في هذه السنة، سنة 2011. ولكن ما يهمنا حقاً: ما هي رؤية تشارلز ديكنز للثورة الفرنسية؟ وهل هناك اتفاق أو اختلاف مع فيكتور هيجو الذي مجد الثورة الفرنسية في أدبه واعتبرها من أسمى ما قام به الفرنسيون في تاريخهم؟ هناك اتفاق عام بين ديكنز وهيجو في الفكرة بحد ذاتها، ولكن هناك اختلاف بسيط لكنه مهم بالنسبة لديكنز على الأقل. ديكنز لم يكن أقل حدة من هيجو، كلاهما أفرغا كل ما في أقلامهم إدانة للمقصلة، تلك الآلة التي اجتزت في أيام معدودة ألوف مؤلفة من البشر لأتفه الأسباب. هيجو وديكنز يحللان الأسباب المؤدية للقيام بهكذا ثورات. هيجو ينطلق فوراً للأمام بعد أن يتخلص من كل ما عبث بالماضي من انتصارات وجرائم. لكن ديكنز حذر جداً. فهو مستعد للقيام بثورة ولكن عبر القانون. حتى لو كان القانون ظالماً، يجب أن يكون هناك مكان للهجوم عليه وانتقاده وإظهار عيوبه وجرائمه. القانون ليس خالداً في العقول والقلوب إذا كان يمارس الظلم بأبشع صوره على طبقة من الطبقات، أو فئة من الفئات دون فئة أخرى. القانون في هذه الحالة جريمة حرب بحق الإنسانية، إذ ماذا يميز فئة عن أخرى إلا امتلاكها للسلطة والمال، وتتخذ كل السبل للقيام بالفلسفة الخالدة التي هي الاضطهاد. هذه الفلسفة التي تقوم على أن الاحترام الناشئ عن الخوف والعبودية سوف يبقي الكلاب خاضعة للسياط ما حجب هذا السقف وجه السماء. السلطة والمال جميلة ومبهرة في نظر العين، كما يقول الماركيز تشارلز دارني في قصة مدينتين، لكن إذا نفذت إلى ما وراء الظاهر ورأيت الأشياء على حقيقتها تحت قبة السماء وعلى وضح النهار، فعندئذ نجد أنها من برج متداع من الإسراف وسوء التدبير والابتزاز والديّن والرهن والجور والجوع والعري والعذاب.

مفردة القانون هنا ليست خاصة بالقانون العام كمادة علمية بحتة لا يتم مناقشتها إلا في قاعات الجامعات والمحاكم، بل تمتد إلى العلاقات العائلية والاجتماعية وكل مكون من مكونات الحياة العامة للفرد من لحظة صرخته الأولى حتى الممات. هذه السلسلة الممتدة للفرد من الولادة إلى الممات تمر من خلالها العلاقات العائلية، فالاجتماعية العامة والاقتصادية وقانون العمل والحوار مع الآخر والعلاقة الزوجية وعالم السياسة والحقوق ولحظة تعرف الفرد على حقوقه، ولماذا هو مميز عن الآخرين، أو لماذا يمارس التمييز ضده انطلاقا من كونه من طبقة ثانية أقل حظوة وقيمة. هذا القانون الممتد من لحظة الانطلاق حتى النهاية يجب أن لا يتوقف لأن العالم يتغير، وكلما تغير توفرت معطيات جديدة من ناحية الحقوق والواجبات. إذا بلغ الأمر درجة من العذاب لا يتحملها العقل والقلب البشري، عندها تحين الساعة التي لا مفر منها، ساعة التغيير الشامل والكامل الذي سيقضي على أرواح ظالمة وأرواح بريئة. سيساقون إلى منصة العقاب دون رحمة أو شفقة تحت نظر أو غياب القانون. ستسفك الدماء ثم يبنى الوطن من جديد بعد شهور أو سنوات من الدمار والخراب. في المحصلة الأولى، ديكنز ليس ضد الثورات، لكنه ضد الأفعال المنافية للقيم التي حملها الثوريون أو الوطنيون. ربما يعرف ديكنز ذلك أو لا يعرف، أنه حين تنطلق الشرارة هناك مكون رئيس في عامل الثورات لا يستطيع الفرد أن يتخلى عنه على الإطلاق. وهي العاطفة الداخلية للفرد. هذه العاطفة تمتلك قوة تدميرية حيث تمتزج بروح الانتقام، فتصبح العاطفة منتقمة لا تعرف الرحمة. من ذاق الألم قد تخفت عاطفته، لكن درجات الانتقام تصعد وتصعد إلى درجة يصبح تطبيق القانون فيها أمراً متعذراً ولا يصح حينها إلا الانتقام فحسب، حتى لو أدى هذا الانتقام إلى استئصال جذور عائلة بأكملها -حتى لو كان بعض أفرادها في صف الثوريين. لا يستطيع ديكنز أن يدين جذوة الانتقام الكامنة في عاطفة الفرد، لأنه لو فكر في إدانة تلك العاطفة سيدين نفسه لأنه ذاق مرارة هذه العاطفة عندما كان صبياً مجبراً على العمل في بيئة سيئة للغاية. لكنه سيدين الفعل ويهاجمه عبر القانون الذي يقدسه. فمن نتائج الدم المنسكب إلى مالا نهاية تحت المقصلة: أنه سيأتي يوم يذوق فيه الجلاد هذه الآلة. إنها النتيجة الأكثر منطقية والواضحة كل الوضوح، حول طبيعة الزرع الذي تزرعه، لن تحصد إلى ما يوافق طبيعة هذا الزرع. فالعربات والسيارات التي تقود المظلومين إلى منصات المقصلة سابقاً أو إلى مراكز الاعتقال حالياً دون وجود أسباب قانونية، لا بد أن يأتي اليوم الذي يجد فيه صاحب السلطة نفسه راكباً هذه العربة أو السيارة متجهاً إلى نفس المكان الذي ألقى فيه معارضيه، طال الزمان أو قصر، في هذه الحياة التي نعيشها، أو عند الإله العظيم.

كان الروائي والشاعر الإنجليزي صمويل بتلر يناجي أساتذة المدارس على النحو التالي: لا تنظروا أبداً إلى طفل تعس مثقل العينين، جالساً على حافة كرسي يستند على غرفة مكتبكم، دون أن تقولوا لأنفسكم: ربما كان هذا الصبي إذا لم يلزم جانب الحذر هو الذي سيخبر العالم يوماً ما أي من الرجال أكون. كان بتلر يقصد ديكنز. هو الطفل التعس المثقل العينين الذي أهمله القرن التاسع عشر، والذي أخبر القرن التاسع عشر أي نوع من العصور هو. يهاجم نظاماً كاملاً بكل تعقيداته ولا يبقي الكثير منه أو جزء منه، بل يفضل أن يهدمه ويحوله لرماد، يمكن من خلاله بناء شيء جديد: لأطفال لم يذوقوا مرارة أن يجبر الطفل على أن يعمل رغماً عنه وهو في سن مبكرة، لأطفال لا يتعرضون للتعذيب والتمزق، لشباب لا يجدون مكتسباتهم الطبيعة كما صورها الله.

هناك انتقاد دائماً ما يوجه إلى أعمال ديكنز بأنها تميل إلى الفكاهة والكوميديا. في هذا شيء من الصحة، فهو كوميدي عظيم بلا شك، لكن يجب أن يضاف إلى ذلك بأنه شاعر فذ وعميق، يرسم المشاهد بحرفية ودقة رهيبة. وحتى لو كانت بعض شخصياته تعاني من حماقة نفسية. فلننظر إلى الأفكار التي هي الأهم، وليست الشخصية بحد ذاتها. واحدة من أجمل الصورة الشعرية هي تلك التي رسم خطوطها الدكتور مانيت في قصة مدينتين، حين تحول القمر في لحظة ما إلى كائن مرعب وموحش. ثم هناك القطع الفنية في الجزء الثالث من الرواية الذي يحوي أهم ما في الرواية من نصوص تحفر في ذاكرة القارئ وتقدم له الحقيقة في أبهى تجلياتها. الحقيقة المرة التي يرفض البعض الاقتناع ويحارب البعض لإيصالها للطرف الآخر. من هذه الحقائق رسالة الدكتور مانيت التي كتبها في سجن الباستيل قبل أن يطلق سراحه، حين عاش ثمانية عشر سنة في سجن لا لشيء إلا أنه أراد أن يريح ضميره بكشف سر جريمة بشعة قام بها رجل من النبلاء، ولم يعرف بأنه سيسلخ من عمره فترة زمنية طويلة لا يرى إلا القمر من زنزانته فوق رأسه في البرج الشمالي من الباستيل. الحقائق في الرسالة موجعة، ولعلها تمارس في بعض الدول الآن حين يحدث الانتهاك وتصادر الحقوق، فيشتعل الثأر والانتقام وينتظر المحيط الصافرة الأخيرة لاقتلاع ما أمامه. هذه الرسالة أو الرواية بأكملها، أو مجمل الأحداث الماضية والحالية وما سيأتي لاحقاً مجموعة في قول ديكنز في الرواية: ازرع بذرة الظلم وحرية السلب النهمة، تحصد من غير شك الثمرة نفسها التي تتفق ونوع تلك البذرة.

21/11/2011

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب إنجليزي. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s