المراهق


في السنوات الثلاث الماضية كنت أبدأ قراءات السنة الجديدة برواية من خوالد دوستويفسكي الخمس. اخترت هذه المرة المراهق: رابع عمل من أعمال دوستويفسكي الكبيرة والضخمة. اختياري رواية لدوستويفسكي ينبع بالدرجة الأولى للثقة المطلقة التي أكنها لدوستويفسكي. إن كنت قد كرهت القراءة بسبب عمل فلوبير، فدوستويفسكي سيعيدني إلى حيوية القراءة وحرارتها وجنونها، ويا لها من لحظة رائعة حين بدأت بقراءة رواية المراهق. بعد ثلاثين صفحة أحسست بشيء غريب يشبه المس، شيء يقول أني أقرأ. أصبحت كلمة القراءة فعلاً عظيماً بعد أن تحطمت في عقلي. آمنت من جديد بقوة الكلمة وحرارتها وجمالها وسخطها وغضبها. كأني بعثت من جديد. أقرأ وأقرأ وأشارك أبطال رواية المراهق جنونهم العبثي والسخط العام والفوضى المدمرة. يبدو استخدام كلمة جنون عبثي وفوضى مدمرة وكأن الرواية تعاني من خلل كبير في بنيتها السردية. هناك شيء من هذا القبيل ولكن بصورة أخرى. الشاعر الروسي نيكراسوف حين قرأ المراهق قال: هذه الرواية مجنونة بكل ما فيها، لقد أتممت قراءتها بليلة واحدة. أما تورغنييف الروائي الروسي فوصف هذه الرواية بالفوضى المدمرة. أما دستويفسكي مؤلف الرواية فيقول في يوميات الكاتب: الشيء الأساسي في المراهق هو التفسخ الشامل، التفسخ هو الموضوع الرئيسي للرواية. كل شيء يتهاوى – حتى الأطفال! مجتمع يتحلل بالمعنى الكيميائي.

إن جمال رواية المراهق بالمقام الأول لا يعود إلى القصة الرئيسية وشخوصها والأفكار التي طرحها دستويفسكي، بل بجنونها والفوضى التي تحيط بها من كل صوب، وكأن جدار منزل يتساقط بعد كل قراءة كل فصل، حتى بعد انتهاء القراءة يجد القارئ نفسه أمام منزل محطم بالكامل، لا شيء فيه. يعود هذا الجنون أو كما يقول تورغنييف مهاجماً دوستويفسكي بأن هذه الرواية عبارة فوضى مدمرة، أقول يعود هذا الجنون إلى الفكرة التي كانت بذهن دوستويفسكي لكتابة رواية اجتماعية. لم تكن الرواية وليدة لحظة واحدة كما في الجريمة والعقاب والأبلة والشياطين, بل كانت عبارة عن قصص متفرقة ومقالات اجتماعية وفكرية قام بالربط فيما بينها وقدمها في قالب روائي ساخط ومجنون.


رغم أن هذه الرواية أقل حظاً وشهرة وقوة من الأعمال الخمسة الكبيرة إلا أنها قادرة على منازلة أي عمل من الأعمال الأدبية الكلاسيكية العظيمة لأي مؤلف آخر. صاغ دوستويفسكي الرواية عن طريق السرد الذاتي لبطل الرواية: دولوجوركي الابن الغير شرعي لصاحب الأملاك فيرسلوف، والذي يحكي سيرة حياته من الطفولة الضائعة الذليلة إلى جنون الشباب والوضع الفكري والعاطفي الذي وجد نفسه فيه، يعيش في طبقة نبيلة اشتعلت في كل أركانها فوضى اجتماعية وأخلاقية ناتجة من الوضع العام الذي كان يعصف بأوروبا وروسيا في ذلك الوقت.

بما أن الفكرة التي تحيط ببطل الرواية هي محض جنون وفوضى، الطريقة المثلى للسرد هي أن يسرد بطل القصة تاريخ حياته ليس بهدوء وثقة ويفسر ويحلل كل نقطة، بل أن يكون حاضراً في ذلك المشهد بأكمله وينقل تلك الحالة من جنونية المشهد إلى صفحات الورق: أي أن تكون كتابة السرد الذاتي محض جنون وعبث. فها هو البطل في البداية لا ينفك يطرح في تجمع فكري عام عن أن الاقتناع العقلي يولد عاطفة تناسبه. هذا الاقتناع بالنسبة له ليس مهما أن يكون مؤطراً بقواعد وأخلاقيات كونية ثابتة وعالمية، بل في الأساس الأول يجب أن يكون مقتنعاً به اقتناعاً كاملاً، أن يعتنقه ويعمل به. هناك فكرة تشغل ذهن دولوجوركي: أن يكون روتشيلد. أن يكون غنياً إلى درجة لا تعقل. ليس المهم المال هنا، المهم هو ما يتبع هذا المال: حين يكون قوياً يتحكم بكل شيء، يستصغر أي شيء أمامه، ثم يتخلى عن كل شيء إكراماً لقوته هذه ويعلن انتصاره وحضوره. العذاب الذي يسيطر على شخصية المراهق ويظهر بصورة واضحة في الحلقة الفكرية هو في الضياع الاجتماعي الذي عاش فيه البطل ولم يعرف إلى أي عالم هو ينتمي, وفي الضياع الفكري الذي زلزل الدول المجاورة وألقى بظلاله السوداء الهائلة على جمع من مثقفي البلاد. إذا حددت بصورة رئيسية الضياع الفكري، تظهر مكانة البطل في هذا العالم الذي يوصف بالإنسانية ويظهر بعض مفكريه دعوات لخدمة هذه الإنسانية. ماذا ستقدم الإنسانية إذا قدمت لها روحي, ما هي النتيجة التي ستظهر إذا أظهرت كل الفضائل وقابلني هذا العالم بكم هائل من الرذائل الهائلة والموجعة. هل من الأفضل أن يفني المرء حياته الواحدة في سبيل هذه الإنسانية التي لن تتذكره ولن تحفل به، أم يعيش حراً، ممتلكاً حريته بشكل كامل، لا يفعل أي شيء خدمة لهذه الإنسانية السوداء، ثم يبصق عليها مع دعوات لإلقاء هذه الإنسانية بأكملها إلى الجحيم؟! لديه فكرة يريد أن ينفذها، ولكن ماذا يمكن أن تكون فكرة إنسان عاش ذليلاً مهاناً، ساخطاً وغاضباً؟ إنه يريد أن يتجاوز كل الناس، يحطم الأسوار ويسحق الحجج والبراهين، أن يكون مهاباً عظيماً، لكن ما هي الوسائل لتنفيذ ذلك؟ ليس عليه سوى أن ينظر حوله لكي يقدر الدور الكبير والمهم الذي تقوم به الثورة والغنى في المجتمع.

هذه هي الفكرة التي تستولي على ذهن البطل. يختبر دوستويفسكي فكرة هذا البطل بين عالمين متناقضين: عالم الأب الغير شرعي فيرسلوف النبيل، وعالم والده الرسمي، عالم الفلاحين والقنانة. عالم لشخصية هامت لفترة طويلة في أرجاء الفكر الأوروبي، وعالم لشخصية هامت بحب الأرض ومؤمن إيمان هائل بالإنسان والدين وبالله. هذه الرواية مثقلة بالخطايا، تصرخ بالأرض، محترقة، عابثة بقلوب البشر، ثم ما تنفك أن يتحول كل شيء أمامك إلى عالم إيماني هائل بعد أن يرى الإنسان نفسه على حقيقته الواضحة كل الوضوح، متخطياً مجمل الأمراض الاجتماعية والفكرية التي ما تنفك تسحق العقل.

هناك عالمين يواجهها دولوجوركي، لكن في قرارة نفسه لا يريد سوى عالم واحد يريد أن يراه، أن يحبه، ينتقم منه، يعشقه ويقبل أقدامه، يقتله ويمشي بجنازته في الشوارع، هذا العالم هو عالم المفكر فيرسلوف: والد البطل الغير شرعي من علاقة مع والدته الفلاحة. شخصية فيرسلوف من أجمل شخصيات الرواية وأكثرها إثارة للجدل، بل هو في نظري يحتل المرتبة الأولى في الرواية، ومن الأولى أن تسمى الرواية باسمه أو باسم النبيل الروسي، لأن الرواية في مجملها دفاع عن النبلاء الروس الذين يعتبرهم دوستويفسكي المثال الأنقى للمثقفين في مواجهة التغريب وجميع الحركات الفكرية التي غزت روسيا في تلك الفترة. ما يعزز صورة بطولة فيرسلوف في الرواية هو الفكر. الجميع يعلم أن روايات دوستويفسكي هي روايات أفكار: راسكولينكوف في الجريمة والعقاب، وميشكين في الأبله، وستافروجين في الشياطين، هم مفكرين، أصحاب أفكار تحدث دوياً في مجتمعاتهم. فيرسلوف ينتمي إلى هؤلاء الشخصيات. رغم أن البطل دولوجوركي لا ينفك يطرح أن فكرة ما تعذبه، إلا أنه لم يكن صاحب فكر مثل أبيه.

يرسم دوستويفسكي صورة فيرسلوف كواحد من ثمار النبل الروسي، يحتل الفن أعلى القيم لديه ويذرف الدمع سخياً أمام كل جميل. طريقة السرد الروائي في الرواية منعت القارئ بأن يقرأ كثيراً عن أفكار فيرسلوف وازدواج الإرادة والمشاعر لديه. يجب أن يكون البطل المراهق مع فيرسلوف حتى ينقل لنا البطل في سرده الذاتي رؤية وأفكار فيرسلوف. ولو كانت الرواية تم سردها كما في رواية الأبله، لربما قرأنا الكثير عن فيرسلوف وأفكار المتناقضة. ومع ذلك، الفصل الخاص باعترافات فيرسلوف يعطي القارئ ما يريد وأكثر من ذلك. يتقابل فيرسلوف مع ابنه الغير شرعي ويتحدث عن كل ما اعتمر في قلبه طيلة هذه السنوات: عن الازدواجية في الإرادة، والحب الذي تحول إلى حب نقي وصافي، وحب جامح وقاتل وكره، أو ما يصح أن يطلق عليه بالحب الكره. رغم أن هذه المصطلح لا يصح منطقياً ولا لغوياً، لكنه عند مزدوجي الإرادة صحيح وينطبق عليهم. يبدأ فيرسلوف اعترافاته بسرد حلمه عن لوحة كلود لورين: آسيس و غلاطيا. يقول:

لقد حلمتُ بحلمٍ، وَ هذا غير متوقعٍ بالمرةِ بالنسبة لي، لأني لم أفعل شيئاً مثلَ هذا من قبل. وسطَ المعرضِ الموجودِ في درسدن توجدُ لوحةٌ للرسام كلود لورين، أعتقد اسمها كانَ -حسب ما يذكرهُ الكتالوج- آسيس و غلاطيا، وَ لكني دعوتها دوماً بالعصر الذهبي، لا أدري لماذا. لقد سبقَ لي أن رأيتها من قبل، وَ الآن، قبلَ ثلاثةِ أيام، ها أنا ألاحظها مرةً أخرى وسطَ طريقي. لقد حلمتُ بتلك اللوحة، ليسَ كلوحةٍ، وَ لكن كما لو أنها كانت شيئاً حقيقياً. كانت قطعةً من الأرخبيلِ اليوناني، كانت هناك غيوم زرقاء لطيفة، جزرٌ وَ منحدرات، ساحلٌ مُزهِر، بانوراما سحرية عبر الأفق، وَ شمسٌ غاربة تنادي. لا تستطيعُ أن تصفَها بكلمات. هنا، محفوظةً في ذاكرتِه، مهد الإنسان الأوروبي. هنا كانت أول المشاهدِ الميثولوجية، جنته على الأرض.. هنا عاشَ أناسٌ جميلون، كانوا يستيقضون من النوم ليعودوا إليه في المساء، سعداء و أبرياء. الأخاديدُ كانت ممتلئةً بأغانيهم السعيدة، أمواج متلاطمة من الطاقةِ الخالصة كانت تصبّ في الحبِ وَ السعادة البريئة. الشمسُ كانت تغسلُ تلك الجزرَ وَ البحر بأشعتِها، محتفلةً بأطفالِها الجميلين. حلم رائع ! خيالٌ متعالٍ ! أكثر الأحلامِ استحالةً، ذاك الذي سخرتْ البشريةُ جهودها جمعاء على مرِّ حياتِها، من أجلهِ ضحت بكلِ شئ، من أجلهِ صُلبَ الناسُ وَ قتلت الرسل، وَ بدونهِ لا تريدُ البشريةُ أن تحيا، وَ لا تستطيعُ أن تموت. لقد شعرتُ كما لو أني عشتُ كلَ هذه الأحاسيس في الحلم. لا أدري ما الذي كنتُ أحلم فيه بالضبط، وَ لكن المنحدراتِ وَ البحرَ وَ الأشعة الهابطة للشمسِ الغاربة- كل ذلك كان باستطاعتي أن أراه عندما استيقضتُ وَ فتحتُ عينيّ، وَ التي كانت لأولِ مرةٍ في حياتي مليئةً بالدموع. شعورٌ بالسعادةِ -لم يسبق أن شعرتُ به من قبل- سرى إلى قلبي، إلى درجةٍ شعرتُ معَها بالألم..

في مهد الفكر والفن الأوروبي يحلم فيرسلوف المرتحل من الأراضي الروسية الباردة بخير الإنسان وجماله، بحقيقة أن هناك هدف له، الفرنسي قد يكون فرنسياً فقط، والألماني يكون ألمانياً وفقط، أما الروسي – الطبقة التي ينتمي إليها – أفكارهم تشمل هؤلاء جميعهم، تشمل الأوروبيين وغيرهم، يعتبر الفن والحجارة وهذا الفن الذي آن له أن يندثر أعز عليه من محبة أصحاب هذا التراث له. قبل الحلم هناك حياة بأكملها ولحظات من الشعور والعاطفة. وبعد الحلم هناك الواقع والحقيقة وثورات الشعوب. يستيقظ هذا المفكر الحالم على تلك الشمس الغاربة في آخر أيام الإنسانية الأوروبية، فوق أوروبا كلها كانت تسمع نواقيس جنازة، كل العالم القديم انقضى تحت أصوات البارود، تشتعل الأرض بحرارة، لكن هذا المفكر بمثالية عجيبة يرفض كل هذا دفعة واحدة، كممثل للفكر الروسي الرفيع يستطيع المصالحة بين جميع الأفكار المتعارضة مصالحة شاملة: فرنسي مع الفرنسيين، ألماني مع الألمانيين، يوناني مع يونانيي العصر القديم، لا يشبه أحد.

هناك تناقض هائل ومرعب في شخصية هذا المفكر. فهو يتحدث بمنطق رغم التعارض الهائل في الأفكار. وهنا بالتحديد يعود دوستويفسكي ليطرح سؤاله الأساس والذي يتكرر في جميع خوالده الخمس: هل تؤمن بالله؟ هذه ثيمة يفضل دوستويفسكي طرحها بكثرة بعد خروجه من السجن وتجدد الإيمان بداخله. رغم أن الحوارات الدينية في الأعمال الثلاث السابقة كانت حارة ومشتعلة دينيا إلا أنه يطرح الفكرة الأكثر شهرة في أعماله في رواية المراهق: هل يستطيع الإنسان أن يحيا بدون إله؟ رغم أن فيرسلوف مؤمن بالله، إلا أن إيمانه إيمان مختلف، هو مؤمن بالله كمثل إيمان الفلاسفة، لا يؤمن بالدين، وينتصر للفن والجمال الذي يجد فيه تجليات الله. تبدو هذه الفكرة رائعة، أن يطرح المؤلف شخصية مفكرة متناقضة تناقضاً صارخاً ذات جانب ديني وجمالي صارم، ولكن دوستويفسكي لا يريد لهذه الشخصية أن تبقى، أن تعلن انتصارها وتحقق ما تريد. ليس مثل هذه الشخصية يريد دوستويفسكي أن يكون النبلاء، بل يجب أن يعودوا إلى الأرض وحرارة الأرض: أي إلى الدين الذي يؤمن به الإنسان البسيط. من أجل ذلك يقذف دوستويفسكي شخصية بطله فيرسلوف في أزمة أخلاقية تتعلق بحقيقته الاجتماعية وعواطفه المزدوجة ومشاعره المتناقضة والصارخة. فهو يحب كاترين نيكولايفنا بشغف ووله، ويحب أم المراهق بدافع الشفقة. يجب أن يختار بين الاثنين حتى يكون إنساناً واحداً، بفكر واحد، لا شخصيتين في جسد واحد. ما أروع هذا التحليل النفسي الضخم لشخصية فيرسلوف. هذه هي العبقرية التي أقدسها واعتبرها قمة العبقرية. من أين تنبع فكرة التناقض والإزوداجية في فكر الإنسان: هل الروح الإيمانية لها طرف موجه وذات تأثير، أم هي العواطف الهائلة التي تحدث تحت تأثير صورة جمالية هائلة تخطف الأبصار وتعبث بالروح!

دوستويفسكي لا يجيب عن ذلك ولا يفسر هذا التناقض، بل يدفع ببطله إلى الحد الأقصى من التناقض حتى يجد نفسه بنفسه ويتضح كل شيء أمامه كالشمس المشرقة. هنالك شمس مشرقة هائلة في الرواية, روح شرقية دينية صافية كالماء، هو الشيخ الفلاح والد المراهق الرسمي، الذي يؤمن بأن هناك سر في هذه الحياة، ليس سراً واحداً، بل أسرار. كل شيء سر كما يقول، كل عشبة وشجرة و كل طير يغرد، كل نجم متلألئ في الليل، ذلك كله سر، أسرار ترهب القلب وتثير فيه العجب، لأن يوجد سر فذلك أجمل: “أن يعيش المرء بدون إله فذلك عذاب. الإنسان لا يستطيع أن يعيش بغير سجود. بغير سجود لا يمكن أن يحتمل الإنسان نفسه.”

قارئ دوستويفسكي قبل أن يستمتع بالرواية والحوارات، يستمتع بالقصص المحكية داخل العمل الأدبي. هذه القصص الصغيرة تفوق أحياناً بنية الرواية نفسها، فمثلاً في الجريمة والعقاب هناك مشهد حلم راسكولينكوف حول الحصان القتيل. في الأبله هناك قصة الطفلة ماريا التي كانت تُقذف بالحجارة وأضحت قديسة يحبونها الأطفال بعد عذاب هائل. أما في المراهق فهناك قصتين لهي جديرة أن يشارك القارئ أبطال دستويفسكي البكاء. البكاء على هذا الواقع المحزن والمحطم. لقد تساءلت سابقاً لماذا أقول أن واقعية هذا المشهد رائعة ومذهلة رغم أني أكره المذهب الواقعي الأدبي كما في مدام بوفاري؟ السر في المحتوي، في الطريقة وإظهار عذاب النفس. في واحدة من أروع فصول الرواية تأتي أم المراهق صوفيا لزيارة ابنها في معهد توشار، طلاب المعهد يعيرون المراهق بابن الزنا، ويحاول المدير أن يجعل من المراهق شخصاً حقيراً وذليلاً. هذا الفصل هو من روائع الأسلوب الواقعي السايكولوجي الشاعري، حيث يلقي الضوء على أصدق درامات الواجدان البشري. هو ذاته المرض بعينه الذي يقود الإنسان إلى حتفه مباشرة. هو نفسه المرض الذي قاد الفتاة أوليا إلى الانتحار في أولى القصص المحكية في الرواية. وهذه الشخصية “أوليا” ليست شخصية رئيسية، بل ليست فرعية حتى، هي فتاة فقيرة تعيش مع أمها، نشرت إعلاناً تعلن فيه استعدادها للتدريس بمقابل مالي. يحاول أن يستغلها أحد السافلين فتثور لكرامتها، ثم يأتي فيرسلوف فيكرمها بمبلغ مالي دون أي خدمة. ها هنا تظهر العبقرية بكل تجلياتها. إذا قلت أن الفتاة انتحرت حتى لا يتهمها أحد في شرفها، رغم أن ذلك لم يحدث، هل سيكون حديثي هنا واقعياً وطبيعياً؟ سوف تطرح الأسئلة: لو كانت مؤمنه لما انتحرت، أو لو لم تكن واثقة من نفسها لما انتحرت، ثم لماذا تنتحر من مجرد أقوال لم تصدر حتى ولم يعرف أحد عنها شيء؟ هنا تتكشف العبقرية. ليس الذين فقط لا يؤمنون هم الذين ينتحرون، بل حتى المؤمنين منهم ينتحرون، لا عن شعور بانهيار قيمة الإيمان في داخلهم، بل لعدم مقدرتهم على التحكم بعواطفهم. توقف العقل عن التفكير، لم يعد له دور في تبيان الحقيقة. أصبح العقل مغلف بطبقة سميكة من السواد أغلق كل الطرق لأن تسير الحياة بطبيعتها. إنه مرض يكتسح العقل، وليس انهيار. أيكون الانتحار طرق للحياة؟ لا أحد يفكر بذلك. ولكن دوستويفسكي يجعلك تفكر بهذا. ما أن تفرغ من قراءة هذه القصة ذات الصفحات العشر في رواية المراهق حتى تفكر: لماذا؟ .. كيف بعشر صفحات فقط أن تكون بمثابة قوة هائلة تفوق قوة الرواية نفسها! إنه أمر غريب! ولا أصدق أن أراه يتكرر في أعمال مؤلف واحد فقط. الشاعر الروسي نيكراسوف الذي نشر الرواية في جريدته الرسمية قال عن هذه القصة القصيرة أنها بلغت قمة الكمال الأدبي والفني.

قصة أخرى كذلك، ولكن هذه المرة على لسان الشيخ الفلاح، والد المراهق الرسمي. لو لم تكن القصة غير موجودة في الرواية لقلت بأن كاتبها هو تولستوي بعد مرحلة الاعترافات. إنها قصة شعبية عن رجل أعمال جشع وطاغية يكون السبب الرئيس في وفاة رب عائلة وخمسة من أطفاله، يتبقى لدى هذه العائلة طفل واحد والأم، فتذهب الأم تتوسل هذا الطاغية أن يبقي على هذا الفتى ولا يمسه بسوء. لم يتعظ ولم يدخر هذا الرجل وسيلة من وسائل الطغيان إلا ويستعملها، فيقذف الرعب في ذهن هذا الفتى الصغير، فيقتله دون إرادة منه ودون رغبة أكيدة في القتل. فيظهر هذا الفتى في خيالات رجل الأعمال، في أحلامه ويقظته حتى ينغص عليه حياته. أصبحت حياته غير محتملة، يبحث عن وسيلة للخلاص، ولا يجد للخلاص طريقاً إلا عبر المتبقي من هذه العائلة المنكوبة: الأم.

أعشق في الأدب وتحديداً في النصوص الأدبية لحظات خروج المؤلف عن النص ويتحدث عن نفسه أو عن ما يعشق أو قد يقوم بانقلاب فيشارك مع القارئ القراءة، قراءة النصوص الأدبية ويسقطها على أبطاله، كما في رواية التشيكي ميلان كونديرا الخلود. قد يقال أن هذه رواية حداثية، نعم هي حداثية وجميلة، ولكن عندما أرى التجليات التي يعرضها دوستويفسكي في فنه أجده سبقهم بمراحل، وصل إلى مرحلة من المراحل لم تكن لتظهر في ذلك العصر. من التجليات التي يعرضها دوستويفسكي داخل فنه في هذه الرواية هو دور دوستويفسكي كقارئ، يقرأ الآداب العالمية ويتفاعل معها. هذه التجليات ربما يتم تحييدها من قبل بعض الأدباء الروس كتولستوي وتشيخوف وحتى غوركي، لكنها عن دوستويفسكي يجب أن تعرض ولها مكان رئيس. مثل اللحظات الأخيرة قبل الإعدام في الجريمة والعقاب، وحالة الصرع في الأبله. في رواية المراهق يغلب عليها دور دوستويفسكي كقارئ، يتحدث أبطال الرواية عن الروايات التي أحدثت أثراً بداخلهم. قبل أن يكتب دوستويفسكي المراهق تم زجه بالسجن في السجن لمدة أسبوع بسبب الديون. في فترة السجن هذه قرأ رواية البؤساء للعظيم فيكتور هيجو مرة أخرى. ها هو المراهق يذكر هذا الأثر الفني الخالد الذي يغرس الألم في داخل الروح، ثم ينتقل إلى غوته ويفكر أحد أبطال الرواية بتأليف أوبرا مستمدة من مسرحية فاوست لغوته، فيرسم لوحة موسيقية كبيرة عبر كلمات غوته، ثم يصل أخيراً إلى تشارلز ديكنز ويذكر كيف كان المراهق يقرأ مع شقيقته رواية متجر الأعاجيب القديم. ولكن هذا التصور لرواية ديكنز، وهذا التجلي ليس سرد يتحدث فيها دوستويفسكي عن الرواية سرداً جافاً, بل قراءة أدبية تصلح لأن تكون خاتمة لرواية ديكنز، كما في هذا النص:

لا شك أنك تتذكر ذلك الجزء من أواخر القصة، الذي نراهما فيه، ذلك الشيخ المجنون وتلك البنية الصغيرة، حفيدته، التي عمرها ثلاثة عشر سنة، نراهما، بعد هروبهما العجيب وتجوالهما الطويل، يجدان ملجأ يأويان إليه بمكان في أقاصي انجلترا، قرب كاتدرائية قوطية قديمة، وترى البنت الصغيرة تحصل هناك على وظيفة دليل وتري الزائرين الكاتدرائية. في ذات يوم تغرب الشمس، فإذا بالطفلة، الواقفة في فناء الكاتدرائية وقد غمرتها أواخر أشعة النهار، إذا بها تنظر الشمس الغاربة وقد امتلأت نفسها، نفس الطفلة، نفسها المدهوشة، امتلأت تأملاً هادئاً وتفكراً عميقاً، كأنما هي تقف أمام لغز من الألغاز، لأن الشيئين كليهما، الشمس التي هي فكر الله، والكاتدرائية التي هي فكر البشر، إنما هما لغزان حقاً … أليس هذا صحيحاً؟ آه, إنني لا أجيد التعبير، ولكن الإله يحب هذه الخواطر الأولى التي تملأ نفوس الأطفال. وهناك، على مقربة منها، فوق الدرجات، كان ذلك الشيخ المجنون، جدها، يتأملها بنظرة جامدة، صحيح أن هذا كله ليس فيه شيء خارق، هذا المشهد الذي رسمه ديكنز، ولكن المرء لا يمكن أن ينساه. وفد بقي في أوروبا كلها. لماذا؟ لأن هذا هو الجمال. لأن في هذا براءة. كنت واقفاً مع أختي ذات يوم نقرأ هذه الرواية تحت أشجار الزيزفون في دارنا، وكانت الشمس تغرب أيضاً، فإذا نحن ننقطع عن القراءة ويقول كل منا للآخر: نحن أيضاً سنكون خيرين، سنكون جميلين ..

31/1/2011

Advertisements
هذا المنشور نشر في فيدور دوستويفسكي, أدب روسي. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s