موبي ديك: سورة غضب وقصيدة ماء

رواية موبي ديك هي أعظم نص روائي كُتب عن الماء. وهيرمان ملفيل (1819-1891م)، الروائي الأمريكي الكبير، هو أحد أكثر الروائيين الكلاسيكيين الذين استطاعوا الكتابة عن الماء بمقدرة عظيمة ما لم يستطع أي من أقرانه فعل ذلك. استغرب من الفيلسوف الفرنسي جاستون باشلار عندما كتب كتابة الماء والأحلام، لماذا لم يستعن برواية موبي ديك في بحثه عن شِعرية الماء؟ استعان في كتابه هذا بصور شعرية وأدبية من شكسبير وإدغار آلان بو وفيكتور هيجو. ولم يتجه إلى موبي ديك ولو بسطر واحد!. أزعم بأني أعرف السبب. فلو استعان باشلار في بحثه الفلسفي عن الماء بهيرمان ملفيل وروايته موبي ديك لوجد نفسه في مساحة هائلة لا يستطيع الفكاك منها. أو بمعنى أصح: سوف يحرق أوراق بحثه ويعلن أن هذه الرواية هي أعظم قصيدة شعرية ملحمية عن الماء. الماء المحيط. والماء السرّ، والماء الأم، والماء الضياء، واللغز، والحقيقة، والوجود، والإنسان.

كل ما قرأته عن الماء شعراً ورواية وفلسفة وجدت أعظم منه في موبي ديك. لم يكن النص يحمل هذه القوة المذهلة لولا تلك الطريقة الرهيبة في سرد الرواية. أزعم أن سرد رواية موبي ديك سرد عظيم وفني مبهر ومختلف. العظمة الفنية في هذا السرد أساسها هذا السر المحيط بسرد الرواية. فمنذ البداية يظهر لنا بطل الرواية الذي لا وجود حقيقي له في النص، إسماعيل، يسرد لنا قصة البداية من شاطئ نانتكوت حتى اللحظة الأخيرة من الكتاب، يحكي قصة موبي ديك والقبطان إيهاب وسفينة الباقوطة. ولكن وجود إسماعيل، سارد الرواية يتعرض للتحطيم في الفصل الذي كتبه المؤلف من أجل قتل بطله الحقيقي الذي تخيله في اللحظات الأولى من كتابة الرواية. في هذا الفصل حصل تدخل من المؤلف وكأننا أمام نوع من التدخل الشخصي للمؤلف في سرد الرواية. ثم نجد أننا أمام سارد عليم يبحر في شخصيات الرواية. وسارد آخر أعظم منه يفتح ملفات التاريخ والأساطير والعلوم والقانون والدساتير ليجد القارئ نفسه أمام أنواع عظيمة ومبهرة من السرد تبدأ من فصل وتنتهي في فصل آخر، ثم تتوالى تلك الطرق المختلفة من السرد حتى نجد أنفسنا أمام السارد الأعظم في الرواية، والمحيط!

هيرمان ملفيل يبني في هذا المحيط المائي الهائل بنيان روايته القائمة على المعركة بين فرد من أبناء البر، وكائن بحري عتيد. القطب الأول في هذه المعركة وبطل الرواية الرئيس هو القبطان أيهاب، قبطان سفينة الباقوطة التي تم تحديد مهمتها من قبل ملّاك السفينة باصطياد الحيتان والانتفاع من زيت العنبر. كان لملاك السفينة ثقة مطلقة في القبطان أيهاب الذي يوصف بأنه الرعد، وسيد البحار والملك المتوج على المحيطات والحيتان. ولكن أبداً، ملاّك السفينة الأرامل والأطفال لا يستطيعون الدخول في عمق النفس البشرية ليعرفوا أهواءها والجحيم الذي تستعر بها. خرج القبطان أيهاب بصحبة بحارته وفي ذهنهم أن هذا الأمر هو الذي سيتم، أي اصطياد الحيتان. ولكن أيهاب، كان له هدف آخر من هذه الرحلة. في إحدى رحلاته الماضية وهو يصيد الحيتان، وجد أمامه كائن خالد لا يستطيع إزاحته. حوت أبيض كأنه الرخام، يحمل على جسده تاريخ التحويت: رماح وجثث وقتلى ودماء. كان لأحد قادة التحويت في تلك الأيام الرغبة الهائلة في المجد وتحقيق فرديته بتحطيم هذا الملك المتوج على البحار. انقض برمحه على الحوت وسعى في حنق عشوائي بشفرة تبلغ ست بوصات إلى أن يستل حياة الحوت الأبيض من أعماقه السحيقة، ثم حدث الشيء الذي غير كل شيء. طوّح الحوت الأبيض، – موبي ديك – فكه السفلي الذي يشبه المنجل وحصد به رجل أيهاب كما يقتص الحصّاد سنبلة من الحقل. فأضحى القبطان أيهاب برجل واحدة: يسعى بين البحار والمحيطات وهو لا يفكر إلا بشيء واحد: هو هذا الكائن الذي جعله في حالة يرثى لها من البؤس. الكائن الذي أخذ منه ما هو مهم لكل بحار، أصبح يحمل عاهته هذه أمام الناس والبحارة والموانئ كتحذير وإشارة بأنه يستطيع صيد أي حوت، لكن لن يستطيع مجرد التفكير بأن يعيد تلك الكرة مرة أخرى مع الخالد الهائل موبي ديك: الحوت الأبيض. ولكن الحوت لا يتعامل مع كائن لا يعقل! ها هو أيهاب يشاهد عدوه وهو يسير أمامه بعدما اقتص من جسده. لم يسجد أمامه خاشعاً. ينمو حقد إيهاب ويزداد ضغينة تجاه موبي ديك الذي كان مسئولا عن مصابه الجسماني كله وعن مرارة الحزن التي استولت على عقله وروحه. اشتعلت في نفسه الثورة الناقمة عليه وهو يتلمس مدى التشويه في جسمه وروحه. رأى هذا القبطان ذو الرجل الواحدة كل ما يثير الجنون ويستفز العذاب، وكل حقيقة يستكين فيها الحقد وكل ما يحطم القوى العقلية ويشوي الأدمغة، وكل ضروب الشيطان الماكرة التي تعيش في الحياة والفكر، رأى كل هذا، أي كل الشرّ مجتمعاً قد تمثل كائناً مرئياً يمكن له أن ينقض هاجماً عليه في صورة موبي ديك. وفوق جسد الحوت الأبيض، جمع القبطان إيهاب كل الغضب والكره اللذين جريا في نفوس بني جنسه منذ عهد آدم ثم فجر قنبلته الملتهبة على ذلك الجسد. هذا المسّ، وهذا الجنون، وهذا الغضب الهائل المرعب، لم ينشأ هكذا دفعة واحد. كانت كبذرة صغيرة، ثم أصبحت بعد سنوات شجرة ضاربة في الأعماق: جذورها الألم، وأوراقها الغضب والكره والحقد والانتقام. بعد أن فقد رجله لم يشعر إلا بالتمزق الجسدي المؤلم ولا شيء سواه. غير أن أيهاب حين أجبره الفقد المؤلم للعودة نحو الوطن، وحين استلقى هناك أشهراً طويلة ممداً هو والعذاب في أرجوحة واحدة، في ذلك الوقت، ( ويا لبراعة التحليل السيكولوجي التي يمتلكها ملفيل!) أقول: حدث نزيف في أيهاب. نزيف مختلف وفريد. تسرب النزيف الدموي في جسد أيهاب إلى روحه الجريحة، وتمازج النزيفان معاً، فجعل اختلاطهما اختلاطاً مجنوناً، وغاص في عمق أيهاب الذي أصبح صامتاً كأن لا ألم يسكنه. لكن غضب وجنون أيهاب لم يهدأ، وإنما انكمش وغار في أعماق سحيقة في روحه، واستولى عليه الجنون وأخذه أسيراً نحو هدفه المنشود: موبي ديك، وأصبح يمتلك أضعاف القوة التي كان يمتلكها إبان تعقله قبل أن يخسر جزء من جسده. ومن أجل هذا الغضب والانتقام الذي يجب أن يخرج من روح أيهاب، سوف يبحث عن الحوت الأبيض موبي ديك، وسيطارده حول رأس هورن وحول الدوامة النرويجية وحول شعلّ الهلاك والدمار، سيغزو المحيطات من جديد وسيرسم خارطة يتوقع فيها أين يتجه هذا الحوت وأين سيصادفه، وإذا واجهت الريح سفينته ومنعته من الإقدام على عمله الجنوني، سوف يقف في وجه الرياح، ويهاجمها ويطلق كل جنونه حتى يطوّح برمحه الذي بناه من الصلب والدم، رمحاً هائلاً لا هدف له إلا جسد موبي ديك الذي آن له أن يهتز ويرتعد. وتسير الرواية في هذا الشأن.

هذه القصة بطابعها الثأري الغاضب من الممكن طرحها في مائة صفحة أو مائتين بالكثير. ولكن هيرمان ملفيل يعطي هذه القصة التي تدور في المحيط أبعاداً أخرى، فنرى هناك أبطال آخرين: هي النصوص العلمية والفلسفية والدينية وشتى العلوم الإنسانية التي زج بها ملفيل في روايته هذه إلى درجة من الممكن وصف هذا الكتاب بموسوعة الحيتان، وهي إلى ذلك قصيدة جميلة ومرعبة للماء الذي يتشكل طبقاً لما يجده المرء فيه. إن أيهاب الذي كان يحمل فكرة الانتقام تلك في روحه وعقله كان يجد المحيط محارباً ومبارزاً له. إلى أن حدث التحول الرهيب -غير المؤثر- في نفس القبطان أيهاب في فصل السيمفونية، وقبل المعركة الفاصلة بين أيهاب والحوت. هذا الفصل ضربة معلم من هيرمان ملفيل. طوال صفحات الرواية لا يجد القارئ أمامه إلا كائن إنساني غاضب بلغ منه الحقد والكره والثأر درجة لا يمكن من خلالها طرح شبيه له للتدليل عليه. فكل هذه العواطف البشرية المدمرة امتزجت فيما بينها مع تصميم نهائي على الحرب والانتقام. أليس أيهاب إنسان في الأخير؟ ألا يحق له أن يصل إلى هذه الدرجة من الحقد والكره! ولكن أين أيهاب الآخر؟ أيهاب الإنسان العادي الذي يحب، ولديه طفل ومتزوج، أيهاب ابن البر لا ابن البحر؟ هذا ما كشفه هيرمان ملفيل ببراعة أدبية تشبه ما يتميز به أدب تلك الفترة الرائعة من كشف لأغوار الإنسان السحيقة. ولن تظهر حقيقة ما يكنه أيهاب من مشاعر طيبة وجميلة إلا أمام الماء. الماء نفسه الذي كان غاضباً ومبارزاً له طيلة السنين الماضية، تحول في طرفة عين إلى الكاشف الأكبر للروح العذبة في نفس أيهاب. كان المحيط مسايراً لروح أيهاب. فأضحى غاضباً وقاتلاً، ينتظر الساعة التي يغرق فيها من هم أمثال أيهاب ورفاقه الثلاثة: ستاربك وستاب وفلاسك. إلى أن حدث التمرد! تمرد المحيط في يوم صافي لازوردي، فسكنت الأنفس الغاضبة وأشرقت الشمس بضياء يزف الهواء العذب كما تزف العروس إلى زوجها. وقف إيهاب الصامد في وضح الصباح على ظهر السفينة ورفع حاجباً يشبه الخوذة المكسورة نحو جبهة السماء التي تشبه جبهة فتاة شقراء. التجاعيد تحيط بوجه القبطان الشيخ وعيناه تتوهجان كأنهما جمرتان. يصرخ لا وعيه في الفضاء: آه أيتها الطفولة الخالدة، يا براءة الكون اللازوردي، أيتها المخلوقات الخفية التي تمرح من حولنا! أيتها الطفولة العذبة التي يمثلها الفضاء والسماء! .. يعبر ظهر السفينة بهدوء ويستند على حافتها. خان نفسه هنا! تطلع إلى الماء ورأى كيف يغرق خياله في الماء، ويظل يغرق ويغرق حتى تبدى له في لحظة مفاجئة الشيء السرطاني في روحه. استطاع الهواء المرح السعيد وتلك السماء الطروب أن يربتا على كتفه ويلاطفاه. قسوة الدنيا التي هزت أركانه وحطمت ذلك الجزء، أخفت قسوتها وأصبحت امرأة جميلة، وهنا فقط ولا شيء آخر، كما يقول هيرمان ملفيل:

انحدرت من تحت قبعة أيهاب المنكفئة دمعة نزلت في البحر، ولم يكن المحيط الهادئ كلّه يحتوي ثراء كتلك الدمعة الصغيرة!

إنها صورة شعرية خالصة بلا شك. دمعة نادرة تحمل ثراء أكثر من كل ماء المحيط. يختصر ملفيل هذا المحيط بأمواجه وصخبه وعنفه وجماله في دمعة إنسان واحدة، عندما توحد القبطان أيهاب مع الكون بأكمله: بأرضه وماءه. هذه الدمعة أعادته أربعين سنة إلى الوراء، عندما كان شاباً حواتا في الثامنة عشر من العمر. كانت نتيجتها أنه فارق اليابسة لأكثر من أربعين سنة: يبارز الأمواج ويصطاد الحيتان. أربعون سنة من الحرمان والأخطار والعواصف، يشن الحرب على الماء، أصبح عبداً لهذا المحيط الذي تُوج من خلاله ملكاً على الحيتان. في الوقت الذي يركب قاربه لمطاردة الحيتان، كان إنسان البر يهنئ بفاكهة طازجة، بينما هو لا يقدر إلا على الأكل المالح الجاف. وماذا كانت نتيجة كل هذه المغامرات؟ لا شيء. بل ترك خلف ظهره زوجة لا هي بالأرملة أو المطلقة. وطفل لم يتنعم يوماً بالحديث معه ومداعبته.

هذه الشعرية الحالمة ليست أدبية فقط. حالة التوحد مع الكون لم تحدث مع القبطان أيهاب. في قديم الزمان كان هناك رجل لم يتوحد مع الكون، بل هز أركان السماء وهو في ظلمات المحيط السفلى. هذا الرجل مثال حي ونادر استخدمه هيرمان ملفيل ببراعة في فصل الموعظة، حين صعد الأب مابيل في مقدمة الكنيسة. كانت مقدمة الكنيسة التي يخطب من خلالها تشبه مقدمة السفينة، فيوجه المؤمنين الذين هم على اليمين بالزحف نحو اليسار، والمؤمنين الذين هم على اليسار بالزحف على اليمين حتى يصبح الجميع في المنتصف، ثم يخطب خطبته العصماء مبتدأً بترتيلة دينية شيقة يتبعها صوته الغاضب وهو يصرخ: وأما الرب فأعد حوتاً عظيماً ليبتلع يونان ( النبي يونس ). موبي ديك رواية عن الإنسان والحوت. ولا يوجد مثال تاريخي يصلح كموعظة دينية عن المحيط والحوت والأخطار والواجبات تجاه الله مثل قصة يونس التي رسم خطوطها ملفيل في نصه هذا. الأب مابيل خطيب مفوه إلى درجة تبرز فيها تجعيدات وجه وهو يقص حكاية النبي يونس. قصة النبي يونس معروفة كما هي موجودة في النص القرآني. هيرمان ملفيل يطرح قضية يونس كحالة رعب سكنت في روح يونس وهو مغادر إلى الشاطئ ليركب في ظهر السفينة. فتميل السفينة ويثور البحر وهو نائم في إحدى غرف السفينة، فيشاهد القنديل المعلق وقد مال إلى زاوية مرعبة ويجد روحه معها معلقة مائلة لا تحمل أي قيمة ثابتة. وحين ظهر إلى السطح كانت الأمواج تصعد إلى أعالي السفينة تريد اختطافه. ثم السقوط اللانهائي في المحيط ليتلقفه الحوت، فيسجن في الظلمات: ظلمة المحيط وظلمة الحوت. ويسكن البحر ويكف عن الهياج ويحمل يونس العاصفة معه مخلفاً ماءً هادئاً وراءه. لا أستطيع أن أمنع خلفيتي الدينية من أن يكون لها مكان هنا. يقول الأب مابيل: وصلى يونان إلى الرب من جوف الحوت. تأملوا صلاته وخذوا منها العبرة. ذلك أنه وهو الآثم لم يبكي ولم يعول طالباً الخلاص الفوري. بل كان يحس أن العقوبة التي نزلت به عادلة، فهو يسلم أمره لله. حين كان الحوت قد أرسى على أقصى عظام المحيط، سمع الله من الظلمات نداء النبي التائب السجين. وأمر الرب الحوت، فجاء من العالم الزمهريري وظلمة البحر صاعداً نحو الدفء والشمس المنعشة ومتع الهواء والأرض, فقذف يونان إلى البر. وحين صدرت كلمة الله إلى يونان مرة أخرى, وكان يونان منهوك القوى، امتثل لأمر ربه. أي أمر؟ أن يصدع بالحق في وجه الباطل – ذلك هو الأمر. خطبة الأب جميلة للغاية، والنص بأكمله نص ذهبي ممتلئ بالإيمان. ولكن حين أعود إلى القرآن وأجد دعاء النبي يونس وهو في جوف الحوت، أجد النص الإلهي اختصر عذابات يونس وتوبته بهذه الدعوة التي انطلقت من أعماق الظلمات صاعدة نحو الله في علياء السماء. كانت الدعوة كما جاء في القرآن: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. هذا الدعاء جميل وأحب ترديده بيني وبين نفسي. ولكن في حالة يونس يظهر لنا النبي السجين وهو موافق موافقة تامة على ما جرى له. فلم نجد الله يذكر أن يونس قد ألح عليه بالخلاص وتخليصه من سجنه في أعماق المحيط والحوت. عبر دعوته وحد الإله وسبح له واعترف بأنه ظالم لنفسه. لم يوحد الله ويسبحه ويعترف بأنه ظالم كما جاء في القرآن وحسب، بل سلم أمره بالكامل لله، ليفعل به ما يشاء، فهو قد قبل هذا الأمر بالسجن في أعماق الظلمات. أظن أن هيرمان ملفيل وجد في يونس قصة مناسبة بما أن موضوع الرواية الإنسان والحوت، لكنه تناسى شيئاً كان سيعظم من شأن هذا النص بدرجة عالية، ألا وهو الحوت!. كتب ملفيل عن الحيتان بصور جميلة إلى درجة وصف فيها أحد الحيتان بقابيل، وأحد الحيتان الأخرى بأنه يمثل الفلسفة اليونانية، وفتح الباب واسعاً لعالم الصداقة والزواج في عالم الحيتان، ولكن لم يفكر لوهلة بتسبيح الحيتان وهي تمجد الله في أعماق المحيطات. وأظن أن ملفيل لو كان بيننا هنا، لقام بإقتباس حكاية حوت يونس في قصة اختفاء الحاكم بأمر الله للكاتب عدي الحربش.

في الزمن الحالي أضحت مهنة صيد الحيتان مقننة. وهناك قوانين تمنع صيد الحيتان وتدعو إلى المحافظة عليها، بعكس القرن التاسع عشر وما قبله حين كان التحويت مهنة رائجة وعظيمة. هل مهنة صيد الحيتان جريمة أو لها فوائد ومميزات عظيمة؟ يكتب المؤلف في فصل دفاع عن التحويت موجها حديثه لقارئ الرواية بأن من هو مقتنع بأن مهنة صيد الحيتان لا تشتمل على ما هو شريف رفيع من الناحية الجمالية: فإنه – أي المؤلف – على استعداد ليحطم في مبارزة القارئ خمسين رمحاً حول هذه النقطة، وينزل القارئ عن جواده كل مرة وخوذته قد شقّت لنصفين. يبدو المؤلف متطرفاً هنا، فهو يعلنها بكل صراحة بأن مهنة التحويت هي جامعة تنافس الجامعات الشهيرة ك هارفارد وبيل. وإن كان من أسباب لهذا الرأي فهي كالتالي كما يقول: أي فيلسوف من الفلاسفة الكبار لن يستطيع تقديم أي حدث أثر في القرن التاسع عشر وما قبله أكثر من مهنة التحويت التي ولدت على نحو أو آخر أحداثاً هامة في ذاتها. مثل اكتشاف الأراضي المجهولة مثل استراليا التي اقتحمها صائد للحيتان، واكتشاف بحار وأرخبيلات لا خرائط لها. وإذا كان المحاربون الأمريكيين والأوروبيون يسيرون بأماكن فيما كان يُعرف بأنها موانئ للمتوحشين، فعليهم أن يطلقوا نيران مدافعهم تحية شرف لسفينة التحويت، فهي مهدت الطريق من البداية، وهي التي مهدت لحروب التحرير في بيرو وتشيلي وبوليفيا من نير أسبانيا :

ولكن آه من العالم!

قراءة الرواية كانت صعبة نظراً لبعض الكلمات والأوصاف من مهنة التحويت. ورغم ذلك، لو قدر لي أن أضع هيرمان ملفيل في مكانه يستحقها، لن يكون إلا مع الأدباء الكلاسيكيين العظام الذين استطاعوا بمقدرة فذة الغوص في أعماق النفس البشرية أمثال تولستوي وفيكتور هيجو وتولستوي وإدغار آلان بو. هو لا يقترب منهم. بل يقف معهم: الند للند.

الرواية يجب أن تترجم مرة ثانية إلى العربية، بخلاف الترجمة المتوفرة حالياً والتي قام بها الدكتور إحسان عباس عام 1956م. لا أريد أن أبخس المترجم حقه هنا، لقد اجتهد ليطوع هذا النص الصعب إلى اللغة العربية. ولكن ظهر لي في النص صعوبة في بعض الجمل وترابطها وطريقة تركيبها. في الفصول التي يكون فيها حوار بين أبطال الرواية كانت الترجمة واضحة والجمل مترابطة. ولكن في الفصول التي يبحر فيها المؤلف في القوانين والدساتير والديانات والفلسفة والعلوم الطبيعية،- وهي أهم الفصول- هناك بعض السلبيات التي يجب أن يتم تداركها. ورغم هذه المصاعب إلا النص بشكل عام جميل ومميز.

28/7/2010

Advertisements
هذا المنشور نشر في أدب أمريكي. حفظ الرابط الثابت.

4 Responses to موبي ديك: سورة غضب وقصيدة ماء

  1. جاكيولا كتب:

    نتمنى ان نعرف اسم كاتب المواد في هذه المدونة للأشارة اليه في حالة الاقتباس مع التقدير

  2. SOHAIB كتب:

    لم اقرا رواية اجمل من هذه

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s